أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه















المزيد.....



الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه


محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 3984 - 2013 / 1 / 26 - 23:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هناك آيات عديدة تؤكد أن القرآن "أُنزِلَ" في قالَب عربي، أيْ "تُرجِمَ" بلسان عربي مبين، ومن هذه الآيات: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف، 2)؛ "وكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّــقونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً" (طه، 113)؛ "قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوَج" (الزمر، 28)؛ "كتابٌ فُصِّلَتْ آياتُه قرآناً عربياً لقوم يعلمون" (فُصِّلَت، 3)؛ "وكَذَلِكَ أوحينا إليك قرآناً عربياً لتُـنذِرَ أمَّ القرى ومن حولها" (الشورى، 7)؛ "إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلَّكم تعقلون" (الزخرف، 3)؛ "وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيّاً لِيُنذِرَ الذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ" (الأحقاف، 12)؛ "نزل به الروحُ الأمينُ [...] بلسانٍ عربيٍّ مبين. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ" (الشعراء، 193 و196 و195)؛ "وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ" (النحل، 103). وكأنَّ رسالتَه تكمنُ في كونه عربياً. أي أنه يؤكد على الشكل اللغوي العربي للخِطاب أكثرَ من تأكيده على مضمونه.

ولكن، بالمقابل، هناك أمثلة على كلمات أعجمية مستعارة من الأثيوبية والفارسية واليونانية والهندية والسريانية والعبرية والنبطية والقبطية والتركية والزنجية والبربرية (كتاب: المتوكلي فيما ورد في القرآن باللغة الحبشية والفارسية والتركية والهندية والزنجية والسريانية والعبرية والرومانية والبربرية للسيوطي وكتاب: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي [ج 1 ص 139]). ومن هذه الألفاظ: الطُّور (الجبل)، طَفِقاْ (قَصَداْ)، الرَّقيم (اللوح)، هُدْنا (تُبْنا)، طه (طأ الأرض يا رجل)، سِيْنين (بمعنى: الحسن)، السِّجِلّ (الكِتاب)، الإستبرق (الغليظ)، السندس (الرقيق من الستر)، السَّرِيُّ (النهر الصغير)، المِشكاة (الكوة)، الدُّرِّيّ (المضيء)، ناشئة الليل (الاستيقاظ من النوم ليلاً والقيام إلى الصلاة)، كِفْـلَينِ (ضِعفَين)، قَسْوَرَة (الأسد بالحبشية والحِمار الهرِم بالسريانية [بحسب كريستوف لكسنبرغ])، وراءهم (أمامهم)، أباريق (أواني)، إنجيل (بشارة)، تابوت (صندوق)، جهنَّم (وادي هِنُّوم خارج القدس حيث كانت تُحرَق الأضاحي البشرية قرباناً للوثن مولوخ)، زنجبيل (نبات)، سِجِّيل (طين متحجِّر)، سُرادِق (سُوْر أو فُسطاط يجتمع فيه الناس لعرس أو مأْتم وغيرهما)، سورة (فصل)، طاغوت (كلُّ ما عُبِدَ من دون الله)، فِردَوس (بستان)، ماعون (أداة منزلية كالقِدْر والقصعة)، عِلِّــيُّون (منزلة عالية، السماء)، سِجِّين (موضع)، مرقوم (مسطور واضح الكتابة)، أرائك (مقاعد منجَّدة)، تسنيم (عين ماء).

وقد تراءى للبعض أن هناك تعارضاً بين فكرة وجود كلمات أعجمية في القرآن وفكرة أن القرآن أُنزِلَ وفُصِّلَ بلسان عربي مبين. فلجأ بعضُهم إلى نفي عجمة هذه الكلمات ليؤكد على صفاء عربية القرآن (كالطبري والشافعي). ولجأ البعض الآخر إلى الإقرار بوجودها في القرآن (كابن عباس وعكرمة ومجاهد والسيوطي). وقال بعضُهم إنَّ العرب لمَّا عرَّبوها واستعملوها في أساليبهم صارت تُـنسَب إليهم باعتبار استعمالها لا باعتبار أصلها. ولكن هل هناك دليل على أن العرب كانوا يستخدمونها قبل القرآن وأنهم هم الذين عرَّبوها وليس واضعو القرآن؟ ومنهم من استَخدمَ هذا التناقضَ الظاهريَّ ليطعنَ بفكرة عروبة القرآن ويُظهِرَ التناقضَ فيه بين تصريحه بأنه عربي وبين احتوائه على غير عربي.

