أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - الحواس التوأمية للإنسان















المزيد.....

الحواس التوأمية للإنسان


هشام آدم
الحوار المتمدن-العدد: 4074 - 2013 / 4 / 26 - 08:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لم تكن الكثرة العددية فارقًا نوعيًا في أيّة مرحلة من مراحل التاريخ البشري، ولا في أيّة قضيةٍ من القضايا على الإطلاق، وإن حدث ذلك كان من قبيل التوافق الجمعي على المُدرك وليس على المعلوم؛ فسُكان العالم كُلهم تقريبًا مُجمعون الآن على أنّ الأرض كروية الشكل، وأنها تدور حول محورها، ولكن ما يجعل كروية الأرض ودورانها حقيقةً، ليس هو إجماع الغالبية على ذلك، وإنما كون الحقيقة حقيقةً مستقلةً بذاتها، بصرف النظر عن آرائنا نحن عنها، وعدد المُصدقين بهذه الحقيقة وعدد المُكذبين لها، وبعد إدراك الحقيقة، يصبح التوافق الجمعي ضربًا من ضروب الاستقامة ليس إلَّا، ففي القرن الرابع عشر وما قبله كانت هذه المعلومة الحقيقية مُجرّد خرافة وهرطقة في أذهان غالبية سكان العالم، ولكن هذا التوافق لم يجعل المعلوم حقيقةً، وهكذا فإنَّ كل المعلومات هي في حالة اختبار دائم حتى تُدرك، ولا يُمكن، في الإدراك، الاستغناء عن العنصر الحسي (الحواس الخمس)، بينما يكفي الحدس والبديهة لتكوين معلومةٍ ما، والإجماع على هذه المعلومة لا يجعلها حقيقةً أبدًا. يُخبرنا الحدس المنطقي أنَّه من غير المعقول أن يكون الكون، بكل ما فيه من مجراتٍ وكواكب مهولة العدد، غير مأهولة بالحياة إلَّا على كوكبٍ يكاد يختفي في هذا الزخم الكوني المهيب, حدسنا هذا يقودنا إلى إنتاج معلومةٍ ظنِّيةٍ مفادها أنَّ هنالك حيواتٌ أخرى في كواكبٍ أو مجراتٍ أخرى، ولكن وحتى ذلك الحين الذي نتمكن فيه من إدراك هذه المعلومة حسيًّا، فإنَّها تظل مُجرّد معلومة، لا يضر ولا ينفع إجماعنا أو اختلافنا حولها. كل المعلومات، مهما كان مقدار رسوخ منطقيتها وعقلانيتها إن لم يكن بإمكاننا إدراكها واختبارها حسيًا فهي لا تعدو كونها معلومةً تقبل التصديق أو التكذيب، والتصديق والتكذيب ليسا سوى إحدى وسائل اختبار المعلومة؛ إذ أنّه لولا التشكيك لما ثبت اليقين، ومن العبث المحض الرهان على المعلوم قبل إدراكه، وإلَّا لكان ذلك من قبيل إلغاء العقل، وتحييده.

