أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رمضان متولي - الديمقراطية بين الوهم والواقع







الديمقراطية بين الوهم والواقع


رمضان متولي

الحوار المتمدن-العدد: 4093 - 2013 / 5 / 15 - 20:23
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


دوني جلوكشتاين، ترجمة رمضان متولي

الديمقراطية واحدة من أكثر الأفكار شعبية وانتشارا رغم التنازع فيها. تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لتبرير غزواتها، وهي كذلك الهدف المعلن للثورات العربية. وتدعي إسرائيل أن الانتخابات الديمقراطية تمنحها الحق في قتل الفلسطينيين، بينما يناضل الفلسطينيون أنفسهم من أجل حقهم الديمقراطي في تقرير المصير. وأحيانا تكون الديمقراطية مثيرة للجدل حتى في أوساط اليسار. فكثير من المشاركين في حركة "احتلال وول ستريت" يعتبرون عملية اتخاذ القراربالأغلبية وكذلك أشكال التنظيم التمثيلية نماذج قمعية ومعيبة. وهم لذلك يلجأون إلى الإجماع (أو التوافق) الذي يتوصلون إليه في وسط التجمعات الصغيرة نسبيا. وهناك آخرون يفضلون عدم المشاركة ببساطة بعد أن تزول عنهم أوهامهم ويفقدون الثقة في النظام السياسي القائم نتيجة للتباين بين خطاب هذا النظام وممارساته الفعلية.
ويرى هذا المقال أن الديمقراطية ليست ممكنة فحسب وإنما ضرورية أيضا إذا كان للجماهير العادية أن تسيطر سيطرة جماعية على مصيرها. فالأزمة الاقتصادية تكشف اليوم بوضوح عن شبكة من العلاقات والروابط التي تجمع الإنسانية في مختلف أرجاء العالم، ما يطرح بصورة عاجلة مسألة ما ينبغي اتخاذه من قرارات هامة وكيف تتخذ. تجنب هذه المسألة يعني أن نترك 1% من سكان العالم يسيطرون على 99% منهم دون اعتراض أو تحدي. ومع ذلك تستمر الصعوبات. فلاشك أن الديمقراطية البرلمانية أفضل إذا قورنت بنظم التزوير التي تستخدمها ديكتاتوريات مثل ألمانيا النازية أو روسيا الستالينية. ولكن هل يستنتج من ذلك أن السبب في وجود الفقر وعدم المساواة، حيث تجرى انتخابات "عادلة"، أن أغلب الناس يريدون ذلك؟
من التفسيرات الشائعة لفشل الديمقراطية في ظل الرأسمالية هو التخريب الناتج عن ندرة الانتخابات، وغياب آليات المساءلة، واختيار الموظفين العموميين والقضاة وقيادات الجيش وغيرهم بالتعيين. ويرى رالف ميليباند أن أحد مصادر هذه المشكلة ينتج عن:
"إن كبار موظفي جهاز الدولة، أي الأشخاص الذين يحتلون المناصب القيادية العليا في الدولة، في أجهزتها التنفيذية والإدارية والقضائية والقمعية والتشريعية، يميلون إلى الانتماء لنفس الطبقة أو الطبقات التي تسيطرعلى المراكز الاستراتيجية الأخرى في المجتمع، وخاصة المراكز الاقتصادية والثقافية.(1)"
ولهذا الرأي جدارته، ولكن استبدال هؤلاء الموظفين الكبار أوتغيير إجراءات تعيينهم لن يحل المشكلة الجوهرية. فكما قال لينين عن حق: "كلما كانت الديمقراطية أكثر تقدما، كانت البرلمانات البرجوازية أكثر خضوعا لبورصة الأوراق المالية والصيارفة.(2)"

لا تخيب الديمقراطية البرجوازية آمال الأغلبية بسبب خلل ما في الدستور. فلا قيمة لمصالح الأغلبية مادام الرأسماليون يسيطرون على وسائل الانتاج مهما كان الشكل الانتخابي المتبع. وعبر هذه السيطرة يهيمن الرأسماليون على منافذ المعلومات، ووسائل الإقناع والتعليم والقمع. ويستخدمون آليات عديدة منها الخوف من البطالة، وابتزاز أسواق المال، واستراتيجية فرق تسد (مثل العنصرية والتمييز الجنسي وغيرها) للتأثير على اختيار الأغلبية بما يضيق من مجال المعارضة ويترك أدوات السلطة الحقيقية في يد آخرين، وخاصة في يد السلطة القمعية في الدولة.
ومنذ ما يزيد على قرن من الزمان شرحت روزا لوكسمبرج ذلك الوضع قائلة: "إن ما تعبر عنه البرلمانية هنا هو المجتمع الرأسمالي، أي مجتمع تكون المصالح الرأسمالية هي السائدة فيه، وهي المصالح نفسها التي تعبر عنها البرلمانية. ولذلك تصبح المؤسسات الديمقراطية من حيث الشكل أدوات لمصالح الطبقة الحاكمة من حيث المحتوى... إن البرلمانية هي أداة محددة تستخدمها دولة الطبقة البرجوازية.(3)"
إن الديمقراطية لا يمكنها أن تدور أو تقفز على أو تتجاهل الواقع الاجتماعي الذي يحيط بها ويشملها.
لذلك لا يمكن حل لغز الديمقراطية إلا إذا نظرنا إليها باعتبارها شكلا محددا من التنظيم الاجتماعي لا مبدأ مجردا لا يتغير. وتعتمد درجة تطابق إجراءاتها الشكلية مع مضمون ديمقراطي حقيقي على ثلاثة عوامل: هياكل التمثيل وعملية اتخاذ القرار، والسلطة والسياق الاجتماعي. ويتناول هذا المقال بالتعريف ثلاثة نماذج في التاريخ – نموذج قديم ونموذج برجوازي ونموذج بروليتاري – كل منها يعبر عن مصلحة طبقة مختلفة.
"ديمقراطية كاملة" في سياقها:
ظهر مصطلح الديمقراطية في اليونان القديمة وجاء من الدمج بين كلمتين هما كلمة "الشعب" (demos) وكلمة "حكم" أو "سلطة" (kratei). وكان جميع المواطنين الذكور في أثينا خلال الفترة بين عامي 508 و 322 قبل الميلاد يسيطرون مباشرة على أعمال الدولة. وكما يشير أحد المؤرخين، نتج عن ذلك "ظاهرة ديمقراطية – حقيقية – بمعنى نظام مستقر ومستديم نسبيا لحكومة – بواسطة الشعب – يعمل دون وجود نخبة حكم مكشوفة أو مستترة."(4)، الأمر الذي يفند تلك الفكرة التي تزعم أن اشخاصا متفوقين من ذوي الخبرة والذكاء (أو ذوي الثروة أو الحسب على الأرجح) هم فقط القادرون على الحكم، وأن غالبية السكان ينبغي أن يتركوا مسألة الحكم لمن هم أفضل منهم.
كانت انطلاقة أثينا نتاجا لتطور عميق الجذور، فقد حالت الطبيعة الجغرافية لجزر اليونان الجبلية، علاوة على عدم وجود أنهار كبرى بها مثل نهر النيل، دون ظهور دول مركزية كبيرة. وكان ملوكها الوراثيون في تعددهم ضعفاء، وبحلول عقد التسعينيات من القرن السادس قبل الميلاد كانت جماعات أرستقراطية وحكام طغاة يستولون على السلطة من هؤلاء الملوك (دون أن يعتمد صعودهم للسلطة على خط النسب). ولم يكن لدى أثينا أراض خلفية غير ساحلية إلا منطقة أتيكا وفيها بدأت الثورة في عام 508-507 قبل الميلاد عملية السيطرة الجماعية.(5)
وكان من حق كل المواطنين الذكور في أتيكا حضور اجتماع عام يلتقي لمدة 40 يوما في السنة، بنصاب لا يقل عن 6000 مواطن، لاتخاذ جميع القرارات الهامة. وكان ربع هذا العدد يستطيع الانتظام في الحضور ويتلقى أجرا مقابل ذلك. ويقوم على وضع جدول أعمال الاجتماع مجلس من 500 شخص يتم اختيارهم سنويا بطريق القرعة، كذلك كان اختيار رئيس الاجتماع يوميا بطريق القرعة. ويستطيع أي مواطن أن يتحدث أو يقدم اقتراحات خلال الاجتماع، وتتخذ القرارات بالأغلبية البسيطة برفع الأيدي. ولم يكن فيها قضاة للمحاكم وانما يجري اختيار هيئة محلفين من 200 إلى 300 شخص عن طريق القرعة ويحصلون على أجر مقابل ذلك.(6)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد:
"ولم يكن لديهم قائدان منتخبان للفرسان وقائدان منتخبان للفصائل القبلية فحسب ، بل أيضا مجلس منتخب من عشرة أعضاء يقوم على تجنيد الفرسان، وجميع الضباط الكبار (مثل القادة العشر) منتخبون علاوة على لجنة فرعية منتخبة من عشرة أعضاء تقود سفن الأسطول. وكان بناة الأسطول أيضا منتخبين من قبل الشعب، وكذلك من يقومون على إدارة منطقة الموانئ ويشرفون على صيانة السفن وملحقاتها كانوا على الأرجح من المجالس العشرية المعتادة التي يتم اختيار أعضائها بطريق القرعة. وكانت إدارة المهرجانات والاحتفالات يقوم عليها موظفون أو مجالس يتم اختيارهم بطريق القرعة وجزئيا بواسطة مجالس منتخبة. والأكثر إثارة للدهشة أن المالية، سواء على مستوى الدولة أم على المستوى المحلي، كان يقوم على إدارتها مجالس يتم اختيارأعضائها بالكامل بطريق القرعة، ويشرف عليها المجلس، وذلك حتى النصف الأخير من القرن الرابع حتى بدأ اختيار مسئول خزانة الجيش بالانتخاب وكذلك انتخاب مدراء صندوق المهرجانات (الخاص بتمويل الاحتفالات).(7)"

واستخدم المواطنون هذه الآليات للرقابة الشعبية لمنع الأغنياء من استغلالهم أو الهيمنة على الدولة. وكانوا ينبذون الرضوخ والانصياع حتى شاعت بينهم الثقة بالنفس التي شجعت على ازدهار وتطور الأفراد، على عكس الاعتقاد بأن السلطة الجماعية تؤدي إلى التماثل. وكانت نتيجة ذلك انتعاش ثقافي هائل في الفلسفة والنظرية السياسية والدراما والنحت والعمارة والتأريخ، وفي كثير من المجالات الأخرى، جعل أثينا متميزة وفريدة بين بقية المدن الإغريقية ويشكل أساسا لجانب عظيم من ثقافتنا اليوم.
لم يفلت هذا النظام المحكم من شروط المجتمع الطبقي رغم نجاحه الباهر بالنسبة للمشاركين فيه. فأولا، كان مصطلح "الشعب" محددا بصرامة، وكان المواطنون أقلية بين إجمالي السكان وقد حافظوا على ذلك. فلم يكن يتطلع إلى هذه المكانة إلا 20 ألفا إلى 30 ألفا من الأولاد الذكور الذين ينحدرون من أبوين هم أنفسهم أبناء لمواطنين، وذلك عندما يصبحون بالغين.(8) ولذلك فإن جميع الفئات السكانية الأخرى، ومن بينها النساء والأجانب والعبيد، كانت مستبعدة من هذه العملية بصفة دائمة.
