أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد عدنان - الكرد في شعر الجواهري















المزيد.....



الكرد في شعر الجواهري


سعيد عدنان

الحوار المتمدن-العدد: 4184 - 2013 / 8 / 14 - 19:37
المحور: الادب والفن
    


قل من الشعراء العرب قبل الجواهري من تناول الكرد في شعره ، وقل أن نفذت القضية الكردية إلى الشعر العربي ،
وكان جديرا بالشاعر العربي أن تمتد تجربته إلى قوم ضمهم وإياه وطن وتاريخ ؛ بل حتى من كان كرديا كالزهاوي أو في أرومته عرق كردي كالرصافي لم ينظر إلى الكرد في شعره ، ولم يعالج شأنا من شؤونهم .وكأن بالأمر – لكي يتم – حاجة لأفق إنساني رحيب وفكر منفتح ، ونفس ترى في آلام الآخرين ألمها ، وترى ما يقع عليهم واقعا عليها . وليس ذلك مما يتاح إذا ضاق الإطار !
ثم كان للإطار أن يتسع حين اتصل الشعر العربي بما استجد من فكر في أوائل القرن العشرين ، وحين ظهر نوابغ من الشعراء لهم قدرة على النفاذ إلى روح العصر ؛ وقد كان الجواهري في الطليعة منهم إذ نفذت إليه الأفكار الجديدة في العدالة الاجتماعية ، وروح المساواة ، ونزعة الالتقاء عند الأفق الإنساني .
كان الجواهري قد تمرس بالسياسة وزاولها في شأنها اليومي ، كما زاولها في مغزاها البعيد من حيث تحقيق العدل الاجتماعي والارتقاء بالإنسان فردا ومجتمعا .
عمل الجواهري في تشريفات البلاط الملكي ، وعندما استقال من عمله اتجه إلى الصحافة فأنشأ جريدة ( الفرات ) وبقي زمنا طويلا في هذا الميدان يكتب في الشأن السياسي محللا ناقدا ، ولاريب في أن من يزاول الصحافة يكون قريبا من أحداث السياسة وتقلباتها واعيا بما يقع ؛ بأسبابه ونتائجه ، فإذا كان الصحفي شاعرا رهيف الحس والضمير كانت قضية العدل الاجتماعي قضيته أينما وقعت ، وكانت صيحة المتهضمين صوكان جديرا بالشاعر العربي أن تمتد تجربته إلى قوم ضمهم وإياه وطن وتاريخ ؛ بل حتى من كان كرديا كالزهاوي أو في أرومته عرق كردي كالرصافي لم ينظر إلى الكرد في شعره ، ولم يعالج شأنا من شؤونهم .وكأن بالأمر – لكي يتم – حاجة لأفق إنساني رحيب وفكر منفتح ، ونفس ترى في آلام الآخرين ألمها ، وترى ما يقع عليهم واقعا عليها . وليس ذلك مما يتاح إذا ضاق الإطار ! قل من الشعراء العرب قبل الجواهري من تناول الكرد في شعره ، وقل أن نفذت القضية الكردية إلى الشعر العربي ،

ثم كان للإطار أن يتسع حين اتصل الشعر العربي بما استجد من فكر في أوائل القرن العشرين ، وحين ظهر نوابغ من الشعراء لهم قدرة على النفاذ إلى روح العصر ؛ وقد كان الجواهري في الطليعة منهم إذ نفذت إليه الأفكار الجديدة في العدالة الاجتماعية ، وروح المساواة ، ونزعة الالتقاء عند الأفق الإنساني .
كان الجواهري قد تمرس بالسياسة وزاولها في شأنها اليومي ، كما زاولها في مغزاها البعيد من حيث تحقيق العدل الاجتماعي والارتقاء بالإنسان فردا ومجتمعا .
عمل الجواهري في تشريفات البلاط الملكي ، وعندما استقال من عمله اتجه إلى الصحافة فأنشأ جريدة ( الفرات ) وبقي زمنا طويلا في هذا الميدان يكتب في الشأن السياسي محللا ناقدا ، ولاريب في أن من يزاول الصحافة يكون قريبا من أحداث السياسة وتقلباتها واعيا بما يقع ؛ بأسبابه ونتائجه ، فإذا كان الصحفي شاعرا رهيف الحس والضمير كانت قضية العدل الاجتماعي قضيته أينما وقعت ، وكانت صيحة المتهضمين صيحته أينما ترددت ، وكذلك كان الجواهري ؛ فقد اتصلت أسبابه بأسباب القضية الكردية ورأى فيها مبادئ العدالة التي ما فتئ يسعى إليها . وكانت له على ذلك صحبة كريمة قامت أواصرها بينه وبين رجال من الكرد من أهل الثقافة ومن أهل السياسة . كل ذلك جعل الشأن الكردي في واقعه وفي مراميه واضحا لديه ، لا يعتريه فيه لبس ، وجعل منه أيضا تجربة شعرية يدير عليها بعض قصائده .