إذن؛ فكيف نُدرك الأشياء والمعلومات إن لم يكن بإحدى وسائلنا الحسيّة؟ هل نُدرك كُنه اللون الأحمر مثلًا؟ هل نُدرك كنه الرقم 10 مثلًا؟ هل نُدرك كنه الخير أو الشر؟ يتصور البعض أنَّ حواسنا المادية لا يُمكن أن تعمل إلَّا على صعيد المادة الحسيَّة، وليس على صعيد المُجرَّدات، فيقولون بإمكانية إدراكنا للحصى والجبل، والنهر والشجر، ولكن ليس بإمكاننا إدراك الألوان والأرقام والمُجرَّدات، فهل هذا صحيح؟ ثقتي الآنية تجعلني أقول بارتياحٍ كبيرٍ إنَّ هذا غير صحيح، فجميع المُجرَّدات وُلدت وتكوّنت وتم إنتاجها في أذهاننا أولًا، ومن الغريب أن يُقال للمُجرَّدات التي أنتجناها في أذهاننا أنَّها غير قابلةٍ للإدراك بأذهاننا! هذا بالتحديد ما يجعل من أذهاننا أداةً فاعلةً للإدراك؛ فالأمر لا يتعلق بمجرّد إخضاع الأشياء والمعلومات لحواسنا (منافذ وعينا وإدراكنا) بل يجب ألا ننسى أن أدمغتنا تقوم بعمليات تحليلٍ وفرزٍ ومقارنةٍ وتجريد، فأدمغتنا ليست مستودع تخزين وحسب، ولهذا فنحن نُدرك الأرقام فعلًا، وبإمكننا رسم صورتها ونطق صوتها رغم أنَّها ليست سوى قيم مُجرَّدة لا وجود حسي مستقل لها، وليس هنالك وجود مُستقل للألوان مثلًا (أعني وجودًا مُستقلًا عن المادة) فلم نر أو نسمع عن اللون الأزرق إلا مُقترنًا بالمادة كوصفٍ لها، ولكن اللون الأزرق نفسه ليس له وجود فعلي مُستقل، فهو ليس مادةً أو جسمًا قائمًا بذاته، وكذلك الأرقام، فلم نر الرقم 9 في الطبيعة ككائنٍ مُستقلٍ يُمكن إخضاعه للتجريب والملاحظة. وفي الطفولة يتم الربط بين هذه القيم المُجرّدة وبين عناصر حسيَّة، كنوعٍ من تدريب أدمغة الأطفال على التجريد الضروري والمطلوب لعملية الإدراك، فنقول: (تفاحة + تفاحة = تفاحتين)، (خمس تفاحات – ثلاث تفاحات = تفاحتين)، وبالمِران والتجريب تتمكن أدمغتنا من الاستغناء عن الصور الحسيَّة وإدراك تلك المُجرَّدات مُباشرةً. وكذلك فإنَّ وجودنا في مجتمع بشري تحكمه قوانين وعادات وتقاليد مُحددة تجعل أدمغتنا تتعرف، شيئًا فشيئًا، على قيم الخير والشر وفقًا لهذه القوانين وهذه العادات، فما توافق معها أصبح خيرًا، وما لم يتوافق معها أصبح شرًا. وفي البدء يتم الربط بين قيم الخير برجلٍ صالحٍ أبيض الثياب، جميل المنظر وطيّب الرائحة، أو صورة ملاكٍ إلهي خيّرٍ وطيّبٍ، بينما يتم ربط قيم الشر برجلٍ شريرٍ أسود الثياب، قبيح المنظر وخبيث الرائحة، أو صورة شيطانٍ شريرٍ، وبالطبع يتم التخلَّص من هذه الروابط الحسيَّة في مراحلٍ مُتقدمة، ليكون بإمكان أدمغتنا إدراك هذه القيم المُجردة دون أيّة صعوبة، وبلا روابط حسيّة. وكذلك الألوان التي نربطها بمُدركات حسيّة في البداية: (أحمر = تفاح)، (أخضر = عشب)، (أصفر = ليمون)، (أسود = ليل)، (أبيض = حليب) إلخ، حتى يُصبح بإمكاننا تخيّل اللون الأحمر حتى دون الحاجة لرؤية شيء أحمر اللون.

