أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الثالث















المزيد.....



وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الثالث


كاظم المقدادي
الحوار المتمدن-العدد: 299 - 2002 / 11 / 6 - 00:22
المحور: الطب , والعلوم
    



دراسة
وكالات  الأمم المتحدة المتخصصة
وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب

-  القسم الثالث  -

الدكتور كاظم المقدادي*

 

معايير الإشعاع
 

      تعتمد حاليا معايير لتحديد " نسبة الإشعاع المحتملة"،التي لا تؤذي الجسم البشري.وهي معايير ليست دقيقة وقديمة جداً.عن هذه المعايير يقول روبير ج. بارسون انها قد حددت انطلاقا من الدراسات التي قامت بها  "لجنة دراسة نتائج القنبلة الذرية " التابعة للبنتاغون على الناجين في ناغازاكي وهيروشيما. وهي دراسات كان هدفها الأهم إن لم نقل الأساسي هو تحديد فاعلية القنبلة كسلاح حربي. وقد بدأت تلك الدراسات في عام 1950، ولم تنشر تفاصيلها إلا في العام 1965، في وقت كان قد توفي فيه عدد كبير من الضحايا الذين نجوا في بادئ الأمر بعد عمليتي القصف. أما المجموعة التي أجريت الدراسة عليها فقد كانت من الشباب الرياضيين ذوي الصحة الجيدة نسبيا ولم يكن بينهم أشخاص من المعرضين،المهددين بشكل خاص، لنتائج الإشعاع المشؤومة، مثل الاطفال والنساء والعجزة. وقد أنجزت تلك الدراسات على الناجين بشكل سريع، من دون انتظار تطور الحالات السرطانية التي تستغرق عشرات السنين كي تنكشف، ثم أن الذين قاموا بها كانوا فيزيائيين غير مؤهلين للدراسات البيولوجية. وهؤلاء كانوا يجهلون في تلك الحقبة وجود ألـ DNA  وبالطبع طريقة عمله، ولم يكونوا قادرين على التمييز بين النتائج الصادرة عن انفجار وحيد فوري وعنيف ونتائج الإشعاع الذاتي البطيء والمستمر كتلك الصادرة عن جزيئات اليورانيوم المنضب، التي تدخل الجسم عن طريق التنفس والبلع أو الجرح في الجلد[1].

    وظل يزعم اللوبي النووي على الدوام بأن تأثيرات الإشعاعات الضعيفة هي "من الضآلة بحيث لا تستدعي الدراسة" !!. فعمموا حكمهم هذا إذاً انطلاقا من تأثيرات لحظت اثر عملية إشعاعية عنيفة ( هيروشيما وناغازاكي)، ووفق هذا المنطق إذا أصيب بالمرض 1000 من الناجين الذين تعرضوا لاشعاع بنسبة 100 (الأرقام اعتباطية) فان 500 يمرضون إذا تعرضوا لنسبة 50 ، وواحد فقط عند نسبة 0,5 ، والنتيجة انه تحت هذه النسبة لا أحد سيتعرض للأذى!![2]. والحال أن الباحثة الإنكليزية أليس ستيوارت، ومن خلال دراسة أجريت على أطفال ولدوا من أمهات صورن بالأشعة أثناء الحمل، قد برهنت على خطر التعرض للإشعاع الخفيف على الجسم البشري. وتوصلت في السبعينات الى النتائج نفسها في دراسة على العاملين في معمل لصناعة الأسلحة النووية في هانفورد في الولايات المتحدة. وفي عام 1998 نشرت بالاشتراك مع جورج دبليو نيل دراسة تقويمية جديدة ومعمقة حول الأبحاث التي أجريت على الناجين في عام 1945،كشفت بطريقة مفحمة المغالطات في الدراسات التي شكلت قاعدة لاعتماد المعايير الحالية[3]. وهي المعايير نفسها التي سمحت لمذكرة منظمة الصحة العالمية بالتكلم عن " مقادير يومية مقبولة " تنطبق على الأشخاص المعرضين لليورانيوم المنضب[4]. وفي اتجاه ستيوارت ونيل نفسه تأتي أبحاث الدكتور كريس بسبي ، وهو باحث انكليزي صاحب العديد من المؤلفات حول تأثير الإشعاعات الضعيفة. وهي أعمال أثارت استياء "المؤسسة" النووية. فقد شرح الآلية التي يعمل بها الإشعاع الضعيف الداخلي والمزمن للفتك، بطريقة منظمة، بـDNA خلايا الجسم، مسببا تغيرات ذات أساس سرطاني[5].