وكان معظم المواطنين من أصحاب الملكيات الصغيرة ممن لا يستطيعون امتلاك سلع غالية الثمن مثل العبيد، ويكسبون عيشهم من "كد أياديهم مثل صغار الفلاحين والحرفيون وأصحاب الدكاكين.(9)" اكتشفت طبقة الحكم والأرستقراطية أن قوة الديمقراطية نفسها أدت إلى "نقص نسبي في عدد المنتجين الأثينيين الأحرار الذين يمكن استغلالهم والذي كان بذاته عاملا رئيسيا أدى إلى نمو العبودية. وبمعنى ما، كان الفقراء يتمتعون بوقت الفراغ مقابل أن يتمتع الأغنياء بعمل العبيد.(10)" ولذلك:
"نجد نموا أكثر كثافة للرق في اثينا مقارنة بمعظم المدن الأخرى في بلاد الإغريق: فعندما لا يمكن استغلال المواطنين الفقراء استغلالا كاملا، يصبح ضروريا الاعتماد على استغلال عمل العبيد استغلالا استثنائيا، وهو ما يفسر "تقدم الحرية مع الرق جنبا إلى جنب.(11)"
لذلك لم يقرر المواطنون إلغاء الرق من خلال التصويت؛ وكانوا يؤمنون بحق الملكية الخاصة حتى وإن كانت هذه الملكية تشمل ملكية البشر. ويتضح حجم انتشار الرق من خلال التشريح الديمغرافي لسكان أتيكا:(12)
431 قبل الميلاد 323 قبل الميلاد
إجمالي سكان أتيكا 310000 260000
المواطنون (ويشمل ذلك عائلاتهم) 172000 112000
الأجانب (ويشمل ذلك عائلاتهم) 28500 42000
العبيد (لم يكن لهم الحق في تكوين عائلات) 110000 106000

كانت الإمبريالية عبر البحار ملمحا آخر لا ينفصم عن الديمقراطية الأثينية. وكانت قوتها تعتمد على السفن ثلاثية المجاذيف، وهي سفن حربية بها ثلاث طبقات من المجاذيف يحركها ملاحون يتم استئجارهم من فقراء المواطنين، (13) الذين كان عددهم في فرق المشاة الثقيلة يتجاوز عدد الأثرياء. ويوضح مؤلف قديم ينتمي إلى القرن الخامس ويعرف باسم الأوليجارك العجوز أن الفقراء:
"كانوا يتميزون على الرجال ذوي الثروة والحسب، إذا وضعنا في اعتبارنا أنهم هم الذين يحركون السفن ويحيطون المدينة بحزام من قوة الأسطول. ذلك أن مدير دفة السفينة، وربانها، وقائدو الخمسين، والكشاف في مقدمة السفينة، وبناة السفن، هم الرجال الذين يحيطون المدينة بقوة الأسطول أكثر من المشاة الثقيلة والرجال المتميزين وأصحاب الجاه.(14)"
أما الفلاحون فهم عادة مبعثرون جغرافيا، ويتنافسون فيما بينهم باعتبارهم من فئة صغار المنتجين، وحتى عندما يشكلون أغلبية من السكان يواجهون صعوبة التوحد من أجل فرض إرادتهم. ومع ذلك، فإن اتحاد فلاحي أثينا مع بعضهم البعض في الأسطول جعلهم يتمتعون بالتماسك ويمتلكون القوة القهرية التي ضمنت المكاسب الديمقراطية طويلة المدى التي حققتها الثورة.
تجارة الإمبراطورية وإيراداتها من فرض الجزية وفرت الأموال للإنفاق على روعة الرخام في بناء معبد البارثينون في عام 447 قبل الميلاد، كما وفرت للدولة أموالا للإنفاق على خدمات هيئة المحلفين وعلى اجتماعات الجمعية العمومية.(15) ويرى راسل ميجس أن 60% من إجمالي الدخل القومي لأثينا كان مصدره فرض الجزية.(16). وكان المواطنون يستولون على الأراضي من الأقاليم التي يتم احتلالها باستخدام العنف لإجلاء سكانها واسترقاقهم.(17) ويجدر بنا أن نلاحظ أن الأغنياء، رغم غياب الأحزاب السياسية التي نعرفها اليوم في الجمعية الأثينية، كانوا يميلون إلى التصويت ضد الحرب (حيث تفرض عليهم ضريبة حرب) بينما كان الفقراء يصوتون على عكس ذلك.(18)
وربما كانت مطالبة الأثينيين القدماء بكراهية الاسترقاق والإمبريالية أمرا خارج التاريخ، غير أننا يمكن أن نتوقع أن يعارض المواطنين الفقراء عدم المساواة الاقتصادية مقارنة بالأغنياء. وفي واقع الأمر، وفرت الديمقراطية للمواطنين الفقراء مصلحة في نظام يقوم على الاستغلال وعدم المساواة. وكما يشير جوزيا أوبير، "استمر عدم المساواة بين المواطنين في الحياة الخاصة، ورغم مخاوف النخبة من نقاد الديمقراطية، لم تستخدم جماهير الشعب الأثيني أبدا وبشكل منظم قوتها الجماعية لتحقيق المساوة في الحصول على السلع الخاصة."(19) ويدعم AHM جونز هذه الفكرة بقوله: "لم يطرح أبدا اقتراح بإعادة توزيع الأرض أو لإلغاء الديون، ولا طرح تحرير العبيد بنوايا ثورية أبدا في أثينا."(20) ولم يرغب فقراء الفلاحين في تحدي الملكية نفسها؛ وبدلا من ذلك كانوا يضمنون تعبئة الأغنياء لمواردهم وثرواتهم الكبرى لاستغلال العبيد.
الديمقراطية البرجوازية في موطن البرلمانات:
إن الديمقراطية ليست مفهوما مجردا بالنسبة للرأسمالية يسمو فوق العلاقات الطبقية، تماما كما في اليونان القديمة. وقد ظهرت الديمقراطية البرلمانية الحديثة عندما كانت البرجوازية تناضل من أجل فرض هيمنتها على الإقطاع. ولما كانت هذه الطبقة صغيرة عدديا فقد توجب عليها أن تطلب دعما من قوى أكبر منها، ولذا تحدثت بلغة عامة وشاملة. ففي عام 1776، عندما كانت مستعمرات بريطانيا في أمريكا تسعى للاستقلال والتحرر من بريطانيا، ذكر إعلان الاستقلال أن :"الحكومات تتأسس من رجال يحصلون على سلطاتهم العادلة عبر موافقة المحكومين."
وفي عام 1789 استطاعت البرجوازية الفرنسية أن تتقرب إلى الغالبية العظمى من سكان فرنسا، أي الطبقة الثالثة، بهذه الكلمات: "ماهي الطبقة الثالثة؟ إنها كل شئ. وما هي حتى الآن في النظام السياسي؟ إنها لاشئ." وبعد ذلك بمائتي عام، أعلنت الهند استقلالها، "وهي أكبر ديمقراطية في العالم"، مستخدمة لغة مطابقة لذلك تقريبا: "إن شعب الهند صاحب السيادة قرر بإصرار تأسيس الهند كجمهورية ديمقراطية ذات سيادة."
وإذا كانت هناك فجوة في عامي 1776 و 1789 بين خطاب الديمقراطية والترتيبات المؤسسية على أرض الواقع، فهل أدى منح حق التصويت لجميع الرجال والنساء بعد ذلك إلى ديمقراطية حقيقية؟ إن هذا الزعم يتجاهل استمرار التأثير الذي تمارسه السيطرة الرأسمالية على وسائل الإنتاج. وهكذا كان الكونت أوتو فون بسمارك، وهو رجعي حتى النخاع، من أقر حق التصويت الشامل للذكور في ألمانيا عام 1871. وتقر الولايات المتحدة انتخابات للمحامين العامين في الأحياء كما تجري استفتاءات على مستوى الولاية وغيرها، ولكنها أكثر الدول الرأسمالية نجاحا ومن بين أكثر المجتمعات في العالم التي تفتقد إلى المساواة.
ورغم ذلك كان لتطبيق حق التصويت العام أثره. فبينما لم تقترب الديمقراطية البرجوازية الناشئة من الأساس الذي يقوم عليه الحكم الرأسمالي ولا سمحت بالسيطرة الشعبية على الدولة، فقد أطلق خطابها وتوجهها العام عملية بمقتضاها تناضل الجماهير العادية من أجل الديمقراطية كما يفهمونها. ويوضح جون مولينو أن: " الطبقة العاملة بشكل عام حصلت على حق التصويت نتيجة للموجة الثورية التي اجتاحت أوروبا في نهاية الحرب العالمية الأولى."(21)، ومؤخرا خاضت الثورات العربية معركة من أجل الانتخابات الديمقراطية من بين أنياب معارضة شرسة لها.
إذا كان حق التصويت العام لا يهدد سيطرة الرأسمالية على الدولة والمجتمع، فلماذا كانت تقاوم ذلك أحيانا بهذا الإصرار؟ ولماذا كان لهذا الحق تلك الشعبية إذا كانت مكاسب الجماهير العادية منه محدودة إلى هذه الدرجة؟ اضطرت البرجوازية الصاعدة إلى استخدام لغة تتسم بالعمومية ولذلك كانت بالضرورة لغة غامضة. والمثال الكلاسيكي على ذلك جاء في الثورة الفرنسية بشعارها "حرية، مساواة، إخاء".
وقد فاز الرأسماليون بحرية الاستغلال كما يشاؤون عبر حصولهم على الديمقراطية البرلمانية، ولكن الآخرين يمكن أن يفسروا هذه الديمقراطية بالتحرر من الاستغلال. إن شعار المساواة قد يعني أن طبقة الرأسماليين لم تعد طبقة أدنى من ملاك الأراضي الإقطاعيين، ولكن يبدو أن هذا الشعار تضمن وعودا بمساواة أكثر في توزيع الثروة للجميع. ويمكن النظر إلى الديمقراطية في حدود الانتخابات الدورية فقط، أو أنها تتضمن حق التدخل في عملية التراكم الرأسمالي. وبخلاف ما كان سائدا في مجتمعات الرق والقنانة، يستطيع الرأسماليون أن يحققوا كسبا من الاعتقاد العام بأن العمال أحرار لأن التكنولوجيا الحديثة المتقدمة تعتمد على تحفيز العمال بدلا من الاعتماد على العمل القهري، ولكن شعور العمال بأنهم أحرار ولهم بعض الحقوق يفتح كذلك مجالا لعمل النقابات.
وهكذا، حتى في زمن الثورات البرجوازية، ساهم غموض الفكرة الديمقراطية في فتح المجال للتعبير عن مصالح طبقية مختلفة، مجال لأغلبية السكان. إن العناصر المتنوعة في تاريخ الديمقراطية البرجوازية يعبر عنها بوضوح في أقدم مثال لها في العالم – أي في "أم البرلمانات" في ويستمنستر. تاريخها يكشف سياقها الطبقي في كل مراحله. ففي عام 1264، منح تمرد البارونات لانجلترا نظاما برلمانيا من أجل "تقييد يد السلطة الاستبدادية بأن يفرض مجلسا على الملك (يتشكل) من كبار زعماء الكنيسة والعلمانيين."(22) وتكون البرلمان من مجلس اللوردات بالإضافة إلى "مندوبين منتخبين من نبلاء المقاطعات" – مجلس العموم.(23) وانضم إليهم مندوبون عن المدن والأحياء بعد ذلك بعام.(24) وحتى هذا الحد، كانت ويستمنستر تمثل لجنة استشارية للطبقة الإقطاعية الحاكمة ملحقا بها طبقة البرجوازية الناشئة. وظلت السلطة المركزية في يد الدولة التي يرأسها الملك.
الثورة الإنجليزية أخذت البرلمان خطوة أبعد، فقد نضجت العلاقات الرأسمالية داخل شرنقة النظام الإقطاعي، وبحلول عام 1640 أرادت البرجوازية تأثيرا أكبر على قرارات الدولة. في ذلك العام اضطر تشارلز الأول إلى استدعاء البرلمان بعد الفشل العسكري في سكتلندا. لكن مجلس العموم، الذي يأتي مندوبوه من قاعدة انتخابية تضم خمس السكان الذكور، (25) كان يكره التدخل الملكي في شئونه، والمزايا الممنوحة للأرستقراطية في التمتع بعوائد الاستغلال، وسياسات الضرائب والسياسات الدينية، وكثيرا من الأعباء والفروض الأخرى. وقد أدى النزاع في قمة المجتمع إلى إتاحة الفرصة لحركة ديمقراطية واسعة كان مركز جاذبيتها بين "أواسط الناس" الذين يشكلون طبقة بين ملاك الأرض ومن يعملون بأجر.(26)
وفي ديسمبر من عام 1641، حاول الملك القبض على زعماء البرلمان، وكتب بريان مانينج: "كانت لحظة حاسمة في التاريخ وكان القرار في يد جماهير المواطنين العاديين في لندن وليس في يد الملك ولا في يد البرلمان ولا في يد النبلاء أو الأشراف، ولا في يد الجنود المسلحين. وما كان يجري آنذاك بلغ حد الإضراب العام."(27) أعاقت مدينة لندن نوايا الملك في تحطيم البرلمان، غير أن محصلة ذلك كانت مزدوجة: "المدينة الآن أصبحت ملكا للبرلمان – أو بالأحرى أن البرلمان أصبح ملكا للمدينة."(28)
كانت العلاقة بين البرجوازية ومن كانت مضطرة للاعتماد عليهم حتى تنجح في مقارعة المعارضة الملكية علاقة متوترة. فلم يجرؤ البرلمان على أن يرفض علنا التماسا قدمه مئات من الجماهير الفقيرة لهذه المؤسسة في يناير 1641، وأعلن "أن مجلس العموم لا يرى من الحكمة أن يوقظ أسدا نائما رغم أن الالتماس يتضمن بعض الأمور غير العادية لأن ذلك يجر وراءه المتاعب فورا."(29)
وهكذا أصبحت الثورة الإنجليزية أكثر من مجرد نزاع بين الملك ومؤسسة البرلمان، بل كان هذا البرلمان فعليا مجرد واحد من المحاور المؤسسية في الصراع ضمن مؤسسات أخرى. فعندما اندلعت الحرب الأهلية احتاجت البرجوازية قوة عسكرية خاصة بها، واعتمد نجاحها هنا أيضا على تعبئة جماهير من خارج صفوفها. كان قائد الجيش النموذجي الجديد هو أوليفر كرومويل، الذي اختاره، رغم كونه شخصيا من أثرياء ملاك الأراضي، "من بين الرجال العاديين، الفقراء ذوي الأصول العائلية الوضيعة، وليس من بين أولئك الجنود أو المنتمين إلى الطبقات المتميزة."(30) وقد انتصر هذا الجيش في معارك حاسمة في 1645، وحقق تحولا جوهريا في بنية الدولة لا رجوع عنه في جوانبه الجوهرية.