لا يُــحَــلُّ هذا التناقضُ بين الفكرتين بنفي وجود الكلمات الأعجمية، لأنها موجودة فعلاً. ولا يُــحَــلُّ بالإقرار بأنها كانت موجودةً ومستخدمةً قبل مجيء القرآن وبأنَّ المجتمع العربي هو الذي اقترضَها وعرَّبها فأصبحَتْ جزءاً من اللسان العربي، ذلك لأنها لو كانت موجودةً ومستخدَمةً لفهِمَها معاصرو القرآن كعُمَرَ وابنِ عباس، ولوجَدْنا لها أثراً في أدب ما قبل القرآن أو في أدب زمن القرآن، مما يعني أنَّ هذه الكلماتِ لم تتربَّ ولم تنشأْ في بيئتهم ولم تَـــنْــتمِ فكرياً وثقافياً واجتماعياً إلى مجتمعهم؟ ولا يُــحَــلُّ التناقضُ أيضاً بنفي عربية القرآن، لأنه عربي فعلاً. ولو كان بلغةٍ غيرِ العربية لما فهِمَه أصحابُ العربية. ووجودُ بعضِ المفردات الأعجمية وعدمُ فهمِ العرب لبعضها لا ينفي عنه صفتَه كنص عربي.

لا يُحَــلُّ هذا التناقضُ إلا باعتبارِ النصِّ القرآني نصاً مترجَماً.

إنَّ عدم وُرودِ الألفاظ الأعجمية في فترة ما قبل القرآن ووردها بكثرة في فترة ما بعد القرآن وخاصة في سياق ديني هو أمرٌ ذو دلالة. ربما يعترض البعضُ فيقولون بإنَّ عدم ورود شواهد على هذه الكلمات لا يعني أنها لم تكن مستخدمة. ولكنَّ عدم معرفة أبي بكر وعمر ابن الخطَّاب لكلمة "الأبّ" (عبَسَ، 31) وعدم معرفة ابن عباس لأربع كلمات: "غسلين" (الحاقة، 36) و"حناناً" (مريم، 13] و"أَوَّاهٌ" (التوبة، 114) و"الرَّقيم" (الكهف، 9)، وهم أصحابُ اللغة، هو أمر يدعو إلى الدهشة وليس له من تفسيرٍ سوى أنَّ مثل هذه الكلمات لم تكنْ مستخدمةً قطُّ في عصرهم وقد نُقِلَت من لغات أخرى. حتى إنه وردَ عن عمر وصفُه لكلمة "أبّ" بأنها تكلُّف أو كلف، والمقصود أنَّها مقحمَة على العربية ومصطنَعَة وليست من طبع لغتهم.

فقد روى الـسيوطي (في: الدر المنثور، ج 6، ص 317):

"وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن سعد وعـبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شُعَب الإيمان والخطيب والحاكم وصحَّحه عـن أنـس أنَّ عُــمَر قرأ على المنبر: "فأنبَــتنا فيها حَبَّا, وعنباً وقضبا"، إلى قوله: "وأبّا"، قال: "كلُّ هذا قد عرفناه فما الأبُّ؟" ثم نفض عصاً كانت في يده فقال: "هذا لعمرُ الله هو التكلُّف فما عليك أنْ لا ندري ما الأبُّ. اتَّبعوا ما بيَّنَ لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكِلوه [اتركوه] إلى ربه."

وجاء في الإتقان للسيوطي حول موضوع: "في معرفة غريبه":

"وعلى الخائض في ذلك التثبُّــتُ والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدمُ الخوض بالظن فهذه الصحابة - وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئاً. فأخرجَ أبو عبيد في الفضائل، عن إبراهيم التيمي أنَّ أبا بكر الصديق سئل عن قوله: "وفاكهةً وأبَّــا" (عبس، 31) فقال: "أيُّ سماءٍ تُـظِـلُّــني أو أيُّ أرضٍ تُــقِـــلُّــني إنْ أنا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم". وأخرجَ عن أنس أنَّ عمر بن الخطاب قرأ على المنبر "وفاكهةً وأبَّــا" فقال: "هذه الفاكهةُ قد عرفناها فما الأبُّ؟" ثم رجع إلى نفسه فقال: "إنَّ هذا لَـهُـوَ الكلف يا عمر". [...] وأخرجَ ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: "وحناناً من لدُنَّـــا" (مريم، 13) فقال: "سألتُ عنها ابنَ عباس فلم يُجِبْ فيها شيئاً". وأخرجَ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: "لا واللهِ ما أدري ما «حناناً»." وأخرجَ الفريابي: "حدَّثَــنا إسرائيلُ، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كلُّ القرآنِ أَعلَمه إلا أربعاً: «غسلين» (الحاقة، 36) و«حناناً» (مريم، 13) و«أَوَّاهٌ» (التوبة، 114) و«الرَّقيم» (الكهف، 9)."

