أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد السخيري - التخلص من الاتحاد الاشتراكي















المزيد.....


التخلص من الاتحاد الاشتراكي


عبد المجيد السخيري

الحوار المتمدن-العدد: 4184 - 2013 / 8 / 14 - 15:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هذا المقال نشر بالعدد الأخير لمجلتنا "نوافذ" الفصلية الثقافية المغربية(عدد مزدوج 55-56- يونيو 2013) بنفس العنوان أعلاه.ومناسبة إعادة نشره بالحوار المتمدن،بعد استئذان مدير المجلة الصديق الأستاذ والباحث أحمد الحارثي،هو الهجوم الوقح الذي شنته جريدة حزب "الاتحاد الاشتراكي" التي تحمل اسمه ولسان حاله على الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد السيدة نبيلة منيب،في افتتحاحية كاملة كرستها للسب والشتم المنمق،وموظفة قاموس مغرق في الرجعية والذكورية القبيحة،غلى حد تشبيه المتسهدفة بالهجوم بحلاقة صالونات بنوع من الإيحاء البليد.وحيث أنني كنت خمنت في المقال المذكور مثل هذا الانحراف الرجعي الخطير الذي سينحدر إليه حزب عريق مثل الاتحاد الاشتراكي،ومحسوب نظريا على اليسار،مع انتخاب شخص مثل "إدريس لشكر"على راس قيادته،فإني هنا ،إذ أعلن تضامني المبدئي مع المناضلة نبيلة منيب،بصرف النظر عن أي اختلافات إديولويجة وسياسية واردة مع حزبها أو مع غيره،أعيد نشر المقال هنا لهذا الغرض وتعميما للفائدة أيضا،مع التذكير بضرورة الإحالة على الجهة الناشرة في الأصل في حال الإحالة أو الاستشهاد.
ترددنا كثيرا في الخوض بموضوع أضحى مستهلكا أكثر مما يحتمل من تناول هادئ ورصين،مثلما هو الحال مع واقعة صعود شخص إدريس لشكر،المثير للتحفظ،إلى قيادة حزب وطني ملأ الدنيا بشعارات التحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية،مثلما هو الحال مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،في لحظة تاريخية شديدة الحساسية وفائرة بالهبات الشعبية والثورات الملتهبة بالساحات والميادين،وزمن سياسي محلي متخم بالانتظارات والتطلعات التحررية،واتساع أفق الأحلام وسقف الآمال بوطن ضاقت به سبل الاستبداد،وعاث فيه الفساد تخريبا للبنيان الاقتصادي والاجتماعي،وتدميرا للنفوس والعقول،وهدما للقيم النبيلة،وهلم شرا.غير أن تصريحا ل"الصاعد الجديد"إلى دفة تسيير حزب مُعمَد بتضحيات أجيال من المناضيلن والمقاومين،وحمَال أحلام عريضة لشعب متعدد الثقافات واللغات،متوحد في الهموم والخيبات والأحلام المجهضة،والذي جاء يذكرنا بلغة الخدام الأوفياء للعرش من الأعيان والأحزاب المرعية التي لطالما سخر منها "الإتحاديون" وأبدعوا في وصفها بكل الأسماء الجديرة بكائنات مصنوعة على عجل في مطابخ "الداخلية" والأجهزة الأمنية لحاجة مقضية،من "الكوكوت مينوت" إلى "الحزب السري"،فضلا عن التسمية الرائجة "للأحزاب الإدارية"،دفعنا للخروج من التردد بقصد التعبير عن رأي طالما عبرنا عنه للأصدقاء،بخصوص ما نعتقد أنه الأوان الذي حان للتخلص من عقدة اسمها الاتحاد الاشتراكي،بما تعنيه على وجه الخصوص بالنسبة للمحيط اليساري الواسع،من الكف عن المراهنة على الوهم بخصوص الدور المزعوم لهذا الحزب في لم شمل العائلة اليسارية،فبالأحرى تحميله مهمة جليلة وخطيرة مثل قيادة قاطرة تشكيل حزب اشتراكي كبير على الطراز الإصلاحي الذائع في البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة،والمنشود للخروج من حالة التشرذم التي عانها اليسار المغربي،على الأقل بالنسبة لتلك التي توجد بينها قواسم مشتركة وتاريخية كثيرة،بل وحتى بالنسبة للتعبيرات الراديكالية إن وجدت مناخا صحيا داخل سيرورة سياسية ناضجة وشفافة،لا يمكنها إلا أن تدعمها من أجل تحرير الحياة السياسية من الهيمنة المخزنية،ومن التدخلات الفاضحة للنواة الصلبة للمخزن لفبركة واصطناع أوضاع سياسية متحكم فيها،وإنتاج مواقف تحت الطلب،واستئجار "فاعلين"تحت الخدمة لتلطيف الجو،في حالة وجود احتقان غير مطمئن وتولد سيرورات صراعية غير متوقعة وعصية على المراقبة.