كان دور البرلمان في هذه الأحداث دورا مركبا، وبمجرد انحسار التهديد المباشر من جانب تشارلز الأول سعت الأغلبية البرلمانية (الشيوخ) إلى التفاوض السلمي معه خوفا من العناصر الثورية التي انطلقت آنذاك من عقالها ومن أجل إعادة تدعيم سلطة الدولة، والتي بدونها "سوف ينتفض جماهير الفقراء في المملكة كلها بأعداد هائلة، الأمر الذي تبدو بوادره، وفي لحظة واحدة سوف يتحركون من أجل أنفسهم ما يترتب عليه من دمار كامل لطبقة النبلاء والأشراف في المملكة." (31)
رفض كرومويل هذا الانزلاق في صفوف البرلمان كخطوة سابقة لأوانها، وقام بفرض "مرسوم إنكار الذات" على أعضاء البرلمان مستبعدا أي دور لهم في الأمور الحاسمة الخاصة بالشئون العسكرية: "في هذه الفترة من الحرب لا يجوز لأي عضو في مجلس من المجلسين أن يتولى أو يمارس أي قيادة قيادة أو وظيفة (عسكرية)."(32) وقد كانت قواته آنذاك تمثل مصلحة البرجوازية تمثيلا أكثر فعالية من البرلمان، بما يكشف عن غياب أي ضرورة للتطابق بين مؤسسة نيابية (مثل البرلمان) وحكم هذه الطبقة. وقد قام الجيش النموذجي الجديد فعلا بتطهير ويستمنستر ما لا يقل عن ست مرات في عقد واحد حتى يضمن ألا يبدد الانتصار على الملك.
لم يشترك الجميع في هذا النوع من عدم الاكتراث بالأشكال الديمقراطية، وكان كثير من "أواسط الناس" يؤمنون بإمكانيات التمثيل البرلماني. وقد أطلقوا على أنفسهم "المساواتيين" Levellers وطالبوا بتوسيع حق التصويت. ففي محاورات بوتني عام 1647، قام الكولونيل توماس رينسباراف بعرض آراء المساواتيين على النحو التالي: "إن كل إنسان يعيش تحت سلطة أي حكومة ينبغي أولا أن يضع نفسه بموافقته تحت سلطة هذه الحكومة؛ وإنني لأعتقد أن أفقر إنسان في انجلترا ليس ملتزما على الإطلاق بالمعنى الدقيق للكلمة تجاه تلك الحكومة التي لم يكن له رأي في وضع نفسه تحت سلطتها."(33)
ويعلق بول فوت على ذلك قائلا: "أجمل رينسباراف في جملتين رائعتين الحجة الداعمة لحق الاقتراع العام."(34) إن فكرة الديمقراطية التي تعمل في صالح الأغلبية قد تم التعبير عنها صراحة.(35)
وبحلول عام 1649 قام كرومويل بسحق المساواتيين. كان هدف الثورة بالنسبة له هو تدعيم موقع الرأسمالية الصاعدة لا تمكين جماهير الشعب العادية. لذا قام بإلقاء القبض على القيادات وقال لأعضاء مجلس الدولة: "ليس أمامكم طريقة أخرى للتعامل مع هؤلاء الناس إلا أن تكسروهم أو يكسروكم هم ويبطلون جميع الأعمال التي أنجزتموها … (إن هؤلاء) نوع من الناس جدير بالاحتقار والازدراء."(36) ومع كبح الحالة الثورية وتدجين المؤسسة الملكية بأمان، تمكنت الطبقة الرأسمالية من إعادة تثبيت النظام والسلطة مستخدمة في ذلك تلك الشخصية الرمزية. ولذلك جرى عرض اللقب الملكي على كرومويل (الذي فضل لقب "اللورد الحامي") ثم بعد وفاته منح اللقب الملكي لتشارلز الثاني في 1660. وفي نفس العام أعيد تأسيس مجلس اللوردات الذي تم حله في عام 1649.
إن التحول الاجتماعي الذي أحدثته الثورة الإنجليزية لا يمكن محوه، هكذا كانت الذاكرة التاريخية. ويبالغ المؤرخون البرجوازيون في العصر الحديث في تقدير دور البرلمان ويؤكدون أن "ما حدث في الفترة بين عامي 1640 و 1660 يسير إلى حد كبير في اتجاه تيار التاريخ الانجليزي؛ وكان حاسما فعلا في تطوير الدستور."(37) إن فكرة استمرارية البرلمان من الماجنا كارتا حتى اليوم فكرة وهمية، ولكنها ذات ظلال ممتدة. وعندما أقر حق الاقتراع العام أخيرا في بريطانيا، أدخل نواب البرلمان في مجلس للعموم مزين بأزياء الطقوس القديمة.
إن قصة الاقتراع العام في أعقاب الثورة لم تكن قصة استمرار انتصار النضال الجماهيري على التمييز. فقد أجريت أبرز قرارات توسيع حق التصويت في أعوام 1832 و 1867 و 1884 ثم في 1918. في عام 1832 منح قانون الإصلاح "العظيم" حق التصويت إلى الطبقة الوسطى الجديدة المرتبطة بالثورة الصناعية. وصدر هذا القانون بعد موجة هائلة من المسيرات والشغب التي دفعت ماكولاي، وكان نائبا برلمانيا وأحد أعضاء الطبقة الحاكمة الذين تميزوا ببعد النظر، لأن يصيح بقوة قائلا "إنني أؤيد هذا القانون لأنه أفضل تأمين لنا ضد اندلاع الثورة." (38)، وهكذا، حتى في 1832، كان توسيع الاقتراع العام تنازلا كما كان "أفضل تأمين ضد اندلاع ثورة."
أعقب ذلك الحركة التشارتية في أربعينيات القرن التاسع عشر. وقد جذبت هذه الحركة العظيمة ملايين المؤيدين وروجت لحق الاقتراع العام للذكور كوسيلة لإعادة توزيع الثروة جذريا: "إن ما يهمنا هو أن نكون نحن أنفسنا ممثلين في الهيئة التشريعية، وأن نستخدم قوتنا الخاصة في تحرير أنفسنا من الطبقة الوسطى (أي البرجوازية) … كونوا أنتم حكام أنفسكم في الورشة وكذلك خارجها." (39) ومع الأسف، رفض البرلمان مرة تلو أخرى اقتراحات التشارتية، ولم تؤد ضغوط جماهيرية شبه ثورية إلى توسيع حق التصويت.
تحقق ذلك في عام 1867، اندلعت آنذاك موجة شغب لتأييد قانون الإصلاح، لكن الحركة كانت أقل راديكالية بكثير من عهد التشارتية. كان قادتها يريدون حق التصويت حتى "نضع نهاية لأشكال العداء بين الطبقات المختلفة وأن نربط جميع الطبقات ببعضها عبر وحدة المصلحة في كل واحد متناغم."(40) وقد تم إقرار قانون الإصلاح الثالث في عام 1884 بدون حتى خروج حملات عام 1867، ناهيك عن حركة أربعينيات القرن التاسع عشر، ومع ذلك منح هذا القانون حق التصويت لأكبر عدد من الناس حتى الآن – لاثنين من كل ثلاثة أشخاص (مقابل واحد من كل ثلاثة).
أما حصول المرأة على حق التصويت في عام 1918 فلا يندرج تحت نموذج التحرك والتحريض الجماهيري ولا نموذج التنازل طواعية دون ضغط. وكما يبين فوت، إن حملات المدافعين عن حق المرأة في التصويت خلال الفترة السابقة على عام 1914 كانت لها إسهاماتها: "إن انتصار عام 1918 ما كان ليتحقق بدون النضال عبر سنوات طويلة سبقته. وقد أضعفت الحركات النضالية للمدافعين عن حق النساء في التصويت من سيطرة الرجال الأيديولوجية على النساء."(41)
غير أن المدافعين عن حق المرأة في التصويت أوقفوا حملاتهم مع اندلاع الحرب العالمية الأولى من أجل التركيز على التعبئة الوطنية والتلويح بالأعلام (مثل حملة "الريشة البيضاء" ضد الشباب الذين تأخروا عن التطوع في الجيش). بل إن إميلين بانكهيرست ذهبت إلى روسيا حتى تقنع السكان هناك برفض مطلب البلاشفة بالسلام. وأعيدت قراءة قانون الإصلاح مرة ثانية في مايو 1917. كانت محصلة الحرب العالمية الأولى في ذلك الوقت أبعد ما تكون عن اليقين. وأدركت حكومة ليود جورج أن البقاء يعتمد على رفع الروح المعنوية وسط المدنيين في الجبهة الداخلية، وذلك تجنبا للثورة التي دفعت ألمانيا في النهاية إلى المطالبة بالسلام. وكان حق المرأة في التصويت واحدا من وعود كثيرة، مثل وعد "منازل ملائمة للأبطال"، أطلقت لاستدامة الحرب وتجنب خطر الثورة.
بكلمات أخرى، كان حق الاقتراع أحيانا نتيجة للصراع الطبقي وأحيانا لم يكن كذلك. وبدلا من أني يكون هذا الحق تعبيرا عن حصول العمال على فرصة التأثير داخل الدولة، كان عبئا وتكلفة تقدم من أجل استمرار السيطرة. ولذلك اكتسبت ويستمنستر صورة ركبت بعناية ولو كانت وهمية. ونسي الناس المساواتيين كما نسوا التشارتيين. وبدلا من ذلك، فإن نظامنا البرلماني بالملك الدستوري ومجلس اللوردات والمراسم الاقطاعية والمارشات العسكرية ينضح بالتمييز الاجتماعي، ولكنه يشيع رسالة مؤداها أن بالإمكان الجمع بنجاح بين الديمقراطية والرضوخ في مجتمع طبقي.
يرجع ذلك جزئيا إلى أنماط المساومة التي سردناها أعلاه. بل وأهم من ذلك أنه في اللحظة التي وصلت عادة التصويت في الانتخابات إلى العمال، أصبحت بريطانيا أكبر قوة إمبريالية في العالم. وكما يبين تروتسكي: "كانت بريطانيا أولى البلاد التي اتخذت طريق التطور الرأسمالي، وبفضل هذه الحقيقة، فقد هيمنت على السوق العالمية في القرن التاسع عشر. وبفضل هذه الحقيقة أيضا أصبحت البرجوازية البريطانية أكثر البرجوازيات ثراءً وقوةً واستنارة."
ونتيجة لذلك، حملت الحركة العمالية البريطانية "عبئا محافظا ثقيلا من بقايا تمتد إلى العصور الوسطى."(42) وكل ذلك أضفى على السلوك الانتخابي طابعا مقيدا بشكل خاص.
ولذلك اتخذ تطورها السياسي مسارا مختلفا إلى منطقة أخرى. فبينما كانت الأحزاب الاشتراكية الناضجة تعمل في مختلف أنحاء القارة الأوروبية منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم ينجز حزب العمال البريطاني تأسيسه إلا في عام 1900. ومنذ ميلاده كان يتسم بالتردد السياسي حتى أنه لم يُسمح بانضمامه إلى الأممية الاشتراكية (الثانية) إلا عبر إنشاء تصنيف خاص للعضوية (غير الاشتراكية). لم يكن ذلك بسبب أن الطبقة العاملة البريطانية كانت أقل قوة، ولكن بسبب أن نضالات الطبقة العاملة الجماهيرية منذ هزيمة الحركة التشارتية أصبحت تميل إلى التركيز على النقابوية، التي كان حزب العمال نفسه إفرازا لها. وكان ذلك معاكسا للنظام الذي شهدته القارة الأوروبية حيث كانت الأحزاب الاشتراكية هي التي تقوم بتأسيس النقابات.
في موضع آخر ذكرت: "إن التوازن الانتخابي بين المحافظين وحزب العمال تمتد جذوره في التحليل الأخير في الصراع الطبقي."(43) هذا "التحليل الأخير" في حاجة إلى التأكيد. إن الارتباط بين نضال الطبقة العاملة والانتخابات البرلمانية موجود ولكنه ضعيف للغاية. فأحيانا يكون التقدم البرلماني في علاقة عكسية مع الصراع الطبقي. لقد تم تأسيس حزب العمال المستقل، الذي كان سلفا لحزب العمال، في عام 1893 كتحرك واع نحو استبدال حركة الإضراب بالسياسات البرلمانية. وقد استفاد حزب العمال انتخابيا من هزيمة الإضراب العام في 1926. ولكن النضالات الصناعية الرائعة التي أسقطت حكومة إدوارد هيث المحافظة في عام 1974 شهدت انخفاضا في إجمالي نصيب حزب العمال في التصويت بنسبة 6% مقارنة بالانتخابات السابقة. الفكرة هنا أنه لا يوجد أنماط ثابتة، بسبب غياب أي ارتباط عضوي بين حياة الطبقة العاملة الحقيقية والانتخابات.