وجودُ كلماتٍ ذاتِ أصلٍ غيرِ عربي لا يسيء للقرآن، بل هو أمر طبيعي. المسألة ليست في كون هذه الكلماتِ أعجميةً، بل في كونها غيرَ مستخدمة. هناك كلمات أعجمية كانت مستخدمة في عصر القرآن وقَـــبْــلَه (كالسجنجل [المرآة] التي وردَت في شعر امرئ القيس). واستخدامُ الناطقين بالعربية للكلمة الأعجمية هو الذي يجعلها عربية. المعيار إذاً هو الاستخدامُ وليس الأصلَ الاشتقاقي. النقطةُ المهمة هي وجود كلمات في القرآن لم تكن معروفة للناطقين بالعربية في عصره وهذا يدلُّ على أنها جديدة، أيْ مقترَضة من لغة أخرى. هذه الكلماتُ الغريبة أدخلَها القرآنُ وحدَه ولم يُدخِلْها المجتمَعُ. فالكلمات الجديدة التي لا جذورَ لها في اللغة لا تدخل إلا عن طريق الاقتراض (من خلال الاحتكاك باللغات الأخرى) أو عن طريق الترجمة. بتعبير آخر، يتمُّ اقتراضُ الكلمات الجديدة إما تلبيةً لحاجات المجتمع وإما تلبية لحاجات المترجِم. وبما أنَّ الكلماتِ الغريبةَ التي وردَت في القرآن لم تكن معروفةً لأصحاب اللغة فهذا يعني أنها لم تدخل من باب الاحتكاك التجاري والعلاقات بين العربية وجيرانها بل من باب الترجمة. إنَّ طُرُق توليد ألفاظ جديدة هي الاشتقاق والمَجاز والاقتراض. فإذا لم تولد الكلمةُ بعملية التوليد (الاشتقاق أو المجاز) فلا بد أن تكون وُلِدَت بعملية الاقتراض (وهو ما تتطلَّب إخضاع اللفظ الأجنبي للنظام الصوتي العربي). والاقتراضُ يكون من طريقين: الاقتراض المجتمعي (أي أن المقترِض هو مجموعة أشخاص غير متخصصين باللغة نتيجة احتكاكهم باللغة الأجنبية وحاجتهم) أو الاقتراض الترجمي (أي أنْ المقترِض هو شخص واحد أو عدة اشخاص يقومون بمشروع ترجمة). ما يهمُّنا هو معرِفةُ مَن فعَّلَ هذه الكلماتِ وأخرجَها إلى حيِّـزِ الاستخدام؟ فإذا كان المجتمع العربي هو الذي اقترض هذه الكلماتِ الدخيلة أو المعرَّبة فهذا يعني أنه اقترضها لحاجة مجتمعية وبالتالي يجب أنْ تكونَ مستخدمةً كثيراً ويعرِفُها الجميعُ.

وقد تبيَّن بالبحث في المعاجم وكتب التراث عدمُ وجود شواهد من عصر ما قبل القرآن على كلمات مثل:
صِراط، أَساوِر، سندس، إستبرق، أرائك، عِلِّــيُّــون، تَسنيم، زنجبيل، فردوس، طور، سينين، الرَّقيم، هُدنا، طه، السِّجِلّ، سَرِيّ، أباريق، تابوت، سِجِّيل، سُرادِق، طاغوت، ماعون، زَقٌّوم، غسلين، أَبّ، قسط، قسطاس.

فقد لوحظ مثلاً استخدام كلمات أخرى غير "الصراط" للتعبير عن الطريق، مثل: لاحب:
"-على لاحبٍ لا يُهتدَى بمنارِهِ / إذا سافه العود النباطيُّ جَرجَرا." (امرؤ القيس)
"-أَمُون كألواح الإران نسأْتُها / عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُـدِ. (طرفة)
[الأمون: الناقة أو الجواد المأمون. الإران: التابوت كانوا يحملون فيه ساداتهم. نسأتُها: ضربتُها بالمِنسأة.]
هناك شاهد بعد نشوء الإسلام بكثير (القرن 11) وردَ فيه كلمة "صراط":
"صِراطٌ جسْرُهُ مُدَّ / على النارِ لمَنْ أمَّ. (مقامات الحريري، "المقامة الدمشقية")
وهناك قول جرير: "-أَميرُ المؤمنينَ على صِراطٍ / إِذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيم."

وقد ذكرَ الدكتور جواد علي في كتابه: المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (دار الساقي، الطبعة، 2001 م) ما يلي:

"وهناك رواية تنفي ورود لفظة «جهنَّم» في أي شعر جاهلي خلا هذا الشعر المنسوب إلى أُميَّة بن أبي الصلت [شاعر "جاهلي" يُدعى "أبو الحَكَم" ومن رؤساء ثقيف وقد اشتُـهِرَ بالحنيفية والتوحيد]، ويلاحظ أنه ذكر «عدن» مع «جهنَّم» ["-جهنَّـمُ تلكَ لا تُبقي بغيّاً / وعَدْنٌ لا يطالِعُها رجيمُ]. ولم أجد في أشعار الجاهليين ذِكراً للإنجيل إلا في الشعر المنسوب إلى عَدِيّ بن زيد العِبادي [شاعر نصراني فصيح (587 م) من أهل الحيرة ومن دهاة "الجاهلية". والشاهد في قوله: "-وأوتينا الملك والإنجيل نقرؤه / نشفي بحكمته أحلامنا عِللا."]."


