أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام أحمد زكاغ - نهضة اللغة من أجل لغة للنهضة (في التعريب والنهضة)















المزيد.....

نهضة اللغة من أجل لغة للنهضة (في التعريب والنهضة)


هشام أحمد زكاغ

الحوار المتمدن-العدد: 4192 - 2013 / 8 / 22 - 19:58
المحور: الادب والفن
    


لاشك أن اللغات تتقوى بقوة أهلها، فاللغة العربية كانت لغة عالمية عندما ساد أصحابها سياسة وعلما، دولة وحضارة. في المقابل يواكب هذه الحقيقة مسألة موازية أن اللغة تنحدر بانحدار قومها؛ وإذا علمنا أن المغلوب مولع بتقليد الغائب – كما قال يوما ابن خلدون- فإن هذا يفسر تلقفنا لما ينتجه الآخر معرفة، ثقافة، وحتى ترفا، وفي بعض الأحيان لغة أخرى، فنستخدم "الانترنت" بدل شبكة المعلومات، و"التلفزيون" بدل الجهاز المرئي، و"اليبتزا" بدل الفطيرة، و"سايلنت" بدل صامت ... هذه المصلحات هي نابعة من ثقافة أخرى هي من صنعتها. فالعيب ليس في اللغة بقدر ما هو عيب أصحابها الذين تماهوا مع التقليد وركنوا للجمود الحضاري. ويُعمق هذه المسألة قضية المهيمِن والمستباح، خاصة ونحن نعيش استباحة العولمة وعولمة الاستباحة.
الحل يكمن بالأخذ بأسباب المعرفة والتطور، فتتولد من رحم لغتنا مفاهيم ومصطلحات نحن أصحابها، أنتجتها معاملنا ومختبراتنا وفكرنا وسياستنا وثقافتنا.
في انتظار هذا الممكن الذي لا يبدو ممكنا الآن، أطرح سؤالا "معكوسا"، هل يمكن أن تصنع لغتنا نهضتنا في الوقت الذي تأخرت فيه نهضتنا عن تجديد لغتنا؟
التجربة الآسيوية تدلل على إمكانية ذلك، في حين تشير بعض الأبحاث إلى أن تقدما علميا حقيقيا مستداما لا يتحقق إذا لم تكن لغة العلم هي لغة المواطنة.
هذا الأمر يستوجب إعادة النظر إلى الداخل بدل الاكتفاء بهواجس الخارج، وهو أمر لا يستقيم قبل التصالح مع لغتنا وإعادة الاعتبار لها. ويكون البدء بإعادة النظر في منهج اللغة العربية الموسوم بقطيعة عن لغة معاصرة ملونة مصورة ورقمية، يعتزل لغة الحياة ويسكن في مقامات الهمذاني وعنتريات بن شداد، تستغرق ذهنيته الصور البيــــــــــــــانية والمجازية، مستطردة في ثنائيات الشكل والمضمون، دون أن يعني هذا الأمر دعوة لاستبعاد التراث الثري بأدبه وسجالاته، تراث ما أجوده إن اتكأنا عليه، وما أفقرنا إن أحللناه لغتنا وقضيتنا ومنهج تفكيرنا!
إن تعلم اللغة وتعليمها ليس الهدف منهما فقط تأسيس أبجديات التحاور والتواصل والتفاهم، بل أيضا من أجل صناعة طريقة للتفكير والتذوق في آن واحد، وهو أمر لا نتصوره إذا كان الدرس الشعري مثلا درسا غير شعري - كما يشير أحد الكتاب- يتحدث عن كل شيء باستثناء الشعر، يخضع للتنميط والتعميم والاختزال بطريقة تصادر عمق النص الشعري، أي قلقه وإشراقاته وجمالياته، منشغلا بالمضامين والأفكار الرئيسية، و مستغنيا عن تدفق التجربة الشعرية وحرارتها، حريصا على شرح ظروف النص على حساب النص ذاته .
كما لا نتصور نهضة في اللغة بمناهج تقريرية تكتظ بالحشو، ومؤسسات تربوية غير قادرة على التأثير الفاعل في زمن الصورة، تفتقر مكنة المنافسة، فضلا عن تشكيل فكر نقدي ينفذ إلى الأغوار ويسبرها، فتهيئ لعقل تبسيطي وببغاوي يقنع بالاجترار بدلا عن الإبداع، ناهيك عن أساتذة غير مؤتمنين على تدريس اللغة العربية، يحترفون في أحيان كثيرة التنفير منها.