يمثل ذلك مشكلة بالنسبة للاشتراكيين الذين يتبنون عن حق أفكار لينين التي طرحها في كتابه "الشيوعية اليسارية مرض طفولي" بأن الاشتراكيين ينبغي عليهم دراسة المشاركة في الانتخابات. وهو يطرح ذلك كوسيلة لفضح الفجوة الدائمة بين ما يتم منحه في ظل ديمقراطية برجوازية وما تريده الطبقة العاملة منها. غير أن ذلك لا يسهل عمله في بريطانيا، في ضوء الخلفية التاريخية التي سردناها أعلاه.
لنأخذ مثالا عن الحزب الشيوعي البريطاني. فقد بدأ الحزب كمنظمة ثورية ورغم خضوعه للستالينية ظل مركزا فعالا بالنسبة للمناضلين. وكان الحزب الشيوعي هو البديل الراديكالي الواضح لحزب العمال وكان لديه ما يطلق عليه العارفون "الاعتراف الرفيع كعلامة". وقد شهدت الفترة السابقة على عام 1935 نضالات هائلة مثل الجمعة الحمراء (1925) والإضراب العام. ثم جاء انهيار حكومة العمال الثانية، وانتقال رئيس الوزراء رامساي ماكدونالد من حزب العمال إلى حزب المحافظين، وهزيمة حزب العمال في عام 1931. ومع ذلك لم يحصل الحزب الشيوعي أبدا على أكثر من 0.3% من إجمالي التصويت. أما الذروة التي بلغها في عام 1945 وسجلت 0.4% من الأصوات فقد كانت نتيجة لانتصار الجيش الأحمر على هتلر في الحرب العالمية الثانية أكثر منها نتيجة لجهود الحزب الخاصة. وفي يناير عام 1951، نشر الحزب الشيوعي كراس "الطريق البريطاني إلى الاشتراكية" واضعا المسار "من أجل التحرك الحاسم للفوز بالأغلبية البرلمانية". ورغم هذا التركيز الشديد لم يتجاوز الحزب أبدا حاجز 0.2% من التصويت. ويبين الجدول التالي الصورة القاتمة على مدى نصف قرن من الجهود الانتخابية التي بذلها حزب رئيسي من أحزاب أقصى اليسار البريطاني:
عام الانتخابات عدد الأصوات نسبتهم من إجمالي الأصوات عدد النواب المنتخبين
1922 33,637 0.2 1
1923 39,448 0.2 0
1924 55,346 0.3 1
1929 50,634 0.2 0
1931 74,824 0.3 0
1935 27,117 0.1 0
1945 102,780 0.4 2
1950 91,765 0.3 0
1951 21,640 0.1 0
1955 33,144 0.1 0
1959 30,896 0.1 0
1964 46,442 0.2 0
1966 62,092 0.2 0
1970 37,970 0.1 0
1974a 32,743 0.1 0
1974b 17,426 0.1 0
1979 16,858 0.1 0

قارن ذلك بأداء الأحزاب الشيوعية في قارة أوروبا. في مجلس الدوما القيصري في عام 1914 حاز البلاشفة على 50% إلى 80% من أصوات الطبقة العاملة (التي كانت تدلي بأصواتها بشكل منفصل عن الطبقات الاجتماعية الأخرى). وحقق الحزب الشيوعي الألماني قبل تدميره على أيدي النازية نسبة 17% من إجمالي الأصوات. في عام 1945، وعلى خلفية الدور البارز الذي لعبته الأحزاب الشيوعية في القارة في حركات المقاومة وانتصار الجيش الأحمر على هتلر، حاز الحزب الشيوعي الفرنسي على 26% من الأصوات، والحزبان البلجيكي والدنماركي حصلا على 13% لكل منهما، والحزب النرويجي حصل على 12% من الأصوات. وفي عقد السبعينيات من القرن الماضي حاز الحزب الشيوعي الإيطالي على 34% من الأصوات، والبرتغالي على 14% والإسباني على 11% من الأصوات.
إن الحكم على الحزب الشيوعي البريطاني على أساس أدائه الانتخابي سوف يكون خطأ جسيما مع ذلك. فقد لعب دورا حاسما في أهم النضالات الطبقية في بريطانيا. ففي الفترة السابقة على الجمعة الحمراء، ساهمت منظمة حركة الأقلية، التي يهيمن عليها الحزب الشيوعي البريطاني، مساهمة أساسية في انتخاب القيادات النقابية اليسارية. وأثناء الإضراب العام كان الحزب في قلب عملية تأسيس "مجالس الحركة". وفي ثلاثينيات القرن العشرين لعب مناضلو الحزب دورا محوريا في إحياء النضال الصناعي عبر المشاركة في إضراب عمال الباصات في لندن عام 1937 وتشكيل النقابات في مصانع السيارات. وفي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، قاد الحزب منظمات مجالس النقابات المنتخبة التي زلزلت حكومات حزب العمال تحت قيادة هارولد ويلسن وأسقطت هيث.
وباستثناء الستالينية، لم يكن عدم التناسب بين تأثير الحزب الشيوعي البريطاني وسط عمال الصناعة وتأثيره في الانتخابات بسبب افتقاده للموهبة أو الحماس بين أعضائه. كما لا يمكن رده ببساطة إلى نظام الانتخابات الذي يعتمد على الأغلبية البسيطة (التي تفوز فيها القائمة التي تحصل على أعلى الأصوات) والصراع الشديد مع أحزاب كبيرة. فانتخابات ممثلي النقابات تعتمد أيضا على نظام الأغلبية البسيطة حيث يفوز من يحصل على أعلى الأصوات. وكان الشيوعيون ينتخبون فيها لأن زملاءهم من العمال يدركون من الوهلة الأولى أنهم يدافعون عن مصالح الطبقة العاملة وأن لديهم أفكار عملية حول تحقيق تقدم لهذه المصالح.
هذه الرؤية ليست دفاعا عن تجاهل الانتخابات. فقد كان انتقاد لينين للتطرف اليساري بالعزوف عن الانتخابات من حيث المبدأ انتقادا صحيحا تماما. ورغم أن البرلمانية لا أفق لها، فلا يعني ذلك أن: "ملايين وأعداد كبيرة من العمال لا يؤيدونها بشكل عام…لا ينبغي أن نعتبر أن ما تجاوزه الزمن بالنسبة لنا هو كذلك بالنسبة للطبقة، وأن الزمن تجاوزه بالنسبة للجماهير … لا ينبغي أن تنزل إلى مستوى وعي الجماهير، أو مستوى وعي الشرائح المتأخرة من الطبقة. لا مراء في ذلك. يجب أن تخبرهم بالحقيقة المرة. ويجب أن تسمي أوهامهم حول الديمقراطية البرجوازية وحول البرلمانية أوهاما. ولكن، في نفس الوقت، يجب أن تتابع بشكل صارم الحالة الفعلية للوعي الطبقي." (44)
إن المقاربة الاشتراكية للمسألة يجب أن تكون مرتبطة "بالحالة الفعلية للوعي الطبقي" وهي حالة تتأثر بوضع تاريخي محدد إيجابا وسلبا.
وإذا كان شيوع الثقة في الانتخابات البرلمانية يعني أن الاشتراكيين لا يمكنهم تجاهلها، فبنفس المنطق، ولسوء الحظ، يقيم الكثيرون مدى جدية وفاعلية أي برنامج سياسي في ضوء نتائج الانتخابات. إن جيشا يشتبك في معارك خاسرة حتما لن يشجع بالضرورة المتابعين على الانضمام إلى صفوفه. لذلك يجب القيام بتقييم "صارم" وملموس في كل مناسبة، لتقدير القوى الحقيقية الداعمة لحملة الاشتراكيين الانتخابية والنتائج المحتملة.
الديمقراطية البروليتارية:
لم يكن لدى كثير من المدن الاغريقية القديمة ذات التركيبة الاجتماعية المماثلة لأثينا أي ديمقراطية، تماما كما أن بعض الدول الرأسمالية الآن تحكم بدون برلمانات. فالحكم الطبقي من قبل أقلية لا يتطلب إجراء انتخابات "حرة وعادلة" ولا ينبذها، لأن السلطة الحقيقية تستمد من السيطرة على وسائل الانتاج بصرف النظر عن ماهية الهياكل التمثيلية القائمة. كتب فريتز تايسن، الذي كان يمول هتلر: "يميل رجل الصناعة دائما إلى اعتبار السياسة نوعا من الخيط الثاني في قوسه…وفي بلد منظم جيدا، حيث الإدارة السليمة، وحيث الضرائب معقولة، وحيث الشرطة منظمة بصورة جيدة، يستطيع أن يبتعد عن السياسة وأن يكرس نفسه تماما لنشاطه الاقتصادي."(45)
إن من يستغلون العبيد أو الأقنان أو العمال هم مستغلون ويظلون كذلك سواء لعبوا دورا متساويا في إدارة الحكومة، أو سمحوا للجنة أو ملك أو ديكتاتور بأن يبادر بذلك نيابة عنهم. (46)
وفي هذا المضمار تمتلك الرأسمالية أوسع مساحة للمناورة، بسبب أن عملية التراكم عملية مقنعة. فالعمال منفصلون عن وسائل الإنتاج ويبدو أنهم يعرضون عملهم "بشكل طوعي" ظاهريا، دون اضطرار الدولة للتدخل لقهرهم على ذلك كما في حالة العبيد والأقنان. لا تحتاج الرأسمالية إلى تدخل الدولة إلا عندما يقاومها العمال طبعا، أو تتطلب أزمة من أزماتها تطبيق إجراءات استثنائية. السيطرة الرخوة أو الخفية عبر الديمقراطية البرجوازية ممكنة، ولكن الفاشية والديكتاتورية العسكرية والهيمنة الإمبريالية وغيرها مناسبة بنفس القدر.
الأمر يختلف بالنسبة للطبقة العاملة، حيث يعتمد التحرر على ممارسة الطبقة التي تشكل غالبية السكان للسلطة بصورة جماعية. ويوضح البيان الشيوعي الذي وضعه ماركس وإنجلز لماذا: "إن جميع الحركات التاريخية السابقة كانت حركات للأقلية، أو في مصلحة الأقلية. أما الحركة البروليتارية فهي حركة الغالبية العظمى المستقلة والواعية بذاتها لصالح الغالبية العظمى." (47)
إن "الغالبية العظمى" تحتاج إلى شكل تنظيمي جماعي ملائم لتفرض سلطتها على كل من الدولة ووسائل الإنتاج. وهنا تصبح الديمقراطية الحقيقية (بالمعنى الإغريقي الأصلي للكلمة) ضرورة مطلقة. إن ممارسة السلطة الطبقية بحركة واحدة، وهو الأمر الذي يستطيع أن يفعله الرأسماليون نظرا لسيطرتهم على وسائل الإنتاج، ليس خيارا مطروحا. كيف يتم التعبير عن السعي الحثيث إلى هذا النوع المختلف تماما من الديمقراطية؟
قامت الحركة العمالية بابتكار نماذج متنوعة من التنظيم، تبدأ من النقابات حتى الأحزاب الثورية والإصلاحية، والتي حاول العمال من خلالها تشكيل مصيرهم جماعيا. (هناك أشكال تنظيمية أخرى مثل حملات المطلب الواحد، ولكنها أشكال تبلغ من التفتيت والتباين والعمر القصير حدا لا يجعلها تشكل نموذجا متماسكا ومتسقا من حيث بنيتها الداخلية حتى نتناولها بالتحليل هنا.)
الديمقراطية والنقابات:
ترتبط النقابات بالأساس بحياة العمل، ذلك أنها مستقلة عن أصحاب العمل بخلاف الحال مع البرلمان، والذي هو بالضرورة جزءا ملحقا بالدولة الرأسمالية. ويعكس وجود النقابات حالة معينة من التوازن. فإذا كان الرأسماليون يهيمنون تمام الهيمنة لن توجد أي نقابات. وبالعكس، إذا أدرك العمال إدراكا واضحا مصلحتهم المشتركة وتوحدوا كطبقة، فإن النقابات القطاعية التي تخوض نضالا للحصول على مكاسب جزئية لن تستمر. وأخيرا، إذا تمكن العمال من إدارة المجتمع فآنذاك لن يكون هناك أصحاب عمل للتفاوض معهم على الأجور وعلى شروط العمل. ولكن لأن هناك نوعا من التوازن، تتكون شريحة من المسئولين، وهذه الشريحة تخشى الهيمنة المطلقة لأصحاب العمل (والتي ربما تقضي تماما على النقابات) وتخشى كذلك الحركة المستقلة للعمال (والتي ربما تجعل دورها كوسيط غير ضروري). وظيفتها أن تكون عقبة أمام التعبير الكامل عن الديمقراطية العمالية.