كان الشاعر قد غادر العراق في أوائل الستينيات ؛ في سنة 1961 ، خشية من أذاة كانت مطلة عليه واتخذ من براغ مهجرا له نائيا بنفسه عن سبل الطغيان ، وكانت الحركة الكردية في منعطف خطير من منعطفاتها في المقارعة ، حيث كان لهيب الثورة مندلعا والمعارك في احتدامها ، فاجتمعت بذلك لديه عناصر قصيدة : غربة ، وطغيان مسلط ، وثورة يتلهب إوارها ! وليس ثمة ما هو أقدر من هذا الجو على إلهام الجواهري جيد الشعر ! فكانت قصيدة (( كردستان يا موطن الأبطال )) نظمها وألقاها في مؤتمر جمعية الطلبة الأكراد قي أوربا المنعقد بمدينة ميونيخ الألمانية في آب من السنة نفسها . وقد جاءت بعد أن اكتملت التجربة وأخذت مداها وتذوق الشاعر كأس مرارتها في جانب الطغيان والغربة منها ، وتمثل ثورة الجبل وهي لديه في حالته تلك ثورة على مستبد فر من أنيابه !
اكتملت التجربة وانصهرت عناصرها وانبثق منها إطار يلتقي عنده شأن الشاعر في أدق ما كان يكتوي به بشأن الكرد وقضيتهم وثورتهم المضطرمة حتى كأن الشأنين في مدارهما شأن واحد .
يقول :
قلبي لكردستان يهدى والفم ... ولقد يجود بأصغريه المعدم
ودمي وإن لم يبق في جسمي دما ... غرثى جراح من دمائي تطعم
تلكم هدية مستميت مغرم ... إني المضحي والضحية مغرم
أنا صورة الألم الذبيح أصوغه ... كلما عن القلب الجريح يترجم
ولرب آهات حيارى شرد ... راحت على فم شاعر تتنظم
لقد نفذ إلى المسألة الكردية من خلال ألمه ، وجعل يساقي القصيدة به وبالشأن الكردي وقد بدا له في اتساع مناحيه : أرضا وفكرا وشعبا وقيادة وثورة تحتضن ذلك كله :
سلم على الجبل الأشم وأهله ... ولأنت تعرف عن بنيه من هم
وتقص كل مدب رجل عنده ... هو بالرجولة والشهامة مفعم
والثم ثرى بدم الشهيد مخضبا ... عبقا يضوع كما يضوع البرعم
متفتح أبد الأبيد كأنه ... فيما يخلد عبقري ملهم
واهتف تجبك سفوحه وسهوله ... طربا وتبسم ثاكل ، أو أيم
باسم (( الأمين )) المصطفى من أمة ... بحياته عند التخاصم تقسم
كان لاتساع موهبة الجواهري ، ولاتساع ثقافته أن رحب أفقه فنجا من ضيق أفضى بكثيرين إلى نمط من التعصب تغفل فيه حقوق الآخرين ويسوغ اهتضامها ؛ لقد استقامت له رؤية عدل وتوازن لا تختل عناصرها .
مضى الشاعر ينسج القصيدة من خيوط يعرفها ويعرف موقعها في الأرض والناس وتاريخ الالتحام بينهما :
سلم على الجبل الأشم وعنده ... من (( أبجديات )) الضحايا معجم
سفر يضم المجد من أطرافه ... ألقا كما ضم السبائك منجم
ياموطن الأبطال حيث تناثرت ... قصص الكفاح حديثها والأقدم
ولم ينسه ما هو إزاءه المحنة الكبرى التي ينوء البلد بها ؛ إذ هذه من تلك :
يا ابن الشمال ولست وحدك إنها ... الست الملايين التي تتهضم
يا خير ضلع لست وحدك إنه ... جسد بكل ضلوعه يتألم
عانى وإياك الشدائد لم تلن ... منه قناة كل يوم تعجم
بدأ بقلبه وفمه وهما مستقر المشاعر ومنفذ إعلانها يهديهما إلى كردستان محبة وانسجاما ، وأن الذي تنطوي عليه جوانحه يجد امتداده في كردستان وما تسعى إليه على درب الحرية .