إن لغةً وُسمت بالتكريم وقُرنت بالمقدس هي أهل لأن تجدد نفسها متى شاع بين المتكلمين بها رغبة صادقة في ذلك. لقد هيأ القرآن الكريم لهذا حينما حفل بلغة طابقت في بعض الأحيان لغة علمية معاصرة كمظهر لإعجازه، كما في قوله تعالى:" والأرض بعد ذلك دحاها" ، فالدحو وفق الاستعمال اللغوي يتضمن دفعا من الداحي وحركتين للمدحو إحداهما على خط مسارٍ ما، والأخرى حركة دورانية حول نفسه. هذا المعنى اللغوي لا يخرج في سياقه عما قرره العلم الحديث في وصف الأرض بالدحو . فضلا عن ذلك فإن بالقرآن الكريم لغة احتفائية بالعقل من خلال دعوته للتدبر والتأمل ومدحه لأهل العقل، أو من خلال توظيفه للعقل في خطابه كما هو الحال في إثبات وحدانية الله، وهو ما يظهر في قوله تعالى:" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" ، أوفي إثبات قدرته على إحياء الموتى:" أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير" ، أو في قوله عز وجل:" وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" .

وإذا كان أصحاب اللغة العربية قد تخلوا عن المنهج العقلي فعطلوا في المحصلة تطوير لغتهم، فإن الترجمة القلقة لمناهج الغرب لم تُؤت أكلها ولن تفعل على المدى القريب، فالترجمة غير التعريب، إذ تتعاطى الأولى مع المصطلحات والمفاهيم بشكل مجتزئ مذبذب بين لغتين وثقافتين، في حين يرتقي التعريب إلى تبيئة العلوم والأفكار على مستوى المصطلح و المضمون والواقع من خلال منظور كلي يقدم مقاربات تنسجم مع اللغة والثقافة العربية، مقاربات تؤسس لنفسها ابتداءً من خلال منهج اللغة وقبل كل شيء، فإذا استقام، استقام غيره من المناهج.
إن عدم إنتاج اللغة العلمية وما صاحبه من اعتماد على الترجمات وأشباه الترجمات ليس سمة خاصة بالعلوم التطبيقية فقط، لقد صار من المألوف أن نستخدم في لغة العلوم الاجتماعية والفنون والآداب مصطلحات كالسسيولوجيا والسريالية والأيديولوجيا والكلاسيكية... وليت الأمر يقف عند هذا الحد. إن استقبال مصطلحات أجنبية بحروف عربية يقحم في دائرة العقل العربي منظومة من الإشكالات والمنهجيات والرؤى التي أنتجتها دولة المصطلح والمرتبطة بجغرافية وتاريخ مختلفين.

كيف السبيل للتعامل مع منتجات الآخر دون انكسار من الداخل ودون انغلاق عن الخارج؟ إن الإفلاس التقني ليس مدعاة للإفلاس اللغوي الذي يجر وراءه استباحة للوطن والهوية، للتراب والتراث. إن فتح الأبواب – كرها أو طوعا - للأسواق والأفكار والتقنيات لا يستلزم منا أن نستبدل هوية بأخرى، بل لابد أن تبقى المجتمعات وطنية حتى وإن رغبت الحكومات عن ذلك، وأحد سبل ذلك هو الاستقواء باللغة الوطنية، حتى ونحن ندرس لغات الآخر ونتعلم من علومه ونوفد طلابنا إلى بلاده. لقد قدم الدرس الياباني نموذجا مبهرا في هذا المجال انفتح على العالم بلغته، فلم يلغ هويته ولم يخسر نهضته، بمثل هذا التوازن انتزع لنفسه موقعا رياديا في العالم؛ لأن اللغة اليابانية كانت هي لغة النهضة.