   وقد خفضت هذه المعايير الدولية من قبل اللجنة الدولية للوقاية من الإشعاعات، وهي الوكالة التي كلفت وضع هذه المعايير، والتي طبقتها في ما بعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما حدث في أعوام 1965، و1986 و1990. وقد خفضت النسبة المسموح بها 5 مرات أبان إعادة النظر التي أجريت عام 1990.

 ومع ذلك فان الولايات المتحدة لم تقبل قط بهذه المراجعة مما يعني أنها تزعم أن جنودها خلال حرب الخليج قد تعرضوا لنسبة "أمينة" من الإشعاع، مع أنها أعلى 5 مرات من تلك المقبولة في سائر العالم[6] .

   للتأكيد على خطورة الإشعاع والسموم التي أطلقتها قذائف اليورانيوم المنضب، نشير هنا الى أن البرفسور دوج روكه، الذي كان رائداً في الجيش الأمريكي، وكلف من قبل البنتاغون  بتنظيف ونقل دبابات أمريكية الى الولايات المتحدة، أصيبت بالخطأ( من قبل "قوات صديقة") بذخيرة اليورانيوم المنضب، فأنجز وفريقه المهمة، ولم يكن يعلم أحد منهم بتلوثها باليورانيوم، فأصيب شخصياً بجرعة إشعاع 5000 مرة أكثر من الحد المسموح به، نتجت عنها أمراض عديدة خطيرة، وينتظر حتفه بين يوم واَخر.وقد توفي العديد من فريقه  بالسرطان. وأكد الطبيب الأميركي دوغلاس روك،الذي عمل مع قوات التحالف الدولي إبان حرب الخليج عام 1991،حيث شهدت استعمال ذخيرة اليورانيوم المنضب لأول مرة، بأن 20 % من الفريق الذي كلف بإزالة الدبابات التي دمرت بذخيرة اليورانيم المنضب، قد توفوا، بينما يعاني البعض الآخر منهم من مشكلات صحية خطيرة. وإتهم البنتاغون بإخفاء المخاطر الصحية لليورانيوم المنضب، والذي كان على علم بها منذ مدة طويلة. وأضاف روك بإن السجلات الطبية الخاصة بالأشخاص الذين أصيبوا بهذه الأمراض أخفيت.وقال: إن استعمال هذا النوع من السلاح جريمة في حق الإنسانية![7]

    ثالثاً- برنامج الأمم المتحدة للبيئة

    وفقاً لوثائق الأمم المتحدة فان برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP يعمل على تشجيع الممارسات البيئية السليمة في كل مكان [8]، وتدخل الأنشطة المسؤول عنها  في إطار البرنامج 10 من الخطة المتوسطة الأجل للفترة 2002-2005  ( A/55/6/Rev.1)، والهدف العام للبرنامج هو توفير القيادة وتشجيع الشراكات من أجل الإهتمام بالبيئة عن طريق إرشاد الدول والشعوب،وتوفير المعلومات لها وتمكينها من تحسين نوع الحياة، بدون التضحية بمصلحة الأجيال المقبلة.وتدخل المهام التالية: التقييم البيئي والإنذار المبكر ووضع السياسات والقانون، وتنفيذ السياسات والتعاون والتمثيل على المستوى الإقايمي وترسيخ الدعم المتبادل والتناسق وزيادة الفعالية بين مختلف الإتفاقات البيئية، في صميم أنشطته

