أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ أصباحٌ، هاجراتٌ، بَدْرُ















المزيد.....


مَراكش؛ أصباحٌ، هاجراتٌ، بَدْرُ


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 3965 - 2013 / 1 / 7 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


1 ـ من صقيع أوروبة إلى قيظ الحَمراء:
عندما غادرتُ سوريّة إلى أوروبة، قبلَ نحو ربع قرن، فإنّ سيّاح هذه القارّة العجوز، أو أولئك القادمين من العالم الجديد، كان من النادر مُصادفتهم في شوارع عاصمتنا، العتيدة. كذلك الأمر خلال زيارتي إلى مصر، قبل حوالي عشرة أعوام، التي لم ألحظ فيها تواجداً سياحياً، مَلحوظاً، وربما بسبب الغزو الأمريكي والبريطاني للعراق في الفترة نفسها. إنّ مَرأى مَراكش، التي تكادُ تكون مُهجّنة بالأوروبيين بشكل خاص، قد جاز لها ولا غرو أن تدهشني خلال رحلتي الأولى، المُصاقبة لمَوسم السياحة الأهمّ، الصيفيّ. في هذه المدينة، الفاتنة، فإنّ الجوّالَ الغريبَ سيعتادُ على أن يظهرَ أمامه، على حين فجأة، ذلك الحضور المألوف. فدروبُ " مَدينة الحَمراء "، المُظللة بالبواكي والأقواس غالباً، كأنما هيَ مَسحورة: لن تلبث، في أيّ لحظة، أن تنشقّ أرضيّتها عن سائحٍ غربيّ أو موتورسيكل محليّ. ومن المُمكن، أيضاً، أن يتماهى هذا وذاك معاً. إذ ليسَ من الندرة، على أيّ حال، أن تبصرَ في أحد الشوارع مُقيماً أوروبياً وهوَ يقود دراجته الناريّة مُعتمراً الخوذة الحديديّة، الواقيَة، المُلزمة قانوناً. في المُقابل، قلمّا تصادفُ مواطناً يهتمّ كثيراً بالقوانين، خلالَ قيادته للموتورسيكل أو السيّارة. بيْدَ أنّ هؤلاء الأوروبيين، سواءً من السيّاح أو المقيمين، ليسوا معصومين عن الخطأ بحال. بل وفي حالاتٍ مُعيّنة، أخلاقيّة واقتصاديّة، قد ترقى خطاياهم إلى حدود الجناية.
" فيما يتعلق بالسياحة، فإنني أعتقد بأنها تساهم في تدمير العالم "، صرّحَ بذلك الكاتبُ الأمريكي بول بوولز. هذا المبدع، ومن قضى جلّ حياته في المغرب، أضافَ أنّ السيّاح: " لا يتركون شيئاً ورائهم، فهم يدمرون جميع الدول التي يعبرونها ". أجل، لقد انتهى زمن الرحّالة الحكماء. هؤلاء، كانوا عموماً يأتون إلى الشرق مُتجشمين مَشاق السفر وأخطاره، سَعياً للمعرفة والمغامرة والتلاقح الحضاريّ. اليوم، بات المجيء إلى الشرق سهلاً وميسوراً ورخصاً بالنسبة للكثير من الغربيين. غيرَ أنّ مفهومَ الترحال، الثقافيّ بالدرجة الأساس، سيُستبدل غالباً بالسفرات السريعة، الترفيهيّة، وأيضاً وهوَ الأسوأ؛ بما أضحى مَعروفاً بـ " السياحة الجنسيّة ". هذه الأخيرة، يُمكن أن تضافرَ في سوء الفهم بين الثقافات، بل وحتى تسعير العداوات الدينيّة. لقد رأينا، قبل بضع سنوات، مثالاً على المَسلك الأرعن لبعض السيّاح الأوروبيين، حينما قام أحدهم بتصوير فتاة مغربيّة في أوضاع جنسيّة، بعدما أجبرها على ارتداء الحجاب. للحق، فإنّ أعرابَ الخليج، المُعَرَّفين هنا بنعتٍ شامل، " السواعدة "، همُ الأكثر ولوغاً في هذا المَجال، المَشنوع. ولن نستغرب من هذه الحقيقة، إذا ما تذكرنا الضجّة الكبرى، التي جدَّت هنا على أثر تصريح واحدٍ ممن يُفترض أنهم ـ كذا ـ يُمثلّون الاتجاه الليبراليّ في السعوديّة. فجواباً على سؤالٍ مُتلفزٍ يتعلّق بسبب بقائه عازباً، قالَ صاحب موقع نت، شهير، في مَرَحٍ وخفة: " أعتقد أن هذا ليسَ مشكلة، طالما كان المرءُ مثلي مُقيماً في المغرب ".