نلاحظ أيضاً أن الألفاظ الأعجمية المستخدمة في القرآن لا تعكس الوسط الاجتماعي والثقافي العربي لعصر ولادة القرآن فضلاً عن أنها لا تلبِّي حاجاتِ المجتمع المكي والمدني الذي نشأ فيه القرآنُ، مما يدل على أنَّ دخول هذه الكلمات لم يكنْ بحكم الاستخدام والحاجة بل بطريق الترجمة. فالعربُ لم يكونوا بحاجة لأن يقترضوا مثلاً كلمة "الصراط" [أو السِّراط، بمعنى: المِنْهاج الواضح] من لغة أخرى ولديهم كلمات كثيرة تُعَـبِّر عن معنى "الطريق" مثل: "اللاحِب" [الطريق الواضح]، "النجْد" [الطريق الواضح المتَّصل]، "المنهج" [الطريق الواضح]، "المَحَجَّة" [وسط الطريق ومعظمه]، "الشارع" [الطريق الأعظم في المدينة]، "الشِّعْب" [الطريق بين جبلَين‏]، "المَـهْـيَع" [الطريق البيِّن الواسع]، "الخَـلُّ" [الطريق في الرمل]، "المَخْرَفة" [طريق بين صفَّينِ من نخيل]، "النَّـــيْــسَـب" [الطريق المستقيمُ الواضِح، أو الطريق المستدِقُّ كطريق النَّمْل والحَيَّة، أو طريقُ حُمُر الوحْش إِلى مورِدها]، "السبيل"، "الدرب"، "المَسْــلَــك"، "الجادَّة". وبالتالي فإنَّ اقتراض "الصراط" لم يتمَّ عن طريق علاقات المجتمع العربي مع غيره، بل عن طريق القرآن.

ولو افترضنا جدلاً أنَّ القرآن وحيٌ من الله فمن المفروض أنْ يستخدمَ اللهُ كلماتٍ مستعملةً في لغة العرب لا أنْ يقترِضَ كلماتٍ غير مستخدَمة. فهذه الكلماتُ الدخيلة لا تهبِطُ بـ"بباراشوت" الوحي من طائرة الله، بل تدخل عبر قنوات التواصل بين المجتمعات ذات اللغات المختلفة أو عبر الترجمة. القرآن، كأي نصٍّ آخر، وُلِدَ من رحِم نصوص أخرى لا من فراغ، وذلك عن طريق عملياتِ خَلْقِ النص وهي: الترجمة والتحرير (الإنشاء) والمراجعة والتدقيق والتصويب وإعادة الصياغة والتصرُّف أو تكييف النص ليتناسبَ مع حاجات وثقافة المتلقِّين (القُرَّاء). فالترجمة ليست سوى حلقة مهمة في سلسة صناعة النص. ولا يوجد نص، من وجهة نظر علمية ومنطقية ولغوية، لم يخضع لهذه العمليات جميعاً أو لبعضٍ منها. فلا بدَّ منطقياً من أنْ يكون من تأليف بشر. وهو ما اعترفَ به الإمبراطورُ البيزنطيُّ ليو الثالث الإيساوري المعروف بـالـسوري (Léon III l Isaurien) (حوالي 685 - 741) في الرسائلِ المتبادلةِ حوالي 717 م بينه وبين الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (681 م - 720 م)، إذْ يقول:

"نحن نعترف أنَّ متَّى ومُرقُص ولوقا ويوحنا هم مؤلِّفو الإنجيل، ولكنني أَعْــلَمُ أنَّ هذه الحقيقة التي نعترفُ بها نحن المسيحيين تؤذيكَ وأنكَ تبحثُ عن شركاءٍ لكَ في كذبك؛ باختصار، إنك تؤيِّد أنْ نقولَ عنه أنه من تأليف الله وأنه أُنزِلَ من السماواتِ، كما تزعم أنتَ بشأن فرقانك [القرآن]، على الرغم من معرفتنا بأن عمر وأبا تراب [علي بن أبي طالب] وسلمان الفارسي هم الذين ألَّفوه؛ مع ذلك فقد أُشيعَ عندكم بأن الله أنزله من السماوات."[1]