وبذات الطريقة يتم إدراك كافة المعلومات التي لا يُمكن إخضاعها إلى تجربةٍ حسيةٍ مباشرةٍ، كالكهرباء التي نُدرك أنَّها قد تكون قاتلة، رغم أنَّنا لم نُجرَّب في حياتنا إلَّا مقدارًا ضئيلًا جدًا من قوتها، ولكن تجارب الآخرين كفيلة بتزويدنا بهذا النوع من الإدراك المُباشر، ولهذا لا نجرؤ على الإمساك بسلكٍ كهربائي عارٍ، في حال كان موصلًا بدائرةٍ كهربائية، فالأمر لا يتعلق هنا بالتجربة الحسية المُباشرة، ولكن التجارب الحسية غير المُباشرة قد تلعب دورًا هامًا في تكوين هذه المُدركات كذلك، ولهذا فإنَّ ربع سكان العالم يخافون من الكهرباء رغم أنهم لم يخوضوا تجارب حسية مباشرة مع الكهرباء. ومن هنا يُمكننا فهم أنَّه بالإمكان إدراك ما لا يُحس أو يُجرَّب بالضرورة، سواء كانت قيمًا مُجرَّدة هي في الأساس من إنتاج أدمغتنا، أو مستوحىً من تجارب حسيَّة غير مُباشرة، فلا يجب أن نتعرض جميعًا للدغات الأفاعي لنعرف أنَّها مؤلمة أو مميتة في بعض الأحيان، بل يكفي أن نرى أثر ذلك على الآخرين الذين تعرضوا لها. وعلى هذا أيضًا فإنَّه من الممكن إدراكُ التصورات الخيالية التي يُنتجها العقل البشري، فالتنين، رغم كونه خرافيًا، إلَّا أنَّه مُدرك تمامًا، وقد لا يعجز الكثيرون عن رسم صورة التنين أو حتى التعرَّف عليه عند رؤيته مرسومًا في أيّ مكان، هذه الميزة الإدراكية هي التي ساعدت كثيرًا من البشر في التعاطي مع القضايا الأكثر تعقيدًا بنوعٍ من التبسيط، ورغم أنَّنا نختلف في مقدراتنا الذهنية في خلق هذا التواصل مع المُجرَّدات والأفكار إلَّا أنَّ البعض لديهم قدرات مُذهلة في ذلك، كما نجد ذلك جليًا عند الفيزيائي الإيطالي جاليليو فيراري (Galileo Ferraris) مُكتشف الحقل المغناطيسي، الذي اعتمد في اكتشافه ذلك على قدراته الذهنية في تخيّل تأثير المغناطيس على التيار الكهربائي، وكذلك العالم العبقري ألبريت أينشتاين (Albert Einstein) الذي كان لقدراته العقلية المُذهلة في التخيّل دور كبير جدًا في تصوّر الزمان كعجينة غير منفصلة عن الكون، وبالتالي ارتباطها بها مُشكلةً بُعدًا رابعًا جديدًا، ضاربًا بذلك عرض الحائط كل ما تعوّدت عليه البشرية لقرون طويلة جدًا، وربما كانت قدرته على إدراك الزمكان (Spacetime) من أكثر الأفكار وضوحًا على قدرة الخيال الذهني على الإبداع، وهنالك أمثلة كثيرة جدًا على دور الخيال في الإدراك، فكل خيالٍ هو بالضرورة مُدركٌ لا محالة، ويبقى الرهان عندها على اختبار وتجريب هذه المُدركات الخيالية.

هل أعني فعلًا ما أقول؟ نعم! هل يعني ذلك أنَّ معلومة الحيوات والسُكان الفضائيين هي في حقيقتها مُدركة وليست مُجرّد معلومة؟ قد يكون هذا الاستنتاج صحيحًا إذا تجاهلنا الخطوة الأخيرة والهامة للإدراك الحسي، وهي التجريب والاختبار الحسي، ولكن من الناحية النظرية، فإنَّ كُل معلومةٍ هي مُدركةٌ تمامًا في ذهن أصحابها، وبإمكانهم أن يستشعروها داخليًا، وأن يتفاعلوا معها سلبًا أو إيجابًا، وهو ما يجعلنا مُضطرين إلى تقسيم المُدركات إلى قسمين:
1) مُدركات حسيّة
2) مُدركات ذهنية (تصوَّرية)