يعلن ذلك ، ويمجد الجبل وناسه راصدا مسار التاريخ نحو غايته ثم ينثني إلى نفسه ليجد أن ما وقع عليه من حيف هو بعض مما وقع على البلد ؛ فلو كانت الأمور تجري في نصابها ، ولو كان الميزان عدلا لما دب ظلم في مسارب الظلام :
يا موطن الأبطال بث مؤلم ... وألذ أطراف الحديث المؤلم
ولقد يلذك من شكاة أن ترى ... فيها الضمير بنفسه يتكلم
أنا مثل دأبك في كفاحك محرب ... شاكي العزيمة أعزل متقحم
آبي الهضيمة ، واستباح هضيمتي ... فيما استباحك أحمق متجرم
ألوى بمن عندي ، وعندي صفوة ... هي من أبيه ، ومن ذويه أكرم
ورمى بهم خلف الحدود كأنهم ... برد إلى الأمصار عجلى ترزم
وأشاع لحمي للذئاب ولحمهم ... وحمى لحوما بالنتانة تزخم
ودعا الجباة إلى حطام حويشة ... لتباع ملحفة ويشرى محزم
ثم تتجه به القصيدة نحو اختتامها فيقول :
يا أيها الجبل الأشم تجلة ... ومقالة هي والتجلة توأم
شعب دعائمه الجماجم والدم ...تتحطم الدنيا ولا يتحطم
ألقيت القصيدة في سنة 1964 وأخذت مداها ، وأعيد نشرها ، وحظيت بمن يرويها من العرب ومن الكرد ، وينشدها في مجالسه ، وخرجت أبيات منها من سياقها وصارت تروى مفردة ، وربما دلت على غير ما كان لها في القصيدة ؛ وعلى ذلك فقد خلا منها ديوان الشاعر الذي طبعته وزارة الإعلام العراقية ، وكان حقها أن تكون في الجزء الخامس منه . ولعل السلطة القائمة يومئذ لم تكن تريد للقصيدة أن تأخذ موضعها من الديوان ، غير أنها بقيت مروية متداولة يحرص عليها رواتها ، ويحرص الشاعر على تجربته فيها فقد أعلنت موقفا ، وأوثقت الصلة بين الشاعرالعربي والقضية الكردية . وحفظ الكرد للشاعر موقفه ...
وظلت عين الشاعر ترنو إلى مسار الشأن الكردي ، ويؤذيه ما يقع عليه ويؤلمه الاحتراب ، حتى إذا تهيأت بارقة في 11 آذار 1970 سابق الفرح إلى إنشاد : (( طيف تحدر )) مستعيدا تاريخا من المعاناة ، ومرتقبا أفقا جديدا يضع الأمور في نصابها السليم ، وليس عليه بعد ذلك أن يكون البرق خلبا ، وأن تنطوي الأنفس على غير ما تعلن :
طيف تحدر من وراء حجاب ... غضر الترائب مثقل الأهداب
متفجر الينبوع يزخر بالسنا ... ويرش وجه الفجر بالأطياب
وكأن ساحرة ترقص حوله ... أعطاف أودية وهام روابي
أذيعت القصيدة ، ونشرت ، وأخذت مدى واسعا حاملة بين حروفها الشأن الكردي بخاصته ، والشأن العراقي بعامته ، ومعربة عن موقف الشاعر ، وعن روحه الوطني التي يؤذيها احتراب أبناء الوطن .
استرجع التاريخ بآلامه وآماله ، وتطلع نحو سلام يحتضن الأرض ، ويصون الحقوق ووقف عند القائمين بالأمر المهيئين له فأجزل لهم الثناء ، ووصل إلى مورد الحديث عن الزعيم الملا مصطفى البارزاني فقال مخاطبا رئيس الجمهورية يومئذ أحمد حسن البكر :
جاذبت من صقر الشمال وإنه ... بالعز أمنع من مطار عقاب
ومسحت غضبة قسور عن وجهه ... ولقطت عن فمه مرارة صاب
وأريته أن النفوس معاجز ... جلى إذا خلصت من الأوشاب
عملاق جن في الحروب ودعلج ... في السلم يحمي الجلد بالنشاب
وسط الجبال كأن صم صخوره ... من بعض ما استصفى من الحجاب
مستشرفا كبد السماء جبينه ... للنيرات ورجله في الزاب
غير أن هذا المورد لم يرض القائمين على الأمر فأسقط من القصيدة عند ما نشرت في الجزء السادس من الديوان في طبعة وزارة الإعلام العراقية .