في أكبر حدائق المدينة القديمة، " عَرَصة مَولاي عبد السلام "، كنتُ خلال رحلاتي السابقة مُعتاداً على رؤية عجوز فرنسيّ، لا يكاد يغيبُ يوماً عن الحضور؛ ثمّة، أين جنّة الخضرَة والماء والوَجه الحَسَن. لقد دأبَ هذا الرّجل الشائخ، المُتهالك الأعضاء، على مُلاحقة الفتيات الشابات. كن ينفرن منه، في الوهلة الأولى، مُشمئزات أو عابسات. ولكن، ما كان يُدهشني حقاً، هوَ تمكّن العجوز، إلى الأخير، من جرّ الكثير منهن إلى حديثٍ مُتطاول يتخلله أحياناً المَرَحُ والضحكُ كما وتبادل أرقام الهاتف المَحمول. مَجلسُ هذا الكهلِ، المُتصابي، كان على الدوام في مكان استراتيجيّ؛ إذا ما شئنا استخدام القاموس العسكريّ. ثمّة إذن، على طرف النوافير الأربع، في موقع رائع بمياهه وأشجاره وساحته، كان يكمن عرين أسدنا، العجوز. على أنّ فتيات الحديقة، بشكل عام، كن يأتين مَصحوباتٍ برفقة قريبٍ أو حتى صديق. من ناحيتي، اعتدّتُ على صداقة شجرة الرّمان، المُنبثقة من حوضٍ يقوم على الجهة اليسرى من النوافير. في أيّ فصل يتوافق ورحلتي، كان لا بدّ أن ألقى الرمانة هذه، الأثيرة، وهيَ مُزهرة أو مُحمّلة بالفاكهة. " العَرَصة "، هيَ موئلٌ أيضاً لأشجار أخرى، مُثمرة، مثل التين والبلح والبرتقال والزيتون. البوغنفيا، المَجنونة، لا مثيل لها هنا في البهاء والتألق؛ حيث تتشكّل في طرَفيّ كلّ حوضٍ كأجماتٍ مُستطيلة، طويلة وعريضة، مَجزوزةٍ بعناية وعلى سويّة من العلو، واحدة. في أمكنة مُعيّنة من الحديقة، تتسلق هذه المَجنونة بأوراقها ذات الألوان العديدة، المَسحورة، خِللَ أشجار النخيل والزيتون حدَّ أن تغمر بعضها كلياً.
هناك، في مقابل أحد تلك المناظر، المونقة، كنتُ ذات ظهيرةٍ أهمّ بالاسترخاء فوق أحد المقاعد، هارباً من قيظ الهاجرة. في هكذا وقتٍ من ظهيرة يوليو، الجحيميّة، من النادر أن يخرج المراكشيون من مَنازلهم. وإذن، ما أن التفتَ بصري لمُعاينة المكان، شبه المهجور، حتى جُذِبَ ببوارق من لمعانٍ خاطف: فتاة في عنفوان صباها وفتنتها، كانت ثمّة على المقعد القريب، تنزل رويداً قدَمَها اليمنى، الناصعة، المُتعرّية في أعلاها حتى السروال الداخليّ. المَكان، المُشتعل للتوّ، لم يكُ مَنذوراً لنا وحدنا، كما ظننتُ في السانحة الأولى. فما أن مَضت دقائق قليلة، حتى اقتربَ من مَجلسي شابّ مُتجهّمُ السحنة ورياضيّ القوام: " هل أعجبتكَ، هذه..؟ "، خاطبني بلا تمهيدٍ وهوَ يومأ نحو تلك الفتاة. تمعّنتُ فيه قليلاً، وليسَ بدون انزعاج. ندبة عميقة، كانت تمتدّ عدّة سنتيمترات تحت عينه وبموازاة أنفه، الأقنى. أخيراً، أجبتهُ باقتضاب أنّ ذلكَ لا يَعنيه. عادَ ليقول لي بنبرَةٍ مُتملّقة، تفصحُ عن الإغراء والطمَع في آن: " انظر، كم هيَ جميلة. إنها تتطلّع نحوك بإعجاب، أيضاً. لن تكلفك كثيراً؛ مائة أورو، فقط. وفي المقابل، تستطيع أنت أن تفعل معها ما تشاء ". وبدا أنّ القوّادَ، " السكارفيز "، في سبيله لعرض المزيد من مزايا بضاعته، حينما توقفتُ فجأةً لأغادر المكان دونما نأمَة. في لواحق الأيام والرحلات، التي حفلت بزياراتي الدائبة للحديقة، لم أعد ألتقي أبداً مع ذاك الشخص ولا مع مَحظيته. في سفرتي الحاليّة، اختفى أيضاً أثرُ العجوز الفرنسيّ، الدونجوان.