النص القرآني نص لغوي مكتوب ومترجَم من نصوص متفرِّقة لا يختلف من الناحية اللغوية عن الإنجيل أو أي نص آخَر. وبالتالي فلا يمكنُ نسبتُه إلى الله، إلا مَجازاً؛ وبالتالي أيضاً فإنَّ فكرة تحدِّي القرآن للعرب بالإتيان بمثله فكرةٌ باطلة منطقياً ولغوياً. فتَـــفَـــرُّدُ القرآن كنص لا يختلف عن تفرُّد أي نص آخر. لكل نص خصائص تُميِّزه عن غيره. فكتابات الصوفي محمد بن عبد الجبار النِّـفَّـري (صاحب كتاب المواقف والمخاطبات) مثلاً فريدة من نوعها وتفوق القرآن بكثير ولا تُشبِه أيةَ كتابة أخرى. ولكنْ مع ذلك يمكن الإتيان بمثلها وتحتفظ هي بالمقابل بتفرُّدِها. وأسلوبُ ناسك الشخروب ميخائيل نعيمة أسلوب فريد أيضاً، وكتابُه مِرْداد يفوق أيَّ كتاب آخر في الوجود، كما يرى أوشو. كذلك القرآنُ فهو فريد بأسلوبه غنِيٌّ بمصادِرِه يعكس تناقضاتِ عصره وصراعاتِه. ولكنْ ليس من الصعبِ الإتيانُ بمثله، بل مِن الصعبِ إنْ لم نقلْ مِن المستحيلِ إقناعُ المؤمنين به بأنَّ هناك ما هو أفضل منه لغوياً وبلاغياً.

ولكنْ لماذا أطلقَ القرآنُ ذلك التحدِّي؟ لا بدَّ من فهم السياق النزاعي لولادة القرآن. فلكي يُـثَـــبِّتَ القرآنُ جذورَه في محيطه العربي الذي هاجمَ القرآنَ بشدة، كان على واضعي القرآن أنْ يلجؤوا إلى أساليبَ دفاعيةٍ ودعائيةٍ ومنها التحدِّي. ويُـفهَمُ أنَّ واضعيه كانوا يريدون أنْ يقولوا من خلال تحدِّيهم هذا: "نحنُ قُمْنا بجهودنا وتَرجمْنا هذا الكتابَ من عدة نصوص منتقاةٍ بما يتناسبُ مع ثقافتكم لكي نضعَ لكم كتاباً مقدَّساً يغنيكم عن الرجوع إلى الكتب السابقة التي قمنا بتضمين معانيها في هذا الكتاب. فبدلاً من أنْ تنتقدونا، قوموا بعملٍ مثله حتى تعرِفوا صعوبةَ ما نقوم به. فليس من حقِّكم أنْ تنتقدونا وأنتم لم تفعلوا شيئاً." إنَّ تحَدِّيَ القرآنِ للعرب يشبه قول ابن الفارض:
"-دَعْ عنْكَ تَعنيفي وذُقْ طعم الهَوَى / فإذا عشِقْتَ فبعدَ ذلكَ عَــنِّــفِ."
إنه تحدٍّ فكريٌّ وتَرجميٌّ ودفاعيٌّ ودِعائيٌّ وتبريريّ. تاريخياً، لم تصلْ إلينا أيةُ ترجمة عربيّة سابقة للقرآن. ونرجِّح أنَّ القرآن هو أول ترجمة عربية. وإنْ وُجِدَتْ ترجماتٌ قبلَه، كما يرى الأبُ لويس شيخو وبعضُ الذين أشاروا إلى ترجمات ورقة بن نوفل وأميّة بن أبي الصلت، فهي ترجمات قليلة جزئية متفرقة لا ترقى إلى أنْ تُشَكِّــلَ كتاباً معتمَداً يمكن أنْ يكونَ مرجعاً. ولذلك يمكن أنْ نفهمَ لماذا طرحَ واضعو القرآنِ فكرةَ التحدِّي. لقد كان مشروعُهم الترجميَّ هو المشروعَ الأولَ والوحيدَ. ولذلك كان مبرَّراً وقتئذٍ أنْ يقولوا لمن يستهزئُ بعمَلِهم: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين" (البقرة، 23، 24)؛ "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، 38)؛ "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (هود، 13)؛ "قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً" (الإسراء، 88)؛ "أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ" (الطور، 33، 34).

وبالإضافة إلى الألفاظ الأعجمية التي تشير إلى أنَّ النص القرآني قد خضع لعملية ترجمة وتأليف وتصرُّف، هناك أيضاً استخدامُ القرآن للفعلين "فصَّلَ" و"صرَّفَ" في التعريف بنفسه، إذْ يقول: "كتابٌ فُصِّلَتْ آياتُه قرآناً عربياً لقوم يعلمون" (فُصِّلَت، 3) "ولَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً" (الكهف، 54) "وكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّــقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً" (طه، 113). يقول لسان العرب في معنى "فصَّل" و"صرَّفَ":

«وقوله عز وجل: "كِتابٌ فصَّلناه" له معنيان: أَحدهما، تَفْصِيل آياتِه بالفواصِل؛ والمعنى الثاني في "فَصَّلناه": بيَّنَّاه. [...] و"صَرَّفْنا الآياتِ" أَيْ بيَّنْاها. و"تَصْريفُ الآيات": تَــبْيينُها. و"صَرَّفَ الشيءَ": أَعْمله في غير وجهٍ كأَنه يَصرِفُه عن وجهٍ إلى وجه. »