على أنَّ المُدركات الذهنية تبقى دائمًا في حالة استعداد للانتقال إلى مُدركات حسيَّة؛ متى ما تمكنا من تجريبها أو اختبارها بأحد المنافذ الحسيّة (الحواس الخمس) لأنني لا أعتقد أنَّ منافذ الحس لدى الإنسان مقصورةٌ فقط على الحواس الخمس، بل أزعمُ أنَّ دماغ الإنسان في حدَّ ذات يُعتبر منفذًا من منافذ الإدراك، وهذا قد يُفسّر لنا سبب تفاعل الإنسان مع أحلامه، والتي هي ليست سوى رموزًا تحمل إشاراتٍ مفهومةٍ للدماغ تمامًا من جانبٍ ما منه (اللاوعي)، وهذا ما يجعلني أقول إنَّ لكل حاسةٍ من حواس وعينا توأم في لاوعيه، وربما يُفسِّر لنا هذا سر قدرتنا على الرؤية والسمع والشم والتذوق والإحساس أثناء النوم بكل ما يمر بنا في أحلامنا، فنحن نرى ونسمع بحواسنا التوأمية، وهي الحواس التي تتمتع بها أدمغتنا وتعمل بها، على أنَّه في حال يقظتنا يتم إهمال الحواس التوأمية جزئيًا، لأنَّه لا حاجة لنا بها، وهذا قد يُفسر سر قدرتنا، أحيانًا، على استدعاء بعض الروائح والأصوات، وحتى رؤية الأشياء غير الموجودة أمامنا، ليس فيما يُمكن اعتبار بعضها تهيؤاتٍ أو هلوسات بصرية، ولكن أعني تلك القدرة على رؤية (أو رسم) صورةٍ ذهنيةٍ لشخصٍ ما، أو جسمٍ ما دون أن يكون أمامنا. ومن الناحية العلمية فإنَّ قدرتنا على الرؤية بحاسة البصر الأصيلة تعتمد كُليًا على مقدار الضوء الساقط على الجسم نفسه، وليس على أعيننا، هذا يعني أنَّ استقلالية الأجسام عن أذهاننا لها دور كبير في شكلها الذي سوف يُطبع معكوسًا في أذهاننا، ولكن في حالة الرؤية بحاسة البصر التوأمية، فإننا لا نحتاج إلى أيّ مقدارٍ من الضوء، بل وتسقط استقلالية الأجسام عن أذهاننا أصلًا. هذا قد لا يُفهم على أنَّه إبصارٌ ذهني، ولكنه قد لا يتجاوز، في بعض حالاته، كونه مُجرّد استدعاءٌ دماغيٌ لصورةٍ مُخزنةٍ في الأرشيف، ولكن رسَّامي الرسوم المتحركة يستخدمون هذه الحاسة بكثرة، خارج إطار الاستدعاء الذهني التقليدي، كما في حالة الرسام البلجيكي أندريه فرانكوين (André Franquin) مخترع شخصية مارسيبيلامي (marsupilami) الحيوان الصغير صاحب الذيل الطويل جدًا، وكذلك الرسام الأمريكي مات غرونينغ (Matt Groening) مخترع عائلة سمسون (The Simpsons) المشهورة، والحقيقة أنَّ هذه الشخصيات الخيالية عاشت، قبل حضورها إلينا، في أدمغة أصحابها بكل تفاصيلها، وما خرج إلينا هو الناتج النهائي لمجموعة التصورات الذهنية أو المدركات الذهنية، في محاولةٍ من هؤلاء الرسامين إقناعنا باختبار هذه المدركات الخاصة بهم، ومشاركتهم فيها، بالتفاعل والتعاطف.