ومرة أخرى يقدم لنا التاريخ البريطاني دروسا مفيدة. إن منتصف القرن التاسع عشر كان عصر "الحركة النقابية القديمة" التي تضم العمال المهرة على نحو خاص، وفي قطاعات قليلة. وقد عارضت هذه "الأرستقراطية العمالية"، التي لا تجاوز 15% من الطبقة العاملة، توظيف غير المهرة من الرجال والنساء حتى تحصل أعلى سعر عن عملها هي. وقامت "الحركة النقابية القديمة" على تكوين "الجانتا" – وهي تجمع قوي يضم بيروقراطيين منتخبين من النقابات مهمته أن يتفاوض مع أصحاب العمل وتجنب الإضرابات. فلم تكن "الحركة النقابية القديمة" وسيلة فعالة في التعبير عن رغبة الطبقة التي تشكل الأغلبية في الحكم.
وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، أدت الإضرابات الجماهيرية إلى تكوين "نقابات جديدة" تقوم على ضم أعضاء على مستوى كامل الطبقة العاملة. وكان لدى هؤلاء طموح وتفاؤل بالمبادئ الديمقراطية. وقد كتب ويل ثورن، من النقابة الوطنية لعمال الغاز والعمال: عبر تحويل "التضامن العالمي بين الطبقة العاملة إلى واقع (من أجل) العمال المقهورين والذين لا يحصلون أجورا عادلة، قدمنا شيئا ملموسا، طريقا واضحة ومحددة لإخراجهم من دائرة البؤس." (48). ولكن هجوما من أصحاب العمل انتهى بالقضاء على انتفاضة الحركة النقابية الجديدة. فقد كان ضعف العمال غير المهرة في مواجهة إصرار أصحاب العمل وعزمهم ما دفع العمال إلى الاعتماد على المفاوضات التي يجريها مسئولو النقابات. ولذلك، ومع مطلع القرن العشرين هيمنت مجموعة من البيروقراطيين المتفرغين على النقابات الجديدة والقديمة وجرى تقييد الديمقراطية الداخلية إلى حد كبير.
وجاءت أولى المحاولات الواعية للخروج من ذلك كله وتحقيق الديمقراطية العمالية في بريطانيا سواء في النقابات أو في المجتمع عامة من قبل السينديكاليين، وهم مجموعة من المناضلين ممن كانوا يعتقدون أن البرلمان لا يستطيع أن يصير أداة للتغيير. وقد رأوا أن التقدم الديمقراطي تحققه منظمات العمال خاصة – أي النقابات. ورغم أن التاريخ قد كشف عن مثالب ذلك المسعى، فقد أدخل هؤلاء أفكارا هامة على طريقة عمل النقابات، والتي مازالت تحظى بأهمية حتى اليوم.
وقد نشر السينديكاليون في جنوب ويلز، الذين شاركوا بنشاط في تمرد العمال 1910-1914، نشرة "‘عمال المناجم – الخطوة القادمة" التي أعلنت أن "الديمقراطية العمالية هي الهدف" عبر إصلاح النقابات. ولن يتحقق ذلك عبر تطبيق قواعد الديمقراطية البرجوازية الشكلية، ذلك لأنه "لا يمكن لأي دستور، مهما كان عظيما في بنيته، أن يصبح ذا قيمة حتى يكون الجميع مدفوعا بحيوية وسرعة بسياسة نضالية هجومية، والتي سوف تعطي الدستور قبلة الحياة." (49).
إن طريق الديمقراطية العمالية عند السينديكاليين يمر عبر الصراع الطبقي: "إن سياسة المصالحة الطبقية تضع السلطة الحقيقية في أيدي قليل جدا من القيادات. وقد يقول أحدهم: وماذا عن المؤتمرات والاقتراع؟ إن الدعوة إلى عقد مؤتمرات أو تنظيم اقتراع لا تجري إلا عند اختلاف هؤلاء القيادات في الرأي … ويصبح هؤلاء القادة رجالا مهذبين، ويصبحون نوابا برلمانيين، ويحصلون على مكانة عالية نتيجة لهذه السلطة … وأي اختراق تحققه الجماهير على هذه المزايا تضعف من سلطة ومكانة هذه القيادات. فهل نتعجب إذن من أن القيادات تناهض التغيير؟ … إن القائد إذن لديه مصلحة – مصلحة أصيلة في إعاقة التقدم." (50)
تضمنت السياسات النضالية الهجومية "مختلف أساليب ووسائل الضرب" (51)، والاجتماعات الواسعة (بديلا عن أساليب الاقتراع السلبية)، لأن "الاتجاه السائد في الاجتماعات الواسعة يكون دائما نحو نقاء الصوت واتساع النظرة. ويتخذ الرجعي هيئة بائسة في هذه الظروف."(52). وكما يسعى المنشور إلى تقويض أوهام البرلمانية، فإنه يقترح المركزية الديمقراطية عبر دفاعه عن "لامركزية النقاش" و "مركزية الفعل النضالي." (53)
خلال الحرب العالمية الأولى جرى تجديد تيار الديمقراطية البروليتارية من خلال حركة ممثلي النقابات الهندسية. وقد قام "جيه تي ميرفي" ببلورة دروس هذه الحركة في كتابة "لجنة العمال" الذي قدم فيه تحليلا دقيقا للبيروقراطية النقابية: "يعلم الجميع أن الرجل عادة يتولى منصبا (نقابيا) استنادا إلى قوة خطاباته الثورية، والتي تتعارض على نحو غريب مع خطاباته في مرحلة لاحقة بعد قضائه فترة في منصبه. ونقارن هنا بين نظرة الرجل عندما يكون عاملا في ورشته ونظرته عندما يكون مسئولا متفرغا. هذا الرجل في ورشته يشعر بكل تغير، فالمناخ السائد في ورشة العمل هو المناخ الذي يعيشه، والأولوية تكون للظروف التي يعمل في ظلها، بينما يحتل دستور نقابته مركزا ثانويا، بل أحيانا يكون أكثر نأيا. ولكن دع هذا الرجل نفسه يحصل على منصب نقابي، في هذه الحالة ينتقل إلى خارج الورشة، ويلتقي بطبقة جديدة من البشر، ويتنفس هواء مختلفا. وتصبح الأمور التي كان لها الأولوية ذات يوم أمورا ثانوية. ويصبح هو غارقا في الدستور، وبالضرورة ينظر إلى الأمور من وجهة جديدة … وهكذا نجد أمامنا تعارضا بين أولئك الذين يعكسون ظروف الطبقة العاملة وهؤلاء الذين يعيشون بمنأى عن هذه الظروف." (54)
كان هدف ميرفي هو "إحياء الحركة العمالية بروح الديمقراطية الحقيقية" عبر تكوين حركة عمالية جماهيرية مستقلة عن البيروقراطية. (55) وكما كان الحال مع نشرة "عمال المناجم – الخطوة القادمة"، أدرك ميرفي أن رغبة العمال في تشكيل حياتهم العملية لم تكن تعرقلها نصوص الدساتير السيئة طالما توفر الجهد والطاقة المبذولان في النضال.(56) ورغم أن الاجراءات الشكلية لها أثرها، فإن هذه الاجراءات نفسها تعكس التوازن بين نشاط القواعد العمالية والبيروقراطية. وأفضلها ما يوفر منفذا لممارسة الضغوط من أسفل، رغم أن التعديلات الدستورية تتخلف عادة عما يجري من تطور خارجها.
وتعكس حالة البيروقراطية نفسها مؤشرا آخر عن الديمقراطية النقابية، إن التقسيم بين قيادات "يمينية" وأخرى "يسارية" لا يرجع إلى "السياسة الحزبية" بقدر ما يعتمد على ما يعتبره كل جانب منهما الوظيفة الأساسية للنقابة – التفاوض أم الصراع. فالقادة الذين ينتمون لليسار وغيرهم ممن ينتمون لليمين يؤثرون على طريقة أداء المنظمة النقابية، ولكن حتى ذلك لا يمكن تجريده من الأوضاع الملموسة. ولا يوجد صيغة دستورية يمكنها أن تمنع القادة اليساريين من الخيانة إذا كانت الطبقة العاملة نفسها تشعر بالضعف أو كانت سلبية وعاجزة عن النضال. وفي المقابل، عندما تكون العضوية القاعدية نشطة يمكنها أن تدفع المسئولين اليمينيين إلى الحركة، أو قيادة تحرك نقابي مستقل إذا أعاق المسئولون المطالب الديمقراطية للقواعد. وتلخص المعادلة الشهيرة للجنة عمال كلايد ذلك تلخيصا وافيا: "سوف ندعم المسئولين طالما يمثلون العمال تمثيلا صحيحا، ولكننا سوف نتحرك فورا باستقلال عنهم إذا أساءوا تمثيلهم." (57)
إن المعركة حول كيفية اتخاذ قرار الاضراب تكشف التباين بين الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية البروليتارية. فأوراق إبداء الرأي السرية التي ترسل للعمال عبر البريد تسمح للنزعة الفردية البرجوازية وللإعلام الرأسمالي بمجال أوسع لممارسة الضغوط على العمال مقارنة بإبداء الرأي في اجتماعات عامة حيث تتقدم الإرادة الجماعية إلى مركز الصدارة. وقد زعمت مارجريت تاتشر في ثمانينيات القرن الماضي بأن "الحكومة تعتني بتطوير الديمقراطية النقابية" عبر فرض آلية الاقتراع السري. (58) وقام أحد البرلمانيين عن حزب المحافظين بالمقابلة بين آلية إبداء الرأي في الاجتماعات العامة وفقا لتصور "عمال المناجم – الخطوة القادمة" وآلية الاقتراع السري قائلا: "اليوم ينبغي أن يكون الانسان بطلا حتى يجري تصويتا برفع الأيدي في اجتماع عادي عام في نقابته." وقال إن "الاقتراع السري أحد الحقوق الديمقراطية الأساسية." (59) تعرض هذان المفهومان المختلفان للديمقراطية للاختبار العملي خلال إضراب عمال المناجم في 1984-1985. وكما يوضح مايك سايمونز: "لم تكن الدعوة للاقتراع السري مطالبة لإجراء سجال ديمقراطي حقيقي واتخاذ القرار، وإنما كانت سلاحا في حرب طبقية. وقد أراد المعارضون لعمال المناجم في عام 1984 إجراء الاقتراع السري لأنهم كانوا يعتقدون أنه سيؤدي إلى انقسام النقابة. وفي واقع الأمر انتشر إضراب عام 1984 ليضم الأغلبية العظمى من العمال عبر آلية ديمقراطية شاملة – بذهاب العمال من أحد المناجم أو المناطق إلى أخرى حتى يشرحوا لزملائهم وجها لوجه ضرورة التضامن والوحدة فيما بينهم." (60)
إن أي تقدم يحرزه التحدي الجماعي لحكم وسلطة الطبقة الرأسمالية يعد خطوة نحو الديمقراطية الحقيقية؛ وأي شيئ يشجع على السلبية يعرقل هذا النضال.
ومنذ هزيمة عمال المناجم صدر العديد من التشريعات المعادية للنقابات والتي رسخت آلية الاقتراع السري، وغالبا ما يكون الخيار المطروح على الناشطين النقابيين هو إما عدم مشاورة الأعضاء في قضية عاجلة أو إجراء اقتراع سري. وفي هذه الأحوال تكون الديمقراطية البرجوازية أفضل من الديكتاتورية، ويفضل الاقتراع السري على عدم التصويت على الإطلاق. ومع ذلك، فالبديل بائس.
الأحزاب الإصلاحية:
للنقابات العمالية أهميتها في المعركة من أجل الديمقراطية البروليتارية، ولكنها تعاني من عقبة رئيسية. فالمنظمات القطاعية التي يتركز اهتمامها على الأجور وظروف العمل تكون محدودة القدرة في مسألة تغيير المجتمع، وبالتالي تحقيق السلطة الجماعية. وهذا الأمر يحتاج إلى منظمة يكون أعضاؤها من بين الأغلبية، بصرف النظر عن حالتهم الوظيفية، وتركز اهتمامها على المسائل السياسية الأوسع نطاقا. أي يحتاج إلى حزب سياسي، وتاريخيا يوجد من هذه الأحزاب ثلاثة أنواع– الإصلاحية والستالينية والثورية.
وبينما تعكس النقابات حالة التوازن في الصراع الطبقي، تعكس الأحزاب الإصلاحية حالة التوازن الأيديولوجي. فإذا كان العمال قد تبنوا تماما أفكار البرجوازية، لما وجدت أي أحزاب إصلاحية. وإذا كانوا قدر رفضوا هذه الأفكار وأنجزوا ثورة، لتحققت النتيجة نفسها. وعلاوة على ذلك، تسعى الأحزاب الإصلاحية إلى جذب نسبة كبيرة من الطبقة العاملة حتى تعظم من حصيلة أصواتها في الانتخابات. وهي تسعى إلى جذب عمال ممن يتبنون أفكارا رجعية وآخرين ممن يؤمنون بالأفكار اليسارية. وبهذا المعنى تزعم الأحزاب الإصلاحية تمثيلها للطبقة العاملة كما هي في ظل الرأسمالية. (61) ويشكل ذلك أساس النظام الداخلي في الأحزاب الإصلاحية.