    الى هذا إعتمدت الجمعية العامة، في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر2000، القرار 55/ 33 /K ، المعنون: "مراعاة معايير البيئة في صياغة وتنفيذ إتفاقات نزع السلاح وتحديد الأسلحة"، حيث تدعو الفقرة 4 من منطوقه: " جميع الدول الأعضاء الى أن تقدم الى الأمين العام معلومات عن التدابير التي إتخذتها لتعزيز الأهداف المتوخاة في هذا القرار، وتطلب من الأمين العام أن يقدم تقريراً يتضمن هذه المعلومات الى الجمعية العامة في دورتها السادسة والخمسين"، وبناء عليه  وجه الأمين العام في 4 نيسان/ أبريل 2001 مذكرة شفوية الى الدول الأعضاء دعاها فيها الى تقديم المعلومات المطلوبة عن هذا الموضوع [9]، ولم تنشر لغاية اليوم سوى ردود مستلمة من 3 حكومات، هي بنغلاديش والدومنيك والعراق، بينما أكدت قرارات الأمم المتحدة على ضرورة إسهام جميع الدول إسهاماً كاملاً من خلال إجراءات تتخذها لكفالة الإلتزام بالمعايير البيئية لدى تنفيذها المعاهدات والإتفاقيات، وأصبح مطلوباً ان يتابع المجتمع الدولي ومنظماته موضوع تنفيذ الإتفاقيات الدولية  في مجال نزع السلاح والحد من التسلح، إستناداً الى المعايير المعتمدة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية لعام 1992 والإتفاقيات الأخرى.

     إن مراجعة سريعة لتنفيذ  الإلتزامات خلال الأعوام الأخيرة تبين ان الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا قد خرقتا مراراً وتكراراً وعلى نحو سافر ومتعمد إلتزاماتهما بموجب قرارات الأمم المتحدة بشأن الحفاظ على البيئة، وكذلك إتفاقات نزع السلاح والحد من التسلح، وإرتكبتا إحدى أبشع جرائم القرن العشرين- إستخدامهما لذخيرة اليورانيوم المنضب وما سببه من كارثة بيئية خطيرة وأضرار صحية وخيمة في ميادين إستخدامها والمناطق المحيطة بها، ملقية نحو 800 طناً منها في الأراضي العراقية والكويتية، ونحو 50 طناً في كوسوفو والبوسنة والصرب اليوغسلافية، رغم علمهما المسبق بالأضرار الكارثية التي يسببها إستخدام تلك الذخيرة على الصحة والبيئة، وتجاهلتا عمداً تحذيرات العلماء والخبراء والمؤسسات العلمية المتخصصة. وبقيتا حكومتا البلدين  بمنجى من العقوبات الرادعة للأمم المتحدة لحد اليوم..

    حيال المخاطر التي تجابه شعبها، تحت وطأة ما سببته حرب تحريرها، وعملاً بالمادة 13 من النظام الداخلي للجمعية العامة، طلبت الحكومة الكويتية، وهي المعروفة بتوافق سياستها مع المواقف الأمريكية، في رسالة مؤرخة في 27/6/2001، موجهة الى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، إدراج بند في جدول أعمال الدورة السادسة والخمسين، تحت عنوان:" الإحتفال باليوم العالمي لمنع إستخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية". وجاء في مذكرتها التوضيحية:" إن الكويت وهي تطلب إدراج هذا البند لتستند الى تجربة حية عاشتها في السنوات الماضية، حيث شهدت منطقتنا خلالها صراعات عسكرية وحروب نتج عنها اَثار جسيمة إنعكست سلباً على النظام البيئي فيها". وعبرت مذكرتها عن الرغبة الصادقة  في تنفيذ ما إتفق عليه قادة الدول  في قمة الألفية " بالتعهد بإحترام الطبيعة لصالح مستقبل أجيالنا القادمة والعمل على حماية بيئتنا المشتركة " [10].