ولعل مما له دلالة على مانحن فيه أن الشاعر أصغى إلى نفسه ، وإلى فكره ، وأعرب صادقا عما استقر لديه في شأن المسألة الكردية ، ورجالها ، ولم يلتفت إلى رضا من يرضى ، وسخط من يسخط ، وكان وكده أن يصوغ تجربته وأن يرجع بها إلى عناصرها كلها ، ما كان منها قديما ، وما هو حاضر :
يوم الشمال وأنت من تطلابي ... وإليك من عشرين كان خطابي
لم تزو عن عيني رؤاك ولا خلت ... شفتاي من نغم ومن تطراب
قد كنت منك ولست أبرح قطعة ... وهواك ظل على المدى من دابي
يوم الشمال وليس يومك وحده ... هو يوم كل محلة وجناب
هو يوم رهط الشعر والآداب ... وتلاحم الأقطاب والأقطاب
هو يوم أعراس العراق بما انجلت ... من غمرة كالعِثير المنجاب
ومضى بها حتى اكتملت مؤتلفة العناصر منسجمة البناء حاملة عنوان فرح وداعية إلى ألفة ومحبة تتردد بها صور الغضارة والندى . ولاريب في أنها زادت صلة الجواهري بالكرد وثاقة ، وأنزلته منزلا رفيعا بينهم .
ولم تمض إلا سنوات قلائل حتى بدت خبيئات الأنفس ، ونقض العهد ، وعاد الاحتراب ، غير أن القصيدة بقيت في ما تحدثت عنه وتطلعت إليه ، و بقي الشاعر يرقب الذي يجري ويعاني ألمه ويخشى على أمله ان يذهب بددا .
ومن نفذت المسألة الكردية إلى فكره وإلى شعره وعاناها بنحو ما مع أبنائها لا بد أن يكون لمثقفي الكرد حضور في شعره وأن يقف عندهم مزجيا تحيته معليا من شأن القيم التي عبروا عنها في حياتهم وفي آثارهم ؛ وكان ممن وقف عنده الجواهري في شعره ( بي كه س )الشاعر الكبير إذ نظم في ذكراه يقول :
أخي (بي كه س )والمنايا رصد ... وها نحن عارية تسترد
أخي ( بي كه س ) يا سراجا خبا ... ويا كوكبا في دجى يفتقد
...ويا حاصدا من كريم الزروع ... غلال الأسى ، والأذى ، والحقد
...ستخلد غارا على ثائر ...وعارا على مستكين قعد
...( بلا أحد ) أيها العبقري ...وأنت الجميع وأنت الأحد
أحب الجواهري الكرد حبا بقي معه مدة حياته ؛ أحبهم شعبا وأرضا وثقافة ورجالا تمرسوا بالسياسة والأدب . وكان من ذلك أن نشأت علاقة وثيقة بينه وبين الأستاذ جلال طالباني منذ أوائل الخمسينيات واطردت في رعاية ونماء يحرص عليها كلاهما وقد بلغ من إعجاب الطالباني بالجواهري وشعره أن صار أوثق راوية له لا يفوته من شعره بيت ، وقد بلغ من إعجاب الجواهري بالطالباني أن أصفاه مودته وجعله نجيه الذي لا يطوي دونه أمرا .