الآن .. هل يُمكن أن نقول: إنَّ هنالك عائلةً اسمها عائلة سمسون فعلًا؟ الإجابة الواقعية هي: "نعم" هنالك عائلة فعلًا بهذا الاسم، وهي عائلةٌ كانت تسكن في دماغ صاحبها ومخترعها مات غرونينغ، فهذه العائلة هي تمامًا مما ندركه بأذهاننا وليس حواسنا، وكذلك كل شخصيات ديزني لاند الخيالية: بطوط، عم دهب، ساندريلا، بينوكيو ... إلخ، فهم موجودون ذهنيًا وليس حسيًا، نراهم ونسمعهم، نضحك معهم، ونبكي من أجلهم، ولكننا، في الحقيقة، نرى ونسمع ونستمتع بتلك الفكرة التي تبلورت في أذهان مخترعي هؤلاء الشخصيات، وفي أذهان كُتَّاب السيناريو الذين وضعوا تلك الشخصيات داخل إطار قصصي خيالي أيضًا. إنهما عالمان مُكتملان لا يُمكننا إنكار أي منهما على الإطلاق، ولكننا يجب أن نفرّق بينهما كثيرًا، وإلا لاتهمنا الآخرون بالجنون. المُدركات الذهنية لها فاعليتها وتأثيراتها المُباشرة على واقعنا، ولكنها تظل مكانها ولا تبرحه، حتى تتمكن من اجتياز حاجز صلب جدًا ضُرب بينها وبين المُدركات الحسيّة: التجريب والاختبار، ومن السطحية أن نعتبر رؤيتنا لشخصية سمسون مُبررًا كافيًا لجعله ضمن قائمة مُدركاتنا الحسيّة.

إنَّ قدرتنا على الإدراك الذهني هي ما قد يُبرر وصفًا كقوله: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ}(الصافات:65) فما منَّا أحدٌ قد رأى شيطانًا؛ بل إنَّ الشيطاين نفسها هي من المُدركات الذهنية التي لم تتجاوز حاجز الاختبار والتجريب، ولكن ولأننا فقط يُمكننا إدراك الشيطاين ذهنيًا؛ فإنَّ الآية تظل مفهومةً تخيّلًا، وفهمها هنا ساقطٌ على كل شخص حسب خياله وتصوّره للشيطان؛ فلا رقيب على خيالنا ولا حسيب. حتى أنَّه لا شيء يمنعنا عن تصوّر فكرةٍ كفكرة الإله، والتي هي فكرة مُدركةٌ ذهنيًا كذلك. إذن؛ فهل بإمكاننا القول إنَّه بمقدورنا إدراك (الله) ذهنيًا؟ ربما قد يرى المؤمن أنَّ هذا أمرٌ مستحيل، لأنَّه يضع في حسبانه على الدوام مقولة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ولكن ليس من أحد لم يُفكّر بهذا الأمر، غير أنَّ رهاننا هنا ليس على المحاولة، بل على النجاح، وهنا قد يتناسى البعض أنَّه لا يمكن الرهان على المعلوم قبل إدراكه؛ وحيث أنَّ الله لا يُمكن إدراكه حسيًا، فإنَّ إدراكه ذهنيًا يكون مفتوحًا وساقطًا على كل شخص بحسب خياله، وعندها لن تكون هنالك أيّ قيمة حقيقية للاختلاف أو الاتفاق حول الصورة الذهنية، لأنَّه لا يُمكن الرهان على المعلوم قبل إدراكه، بمعنى أنَّه لا يُمكنك أن تقول لأحدهم: "صورتك الذهنية عن الشيطان خاطئة، وصورتي هي الصحيحة." فصاحب كل صورة ذهنية هو صاحب الحق الفكري الوحيد لمُنتجه الذهني وليس أحدٌ سواه، طالما لم تتجاوز الفكرة حاجز الاختبار والتجريب الحسي، لأنّك عندما تعترض على شخصٍ ما بأنَّ صورته الذهنية عن الشيطان خاطئة مثلًا، فعندها يتوجب عليك أن تكون ممتلكًا للصورة الصحيحة، وعندما نتكلم عن صورة صحيحة، نعني تمامًا أن تكون الصورة مستقلةً عن أذهاننا وأفكارنا عنها، وذلك شرط لا تنفع المقارنة إلًا به، تمامًا كما أنَّ أحدًا لا يستطيع أن يُجادل مات غرونينغ حول تصوّراته عن سمسون وعائلته، فيفترض لهم لونًا برتقاليًا عوضًا عن اللون الأصفر مثلًا، أو يعترض على امتلاكهم أربعة أصابع بدلًا عن خمسة! فلو أنَّ شخصًا تصوَّر الله على أيّ صورة أو شكل، فليس بإمكان أحدٍ كان أن يعترض عليه؛ طالما أنَّه لا يمتلك صورةً حقيقية مختلفةً عمّا تصوّرها الآخر، ومن الضروري الإشارة أنَّه لا يُجدي استخدام عبارة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} للاعتراض على أيّ صورة، فالمماثلة غير واقعة في أيّ شيء آخر، فهل لسمسون مماثل مثلًا؟ وهل لكل شخص مماثل له؟ الحقيقة أنَّ كل شيء تقريبًا ليس له مماثل على الإطلاق، مع التأكيد على أنَّ فكرة التشابه والمماثلة ليسا شيئًا واحدًا، فمن يزعم بأنَّه لا شبيه له فهو كاذب، ومن يزعم أنَّه لا مثيل له صادق، حتى وإنَّ كان إنسانًا!