تناقض مريب وتساؤلات مشروعة

   ليس ثمة شك بان عواقب حرب الخليج الثانية " تتعدى خسائرها  قائمة عدد الموتى والجرحى والتخريب والدمار الذي حل في ارض العراق.فتلك قد تكون من النتائج المحسوبة مباشرة لحرب، شأنها شأن الحروب الأخرى،.أما نتائجها الحربية غير المباشرة فقد تمثلت في إستمرار حصاد الموت للإنسان والأرض وأشكال الحياة الأخرى، مسببة أكبر كارثة بيئية في القرن العشرين، مثل تشرنوبيل ومأساة هيروشيما" [11]، ومع هذا فأن برنامج  الأمم المتحدة للبيئة لم يحرك ساكناً تجاه الكارثة البيئية في العراق وفي الخليج،الناجمة عن إستخدام ذخائر اليورانيوم المنضب في عام 1991. ولم يقم بأية خطوة حتى عقب إعلانه، بإسم الأمم المتحدة، توصله، في اواخر كانون الثاني/يناير 2001، إلى أدلة أولية على وجود نشاط إشعاعي في 8 من المواقع التي تعرضت لغارات حلف الناتو في كوسوفو عام 1999، من بين 11 موقع  تعرضت للقصف بذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب وأجرى فيها إختبارات[12]. وقد حذرت  الأمم المتحدة موظفيها من المخاطر المحتملة للتعرض لذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب على الصحة. وقال المتحدث باسم المنظمة الدولية فريد ايكهارد، في 17/1 /2001، بان رسالة في هذا المعنى أوصتهم بعدم ملامسة أي حطام للقذائف.وكانت التوصية موجهة الى عناصر الامم المتحدة الذين خدموا او يخدمون في مناطق النزاع حيث استخدمت هذه الذخائر. وكتب "مكتب ادارة الموارد البشرية" في الرسالة: " في جميع الاماكن التي استخدم فيها اليورانيوم المنضب يطلب من الموظفين ان لا يلمسوا أي حطام اسلحة اياً كان الظرف". وأضاف المكتب بأن "برنامج البيئة ومنظمة الصحة العالمية شرعا باجراء دراسة حول الموضوع "[13].

    كما وتراجع البرنامج لاحقاً عن تصريحاته السابقة بشأن المخاطر، تحت الضغوط- كما سنبين لاحقاً- فأصدر، في مطلع شباط/ فبراير 2001، تقريراً متناقضاً خص به وسائل الإعلام فقط، جاء فيه:" أظهرت نتائج بعثة  التقصي لكوسوفو عدم وجود داع للقلق  بشأن اليورانيوم المنضب"، مستدركاً في نفس التقرير: "ومع هذا ثمة حالات معينة تنطوي على مخاطر كبيرة، وهناك افتراضات علمية غير مؤكدة تتعلق بالاثر طويل الامد  لليورانيوم المنضب على البيئة". محذراً:«ان بعضا من ذخيرة المدافع قد تكون موجودة تحت الارض وتشكل خطرا يتمثل في تلويث مستقبلي باليورانيوم المنضب للمياه الجوفية ومياه الشرب».حيال هذا أوصى التقرير"بمراقبة مياه الشرب، وتطهير المناطق الملوثة"، ناصحاً السكان" بعدم الاحتفاظ بأجزاء من الذخيرة لان الاشعاع قد يتسرب منها اذا بقيت في جيوبهم لفترة طويلة". وأوصت الامم المتحدة باتخاذ اجراءات مماثلة في البوسنة، حيث توجد اثار اليورانيوم الناضب في البيئة منذ 5-6 اعوام"[14].وفي إعلانه عن نتائج اَخر تقرير للبرنامج، في 14/10/2002،قال بيكا هافيستو-رئيس فريق خبراء البرنامج: " إنالتلوث المحتمل في المياه الجوفية يشكل مصدر قلق كبير، وأن خبراء برنامج البيئة أصيبوا بالدهشة لعثورهم على جزيئات اليورانيوم المنضب في الهواء للمرة الأولى بعد عامين من انتهاء الحرب". وأضاف: «إن أي تحريك للتربة في هذه المواقع يحمل خطر انطلاق هذه الجزيئات إلى الهواء».وبناء على هذه المخاطر أحاطت السلطات المواقع بأسوار ووضعت لافتات تحذيرية تمشيا مع التوصيات التي صدرت في تقرير مماثل عن كوسوفو العام 2001. وبدأت عملية تنظيف المواقع- بحسب ما أعلنه البرنامج ..