ثم تفرق الناس ، وغادروا البلد ، وران صمت ، وثقلت الأيام ، ودب يأس إلى النفوس ، وكان في الجو حاجة لمن يهزه فبعث الطالباني في سنة 1980 رسالة إلى الجواهري (( يستثيره فيها على أن ((يغني)) من جديد بعد صمت غير قصير )) فابتعثت الرسالة لدى الجواهري مكامن ألم ظلت سنين تصطرع في أعماقه وتسعى أن تجد منفذا فكانت قصيدته ((ماذا أغني)) خلاصة ذلك الألم الحبيس ، لكنه بدأها بالثناء على صديقه جلال طالباني وعلى الشعب الكردي :
شوقا(( جلال)) كشوق العين للوسن ... كشوق ناء غريب الدار للوطن
شوقا إليك وأنت النور من بصري ... وأنت مني محل الروح في البدن
وأنت من قلة يسخو الزمان بها ... تستل من كثرة عبء على الزمن
...يا ابن الذرى من عقاب غير مصعدة ...شم النسور به إلاعلى وهن
يرقى السماوات عملاقا وتحضنه ...غر النجوم ،ويلقاها بمحتضن
حتى إذا هز عطفيه ، وعاوده ... رعي السفوح بمنجاة من الفتن
تلقفته ينابيع وأودية ... خضر تجلببن موشيا من اليمن
من لطفها وتساميه مشى بشر ... فيها بأحسن من خلقيهما الحسن
والقصيدة زاخرة بمشاعر بقيت على مر السنين قوية دافقة واضحة المرامي لم تلو بها الأيام ولم تزدها الحوادث إلا نصوعا ؛ ولولا هذه المشاعر وأصالتها في نفسه لذهب إلى موضوع القصيدة من دون هذه الأبيات القائمة على الإعراب عن محبة راسخة للشعب الكردي وللأستاذ الطالباني ذلك أن الباعث على القصيدة هو أنه لا يجد مساغا لما دعاه إليه الطالباني فلقد أخلد الناس إلى السكون والدعة ولم يعد ثمة عمل ثوري يقتضي الشعر ويبتعثه ...
وبعد :
فإن الجواهري أول شاعر عربي وعى القضية الكردية وعيا واضحا صحيحا وعبر عنها تعبيرا صادقا جميلا إذامتزجت بدمه وصارت قضيته ن وتجلى ذلك بالوقفة عند الثورة الكردية وقادتها وعند نخبة من أدباء الكرد وشعرائهم وخلال ذلك كان حضور الجبل وشممه والمراعي وخصبها حقيقة ورمزا ...


يحته أينما ترددت ، وكذلك كان الجواهري ؛ فقد اتصلت أسبابه بأسباب القضية الكردية ورأى فيها مبادئ العدالة التي ما فتئ يسعى إليها . وكانت له على ذلك صحبة كريمة قامت أواصرها بينه وبين رجال من الكرد من أهل الثقافة ومن أهل السياسة . كل ذلك جعل الشأن الكردي في واقعه وفي مراميه واضحا لديه ، لا يعتريه فيه لبس ، وجعل منه أيضا تجربة شعرية يدير عليها بعض قصائده .
كان الشاعر قد غادر العراق في أوائل الستينيات ؛ في سنة 1961 ، خشية من أذاة كانت مطلة عليه واتخذ من براغ مهجرا له نائيا بنفسه عن سبل الطغيان ، وكانت الحركة الكردية في منعطف خطير من منعطفاتها في المقارعة ، حيث كان لهيب الثورة مندلعا والمعارك في احتدامها ، فاجتمعت بذلك لديه عناصر قصيدة : غربة ، وطغيان مسلط ، وثورة يتلهب إوارها ! وليس ثمة ما هو أقدر من هذا الجو على إلهام الجواهري جيد الشعر ! فكانت قصيدة (( كردستان يا موطن الأبطال )) نظمها وألقاها في مؤتمر جمعية الطلبة الأكراد قي أوربا المنعقد بمدينة ميونيخ الألمانية في آب من السنة نفسها . وقد جاءت بعد أن اكتملت التجربة وأخذت مداها وتذوق الشاعر كأس مرارتها في جانب الطغيان والغربة منها ، وتمثل ثورة الجبل وهي لديه في حالته تلك ثورة على مستبد فر من أنيابه !
اكتملت التجربة وانصهرت عناصرها وانبثق منها إطار يلتقي عنده شأن الشاعر في أدق ما كان يكتوي به بشأن الكرد وقضيتهم وثورتهم المضطرمة حتى كأن الشأنين في مدارهما شأن واحد .
يقول :
قلبي لكردستان يهدى والفم ... ولقد يجود بأصغريه المعدم
ودمي وإن لم يبق في جسمي دما ... غرثى جراح من دمائي تطعم
تلكم هدية مستميت مغرم ... إني المضحي والضحية مغرم
أنا صورة الألم الذبيح أصوغه ... كلما عن القلب الجريح يترجم
ولرب آهات حيارى شرد ... راحت على فم شاعر تتنظم
لقد نفذ إلى المسألة الكردية من خلال ألمه ، وجعل يساقي القصيدة به وبالشأن الكردي وقد بدا له في اتساع مناحيه : أرضا وفكرا وشعبا وقيادة وثورة تحتضن ذلك كله :
سلم على الجبل الأشم وأهله ... ولأنت تعرف عن بنيه من هم
وتقص كل مدب رجل عنده ... هو بالرجولة والشهامة مفعم
والثم ثرى بدم الشهيد مخضبا ... عبقا يضوع كما يضوع البعم
متفتح أبد الأبيد كأنه ... فيما يخلد عبقري ملهم
واهتف تجبك سفوحه وسهوله ... طربا وتبسم ثاكل ، أو أيم
باسم (( الأمين )) المصطفى من أمة ... بحاته عند التخاصم تقسم
كان لاتساع موهبة الجواهري ، ولاتساع ثقافته أن رحب أفقه فنجا من ضيق أفضى بكثيرين إلى نمط من التعصب تغفل فيه حقوق الآخرين ويسوغ اهتضامها ؛ لقد استقامت له رؤية عدل وتوازن لا تختل عناصرها .