ومهما تكن نواياها، تصبح الأحزاب الإصلاحية غير ديمقراطية من حيث الجوهر لأنها تقبل بالبرلمانية. فتركيزها ينصب على انتخاب أعضاء لها في البرلمان، وهؤلاء الأعضاء هم من يهيمنون على الحزب بصرف النظر عن دستوره. وينتهي بهم الأمر بالتالي إلى إدارة مصالح الرأسمالية عندما يكونون في الحكم نتيجة قبولهم "بقواعد اللعبة". اتجاه الاتصال في هذه الأحزاب ينحدر من أعلى إلى أسفل، وليس العكس. وبدلا من أن يقوم الحزب الإصلاحي على خدمة الطبقة العاملة، ينتهي الأمر بأعضائه العاديين إلى المعاناة على يديه. فالأحزاب الإصلاحية لا تستولي على الدولة الرأسمالية، وإنما هذه الدولة هي التي تستولي عليها.
تبين حالة حزب العمال البريطاني هذه العملية بوضوح. فقبل عام 1918، تشكل حزب العمال من النقابات العمالية التي التحقت به والجمعيات الاشتراكية (مثل حزب العمال المستقل). ولم يكن ممثلو الحزب في البرلمان يخضعون للمساءلة أمام أعضائه، وفي واقع الأمر لم يكن لديه ممثلون في البرلمان في ذلك الوقت. وكانت النزعة الثورية الجماهيرية في الداخل في زمن الحرب وكذلك الخوف من الثورة الروسية لعام 1917 هما ما دفعا حزب العمال إلى تأسيس نظام العضوية الفردية وإلى تبني المادة الرابعة الاشتراكية (والتي لو أقرت آنذاك لربما أدت إلى إنجاز السيطرة الديمقراطية الحقيقية على وسائل الانتاج). دستور الحزب في عام 1918 أسس فروعا محلية، ونظاما للمؤتمرات السنوية، واللجنة التنفيذية الوطنية وآليات وأدوات الديمقراطية الداخلية. وهكذا كانت الضغوط الخارجية من نزعة راديكالية جماهيرية وثورة هي ما أسفر عن تقدم ديمقراطي محدود.
ولفترة طويلة، كانت قيادة الحزب تتجاهل قرارات المؤتمر ورغبات الأعضاء، ولكن المظهر الديمقراطي استمر على الأقل. غير أن هزائم النقابات في عقد الثمانينيات وما نتج عن ذلك من فقدان الثقة في أوساط الطبقة العاملة، سمحت لتوني بلير أن يلغي رسميا الديمقراطية الحزبية، وأن يلغي الفقرة الرابعة كذلك في نفس الوقت.
الديمقراطية الثورية والأحزاب الثورية:
لأن النقابات والأحزاب الاصلاحية تعمل في إطار النظام ولأنها حتما تخون العمال، يرفض بعض الناس، مثل حركة الإنديجنادوس الإسبانية (الساخطون) جميع الأحزاب السياسية والنقابات من حيث المبدأ ويعتبرونها غير ديمقراطية.(62) ولا ينبغي تطبيق هذا الوصف على الأحزاب الثورية لأن هذه الأحزاب تهدف إلى الإطاحة بالنظام الرأسمالي حتى تتمكن الإرادة الجمعية للجماهير من ممارسة الحكم ممارسة فعلية.
تصبح وسائل تحقيق هذا الهدف النهائي واضحة عندما تظهر هيئات ديمقراطية الجماهير الشعبية أثناء الثورات. وقد ظهرت العديد من الأمثلة بداية من كوميونة باريس إلى السوفيتات الروسية وغيرها.(63) وهذه الأشكال لم يبتكرها مفكر سياسي ما، وإنما ظهرت عفويا من قلب النضال الجماهيري كشكل طبيعي لممارسة السلطة الجماعية.
وبينما تستخدم الأنظمة البرلمانية أسلوب الدوائر الانتخابية الجغرافية التعسفية كأساس لإجراء التصويت، تاركة جوهر سلطة الرأسماليين دون مساس، يمارس العمال عبر السوفيت أو ما يماثله سيطرتهم الجماعية على وسائل الانتاج والدولة عبر انتخاب مندوبين من مواقع العمل لتشكيل مؤسسات لسلطة الدولة. ولأن مواقع العمل تعمل بصورة متواصلة يمكن أن يخضع المندوبون للعزل الفوري، وكل ما يحتاجه العمال لتغييرهم هو عقد اجتماع في موقع العمل، وذلك مقارنة بأعضاء البرلمان الذين لا يخضعون للمساءلة إلا مرة واحدة كل أربع أو خمس سنوات. مندوبو السوفيت ينتقلون من مواقع العمل بنفس الراتب الذي يحصل عليه من قاموا بانتخابهم ولذلك فهم يشعرون بنتائج القرارات التي يتخذونها، أما أعضاء البرلمان فمعزولون ولا ترتبط أجورهم بمستوى أجور الناخبين في دوائرهم.
ومن الضروري حتى هنا ألا نضفي طابعا أسطوريا على الشكل التنظيمي. كان تروتسكي رئيسا لأول سوفييت (في عام 1905 في مدينة سان بطرسبرج)، ومع ذلك فقط أطلق وصف "الحقير والخبيث" على كل من: "يستخلص الشكل المجرد فقط ويقوم بتحويله إلى أمر مقدس. وهذا ما حدث للسوفييتات، كأنه لم يكن ممكنا استخدام السوفييتات سلاحا في خداع العمال والفلاحين! فماذا كانت إذن السوفييتات التي سيطر عليها المناشفة والاشتراكيون الثوريون في عام 1917؟ لم تكن إلا سلاحا لدعم سلطة البرجوازية وفي الإعداد لديكتاتوريتها. وماذا كانت السوفييتات التي سيطر عليها الاشتراكيون الديمقراطيون في ألمانيا والنمسا في 1918-1919؟ كانت هيئات لإنقاذ البرجوازية ولخداع العمال."(64)
ولذلك فإن الديمقراطية التمثيلية الوليدة في السوفييت تخلق فقط إمكانية لحكم البروليتاريا. وحتى تتجاوز ذلك لابد أن تمتلك الرغبة فيه، وهذا يعتمد على كسب أغلبية السوفييت إلى صف الثورة. وقد تحقق ذلك في روسيا عبر جهود البلاشفة في إقناعها، أي جهود الحزب الثوري. وعندما سقط القيصر في فبراير 1917، رفع البلاشفة شعار "كل السلطة لسوفييت مندوبي العمال والجنود والفلاحين". وبحلول فصل الخريف أيد أغلبية أعضاء السوفييت هذا الشعار رغم أن أقلية منهم فقط فعلت ذلك في البداية. وأصبح هذا الشعار حقيقة واقعة في 25 أكتوبر من نفس العام بعد انتفاضة بلا دماء تقريبا في العاصمة التي أصبح اسمها بتروجراد.
هذا المركب من حزب ثوري وسوفييت أدى إلى أعظم قفزة للأمام في أي ديمقراطية تحققت حتى الآن. فقد أصبح حكم الجماهير فعالا عبر الإطاحة بسلطة الأقلية من الأرستقراطيين والرأسماليين، ووفر الإمكانية لتحقيق سياسة البلاشفة وشعارها "السلام والأرض والخبز". ففي حين واصلت برلمانات ألمانيا وبريطانيا وفرنسا الحرب العالمية الأولى، وكانت حربا كريهة وعبثية، استجابت الحكومة السوفييتية لمطالب الجنود العاجلة وأوقفت مظاهر العداء في اليوم التالي لاستلام السلطة. وفي نفس اليوم تمت الاستجابة لمطالب الفلاحين بالأرض عندما تم تقنين استيلاءهم على أراضي الإقطاعيين، وقد كان الفلاحون يشكلوا الغالبية العظمى من سكان روسيا. وفي المدن كان العمال يسيطرون على مصانعهم، ومع أوائل عام 1918 تم تأميم 500 مصنع ولاحظ لينين سريعا أن العمال قد استولوا على منشآت كثيرة "أكثر مما سمح لنا وقتنا بالإحصاء".(65)
وعملت هذه الانطلاقة على تغذية خطوات تقدمية كبيرة على صعيد حقوق النساء والأقليات العرقية والمثليين وغيرهم. كان ذلك ممكنا - عبر تفاعل الحزب الثوري وتنظيم السوفييت والسيطرة على وسائل الانتاج، وتمثيل الجماهير- لأن السلطة والسياق الاجتماعي أصبحا يتكاملان فيما بينهما.
المأساة هي أن هذه التجربة لم تستمر. فقد أصبح السوفييت هيكلا فارغا. وقامت الديكتاتورية الستالينية بإدارة الدولة والاستغلال الوحشي للجماهير عبر تطهير الحزب البلشفي. فماذا حدث؟ الرأي الشائع أن ذلك كان نتيجة حتمية للحزب البلشفي الذي أسسه لينين وأساليبه. فمثلا، يؤكد المؤرخ روبرت سيرفيس أن لينين "كان شخصية تسلطية بشكل خاص"(66) ولذلك: "إن البلشفية نفسها لديها استعداد مسبق نحو التطرف السلطوي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؛ وحتى لو لم يكن ستالين هو من تولى القيادة العليا للحزب وجاء بدلا منه تروتسكي أو بوخارين أو حتى كامينيف، فإن نظام حكم سلطوي متطرف أيضا كان سيسود. إن تروتسكي وبوخارين وكامينيف – مثل لينين – كانوا يدافعون عن نسخة من البلشفية أخف من نسخة ستالين. ولكنها كانت بلشفية رغم ذلك."(67)
وهكذا يجري تفسير التدمير الكامل للديمقراطية بوجود نزعة تسلطية و"الاستعداد المسبق" لدى البلشفية، وذلك رغم أن سيرفيس يضطر إلى قبول فكرة أن "البلاشفة كونوا حزبا كان أعضاؤه في 1917 يتفاعلون فيما بينهم بشكل ديمقراطي نسبيا."(68)
غير أنه لو افترضنا صحة ما طرحه سيرفيس، تكون الآليات الداخلية للحزب قد أدت إلى فرض الديكتاتورية على المجتمع. وهو ما يناقض الفكرة الأساسية في هذا المقال: فكرة أن النظام السياسي (بما فيه آليات الأحزاب الداخلية) يلزم تفسيره في علاقته بالسياق الاجتماعي، أو أن البنية الفوقية يجب تفسيرها في علاقتها بالقاعدة كما يبين ماركس.(69) فكيف جرى ذلك في روسيا؟
اعتمدت ديمقراطية الحزب البلشفي والسوفييت على طبقة عاملة مناضلة ولكنها صغيرة الحجم نسبيا، وذلك بسبب الطابع الجماعي لها في عملية الانتاج. أما الفلاحون، الذين كانوا يشكلون 80% من السكان وينتشرون في المناطق الريفية الواسعة، فقد افتقدوا التماسك والمصلحة المشتركة مثل الطبقة العاملة، كما شاركوا بدرجة أقل من العمال في مجالس مندوبي العمال والجنود والفلاحين.
بعد ثورة أكتوبر اندلعت حرب أهلية شرسة، وأصبح الحمر (الجيش الأحمر) في مواجهة مع البيض والتدخل الرأسمالي العالمي. وفي هذه المواجهة قتل 180 ألف عامل. وأدى تخريب عملية الانتاج إلى انخفاض أعداد الطبقة العاملة من 2.6 مليون عامل إلى 1.2 مليون. وانخفض عدد سكان بتروجراد، التي كانت في طليعة الثورة، من 2.4 مليون نسمة إلى 720 ألف نسمة فقط. وقد كتب أحد المعلقين المعاصرين أن "تاريخ البشرية لم يشهد مثيلا لهذا التدهور في القوى الانتاجية الذي عانى منه مجتمع لم يكن صغيرا وإنما مجتمع كبير يضم حوالي مائة مليون نسمة."(70) وكانت النتيجة أن ربع السكان، أي حوالي 35 مليون إنسان، تعرضوا لمجاعة شديدة، بل ظهرت حالات لأكل لحوم البشر.(71) وقد هزم البيض في الحرب الأهلية، لكن المجهود العسكري الهائل تطلب تكوين بيروقراطية كبيرة، حتى أنه بنهاية الحرب بلغ عدد الموظفين في الدولة 5 ملايين و880 ألف موظف – أو خمسة أضعاف عدد العمال الصناعيين.(72)
تحت هذه الظروف، كانت السلطة الجماعية لابد وأن تتبخر سواء كان لينين متسلطا أم لا. ولا يعني ذلك إنكارا لأهمية دور الأفراد، فكما يقول ماركس: "إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم، وإنما في ظروف معطاة وقائمة فعلا وقد انتقلت إليهم من الماضي."(73) وقد حاول لينين وتروتسكي وقيادات أخرى مواجهة التيار، لكن تأثيرهم كان هزيلا أمام هذه الظروف الصعبة لأن السياق الاجتماعي كان معاديا تماما لجهودهم. فقد رجحت تماما كفة الفلاحين وبيروقراطية الدولة مقارنة بالطبقة العاملة. وخلال عقد العشرينيات قاتلت هاتان الفئتان على مركز السيادة تحت قيادة بوخارين وستالين على التوالي. وكان القضاء على ديمقراطية الحزب البلشفي يجري بالتوازي مع تدهور الطبقة العاملة. واتخذ النظام الداخلي للحزب في نهاية المطاف شكلا ستالينيا كان انعكاسا لنظام رأسمالية الدولة الذي أداره ستالين – نظام ديكتاتوري بالكامل في كل من الحزب والبلاد عموما.