وبصرف النظر عن قناعتي الآنية بأنَّ الله ليس سوى فكرة أنتجها دماغ الإنسان كأيّ تصوّر ذهني آخر، إلّا أنَّ هذه النقطة تكتسب خصوصيتها من سمة متصلة بهذا الإله، وهي سمة اللامحدودية، فقد يتساءل بعضنا: "كيف للإنسان المحدود أن يُدرك ذهنيًا الإله غير المحدود؟" والحقيقة أنني لا أرى أيّ وجاهة لهذا السؤال على الإطلاق، فنحن، كما تقدّم، نُدرك الأرقام وهي ليست محدودة، ولانهائية، وكذلك فإننا ندرك الألوان بدرجاتها المختلفة، وهي غير محدودة، وبالإمكان خلط الألوان بصورة غير نهائية دون أن يكون لذلك أيّ معنى أو تعارض منطقي أو عقلي أصلًا. وما يُمكن قوله إلى هذا الحد هو أنَّ الله مُدرك تمامًا كصورة ذهنية، بكل ما خُلع عليه من صفات الكمال والإطلاق، ولكنه سيظل صورة ذهنية لا يضر ولا ينفع إجماعنا أو اختلافنا حولها حتى تجتاز حاج الاختبار والتجريب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,052,789,760
- انفجار .. فجأة .. صدفة .. تطوّر
- السَّببية مقبرةُ الإله
- فنتازيا التطوُّر
- دردشه فقهية: تعدد الزوجات
- خرافة التكليف الإلهي للإنسان
- كوانتم الشفاء
- شرح وتبسيط لنظرية التطوّر
- لا تناظروا المسلمين حتى ...
- العلم من وجهة النظر الدينية
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 3
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 2
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 1
- بين موت المسيح وقيامته
- تفسيرٌ غير مُقدَّس لنصٍ مُقدَّس
- تأملات في العقيدة المسيحية
- عن المسيحية والبالتوك - 6
- عن المسيحية والبالتوك - 5
- عن المسيحية والبالتوك - 4
- عن المسيحية والبالتوك - 3
- عن المسيحية والبالتوك - 2


المزيد.....




- تنظيم -الدولة الإسلامية- ينسحب من منطقة تلول الصفا في جنوب ش ...
- أردوغان: تجاوزنا مرحلة تحولت فيها المساجد إلى حظائر
- تعيين وزير يهودي في تونس يثير جدلا بين الأوساط السياسية
- شاهد: كبير الأساقفة في "البورش" والأطفال يجرّون ا ...
- فتوى بتحريم لعبة -البوبجي- في كردستان العراق
- شاهد: كبير الأساقفة في "البورش" والأطفال يجرّون ا ...
- مساعد خامنئي: المقاومة الإسلامية هزت حكومة إسرائيل
- ما الذي يعني تردي وتخلف القطاع التعليمي في السودان في ظل الح ...
- بالصور ..الكاتدرائية المرقسية تحتفل بعيد ميلادها الخمسين
- الجزائر.. المصارف الإسلامية حل اقتصادي أم ضرورة شرعية؟


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - الحواس التوأمية للإنسان