مضى الشاعر ينسج القصيدة من خيوط يعرفها ويعرف موقعها في الأرض والناس وتاريخ الالتحام بينهما :
سلم على الجبل الأشم وعنده ... من (( أبجديات )) الضحايا معجم
سفر يضم المجد من أطرافه ... ألقا كما ضم السبائك منجم
ياموطن الأبطال حيث تناثرت ... قصص الكفاح حديثها والأقدم
ولم ينسه ما هو إزاءه المحنة الكبرى التي ينوء البلد بها ؛ إذ هذه من تلك :
يا ابن الشمال ولست وحدك إنها ... الست الملايين التي تتهضم
يا خير ضلع لست وحدك إنه ... جسد بكل ضلوعه يتألم
عانى وإياك الشدائد لم تلن ... منه قناة كل يوم تعجم
بدأ بقلبه وفمه وهما مستقر المشاعر ومنفذ إعلانها يهديهما إلى كردستان محبة وانسجاما ، وأن الذي تنطوي عليه جوانحه يجد امتداده في كردستان وما تسعى إليه على درب الحرية .
يعلن ذلك ، ويمجد الجبل وناسه راصدا مسار التاريخ نحو غايته ثم ينثني إلى نفسه ليجد أن ما وقع عليه من حيف هو بعض مما وقع على البلد ؛ فلو كانت الأمور تجري في نصابها ، ولو كان الميزان عدلا لما دب ظلم في مسارب الظلام :
يا موطن الأبطال بث مؤلم ... وألذ أطراف الحديث المؤلم
ولقد يلذك من شكاة أن ترى ... فيها الضمير بنفسه يتكلم
أنا مثل دأبك في كفاحك محرب ... شاكي العزيمة أعزل متقحم
آبي الهضيمة ، واستباح هضيمتي ... فيما استباحك أحمق متجرم
ألوى بمن عندي ، وعندي صفوة ... هي من أبيه ، ومن ذويه أكرم
ورمى بهم خلف الحدود كأنهم ... برد إلى الأمصار عجلى ترزم
وأشاع لحمي للذئاب ولحمهم ... وحمى لحوما بالنتانة تزخم
ودعا الجباة إلى حطام حويشة ... لتباع ملحفة ويشرى محزم
ثم تتجه به القصيدة نحو اختتامها فيقول :
يا أيها الجبل الأشم تجلة ... ومقالة هي والتجلة توأم
شعب دعائمه الجماجم والدم ...تتحطم الدنيا ولا يتحطم
ألقيت القصيدة في سنة 1964 وأخذت مداها ، وأعيد نشرها ، وحظيت بمن يرويها من العرب ومن الكرد ، وينشدها في مجالسه ، وخرجت أبيات منها من سياقها وصارت تروى مفردة ، وربما دلت على غير ما كان لها في القصيدة ؛ وعلى ذلك فقد خلا منها ديوان الشاعر الذي طبعته وزارة الإعلام العراقية ، وكان حقها أن تكون في الجزء الخامس منه . ولعل السلطة القائمة يومئذ لم تكن تريد للقصيدة أن تأخذ موضعها من الديوان ، غير أنها بقيت مروية متداولة يحرص عليها رواتها ، ويحرص الشاعر على تجربته فيها فقد أعلنت موقفا ، وأوثقت الصلة بين الشاعرالعربي والقضية الكردية . وحفظ الكرد للشاعر موقفه ...