إن حجتنا واضحة في هذا الباب:لا يمكن لشاهد زور على مسلسل ديمقراطي كاذب(1975)،ولا لمشارك في صفقة بيع نضالات الكادحين(1998)،ولا لمن ضاق صدره بالاختلافات الداخلية،والخارجية في علاقاته مع الوسط الطبيعي لانتمائه الشكلي(اليسار)في أكثر من محطة،أن يكون جديرا بأي قيادة،فعلية أو رمزية،لبعث مشروع يسار مقاوم ومعانق لقضايا الشعب،بأطروحات حقيقية وهوية تنظيمية مطابقة لمرجعيته الإيديولوجية،مهما تراوحت بين الميول الإصلاحي الديمقراطي،وبين الاخيار الثوري حين تحكم الضرورة التاريخية بذلك.ألا إنه لمن العبث، بعدما جرى اليوم داخل هذا الحزب،أن يستمر البعض في التعويل على دور مفترض لهذا الكائن السياسي،لبعث أحلام التقدميين والأحرار بهذا البلد في مستقبل مشرق يتحرر فيه الوطن من قرون من الطغيان والاضطهاد،ويسعد فيه الناس بلقمة عيش شريفة،وحياة كريمة،وكينونة إنسانية مسايرة للعصر،روحها المواطنة لا الرعوية.ولعل الذين صدمهم صعود نجم شخص شعبوي مثل لشكر،إما أنهم لم يستوعبوا حقيقة ما حصل داخل هذا الحزب منذ زمن بعيد،وإما أنهم مصرون على تكذيب أيامهم وتصديق أحلامهم كما قال محمود درويش ذات قصيدة جميلة.وفي الحالتين لا عذر لمن لا يعتبر بدروس الزمن والتاريخ،ولمن يعطل العقل في لحظة الحسم ويسند وعيه لأوهام الذات وحسابات الآني القاتلة.ولنا عود لهذا في ختام هذا المقال.
تهريج وفهلوة:
لم يكن ما أسفر عنه سباق القيادة،بالنسبة للمؤتمر الأخير لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،مفاجئا بالنسبة للمتتبع النبيه للحياة السياسية المغربية،وللتجربة الحزبية منها على وجه الخصوص،بل لعل الكثيرين خمنوا بنسبة كبيرة صعود السيد إدريس لشكر إلى منصب الكاتب الأول للحزب العريق،الذي تحول إلى ما يشبه ذكرى من الماضي الجميل البعيد،وذلك منذ انطلاق الحملات الانتخابية للمرشحين الأربعة في أفق المؤتمر التاسع الذي جرت وقائعه ببوزنيقة أيام 15 و16و17 من شهر دجنبر سنة2012 .فمن بين الأربعة ظهر لشكر منذ البداية الأوفر حظا للحصول على المنصب،لمن كان يتابع عن قرب الحياة الداخلية للحزب،ولمن أمكنه أيضا أن يلتقط الكثير من المؤشرات في الزمن أو الوضع السياسي الراهن،التي باتت ترجح كفة نمط جديد من السياسيين أو الحزبيين من طراز بنكيران وشباط وآخرين على شاكلتهم في الهيئات الأخرى غير الحزبية من شخصيات حاضرة باستمرار بوسائل الإعلام وصانعة للجدل حتى لا نقول الحدث،وهذه الشخصيات تقتسم،على اختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسية والمذهبية،ميول شعبوية على الطريقة المغربية "المأذونة"،وتسبح في نفس النهر؛إذ سواء عُزف النشيد يسارا أو يمينا أو وسطا،فإنها تندغم في اللحن الواحد:الكل في سباق من أجل خدمة الملك ونظام حكمه،وفي ذلك يتنافس المتنافسون.