   فهل يعني هذا "عدم وجود داع للقلق"- كما أفتى البرنامج ؟!!.. وهل ثمة مصداقية علمية في هذا التقرير المتناقض؟.. ولماذا إذاً دعت الأمم المتحدة الى تحذير موظفيها، العاملين في المناطق التي إستخدم فيها سلاح اليورانيوم المنضب،  من المخاطر المحتملة؟ ولمصلحة من جرى تراجع البرنامج عن تقاريره  السابقة المؤكدة لمخاطر التلوث باليورانيوم المنضب وأضراره؟.. وإذا لم يكن ثمة " داع للقلق"( كذا!!) فلماذا إذاً فتح برنامج الأمم المتحدة للبيئة تحقيقاً بشأن تأثير اليورانيوم المنضب على البيئة في البوسنة، بعد 7 سنوات  من استخدام حلف (الناتو) لذخيرة اليورانيوم المنضب في عملياته ضد يوغسلافيا، وأعلان رئيس فريقه ، في مؤتمر صحفي عقده في سراييفو، في 14 تشرين الأول / اكتوبر المنصرم، بإن علماء من البرنامج  سيعملون مع الخبراء البوسنيين لتحديد ما إذا كان استخدام هذه الذخيرة شكل مخاطر على الصحة البشرية وسبب تلوثا للتربة والنباتات والمياه، وأن الدراسة ستركز على تقييم التأثيرات القصيرة والطويلة الأجل الناجمة عن استخدام هذه الذخيرة, ووضع التوصيات اللازمة لتفادي وقوع أي مخاطر محتملة ؟!!.. ولماذا سيفحص الفريق عينات من المياه والتربة والنباتات في المختبرات السويسرية والإيطالية والبريطانية للتحقق من وجود مواد سامة أو إشعاعية فيها؟.. ولماذا سيتفقد العلماء عددا من المستشفيات البوسنية لمعرفة ما إذا كانت الأمراض الناجمة عن النشاطات الإشعاعية قد ازدادت أم لا ؟.. وإذا كان خبراء حلف شمال الأطلسي إجتمعوا في يوم واحد، وقرروا في بروكسل خلال 3 ساعات لا غير تكرار مزاعم البنتاغون: " لا صلة لقذائف اليورانيوم المنضب بأمراس السرطان التي أصابت الجنود الذين خدموا في البلقان"، فلماذا يحتاج خبراء الأمم المتحدة فترة ستمتد لغاية مارس/ آذار عام 2003 ليكملوا دراستهم- كما أعلن هافيستو- ؟!!

في أوربا

    صمت العالم طيلة عقد كامل على جريمة إستخدام سلاح اليورانيوم المنضب وما خلفه من كارثة بيئية وصحية بشعة في العراق ودول الخليج، وفي البوسنة وكوسوفو وصربيا. ولم يتحرك إلا في مطلع عام 2001، بعد أن مات عدد من الجنود، الذين شاركوا في الحرب ضد يوغسلافيا، واَخرين من جنود حفظ السلام في البوسنة وكوسوفو، نتيجة لإصابتهم بسرطان الدم جراء تعرضهم لأضرار هذا السلاح ..عندئذ فقط تحرك المجتمع الأوربي، وثارت عاصفة من الغضب والإستنكار، وأرتفعت أصوات قوبة تطالب بتحريم سلاح اليورانيوم المنضب ومنع إستخدامه..

    في وقتها نشرنا في مجلة " رسالة العراق" سلسلة من التقارير تحت عنوان " عاصفة اليورانيوم تجتاح أوربا"[15]، فضحنا فيها طبيعة هذا السلاح وموقف العلماء الشرفاء من أضراره وتداعياته وفندنا الكثير من أكاذيب ومزاعم البنتاغون ووزارة الدفاع البريطانية بشأنه..ومن ردود فعل العاصفة: تأكد بأن مادة اليورانيوم المنضب مشعة وسامة كيمياوياً. وتبين أيضاً ان المسؤولين عن إستخدام ذخيرتها كانوا يعرفون بمخاطرها، لكنهم تكتموا عليها، ولم يخبروا حتى أقرب أقرباءهم بمخاطرها.وعثر الخبراء على تلوث واسع في البلقان، وإحتواء الذخيرة على مواد اخرى أكثر إشعاعاً وخطورة، حيث عثر خبراء الأمم المتحدة  في شياط/ فبراير 2001 على مادة البلوتونيوم الخطرة في ذخائر اليورانيوم المنضب التي إستخدمت ضد يوغسلافيا[16]. وعثروا  فيها أيضاً على النظير U236، الذي هو مشع 10 أمثال الـ 238U !.. وظلت واشنطن ولندن تنفيان  وجود " أي دليل علمي" بأنها مصدر انتشار أمراض السرطان والتشوهات الولادية بين السكان والعسكريين. وحين إضطر المسؤولون الامريكيون والبريطانيون الى الإعتراف بحقيقة كونها مادة مشعة، ذهبوا الي القول  بان اشعاعها "ضئيل جدا ولا تأثير له علي الصحة "، إمعاناً في مساعيهم المحمومة  للتغطية على جريمتهم النكراء، بينما إعترف متحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية بأن وزارته كانت على علم بوجود مخاطر ترتبط باليورانيوم المنضب، لكنه كرر الزعم "عدم وجود" دليل يربط بين ارتفاع نسبة السرطان واستخدام الجنود لهذه القذائف.وإنتقدت العديد من وزارات الدفاع الأوربية عدم معرفتها بتلك المخاطر..