وظلت عين الشاعر ترنو إلى مسار الشأن الكردي ، ويؤذيه ما يقع عليه ويؤلمه الاحتراب ، حتى إذا تهيأت بارقة في 11 آذار 1970 سابق الفرح إلى إنشاد : (( طيف تحدر )) مستعيدا تاريخا من المعاناة ، ومرتقبا أفقا جديدا يضع الأمور في نصابها السليم ، وليس عليه بعد ذلك أن يكون البرق خلبا ، وأن تنطوي الأنفس على غير ما تعلن :
طيف تحدر من وراء حجاب ... غضر الترائب مثقل الأهداب
متفجر الينبوع يزخر بالسنا ... ويرش وجه الفجر بالأطياب
وكأن ساحرة ترقص حوله ... أعطاف أودية وهام روابي
أذيعت القصيدة ، ونشرت ، وأخذت مدى واسعا حاملة بين حروفها الشأن الكردي بخاصته ، والشأن العراقي بعامته ، ومعربة عن موقف الشاعر ، وعن روحه الوطني التي يؤذيها احتراب أبناء الوطن .
استرجع التاريخ بآلامه وآماله ، وتطلع نحو سلام يحتضن الأرض ، ويصون الحقوق ووقف عند القائمين بالأمر المهيئين له فأجزل لهم الثناء ، ووصل إلى مورد الحديث عن الزعيم الملا مصطفى البارزاني فقال مخاطبا رئيس الجمهورية يومئذ أحمد حسن البكر :
جاذبت من صقر الشمال وإنه ... بالعز أمنع من مطار عقاب
ومسحت غضبة قسور عن وجهه ... ولقطت عن فمه مرارة صاب
وأريته أن النفوس معاجز ... جلى إذا خلصت من الأوشاب
عملاق جن في الحروب ودعلج ... في السلم يحمي الجلد بالنشاب
وسط الجبال كأن صم صخوره ... من بعض ما استصفى من الحجاب
مستشرفا كبد السماء جبينه ... للنيرات ورجله في الزاب
غير أن هذا المورد لم يرض القائمين على الأمر فأسقط من القصيدة عند ما نشرت في الجزء السادس من الديوان في طبعة وزارة الإعلام العراقية .
ولعل مما له دلالة على مانحن فيه أن الشاعر أصغى إلى نفسه ، وإلى فكره ، وأعرب صادقا عما استقر لديه في شأن المسألة الكردية ، ورجالها ، ولم يلتفت إلى رضا من يرضى ، وسخط من يسخط ، وكان وكده أن يصوغ تجربته وأن يرجع بها إلى عناصرها كلها ، ما كان منها قديما ، وما هو حاضر :
يوم الشمال وأنت من تطلابي ... وإليك من عشرين كان خطابي
لم تزو عن عيني رؤاك ولا خلت ... شفتاي من نغم ومن تطراب
قد كنت منك ولست أبرح قطعة ... وهواك ظل على المدى من دابي
يوم الشمال وليس يومك وحده ... هو يوم كل محلة وجناب
هو يوم رهط الشعر والآداب ... وتلاحم الأقطاب والأقطاب
هو يوم أعراس العراق بما انجلت ... من غمرة كالعِثير المنجاب
ومضى بها حتى اكتملت مؤتلفة العناصر منسجمة البناء حاملة عنوان فرح وداعية إلى ألفة ومحبة تتردد بها صور الغضارة والندى . ولاريب في أنها زادت صلة الجواهري بالكرد وثاقة ، وأنزلته منزلا رفيعا بينهم .
ولم تمض إلا سنوات قلائل حتى بدت خبيئات الأنفس ، ونقض العهد ، وعاد الاحتراب ، غير أن القصيدة بقيت في ما تحدثت عنه وتطلعت إليه ، و بقي الشاعر يرقب الذي يجري ويعاني ألمه ويخشى على أمله ان يذهب بددا .
ومن نفذت المسألة الكردية إلى فكره وإلى شعره وعاناها بنحو ما مع أبنائها لا بد أن يكون لمثقفي الكرد حضور في شعره وأن يقف عندهم مزجيا تحيته معليا من شأن القيم التي عبروا عنها في حياتهم وفي آثارهم ؛ وكان ممن وقف عنده الجواهري في شعره ( بي كه س )الشاعر الكبير إذ نظم في ذكراه يقول :
أخي (بي كه س )والمنايا رصد ... وها نحن عارية تسترد
أخي ( بي كه س ) يا سراجا خبا ... ويا كوكبا في دجى يفتقد
...ويا حاصدا من كريم الزروع ... غلال الأسى ، والأذى ، والحقد
...ستخلد غارا على ثائر ...وعارا على مستكين قعد
...( بلا أحد ) أيها العبقري ...وأنت الجميع وأنت الأحد
أحب الجواهري الكرد حبا بقي معه مدة حياته ؛ أحبهم شعبا وأرضا وثقافة ورجالا تمرسوا بالسياسة والأدب . وكان من ذلك أن نشأت علاقة وثيقة بينه وبين الأستاذ جلال طالباني منذ أوائل الخمسينيات واطردت في رعاية ونماء يحرص عليها كلاهما وقد بلغ من إعجاب الطالباني بالجواهري وشعره أن صار أوثق راوية له لا يفوته من شعره بيت ، وقد بلغ من إعجاب الجواهري بالطالباني أن أصفاه مودته وجعله نجيه الذي لا يطوي دونه أمرا .