والحال أن لا أحد يفهم بالتحديد لم كل هذا الصراخ والهرج إذن،إذا كان الجميع ملكيا وبالأحرى ملكيا أكثر من الملك نفسه؟وأي مبرر،أو أي معنى لأزيد من ثلاثين حزبا مكرسة لخدمة الملك،ومع ذلك تتلاسن وتتراشق بأسوء وأقذع عبارات التخوين ويرمي بعضها بعضا بالمسؤولية على تخلف الوطن وأزمة دولته وانحطاط نظامه وبؤس شعبه؟
ما حصده "الاتحاديون" من خيبات جراء الانحدار الذي آل إليه الحزب منذ زمن ليس بالقريب،والمتوج أخيرا بصعود رجل متمرس على الكذب وضليع في فنون الانتهازية،وخبير في صناعة الأزمات الداخلية لفسح المجال لطموحاته كي تنمو،وينقصه كل شيئ من أخلاق اليساروقيمه،كما تكشف ذلك سيرته باعتراف الأصدقاء قبل الخصوم،لم يكن في الواقع سوى النتيجة المنطقية لما رفض الكثير من المصدومين اليوم تصديقه كأمر كان مقضيا،منذ ساد التساهل مع "الجرائم" و"المذابح" التي استهدفت طرد الشرفاء والأطهار من الحزب،تحت وابل من الكلام المعسول والتصفيقات والتعليلات الكاذبة والتخريجات المفذلكة لديماغوجيي التيار المتمخزن المستقوي بالمال والتنفذ التنظيمي و"البلطجة"،وهو ما شارك فيه فعليا بعض المدعين والمتباكين اليوم على نهاية الحزب "الكبير".فلم يكن لأمثال لشكر وغيره من المهرجين أن يصعدوا سلم قيادة حزب كالاتحاد الاشتراكي،بما له وما عليه،لو لم تفقد الأغلبية الساحقة من قواعد الحزب ومناضليه الحس النقدي في التعاطي مع الشأن الحزبي،وتطلق العقلانية عند رؤية الواقع،وتتحول إلى مايشبه قطيعا تحكمه ثقافة العبيد التي يغلب عليها الدجل والشعوذة المتلونة بالسياقات والتطلعات المصلحية للفئات "القائدة".
شخوص وأقنعة:
لم يكن ينقص هذا المشهد السوريالي،الذي تتناوب عليه منذ مدة أحزاب وشخصيات سياسية وحزبية تبدو للوهلة الأولى وكأن بينها تنافرا شديدا،سوى الاتحاد الاشتراكي ومن على مثاله من أحزاب الاشتراكية الديمقراطية المنهكة والمتعبة،بسبب تاريخها الحافل بالانشقاقات والصراعات الداخلية،إنما أيضا بسبب الضربات الخفيفة أحيانا،والموجعة في أحيان أخرى،التي تلقتها على امتداد مراحل صعبة وحرجة من الصراع من أجل التغيير أو الإصلاح،لتكتمل الصورة وتنعقد الفرجة.فقبل عقدين كان هذا الحزب،الذي يحب الكثير من الملاحظين والمناضلين على السواء نعته بالحزب "الكبير"،كناية على مكانته التاريخية ودوره الأساسي في نشاط المعارضة "الشرعية"،والتضحيات الجسام التي قدمها مناضلوه في المراحل الفاصلة من تاريخ المغرب الحديث والمعاصر،يمثل بارقة أمل كبير بالنسبة لشرائح وفئات عريضة من الشعب المغربي،حتى أن النظام على عهد الحسن الثاني عهد له بمهمة "إنقاذ وطني" تبين في النهاية أنها أنقذت النظام بالأحرى من إفلاس محقق،وأمنت للجالس الجديد على العرش المرور الهادئ لخلافه والده على رأس نظام مخزني غارق حتى النخاع في الفساد،ومثقل بأعباء الماضي الاستبدادي المُخزي.كل ذلك تم بدون مقابل سياسي ولا مكاسب شعبية حقيقية تليق بصورة وسمعة الحزب على الأقل كقوة إصلاحية،ووريث رمزي لكفاح ديمقراطي عنيد معمد بدماء الشهداء وتضحيات خيرة أبناء الشعب في السجون والمنافي.