مجامع اللغة لها أيضا دورها الرئيس في إشاعة التنمية باللغة الوطنية، من خلال التأسيس و التأصيل والتحديث والصياغة والاشتقاق وهي تتعامل مع دلالات لم تنتجها في الأغلب ثقافتها، فتمنح لتلك للدلالات ألفاظا عربية، وليست ألفاظا أجنبية بحروف عربية. هذا الأمر ليس باليسير قطعا، إذ يتطلب اشتقاقا محكماً، ليِّنـًا وهيِّـنًا، ثم تسويقا بارعا للفظ الوليد وصبرا وافرا حتى يأخذ اللفظ المعرب مكانه داخل اللغة المحكية. وفي تجربة التعريب ما يدلل على إمكانية ذلك، فعندما ظهرت يوما في مجتمعاتنا مصطلحات كــ "الجُرنال" و"الأتموبيل" و"التلفون" ثم " المبايل"، وأعقب ذلك تعريبات لتلك المصطلحات شكك كثير في صمودها، واعتبرها البعض لغة معجمية لن تبرح القواميس، ولن تستحيل يوما لغة للتداول، ولكن بمرور الزمن، وشيئا فشيئا استقرت في اللغة المتداولة اشتقاقات تتجاوز الترجمة إلى التعريب، واستبدلت الألفاظ الأجنبية بأخرى عربية، وصار من المألوف أن نستخدم الجريدة والسيارة و الهاتف والنقال أو الجوّال .
ويعاضد مجالسَ اللغة في دورها الإعلامُ إذا أحسن تسويق اللغة العربية ونقل الكلمات المعربة من المجالس العلمية والقواميس اللغوية إلى اللغة الحياتية. وهو فوق ذلك يستطيع أن يشيع بين الناس لغة رصينة ومقبولة، حياتية وفصيحة، ويمنع في المقابل لغات دخيلة تعتبر الإعلام بوابتها المثالية لتنسل منها إلى الثقافة الشعبية. مثل هذه الوظيفة المزدوجة للإعلام لا تستقيم إذا كان القائمون بأمره لا يكترثون بأي لغة قُدِّم، ولا بأي هوية عُرِض حتى صار من المستساغ أن تُقدَّم البرامج الوثائقية والسياسية وحتى الدينية باللهجات العامية، فصار هينا علينا بعد ذلك أن نترجم الأعمال الترفيهية من أفلام ومسلسلات ورسوم متحركة بمختلف اللهجات العامية بعد أن كانت تُتَرجم يوما باللغة الفصحى.

وتبقى نهضة اللغة أحد الممكنات المتاحة للدفع بالنهضة الشاملة، نهضة تقوم بمؤسسات التعليم درسا وتدريسا، وبمجالس اللغة تعريبا وتأصيلا، وبقنوات الإعلام تعزيزا وتحصينا للهوية، كل يسهم بموقعه في توطيد وتوطين نهضة اللغة، وبإزالة حالة الاغتراب التي تتلبس علاقتنا بلغتنا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,647,711,741
- الهاجس


المزيد.....




- أحداث الحسيمة: ماخفي كان أعظم !
- تبادل المعارض بين بطرسبورغ ومسقط
- غزة .. مهرجان السجادة الحمراء للافلام السينمائية والوثائقية ...
- خلال الندوة التحضيرية الأخيرة لمؤتمر الشأن العام..وزير الأوق ...
- ليسوتو تعلق جميع قراراتها وتصريحاتها السابقة حول -الجمهورية ...
- الثقافة الأوروبية هي ثقافة هجرة
- بوريس جونسون في محاكاة لفيلم شهير يطلب التصويت له بدلا عن ال ...
- محمود دوير بعد إلغاء قرار تكليف “منتقبة ” مديرا لقصر ثقافة ك ...
- مطالبًا بإعادة النظر في معايير اختيار قيادات وزارة الثقافة.. ...
- صالح علماني عاشق الأدب اللاتيني.. وداعاً


المزيد.....

- من حديقة البشر / صلاح الدين محسن
- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام أحمد زكاغ - نهضة اللغة من أجل لغة للنهضة (في التعريب والنهضة)