    وفي غضون ذلك ذكرت مجلة " تايمز" البريطانية بأن الشركة الأميركية المصنعة لقذائف اليورانيوم اتخذت قرار وقف الإنتاج بعد تصاعد القلق من تزايد حالات الإصابة بأمراض مثل السرطان لدى جنود شاركوا في معارك الخليج والبلقان التي استخدمت فيها قذائف اليورانيوم المنضب، مؤكدة بأن سلاح البحرية الأميركي بدأ منذ عشر سنوات التخلص من تلك القذائف، واستبدلها بقذائف مصنعة من (التانغستين) وهو معدن غير مشع، ولا يسبب أضرارا، لكنه حربياً أقل فاعلية تدميرية..والسؤال: لماذا إذاً أوقف إنتاج هذا السلاح الفعال حربياً إذا لم يكن خطراً ؟!! وجاء القرار المذكور عقب إعلان إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وأسبانيا والبرتغال وبولندا والتشيك واليونان وكندا، في مطلع 2001، عن إصابة المئات من جنودها الذين عملوا في البلقان بمرض سرطان الدم  وموت العشرات منهم. وذكر عالم أمراض يوغسلافي أن نحو 400 من صرب البوسنة توفوا جراء إصابتهم بأنواع مختلفة من السرطان نتيجة قصف حلف الناتو لمناطقهم بقذائف تحتوي اليورانيوم المنضب عام 1994. وأضاف د. زوران ستانوفيتش أن 10% من هؤلاء السكان توفوا نتيجة إصابتهم بأسلحة مشعة.وجاءت تصريحات الطبيب اليوغسلافي بعد يوم من تقرير نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية يشير إلى مقتل نحو 300 صربي أصيبت منازلهم داخل العاصمة البوسنية سراييفو بقذائف تحتوي على اليورانيوم المنضب عام 1995. وأكد روبرت فيسك – معد التقرير، من منطقة الحدث في البوسنة، أن الأشخاص الذين قضوا بمرض السرطان هم من ضمن 5 آلاف صربي غادروا منازلهم في حي هادييتشي، بعد تعرضه لغارات حلف الأطلسي في صيف عام 1995. وأضاف أن ذلك كان مثل وباء وقع على هؤلاء الناس، مشيرا إلى أن جميع الناجين مقتنعون بأن الأعراض التي تنتابهم ناجمة عن غارات المقاتلات الأميركية" A-10" التي ألقت القذائف المذكورة على مصانع في منطقتهم[17].