إدريس لشكر،الذي أثار انتخابه كل الاهتمام الذي شهدناه عقب الإعلان عن نتائج التصويت الخاصة بالدور الثاني من مسلسل السباق الذي انطلق منذ شهور بين عدد من قيادات هذا الحزب العريق،والذي بسببه استقال من استقال من الحزب،وصمت من صمت،ليس في الواقع سوى الذريعة التي كان البعض ينتظرها للهروب بجلده من واقع حزبي مريض وميئوس من شفاءه،والبعض الآخر رأى في انتاخابه النهاية المحتومة التي لطالما تأجلت لحزب هو في الواقع ميت رمزيا منذ زمن طويل وحان تشييع جثمانه إلى المثوى الأخير.فبالنسبة لهؤلاء فإن لشكر لم يظفر سوى بهيكل غادرته الروح منذ وقت بعيد،وفي أحسن الحال فإنه لن يسعد إلا قليلا بقيادة حزب سفينته بدأت تغرق منذ مدة ليست بالقصيرة،إن لم يكن قد غرقت بالفعل،بعدما خرج منهكا من تجربة التناوب التوافقي غير المأسوف عليها،وطاولته الانقسامات الداخلية،وتضررت صورته في الشارع وتلوثت سمعته بشكل بالغ إثر المشاركة المتتالية في تجربتين حكوميتين لم تفلحا في التجاوب مع الانتظارات الشعبية،ولا تحقيق الحد الأدنى من المطالب التاريخية في الإصلاح الديمقراطي التي عللت وجود الاتحاد الاشتراكي في الساحة السياسية،والتي كان قد بلورها قبل أزيد من ثلاثة عقود على قطيعته مع الاختيار الثوري،وتنبي ما عرف بأدبياته بالاختيار الديمقراطي أو الدولة الديمقراطية،بديلا للثورات التي كانت تلوح من أغلب الأرضيات السياسية والتنظيرات الإيديولوجة لليسار العالمي،بما في ذلك جزء من تركيبة اليسار العمالي والإصلاحي.