ثم تفرق الناس ، وغادروا البلد ، وران صمت ، وثقلت الأيام ، ودب يأس إلى النفوس ، وكان في الجو حاجة لمن يهزه فبعث الطالباني في سنة 1980 رسالة إلى الجواهري (( يستثيره فيها على أن ((يغني)) من جديد بعد صمت غير قصير )) فابتعثت الرسالة لدى الجواهري مكامن ألم ظلت سنين تصطرع في أعماقه وتسعى أن تجد منفذا فكانت قصيدته ((ماذا أغني)) خلاصة ذلك الألم الحبيس ، لكنه بدأها بالثناء على صديقه جلال طالباني وعلى الشعب الكردي :
شوقا(( جلال)) كشوق العين للوسن ... كشوق ناء غريب الدار للوطن
شوقا إليك وأنت النور من بصري ... وأنت مني محل الروح في البدن
وأنت من قلة يسخو الزمان بها ... تستل من كثرة عبء على الزمن
...يا ابن الذرى من عقاب غير مصعدة ...شم النسور به إلاعلى وهن
يرقى السماوات عملاقا وتحضنه ...غر النجوم ،ويلقاها بمحتضن
حتى إذا هز عطفيه ، وعاوده ... رعي السفوح بمنجاة من الفتن
تلقفته ينابيع وأودية ... خضر تجلببن موشيا من اليمن
من لطفها وتساميه مشى بشر ... فيها بأحسن من خلقيهما الحسن
والقصيدة زاخرة بمشاعر بقيت على مر السنين قوية دافقة واضحة المرامي لم تلو بها الأيام ولم تزدها الحوادث إلا نصوعا ؛ ولولا هذه المشاعر وأصالتها في نفسه لذهب إلى موضوع القصيدة من دون هذه الأبيات القائمة على الإعراب عن محبة راسخة للشعب الكردي وللأستاذ الطالباني ذلك أن الباعث على القصيدة هو أنه لا يجد مساغا لما دعاه إليه الطالباني فلقد أخلد الناس إلى السكون والدعة ولم يعد ثمة عمل ثوري يقتضي الشعر ويبتعثه ...
وبعد :
فإن الجواهري أول شاعر عربي وعى القضية الكردية وعيا واضحا صحيحا وعبر عنها تعبيرا صادقا جميلا إذامتزجت بدمه وصارت قضيته ن وتجلى ذلك بالوقفة عند الثورة الكردية وقادتها وعند نخبة من أدباء الكرد وشعرائهم وخلال ذلك كان حضور الجبل وشممه والمراعي وخصبها حقيقة ورمزا ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,166,375
- عدنان العوادي
- حياة شرارة
- لويس عوض .. أيضا
- علي جواد الطاهر
- إبراهيم الوائلي
- الجرجاني .. الشاعر أو ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
- لويس عوض الناقد
- أحمد أمين
- محمد حسين الأعرجي
- عبد العزيز المقالح
- عبد الرزاق محيي الدين
- زكي نجيب محمود... الناقد
- في معنى ألأسطورة
- التقاليد الجامعية
- الشيخ محمود محمد شاكر واللغة الانكليزية
- الثقافتان
- جميل سعيد 1916-1990
- عبد الباقي الشواي
- عبد الحميد الراضي
- مرتضى فرج الله


المزيد.....




- عمر هلال: الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والأوحد لقضية الصحراء ...
- العفو على هاجر ومن معها : أسباب إنسانية وقطع طريق على تدخل أ ...
- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...
- شاهد.. ماذا تبقى من آثار الموصل؟
- هل يصعب على الموسيقات العسكرية العربية عزف النشيد الوطني الر ...
- بعد الاستقلال.. حزب الكتاب يدعو الحكومة لتقديم تصريح أمام ال ...
- حزب الاستقلال: تقديم الحكومة لبرنامج جديد أصبح ضرورة ملحة


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد عدنان - الكرد في شعر الجواهري