الانجازات الديمقراطية المذهلة التي حققتها روسيا وانهيارها الكامل فيما بعد تقدمان برهانا مدهشا على صحة رؤيتنا. فقد كشفت روسيا السوفييتة عام 1917 عن كافة مظاهر الحكم المباشر الذي ظهر في نظام الديمقراطية المباشرة الأثيني، بل وأكثر من ذلك امتدت هذه الديمقراطية لتضم، ولو لفترة قصيرة، الأغلبية في مجتمع كبير. وكان الحزب اللينيني عاملا جوهريا في التطور الديمقراطي لعام 1917؛ ولذلك فإن مسألة كيفية أداء الحزب الثوري تحتل أهمية كبيرة بالنسبة للديمقراطية.
وتماما كما يوجد ارتباط بين البنى الداخلية للأحزاب الإصلاحية وبيئتها الخارجية، كذلك الأمر بالنسبة للأحزاب الثورية. وبينما يعمل الاثنان في داخل حدود وتحت ضغوط الرأسمالية، فإن علاقة كل منهما بهذه الحدود مختلفة تماما عن الأخرى. وفي هذا السياق تكون مسألة القيادة مسألة رئيسية.
إن الأحزاب الاصلاحية (مثل النقابات) تجند أعضاءها من بين أغلبية الطبقة العاملة الذين يقبلون، بدرجات متفاوتة، الأفكار الرأسمالية. وإحدى هذه الأفكار هي أن القيادات العليا هنا حتى تحصل على تنازلات لصالح القواعد العادية، وهو ما يجعل العضوية سلبية، تاركة القيادات كعنصر فعال. ويترك لهذه القيادات الحرية في الوساطة بين الرأسماليين والقواعد العمالية أو في أن يجري احتواؤهم داخل الرأسمالية عبر الرواتب العالية والمكانة الاجتماعية. وهو ما يفارق بينهم وبين العضوية، ويشجع على الفساد الشخصي أو الأيديولوجي.
أما نموذج الحزب اللينيني فهو مختلف تماما، ولا يقوم على مفهوم الديمقراطية البرجوازية وإنما على أساس العلاقة بين الأفكار والأهداف الثورية والبيئة المحيطة. ورغم أنه يهدف إلى إقناع أغلبية الطبقة بالاستيلاء على السلطة، فإن هذا الحزب الثوري عادة يكون أقلية، ويضم في صفوفه فقط أكثر القطاعات تقدما من الناحية السياسية. ويسعى أعضاؤه بدورهم لأن يلعبوا دور الطليعة من أجل كسب الأغلبية الإصلاحية في أوساط الطبقة العاملة. وحتى تقوم الأقلية بذلك، يكون لزاما عليها أن تطرح أفكارا راديكالية، وأن تطرح أشكالا بديلة للحركة – وبمعنى آخر أن تقود. وهكذا يجب على الحزب الثوري أن يتطلع لأن يجعل كل عضو من أعضائه قائدا. وبهذا المعنى ينهار التعريف العادي لمصطلح القادة والأتباع، ويكون من دواعي الدقة أن نتحدث عن تقسيم فني للعمل بين "مركز الحزب" وبين قواعده.
وقد يتكون المركز من أولئك الذين برهنوا على امتلاكهم قدرات، ويمكنهم استحضار خبرات نظرية وعملية معينة لتطبيقها، ولديهم الوقت والفرصة لأن يلعبوا دورا مركزيا في المنظمة، وهكذا. ولكن من حيث الجوهر لا يكون هؤلاء مميزين عن القواعد العادية كما يتميز عضو البرلمان أو الأمين العام للنقابة. إن الديمقراطية البرجوازية تضفي قدسية على الانتخابات والتمثيل النيابي حتى تخفي وراءها من يحكمون فعليا. ولكن الحزب الثوري لا يحتاج إلى استخدام هذا النوع من القدسية. فهو لا يوجد من أجل نفسه، ولا من أجل تحقيق الرضى اللحظي الذي قد يستمتع به الأفراد من التعبير عن الذات في اقتراع، وإنما يوجد من أجل هدف محدد – هو تغيير المجتمع. ولا أهمية لآلياته الداخلية إلا في المساعدة في تحقيق هذه العملية، لا أكثر.
وأعضاء الحزب الثوري لا يمكنهم الانتظار السلبي حتى يتحرك المركز نيابة عنهم، ولا يكون في مصلحة المركز أن يتردى الأعضاء نحو السلبية. بل يجب أن تكون العلاقة بينهما دينامية وتفاعلية إذا أرادوا بناء حزب من القادة. ولا يعني ذلك أن الحزب الثوري يكون محصنا تلقائيا ضد الانحطاط البيروقراطي. إن الحصانة من هذا الانحطاط لا تكمن في لائحة الحزب وتشكيله بقدر ما تكمن في نشاطه السياسي. وهنا كما في مواضع أخرى تتضح العلاقة بين البنية الداخلية للحزب والسياق الخارجي لنشاطه.
إن الحزب الثوري يكشف عن نفسه أمام طبقة عاملة إصلاحية في أغلبها وذلك خلال سعيه للاشتباك مع أولئك الذين يكونون على يمينه في الوضع الراهن. ولذلك لا يختفي خطر أن التصالح مع الإصلاحية بمجرد أن ينضم شخص ما إلى الحزب. ومثال ذلك، قد يحتل أعضاء مواقع بارزة في النقابات؛ مما يجعلهم يتعرضون لضغوط من البيروقراطية. آخرون قد يبدأون نشاطهم بميول ثورية ولكنهم يرضخون للأيديولوجية البرجوازية مع مرور الوقت. ولأن الثوريين يجب أن يعملوا جنبا إلى جنب مع أعضاء المنظمات الإصلاحية في حملات مشتركة، فقد يتأثرون بهؤلاء الإصلاحيين أكثر مما يؤثرون هم فيهم.
في هذا الموقف، لا يستطيع الحزب أن يظل مخلصا لمبادئه في انجاز الديمقراطية الحقيقية إلا إذا استطاع أن يمنع هذا الاندفاع نحو اليمين. ولذلك فإن للبنية الداخلية وظيفة ديمقراطية أساسية هي الحفاظ على المبدأ الثوري في مواجهة الضغوط التصالحية التي يتعرض لها الأعضاء. وحتى ينجح في ذلك لابد على جميع أعضاء الحزب أن يخضعوا للمساءلة عن أفعالهم وسياساتهم سواء على مستوى المركز أو على مستوى القواعد العادية. لا توجد مساءلة في الأحزاب الإصلاحية لأن للأعضاء أن يتبنوا أفكارا رجعية برجوازية، والقيادات يمكنها أن تخون العضوية دون أن يحدث شيئ. كان المناشفة في روسيا بداية في نفس الحزب مع البلاشفة (أي في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي)، لكن انشقاقا حدث في هذا الحزب خصيصا حول قضية المساءلة، التي كانوا يعتبرونها غير ضرورية. وعندما أنجز البلاشفة تقدمهم الديمقراطي العظيم كان المناشفة في نفس المعسكر مع البيض، يقاتلون أثناء الحرب الأهلية من أجل هزيمة هذه الانجازات.
إن مواجهة الانزلاق نحو اليمين ينتج عنها خطر عكسي بأن يصبح الحزب حلقة. فحتى لحظة الثورة نفسها يسبح الثوريون دائما ضد التيار، ولذلك يوجد بينهم إغراء رفض أي تفاعل ذا مغزى مع الطبقة العاملة ويتراجعون إلى حالة من العزلة المريحة. ويترتب على ذلك أن يقوموا بالتبشير ودعوة الطبقة العاملة من الهامش بدلا من محاولة قيادتها. وكان ذلك قدر العديد من الأحزاب الاشتراكية فيما مضى. ويميل النظام الداخلي للحلقة لأن يكون جامدا وأن يفتقد إلى السجال الديمقراطي، لأن كل المطلوب (سواء بالنسبة للقيادة أو العضوية القاعدية) هو التكرار المستمر لأفكار واستراتيجيات عامة لا تتغير. ولا يمكن للثورة، التي تستطيع وحدها انجاز الديمقراطية الحقيقية، أن تتحقق وتنجح إذا تحولت إلى عقيدة عقيمة لا يجري اختبارها باستمرار ولا تطويرها وتنميتها عبر الصراع على قيادة الطبقة العاملة. ولذلك، فكما يحمي الحزب الثوري نفسه من ضغوط التأقلم مع البيئة الرأسمالية، فعليه أن يكشف عن نفسه ويختبرها عبر التدخل والتفاعل.
ويحتاج ذلك إلى وجود بنية داخلية تعكس خبرة الأعضاء في محاولتهم لقيادة الطبقة العاملة من داخلها واتخاذ قرار حول كيفية التحرك. وهذه البنية تسمى "المركزية الديمقراطية". وهي لا تمثل نموذجا مسبقا للدولة العمالية أو ديمقراطية جماهيرية مثل السوفييت. كان تروتسكي، الذي كلفه التزامه بالديمقراطية البروليتارية حياته على أيدي عميل اغتاله لصالح ستالين، يصر على أن المركزية الديمقراطية ليست مجموعة من النقاط اللائحية. وإنه لا يوجد "معادلة حول المركزية الديمقراطية التي سوف تقضي مرة واحدة وإلى الأبد على سوء الفهم والتأويلات الخاطئة. إن الحزب كيان عضوي نشط. وهو يتطور عبر الصراع مع عقبات خارجية وتناقضات داخلية. .. إن نظام الحزب لا يهبط جاهزا من السماء، وإنما يتشكل تدريجيا خلال النضال. ويهيمن الخط السياسي على النظام، ومن الضروري قبل أي شيئ آخر تحديد المسائل الاستراتيجية والأساليب التكتيكية تحديدا صحيحا من أجل حلها. فالأشكال التنظيمية ينبغي أن تتواكب مع الاستراتيجية والتكتيك."(74)
هنا تعبير كلاسيكي عن فكرة هذا المقال. إن التوجه السياسي الصحيح خارج الحزب هو مفتاح تحقيق علاقة داخلية صحية داخل أي حزب ثوري. ويتشكل هذا التدخل من عنصرين – صياغة الاستراتيجية وتطبيقها. وقد وصف لينين هذه العلاقة كما يلي:
"يجب علينا أن نضمن المركزية في قيادة الحركة. كما يجب علينا أيضا أن نضمن اللامركزية في المسئولية أمام الحزب من جانب أعضائه الأفراد، وكل مشارك في عمله، وكل حلقة تتعلق أو ترتبط بالحزب. فهذه اللامركزية شرط ضروري ومسبق للمركزية الثورية وأداة تصحيحية لا غنى عنها لها."(75)
وليست المركزية الديمقراطية ضرورة فقط من زاوية إدارة الشأن الداخلي في الحزب، وإنما هي النقيض الضروري في هذا المستوى وعلى مستوى الطبقة العاملة ككل للمركزية غير الديمقراطية عند الطبقة الحاكمة.
إن الأقلية الرأسمالية من المستغلين تعتمد في هيمنتها على الأغلبية على لون من المركزية الشديدة بصرف النظر عن ورقة التوت الديمقراطية التي تختبئ وراءها. فالدولة الرأسمالية شديدة المركزية، وتكون مركزيتها واضحة أشد الوضوح في نظم أسلحتها القمعية – أي في الجيش والشرطة. وتتركز السلطة فيهما عبر تراتبية صارمة غير منتخبة ولا تخضع للمساءلة، من صغار الضباط والعاملين فيها في قاعدتها إلى الجنرالات في قمتها. غير أن هذه التراتبية تنعكس كذلك في التركز المذهل للثروة الذي يتضح في الشركات العملاقة. ومثال ذلك أن قيمة كل من شركات وولمارت، وإكسون وشل كانت في عام 2007 تعادل اقتصاد اليونان، وأكبر من اقتصاد الدنمارك، والأرجنتين وجنوب إفريقيا، الخ.