لا أدري لماذا تذكرت عنوان ملفت لمقالة لأحد المتفلسفة، "التخلص من هيدغر"،وفيها يشرح ويُشرَحٌ طغيان حضورالفيلسوف الألماني الشهير "مارتن هيدغر"في الانشغالات الفلسفية الغربية بشكل مغال وأحيانا متعسف،دون أن يكون لهذا الشكل من الحضور من أهمية خاصة،اللهم ما يتعلق بنصب المتاريس في طريق ماركس وإبعاد شبح الماركسية من أفق الفكر والسياسة داخل أروبا المهووسة أواسط القرن الماضي بالشيوعية،وخاصة فرنسا حيث كان اليمين في حالة هائجة من التضايق من الميل اليساري لألمع المثقفين والفلاسفة الكبار،دفعته في وقت لاحق إلى ابتداع خرافة اسمها الفلاسفة الجدد،لاختراق هذا الوضع ومطاردة شبح الشيوعية الذي يطوف ويحلق في سماء أوروبا كما خمن ذلك ماركس في قولة شهيرة.فمن هذه الصورة التي رسمها الكاتب ل"هيدغر" متنفذ ومستدعى بكثافة غريبة لتلبية جوع سياسي مقنع،أكثر منه احتياج فلسفي لفهم مصائر أنطولوجية ووجودية مزعومة،استعرت عنوان هذا المقال بمناسبة انتهاء أشغال المؤتمر التاسع لحزب عريق وكبير بمقاييس الفاعلية التاريخية والتمثيل الرمزي لأحلام شعب من رجال ونساء وأجيال من المناضلين والمناضلات،مهما كان اختلافنا شديدا أو خفيفا مع مرجعيته وخطه السياسي،وهويته التنظيمية،وتجربته الفعلية في إدارة الشأن العام ونهجه الانتخابي،ومهما انتهى إليه رأينا في هذا الحزب بعدما جرى في المؤتمر الأخير،وما كان قد جرى فعلا منذ التحول الإيديولوجي الكبير لسنة1975،وهو التحول الذي أثمر في النهاية انحدارا شاملا في الأداء السياسي والانتساب لقضايا الشعب وطبقاته الكادحة،والتنصل من كل المبادئ التي عللت وجوده في الساحة،وبررت اعتناقه للمرجعية الاشتراكية الديمقراطية،بعد مراجعة اختياراته الثورية الملتبسة السابقة إثر انفصاله عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،والتنكر لأحد أبرز قيادييه التاريخيين ممثلا في المهدي بنبركة،قبل أن يتكرس هذا الانحدار،في السير الحثيث منذ بداية العقد التاسع من القرن الماضي،نحو التمخزن التدريجي والاندراج المدروس في التحالف اليميني بخلطته الغريبة الليبرالية والمحافظة،الممثل في المرحومة"الكتلة الديمقراطية"،وينتهي فعليا بالاندماج الكلي في المنظومة السياسية والرمزية المخزنية،بعدما تكلل الخط الانتهازي والوصولي ،بتعبير فبرايري الاتحاد والمغادرين السابقين من تياراته الجذرية ،بالانتصار والتنفذ في مختلف أجهزة الحزب ومؤسساته،مستقويا بخريطة قوى جديدة ممثلة في الأعيان الجدد،والزبانة الانتخابية،وأصحاب "الشكارة"،والسماسرة الكبار للمواقع والمناصب السامية والسياسية،على حساب الخط الديمقراطي الذي تعرضت قاعدته البشرية لنزيف حاد،بدأ مع مغادرة مناضلي اللجنة الإدارية للحزب ثمانينيات القرن الماضي،ولم ينته بالتأكيد بخروج تيارات نقدية مهمة عشية المؤتمر السادس،فضلا عن الانسحابات الفردية التي لا تتوقف نتيجة الضغوط الرهيبة التي يمارسها المهرولون إلى المشاركة الحكومية وعبدة الانتخابات على أي شكل من أشكال التمثل النقدي والأخلاقي للسياسة والممارسة الحزبية.