التصريفُ إذاً هو:
1- صرفٌ عن وجهٍ إلى وجهٍ، أيْ تحويلٌ مِن شكلٍ لغويٍّ إلى شكلٍ لغوي آخر، وَ
2- تبيينٌ، أيْ توضيح بلغةٍ يفهمها السامعُ أو القارئُ.
أليست هذه هي الترجمة؟

ثمَّ ماذا يعني أنْ نقول إنَّ هذا الكتاب نفسُه موجود في كتبٍ أخرى؟ يعني حُكْماً أنه مقتبَسٌ منها. فإذا كانت لغةُ هذا الكتاب الجديد تختلفُ عن لغة الكتبِ السابقة المقتبَس منها فهذا يعني حُكْماً أنَّ هذا الكتاب الجديد هو ترجمة لتلك الكتب السابقة. ألم يؤكِّد القرآنُ على فكرة أنَّ محتواه موجود في الكتب السابقة: "وَإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ" (الشعراء، 196)؟ "إِنَّ هَذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى" (الأعلى، 18 و19)؟ وقد ورَدَ عن محمَّد قولَه: "يا عُقبَةُ ألا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ ثَلاثِ سِوَرٍ أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ الْعَظِيمِ؟" وأَقْرَأَه "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ" وَ"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ" وَ"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ" (مسند أحمد). وقد أدركَ معاصروه ذلك فوصفوه بأنه أساطير الأولين، أي أنه ترجمة لأساطير الأديان السابقة وقالوا بأنهم لو أرادوا لأتَوا بمثل القرآن: "لَوْ نَشَاءُ لَـــقُــلْنَا مِثْـلَ هَذَا، إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ" (الأنفال، 31). وإنَّ قولنا بأنَّ القرآن ما هو إلَّا ترجمةٌ بتصرُّفٍ لا يقلِّــلُ أبداً من قيمته. بل على العكس، ادِّعاءُ أنه وحيٌ مباشر من الله هو ما يسيء للقرآن ولله، كما يؤكد أحمد القبانجي.

لقد وردَ أنَّ الوحيَ، الذي هو الإعلام السريع الخفي بدون واسطة معلِّم خارجي، كان ينقطع في اللحظات الحرجة وعندما كان محمد في أشد الحاجة (في حادثة الإفك وفي السؤال عن الروح مثلاً)، مما يعزِّز فكرةَ أنَّ القرآن نتج عن عمليات بحث وتأليف وترجمة وتفصيل وتصريف أكثر مما نتج عن إلهام سريع. فعدمُ تمكُّنِ محمَّد من الإجابة في الحال على سؤال الروح مثلاً، وكان تحدِّياً له لإثبات صِدق نبوَّتِه أكبرَ من تحدِّي القرآن للعرب، وكذلك عدمُ استجابة الوحي له فوراً إنما يدلُّ ذلك على أنَّ القرآن هو نتاج عملية بحثٍ وتقصٍّ (لا تخلو طبعاً من الإلهام) أكثر مما هو نتاج وحي إلهي بالمعنى المتداوَل.

لا يوجد أي دليل علمي يثبت أنَّ القرآن وحي من الله بحسب معنى الوحي المتداول لدى المسلمين. ولكنَّ فكرة أنَّ القرآن صناعةٌ بشرية كأي نص آخر هي فكرة بديهية. ولم يستطع الإمبراطور ليو الثالث أنْ ينكِرَ أنَّ كتابَه المقدَّس صناعةٌ بشرية. القرآنُ لغةٌ بشرية وبالتالي فهو صناعة بشرية. ونسبةُ القرآن إلى الإنسان لا تقلِّلُ من قيمة القرآن ولا من "قداسته"، مثلما أنَّ نسبةَ الإنسان إلى والدَيه لا تقلِّلُ من قيمته ولا من قداسته ولا تسيء بالمقابل إلى الله. فضلاً عن أنَّ قانون السببية يقضي بأنْ لا شيء يأتي من لا شيء. فلا بدَّ إذاً للقرآن كما لغيره أنْ تكون له مصادرُ خرجَ منها وأمهاتٌ وآباءٌ وُلِدَ من تزاوجِهم. فللقرآن "أُمٌّ وأبٌ ولم يفقِسْ في الجُرْد مِن حكايةٍ منسية في ليلةٍ صيفية" (على حد تشبيه الأَخَوين رحباني في: بَـيَّاع الخواتم).