تحتاج الطبقة العاملة إلى تمركز جهودها إذا كانت تسعى إلى مواجهة هذه القوة المتراكمة. وبالنسبة لها كطبقة، لا يمكن تحقيق ذلك على أساس فردي، بل يحتاج إلى مشاركة كثير من الناس قدر الإمكان ولذلك يجب أن تكون مشاركتهم ديمقراطية أيضا. فالديمقراطية والمركزية تتناقضان وتكملان إحداهما الأخرى سواء بالمعنى المجرد أو بالمعنى العملي.
من السهل أن نتحدث عن المركزية الديمقراطية في أي حزب ثوري ولكن الأصعب هو ممارستها. فلو أن ذلك الحزب أمضى كل وقته في النقاش الديمقراطي حتى يتوصل إلى أفضل الرؤى، يصبح غير جدير باسمه ويتحول إلى حلقة وناد للثرثرة الفارغة. وإذا أمضى الحزب كل وقته في تنفيذ القرارات التي تتخذ، ولا يراجعها أبدا حتى تتلاءم مع تغير الظروف، فسوف ينفصل تماما عن متطلبات اللحظة – ويصبح حلقة مرة ثانية. فمن الضروري تحقيق توازن صحيح بين هذا وذلك، رغم أن نقطة التوازن تتغير باستمرار.
وقد كتب تروتسكي عن هذا الموضوع في عام 1937:
"إن الديمقراطية والمركزية لا تلتقيان على الإطلاق في معادلة ثابتة لا تتغير بين الواحدة والأخرى. وكل شيئ يعتمد على الظروف الملموسة، وعلى الوضع السياسي في البلاد، وعلى قوة الحزب وخبراته، وعلى المستوى العام لكوادره، وعلى المصداقية التي نجحت القيادة في تحقيقها. وقبل أي مؤتمر، عندما تكون مشكلة الحزب هي صياغة خط سياسي للفترة المقبلة، تسود الديمقراطية على المركزية. وعندما تكون مشكلة الحزب هي التحرك السياسي، تخضع الديمقراطية للمركزية. ثم تعود الديمقراطية لتأكيد حقوقها عندما يشعر الحزب بالحاجة لأن يدرس تحركاته الخاصة دراسة نقدية. إن التوازن بين الديمقراطية والمركزية يؤكد نفسه من خلال النضال الفعلي؛ وفي لحظات يتعرض للانتهاك ثم يعاد ترسيخه مرة أخرى."(76)
إن المركزية الديمقراطية في الحزب الثوري هي نقيض ما يجري في ظل أكثر النظم البرلمانية نزاهة وحرية. ففي هذه النظم تعمل مركزية الأثرياء وأصحاب النفوذ ودولتهم وجيوشهم ومحاكمهم ومشرعيهم على حماية الطبقة الحاكمة، ويجري ذلك كله تحت مظهر الديمقراطية الزائف.
خاتمة:
من الشائع الحديث حول الديمقراطية دون النظر إلى السياق الاجتماعي المحدد الذي تعمل في إطاره. ونأمل أن يكون هذا المقال قد بين أن ذلك يعد خطأ جوهريا، وأن المناقشة العميقة يجب دائما أن تفرق بين أنواع مختلفة من الديمقراطية. فلأن الرأسماليين يملكون وسائل الانتاج، نجد تصورهم عن الديمقراطية يفصل حتما بين شكلها ومضمونها؛ والتمثيل النيابي عن السلطة؛ والشعب عن الحكم؛ والقادة عن الأتباع. أما الديمقراطية البروليتارية فهي تربط بين كل هذه العناصر في وحدة ديالكتيكية والتي يمكنها وحدها أن تحقق للأغلبية السيطرة الجماعية وأن تحرر البشرية.(77)
إن الأزمة الرأسمالية الحالية تطرح تحديا غير مسبوق أمام أولئك الذين يؤمنون بالديمقراطية. ففي كثير من أنحاء العالم تزداد ضغوط أسواق المال والشركات الكبرى إلى الحد الذي يفضح زيف وشكلية الديمقراطية البرجوازية. وفي نفس الوقت، توجد موجة من المقاومة وتأخذ أشكالا عديدة، ولكن في جميع الحالات، سواء إضراب عام، أو ثورة شعبية أو حركة جماهيرية مثل حركة احتلال وول ستريت، يمكن ملاحظة تأثير قدرة الإرادة الشعبية على ممارسة السلطة جماعيا. إن تاريخ الديمقراطية من اليونان القديمة حتى اليونان المعاصرة يكشف عن إمكانية ممارسة الجماهير السلطة الحقيقية مرة واحدة وإلى الأبد.
________________________________________
الملاحظات:
1: Miliband, 2004, p68.
2: Lenin, 1976, p22.
3: Howard, 1971, p84.
4: Ober, 1996, p5.
5: Davies, 2004, pp260-286.
6: Ober, 1996, p23.
7: Jones, 1969, pp99-101.
8: Davies, 2004, p18.
9: Jones, 1969, p17.
10: Wood, 1988, p61.
11: Ste Croix, 1983, p141.
12: Wood, 1988, p43.
13: Meiggs, 1972, p439.
14: Quoted in Claster, 1967, p44.
15: Quoted in Meiggs, 1972, p264.
16: Meiggs, 1972, p258.
17: Ma, Papazarkadas and Parker, 2009, p215.
18: Jones, 1969, p131.
19: Ober, 1996, p90.
20: Jones, 1969, pp91-92.
21: Molyneux, 2012.
22: Bémont, 1930, p231.
23: Bémont, 1930, p216.
24: Bémont, 1930, p227.
25: 212,200 out of 1,170,400-Morton, 1979, p212.
26: Manning, 1976, pp152-153.
27: Manning, 1976, p96.
28: Manning, 1976, p98.
29: Quoted in Manning, 1976, p109.
30: Quoted in Hill, 1972, p63.
31: John Hotham quoted in Manning, 1976, p216.
كانت عائلة هوتهام في البداية محور ارتكاز في مقاومة الملك في يوركشاير، ولكن عندما لم يتحقق السلم غيرت العائلة موقفها وانتقلت إلى جانب الملكية
32: Quoted in Hill, 1972, p71.
33: Quoted in Foot, 2005, p28.
34: Foot, 2005, p28.
35:
هناك خلاف حول ما إذا كان المساواتيون قد دافعوا عن حق التصويت الشامل للذكور، أو قصروا هذا الحق على الطبقة الوسطى. حيث يؤكد
Foot (in The Vote) and A L Morton (in Morton, 1979)
على الموقف الأول، ولكن
Manning
لم يوافق: "إن المساواتيين لم يحاولوا معارضة تقاليد المجتمع البطرياركي الذي كانوا يعيشون في كنفه: وطالبوا بالتصويت على أساس عائلي، حيث يقوم الرأس الذكر بالتصويت نيابة عن خدمه وصبيته وعن زوجته وأولاده."
Manning, 1976, p311.
وبمعنى ما فإن هذا الموقف لا أهمية له. حيث كانت الطبقة الوسطى تعتبر مصالحها مصالح عامة، وهو أمر بدا معقولا في تلك الأيام قبل أن تتمكن المرأة والطبقات الدنيا من طرح مطالبها والتأكيد عليها بوضوح. ومع ذلك كانت هناك ملامح لإمكانيات أخرى أتاحتها الثورة البرجوازية في بداياتها. فقد طرح الحفارون مثلا مطالب أوسع من المساواتيين ودافعوا عن الملكية المشاعية للأرض. وخلال الثورة الفرنسية طرحت برامج راديكالية مماثلة من قبل مجموعات مثل الساخطون، ومؤامرة الأكفاء التي تزعمها بابوف.
36: Quoted in Hill, 1972, p105.
37: Aylmer, 1963, p162.
38: Quoted in Foot, 2005, p72.
39: Bronterre O’Brien, quoted in Foot, 2005, p96.
40: Quoted in Foot, 2005, p137.
41: Foot, 2005, p236.
42: Trotsky, 1974, volume 1, pp21-22.
43: Cliff and Gluckstein, 1988, p382.
44: Lenin, 1993, pp67-68.
45: Thyssen, 1941, p62.
46:
ويفسر ذلك ظاهرة البونابرتية التي ناقشها ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت. ويصف ماركس كيف أنه في أوضاع أزمة معينة تختار البرجوازية أن تتخلى عن ممارسة السلطة المباشرة بنفسها
47: Marx and Engels, 1976, p495.
48: Kapp, 1976, p323.
49: The Miners’ Next Step, 1973, p30.
50: The Miners’ Next Step, 1973, p15.
51: The Miners’ Next Step, 1973, p30.
52: The Miners’ Next Step, 1973, p31.
53: The Miners’ Next Step, 1973, p30.
54: Murphy, 1972, pp13-14.
55: Murphy, 1972, p18.
56: Murphy, 1972, pp14-15.
57: Quoted in Cliff and Gluckstein, 1986, p34.
58: Margaret Thatcher, Hansard, House of Commons debate, 11 February 1982.
59: John Browne (Tory MP for Winchester) in Hansard, House of Commons debate, 22 April 1980.
60: Simons, 2004, pp9-10.
61: See Cliff, Harman, Hallas and Trotsky, 1996.
62: See Molyneux, 2011, for a discussion of the anarchist critique of party organisation, and its weaknesses.
63: See Ness and Azzelini, 2011.
64: Trotsky, 1974, volume 3, p185.
65: Lenin, 1964, volume 26, p334.
66: Service, 1997, p94.
67: Service, 1997, p97.
68: Service, 1997, p97.
69: For a thorough discussion of the interrelationship see Harman, 1986.
70: Kritsman, 1971, p257.
71: Cliff, 1978, p90.
72: Cliff, 1978, p178.
73: http://www.marxists.org/archive/marx/works/1852/18th-brumaire/ch01.htm
74: My emphasis. From a US Internal Bulletin in December 1937, prior to the formation the SWP (US)-www.marxists.org/archive/trotsky/1937/xx/democent.htm
75: Cliff, 1975, p249.
76:www.marxists.org/archive/trotsky/1937/xx/democent.htm
77:
يتعارض ذلك مع التعبير الكلاسيكي الخاص "بالفصل بين السلطات" الذي صاغه مونتسكيو قبل الثورة الفرنسية. وقد رحب ماركس في كتابه الحرب الأهلية في فرنسا بدمج السلطات التشريعية والتنفيذية في كومونة باريس واعتبر ذلك أحد ملامح الديمقراطية البروليتارية.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,680,150
- ارتفاع الدولار: مؤامرة الثورة المضادة
- الإسلاميون والفلول – صراع الأخوة الأعداء على كعكة السلطة
- في انتظار أن يسقط النظام
- جماهير تنتصر للثورة، وثوريون يهزمون أنفسهم!
- ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وت ...
- قطار الثورة يفضح أعداءها تحت القبة
- الثورة المصرية وخطر الفاشية
- الثورة المصرية مستمرة والتنظيم ضرورة لمواجهة أعدائها
- لا شيء تغير في بر مصر
- -أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟- شكرا يوسف إدريس!
- هل الماركسية فلسفة حتمية؟
- لعبة السياسة وإهدار الحقوق في معركة القضاة والمحامين
- حتى وإن كان -نجيبا-
- سفاحون ومنافقون وسماسرة
- معضلة التغيير في مصر أكبر من غرور النخبة وأحلامها
- الضحايا المجرمون وسلطان الزمان
- وطن الدكتور نظيف
- مؤسسة الفساد: -كل ناسها بياعين-
- الطائفية بين رجال الدين ورجال الأمن
- لا أمان في أرض لم نحررها


المزيد.....




- حمدين صباحي: التعديلات الدستورية الجديدة تهدم أسس الدستور
- كالينينغراد تستضيف مؤتمر -قراءات كانط- الدولي
- ممثلو الحزب الشيوعى الصينى خلال لقاء قيادات أحزاب إشتراكية ب ...
- مشروع تجمع القوى المدنية فى السودان للتوافق حول المرحلة الان ...
- غدًا..المؤتمر العام الثامن لحزب التجمع: جلسة افتتاحية يحضرها ...
- قضية للمناقشة: مسودات عن الاشتراكية
- بيان الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي -الأحد 21 أبريل 2019
- “الأهالي” تنشر 50 صورة من إجتماع قيادات الحزب الشيوعي الصيني ...
- الى الشارع
- بوتين يلتقي السيسي 26 أبريل في الصين


المزيد.....

- كيف تنبأ تروتسكي ببلقنة أوروبا .بقلم .نيكولا بونال / بشير السباعي
- ماركس ودستويفسكي / بشير السباعي
- حول نظرية الحزب في الماركسية اللينينية / برهان القاسمي
- حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب / سمير أمين
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر   / عصام الخفاجي
- متابعات عالمية و عربية - نظرة شيوعية ثوريّة (2)- (2017 - 201 ... / شادي الشماوي
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011 / علي الرجّال
- كوبا وخلافة فيديل كاسترو / أندريس أوبينهيمر
- من الثورة الثقافية البروليتارية الصينية الكبرى النص الأول / الشرارة
- أهم المعيقات أمام بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين / النهج الديمقراطي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - رمضان متولي - الديمقراطية بين الوهم والواقع