الرجل المناسب في الحزب المناسب:
مع أني أختلف كثيرا مع الصحافي الاتحادي السابق عبد الكريم الأمراني،غير أن جملة واحدة لن أنساها أبدا،قالها يوما عندما سأل عن رأيه في إدريس لشكر،وهو الذي كان يحسب على تيار اليازغي المتنفذ في الأجهزة التنظيمية للحزب قبل المؤتمر السادس،فيما كان يتوقع منه أن يمتدح لشكر المعروف على نطاق واسع بأنه كان الساعد الأيمن لليازغي ومعوله الهدام،فإذا بالصحفي أنذاك يجيب سائله بأنه "إذا ما أراد أحد أو حزب ما أن يخسر معركته فليسندها إلى لشكر"،في إشارة احتجاجية على ترك الحزب لمهام التواصل الإعلامي مع الناخبين لشخص لا يتقن فنون التواصل ولا يملك "وجه" الظهور بوسائل الإعلام،المرئي منه على الخصوص.ولا شك أن الأمراني سيجد صعوبة اليوم في تفسير أسباب نجاح لشكر في تقلد منصب الكاتب الأول للحزب على حساب وجوه حزبية معروفة ومن العيار الثقيل كما توصف في الصحافة،بصرف النظر عن التدهور الذي أصاب رصيدها الرمزي داخل الحزب وفي صفوف المتعاطفين معه وعامة الناس،بسبب الفضائح والشبهات التي ارتبطت بتدبيرها للشأن العام من خلال المناصب السياسية والإدراية والسامية التي تقلدتها لسنوات،كما هو الشأن بالنسبة لكل من لعلو والمالكي،وانكشاف أمر انتهازيتهم للعموم،بعدما تستتروا طويلا وراء الشعارات المناسباتية وضرب الطاولات.فهل نجح لشكر بفضل حنكته السياسية المزعومة كما يروج لذلك أتباعه وحواريوه بلا حياء،أو لأنه قاد حملة دعائية وانتخابية مدروسة وناجعة،وبالتالي يكذب ما ذهب إليه الأمراني؟هل تطورت شخصية لشكر منذ الفترة التي يعود إليها كلام الصحافي،أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ضربة حظ وانتصارا على منافسين ضعفاء وعديمي المصداقية في نظر القواعد الحزبية؟ هل أثمرت شعبوية لشكر نفس الحظوظ على غرار ما حدث مع شعبوية بنكيران وشباط ؟هل الأمر مجرد صدفة أن يتوقع الكثيرون صعود لشكر سلم القيادة مرة واحدة ويستحوذ على منصب فعلي ورمزي مدر للربح وواعد بالأحلام الاستوزاية الكبرى،أم هو تتويج لما خمنه أخرون من أن بلوغ لشكر منصب الكاتب الأول هو في حكم المحسوم أمره خارج قنوات الحزب،بل ونتيجة لتدخل سافر لجهات مرتبطة بالدوائر العليا،حمل شخصا لا يتمتع بأي من الصفات الكاريزمية أو المؤهلات القيادية التي تفوق ما لدى منافسيه،إلى موقع لم يكن ليخطر حتى ببال لشكر قبل سنة فقط؟
لا يحتاج الأمر إلى تصريحات الزايدي،منافس لشكر في التطلع لقيادة الحزب،ولا لكلام آخرين أمثال الحبابي التزموا الصمت دهرا لينطقوا ما أصبح في حكم المعلوم،ليتأكد من حقيقة أن تتويج الشعبوي لشكر على رأس حزب هرم،وميت رمزيا منذ زمن،هو تكريس لنهج الاختراق المخزني للأحزاب السياسية الذي تواطؤ بشأنه الكثيرون،ولا يحق لهم اليوم أن يذرفوا دموع التماسيح على "ميت"شبع موتا،وفوق ذلك تأخذهم الحمية على استقلاليته المفقودة وعذريته المنتهكة،ومنهم القاتل،ومنهم مهندس التطبيع مع الأدوات الأمنية للاختراق،وفيه أكثر من ذلك من نواتج الانحطاط والانحدار الذي هوى إليه الاتحاد الاشتراكي منذ وقت بعيد.
إكرام الاتحاد الاشتراكي: دفنه.
لقد انتهى الاتحاد الاشتراكي كحزب كبير،ولم يعد بالإمكان أن يستمر البعض من تنظيمات اليسار الصغيرة في المراهنة على وهم عودة الحزب إلى تألقه السياسي أو على دور مفترض في توحيد أطياف اليسار،ذلك أنه ليس فقط لم يعد بمقدوره لا أن يعود إلى مكانته السابقة،ولا أن يقدم شيئا في باب توحيد اليسار،بل إنه أصبح أبعد ما يكون عن استعادة مكانته المؤثرة في الحياة السياسية،وأعجز عن القيام بدور حقيقي في أية عملية جدية لبناء قطب يساري موحد وقوي ومستقل عن النظام.والأدهى أن "الاتحاد" أصبح عالة وعبئا ثقيلا على اليسار ويعرقل تطوره،فضلا عن أن له نوايا ابتلاعية في كل المشاريع التي تطرح لتوحيد اليسار.