يُبرهِنُ المؤمنون بالله، وخاصةً المسلمون، على وجود الله باستحالة وجود شيء من دون صانع. فيقولون باستحالة تجمُّعِ ألواح خشبية مع بعضها تِلقائياً لتصبحَ سفينةً ليبرهنوا بذلك على استحالة وجود الكون من دون الله. يُفهَم من تشبيههم هذا بأنَّ عمليةَ "خلقِ" اللهِ للكون تشبه تماماً عمليةَ صنعِ الإنسان للسفينة ابتداءً من أخشاب موجودةٍ مسبقاً وليس من العدَم. ولكنَّ برهانهم هذا من المفروض منطقياً أنْ ينطبقَ على كل شيء. فكما أنه لا يمكن عقلاً تصوُّرُ انضمام مواد خشبية موجودة سلفاً إلى بعضها لتصيرَ سفينةً من دون صانع بشري، كذلك لا يمكن عقلاً تصوُّرُ اجتماع أحرف وآيات وسور مع بعضها لتشكِّـلَ القرآن مِن دُونِ فِعلِ بَشَرٍ. فلا بدَّ من وجود صانع للقرآن غير الله المجرَّد المتعالي مثلما أنه لا بدَّ من وجود صانع للسفينة غير الله.

وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى وجود أكثر من صانع (فاعل)، أو أكثر من خالق بحسب تعبير القرآن الذي يفاضِل بين مختلف الخالقين ليستنتجَ أنَّ الله هو أفضلُهم فيقول: "فتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (سورة المؤمنون، 14). هناك نوعان أو مستويان للصانع (الخالق). هناك صانع حقيقي مباشَر محسوس وهناك صانع مجازي غير مباشر متعالٍ تصوُّريّ عقليّ مجرَّد. فوجودُ الإنسان على سطح الأرض يُعزَى عِـلْمياً إلى عمليات أزلية طويلة جداً ومعقَّدة جداً نجهلُها فنسمِّيها مجازاً "الله". هذا هو الصانع "المجازي" غير المباشر المجرَّد. ولكنْ هناك صانع ثانٍ مباشر ومحسوس هو الأمُّ والأب. هذا الصانع المباشر هو حلقة من السلسة الأزلية لصناعة الإنسان. ومن المستحيلِ عقلاً إثباتُ الصانع "الأول" ونفي الصانع "الثاني". فيستحيل وجود إنسان لم يولد من إنسانٍ قَبلَه. ولو قُـــلْـــنا لمسلمٍ أنَّ هناك إنساناً خلقَه اللهُ بيديه مِن دُونِ واسطة الأم والأب فلن يُصَدِّقَ ذلك أبداً ولكنه بالمقابل يؤمن إيماناً قوياً بأنَّ كتابه المقدَّس قد خلقَه الله مباشرةً بدون الحاجة إلى الصانع الثاني الحقيقي الملموس وهو الإنسان! ولو سألني مسلمٌ عن الفاعل الذي بنى هذا البناءَ أو الذي صنعَ تلك السيارةَ أو الذي ألَّفَ ذلك الكتابَ وقلتُ له بأنَّ الله تدَخَّـلَ مباشرةً مِن دون الحاجة إلى المرور بالأسباب فسيظنُّني أنني أستهزئ به لأنه يَعلم أنَّ الله هو الفاعلُ اللازمني الذي يفعل من خلال الأسباب والقوانين. فكيف يريد المسلمُ معرفةَ الفاعل الزمني المادَّي للأشياء ولا يريدُ بالمقابل أنْ يعرِفَ الفاعلَ الزمني لقرآنه!

وجودُ والدَينِ كصانع أو كخالِق مباشر محسوس للإنسان لا ينفي أبداً وجود الصانع المتعالي المجرَّد المتمثِّـــل بالسلسلة الأزلية من الأسباب. كذلك القرآن، كأي نص مكتوب، لا بدَّ، بحسب قانون السببية، أنْ يكونَ قد وُلِدَ من نصوص وأفكار قبله ولادةً طبيعيةً أو قيصرية من خلال عمليات التوليد المتمثِّـــلة في الترجمة والتأليف والتدقيق والتصرُّف. وأنْ يكونَ للقرآنِ صانعٌ بشريٌّ مباشر محسوس لا ينفي أنْ يكون له صانع آخر إلهي غير مباشر ومجرَّد. وأنْ يكون القرآنُ مترجَماً إلى العربية من لغات أخرى لا ينفي كونَه وحياً من الله. فالله المتمثل في قانون السببية الأزلي أو قانون كارما أو الوعي الكوني الأزلي يوحي إلى كل شيء، فيوحي إلى النحل والجبال، بحسب القرآن. ولكنَّ النحلَ الموحَى إليه هو الصانع الحقيقي المباشر للخلايا وللعسل لا الله المُوحي. ولا يمكن لمسلم عاقل أنْ يتصوَّرَ أنَّ الله قد خلَقَ العسلَ بلا نحل أو بلا أي خالقٍ مباشر. وهكذا فإنَّ تنزيلَ الله للقرآن يشبه تماماً خَـــلْــقَه للإنسان. فاللهُ هو الفاعلُ اللامباشرُ الذي يشير إلى مجموع الأسباب التي أدَّت إلى وجود القرآن والإنسان. ولكنَّ الإنسانَ، من خلال الترجمة والتأليف (في حالة ولادة القرآن وغيره) ومن خلال التواصل الجنسي (في حالة ولادة الإنسان) هو الفاعلُ المباشر. وهكذا يستحيل عقلاً وجود نص أو كِتاب يوجَد من العدم، بل يولَد مِن كُتُب ونصوص وأفكار موجودة. فالمنطق والواقع والمشاهدة تشير إلى وجوب وجود الفاعل المباشر (الإنسان) كشرط لوجود إنسان آخر أو كِتاب، ولكنْ ما من دليل علمي تجريبي يثبت وجودَ الفاعل غير المباشر. مع ذلك فإنَّ المسلِم وكلَّ إنسان مقيَّـــد بأغلال العقيدة يرون الفاعلَ العقائدي المجرَّد ولا يرون الفاعلَ الواقعيَّ المحسوس وكأنَّ عقيدتَهم عطَّلَت حواسَّهم وخدَّرَتْهم فأصبحوا كسرطان البحر الذي يُسْـــلَــق وهو حيّ بتسخين الماء البارد تدريجياً حتى الغليان، حيث يرتاح في البداية لدفء الماء المعتدل ثم لا يلبث أنْ يتخدَّرَ ثم يُسْـلقَ وهو لا يدرك ذلك. وكذلك حالُ المؤمن الذي يبدأ أولاً بالارتياح لعقائده ليصلَ آخِراً إلى الإدمان والتخدير التام.