 -------------------------------

* طبيب وباحث ومحرر علمي، عراقي مقيم في السويد

                                                                        - يتبع -

-----------------------------------
[1] -روبير ج. بارسون،اليورانيوم المستنفد يلفه الصمت، لوموند ديبلوماتيك، عدد شباط/ فبراير 2001، عن: موقع" مفهوم".
[2]- Rosalie Bertell, "The Hazards of Level Radiation”,
http://ccnr.org/bertell_book.html
[3] - Alice M Stewart and George W Kneale , A-bomb survivors: factors that may lead to a re-assessment of the radiation hazard, International Journal of Epidemiology 2000;29:708-714,Oxford Journals Online
[4] -  WHO, Environmental Health Information, Depleted Uranium: Sourcers, Exposure and Health Effects, Who / SDE/PHE/ 01.1.WHO,Fact Sheets,No 257,Reserved April,2001.
[5] - Chris Busby, Wings of Death : Nuclear Pollution and Human Health. Aberystwyth, Green Audit 1995.
[6] - روبير ج. بارسون،اليورانيوم المستنفد يلفه الصمت، لوموند ديبلوماتيك، عدد شباط/ فبراير 2001- مصدر سابق.
[7] -"الجزيرة نت"،جنود الناتو المصابون باللوكيميا يرفضون تبريرات الحلف،عن:" رويترز"و"إ.ف.ب"، في 13/1/22001
[8] -موقع هيئة الأمم المتحدة على الإنترنيت، حول الأمم المتحدة، معلومات أساسية،إدارة شؤون الإعلام © الأمم المتحدة 2000
[9] -الأمم المتحدة A/56/165 ،الجمعية العامة،الدورة السادسة والخمسون،البند 86 (ك) من القائمة الأولية، نزع السلاح العام الكامل: مراعاة معايير البيئة في صياغة وتنفيذ إتفاقات نزع السلاح وتحديد الأسلحة. الأمم المتحدة 2000
[10] -الأمم المتحدة A/56/143،الجمعية العامة،موقع هيئة الأمم المتحدة على الأنترنيت- مصدر سابق.
[11] -د. عبد الكاظم العبودي،دراسة بعنوان" حرب اليورانيوم المستمرة في العراق والأرض الخراب"، الجزائر، 20/8/1995.
[12] -"رويترز"، منظمة الصحة تحقق في استخدام اليورانيوم المنضب بالعراق ، في 26/ 1/2001
[13] -وكالات الأنباء،الأمم المتحدة تحذر موظفيها من مخاطر اليورانيوم المستنفد ،في 19/1/2001
[14] - United Nations Environment Programme Recommends Precautionary Action Regarding Depleted Uranium In Kosovo , UNEP News Release 01/36
[15] - راجع :مجلة "رسالة العراق" الصادرة في لندن، الأعداد: 75 (اَذار/مارس) و76(نيسان/أبريل) و 77(اَيار/مايس 2001).
[16] - UNEP Confirms Plutonium Found In Du Ammunition , UNEP News Release 01/24
[17] -"الجزيرة نت"،جنود الناتو المصابون باللوكيميا يرفضون تبريرات الحلف،عن:" رويترز"و"إ.ف.ب"، في 13/1/22001





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- صحيفة إستبيان لبحث علمي خاصة بالعراقيين
- الكشف عن تأثيرات اليورانيوم الناضب مهمة إنسانية آنية ملحة !
- وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنض ...
- وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا اليورانيوم المنضب - الق ...
- مبروك لدعاة الحرب !!!
- لمصلحة من تشويه المواقف والحقائق ؟!
- - مبروك - عليكم جرائم البرابرة !!
- إدارة بوش وضحايا الحروب ومحكمة الجنايات الدولية
- كلام الناس والتدخين
- ضربة موجعة لوزارة الدفاع البريطانية والبنتاغون
- النظام العالمي الجديد" وأطفال العالم . . حصاد مر


المزيد.....




- مهمتان فضائيتان لـ "سبيس إكس" قد تغيران من حياتنا ...
- علاج الفتق عبر تقنية الشبكة في بريطانيا -يؤدي لآلام مزمنة-
- تويتر يستقبل ظهور الشيخ خليفة بن زايد في عيد الفطر بـ-فرحة ك ...
- -المطر الأبدي- يهدد كوكب الأرض
- -بروغريس- تنفصل عن المحطة الفضائية الدولية في يوليو المقبل
- حظك اليوم: توقعات الأبراج اليوم الأحد 25 حزيران/يونيو 2017
- -إرهاب الإنترنت- في صدارة جدول أعمال مجموعة الـ20
- قرصنة موقع مسؤول أمريكي وعرض "بروباغندا لداعش" وته ...
- المواد منخفضة السُمِّية ( المواد غير السام بلعها ) ...!
- ما مدى أهمية هذه الأقفاص لجراحات العمود الفقري؟


المزيد.....

- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة
- تفكيك الجينوم وبنية الإنسان التحتيّة / بهجت عباس
- كتاب ” المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” / نبيل حاجي نائف
- العلم الطبيعي بين الاختزالية و العمومية / جمال الدين أحمد عزام
- آلية انتاج الفكر في دماغ الانسان / رائف أمير اسماعيل
- بأيِّ معنى يتوقَّف الزمن؟ / جواد البشيتي
- الرياضيات المسلية، متعة. فن. ذكاء / مهندس عاطف احمد منصور
- الكون كما يراه علماء الارض / ن. ا. يريمنكو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - كاظم المقدادي - وكالات الأمم المتحدة المتخصصة وضحايا سلاح اليورانيوم المنضب - القسم الثالث