لا يمكن الاستمرار في الرهان على تعافي الاتحاد الاشتراكي من أمراضه المزمنة،بدءا من داء الانتهازية العضال،الذي أوجد له،الالتحام العضوي لقيادته بالمخزن،البيئة الملائمة للتمدد في جسد الحزب،ومرورا بالوصولية التي تربط قاعدة عريضة من الزبناء الجدد بالقيادة والمستفيدين من الريع الذي رعاه الحسن الثاني ونجح في توريط جزء مهم من خدامه الأوفياء بحزب "العدو التاريخي" في أنشطته وعائداته،خاصة بعد أن ذهب بعيدا في انتقاء عناصر من قيادة مكتبه السياسي ووضعهم على رأس مؤسسات كان من مهام أغلبها التحضير لأسوء السياسات الاقتصادية والاجتماعية،وأكثرها تسفيها لما كان يدعو إليه الحزب في مضمار القضية الاجتماعية والاقتصاد الوطني المتحرر من التبعية،وهو ما جناه بالفعل في هويته،لما صار أحد مرشحيه،المنهزمين أمام لشكر في سباق القيادة الحزبية،وزيرا منفذا لأكثر البرامج الاقتصادية الليبرالية تطرفا،وأمينا على تنفيذ أقبح توصيات المؤسسات النقدية للرأسمال المستفرد بالعالم،ومع ذلك لم يجد،من المتباكين اليوم على مصير الحزب بين يدي لشكر،من يتصدى صراحة لهؤلاء في صفوف الحزب ويطالبهم بالمحاسبة.
وإذا سمعتم شخصا مثل نبيل عبد الله،أمين عام حزب "التقدم والاشتراكية"، الشريك الضعيف للاتحاد في مسيرة "الكتلة الديمقراطية"،وحكومة "التناوب" العجيبة،يقول إنه يعول على نجاح مؤتمر "الاتحاد الاشتراكي" لبعث الروح في اليسار،فيجب أن تلتقطوا وتفهموا "المعنى" كما يقول بعض المغاربة : يسار الكافيار،أو يسار "الهمة" بالأحرى،الذي يطبخ منذ مدة على نار هادئة بمزيج من الضغط الفوقي والاستقطاب المحموم للمترددين والخائبين،والذين فقدوا كل اتصال بماضيهم وأحلامهم الثورية المنهارة.
لقد فات الآوان أيها الباكون على الحزب الميت،وما عاد ينفع إصلاح ولا ثورة في جسم بدأ في التعفن أو تعفن أصلا.وإذا لم تسارعوا إلى دفنه،إكراما له على الأقل،فإن الرائحة النتنة ستنتشر في كل مكان،وسيهرب الباقون على قيد الأمل إلى اليمين المعطر والمنتشي بهزيمة اليسار!
يناير 2013





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,163,865,265
- الثورة المغدورة: انحطاط اليمين وبؤس البديل
- مهرجان موازين: هل انتصر القصر على الشارع؟
- -موازين-: مهرجان السلطة وإيقاعات المعارضة
- مهدي عامل: الفكر في موقع سياسي مكشوف


المزيد.....




- عشرون قتيلا على الأقل في هجوم لطالبان على قاعدة عسكرية في أف ...
- الاحتلال يقتل فلسطينيا بذريعة محاولته طعن جندي
- قادرة على شن ضربة نووية... الكشف عن قاعدة صواريخ سرية في كور ...
- صور.. -قمر الذئب الدموي- حول العالم
- دراسة: لا تحمم طفلك فور الولادة
- باحثون: صعود السلالم يحسن صحة القلب
- البشير في قطر وسط احتجاجات في عموم السودان
- ثروة أغنى أثرياء العالم تزداد 2.5 مليار يوميا
- هدنة بين فصائل ليبية في محيط طرابلس
- مقتل 14 شخصا على الأقل في حريق سفينتين بالبحر الأسود قرب الق ...


المزيد.....

- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد السخيري - التخلص من الاتحاد الاشتراكي