حاشية:
[1] عن كِتاب Correspondance entre Omar II, 8ème calife Omeyade et Léon III l Isaurien, empereur de Constantinople, sur la foi des chrétiens, d après l Histoire de Ghévond. (المراسلات بين عُمَر الثاني، ثامن الخلفاء الأمويين وبين ليو الثالث الإيزاوري، إمبراطور القسطنطينية، حول إيمان المسيحيين، بحسب تاريخ [المؤرِّخ الأرمني] غيفوند [القرن الثامن])، ص 19، نسخة رقمية متاحة على شبكة الإنترنت مع مقدِّمة بقلم ألبوسيكاد (Albocicad)، 2009، على الموقع: http://ar.scribd.com/doc/20447569/Lettres-entre-Omar-2-et-Leon-l-Isaurien.
والمقطع المترجَم هو:
«Nous reconnaissons Matthieu, Marc, Luc et Jean pour les auteurs de l Évangile, et pourtant je sais que cette vérité, reconnue par nous, chrétiens, te blesse, et que tu cherches à te trouver des complices de ton mensonge ; bref, tu soutiens que nous le disons écrit par Dieu et descendu des cieux, comme tu le prétends pour ton Forkan, quoique nous sachions que c est Omar, Abou-Thourab et Salman le Persan, qui l ont composé ; cependant, on a répandu le bruit chez vous que Dieu l avait fait descendre des cieux.»





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قِطة شرودنغر وقسورة القرآن
- القرآن العربي نص مترجَم إلى العربية
- وظيفة القرآن
- حقيقة النبي


المزيد.....




- السعودية :إحباط محاولة لاستهداف المسجد الحرام
- شاهد: آداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
- شاهد: آداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
- كيف يشعر المسلمون المقيمون في بريطانيا بعد حادث مسجد فينسبري ...
- منظمة الدعوة الاسلامية توزع مساعدات غذائية على فقراء موريتان ...
- روسيا تقصف مواقع لتنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية" ...
- الدعوة الاسلامية توزع سلات غذائية فى نواكشوط
- روسيا تقصف مواقع لتنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية" ...
- الأركان الايرانية: القصف الصاروخي لداعش تم بأمر من قائد الثو ...
- أدلة جديدة في حالات سرقة لمئات من الأطفال اليهود اليمنيين في ...


المزيد.....

- السلفية .. أيديولوجيا التشرنق في الماضي التعيس / محمد بن زكري
- الدين السياسي و نقد الفكر الديني / مولود مدي
- في نقد العقل الديني المُؤَسَّسي / فارس كمال نظمي
- الدولة الدّينية أم الدولة المدنيّة: صراعٌ على مداخل الإصلاح / يوسف هريمة
- عزيزي الله: رحلتي من الإيمان الى الشك / مواطن مجهول
- الإنسان والعَدَم: عن الإلحاد ورفض النص الديني / معاذ بني عامر
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ... / فرج الحطاب
- محنة العقل الإسلامى . / سامى لبيب
- مقدمه في نشوء الاسلام ، كيف وأين ومتى؟ / سامي فريد
- تطور المفاهيم الروحية والدينية والعقلية والدعوات المضَلِلّهْ / اسحق قومي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - الألفاظ الأعجمية في القرآن ودلالتها والتحدِّي ومعناه