2 ـ من جنّة مَولاي إلى جنائن مَجوريل:
" شارع محمّد الخامس "، يبدو وكأنه شقّ العَرَصة إلى قسمَيْن، طالما أن الجنائن الغناء متناثرَة في مواضع عديدة إلى جانبه. على هذا الشارع، الرئيس، تطلّ من الحديقة أشجارُ البرتقال ثمّ أشجار البلح كلّما انحدرنا جنوباً باتجاه مَدخل حيّ " غيليز "؛ ثمّة، أين تنتهي أسوار المدينة القديمة. وكما أخبرتُ ذات مرّةٍ من سائق تاكسي، مثقف، فإنّ تسمية هذا الحيّ هيَ أمازيغيّة وليست فرنسيّة مثلما يعتقدُ كثيرون. وقد تحققتُ بنفسي من ذلك، باطلاعي لاحقاً على بعض المصادر عن تاريخ مَراكش. إنّ " غيليز "، مثله في ذلك مثل معظم أحياء المدينة خارج الأسوار، كان بالأساس خلاءً شاسعاً يعجّ بالنخيل وكروم الأشجار المثمرة، إلى أن تمّ استيطانه وتعميره من لدن الخلق على شكل عَرَصاتٍ مُتجاورَة. اليوم، حينما يَصل الزائرُ الجوّالُ إلى مَدخل هذا الحيّ الحديث، الراقي، فإنه سيعتقدُ أنه حلّ فجأةً في أوروبة. المَدخل، الذي يَتخلّله " شارع محمّد الخامس "، يحفّ به من جانبَيْهِ برجٌ كبيرٌ، مربّع، يتصلُ مع السور. فما أن تنتهي هنا " عَرَصة مَولاي "، الأشبه بالجنّة، حتى تنفتحُ مُجدّداً العَرَصات الأخرى وصولاً إلى " جنائن مَجوريل "، الكائنة في أقصى الحيّ. من مَدخل " غيليز " هذا، تتجلّى لعين الجوال لوحة رائعة، نادرة، تشكّلها أشجارُ وعرائشُ وخمائلُ العَرَصات، المُكتنفة كتفَيّ الشارع الرئيس حتى " ساحة الحريّة "، أين ستظهرُ ثمّة في الخلفيّة قمّة أحد الجبال. هنا، العمارة المعاصرة مُهجّنة مع الكلاسيك المَحليّ، كما يَلحظه المرءُ في واجهات وشرفات وترّاسات الفنادق الممتازة والأبراج المُنيفة والأبنية السكنيّة، وكذلك في المطاعم والمقاهي والبارات والمحلات والمتاجر.
نحو نصف ساعةٍ من مَشي مُتمهّل، عبْرَ الشارع الرئيس، يَستغرق الوصولُ إلى " ساحة 16 نوفمبر " من جهة مسجد " الكتبيّة ". هيَ ساحة حديثة، كبرى، مُقسّمة بدَورها على عدّة عَرَصاتٍ، تتوسّطها مُستديرةٌ تضجّ بحركة سير السيارات والحافلات والدراجات الناريّة والمشاة. الساحة عَرَصاتٌ، وعلاماتٌ أيضاً. إن بعضُ أهمّ مَعالم " غيليز "، تقوم هنا؛ كمَبنى البريد والاتصالات وفسحة النافورات الثلاث ومطعم الوجبات السريعة " ماكدونالد " ومخزن الألبسة والاكسسوارات " زارا " والفضاء المُشجَّر " جنائن الحارتي ". هذه الأخيرة، أبوابُها وأسوارُها تشي بكونها غير قديمة العهد. وبالفعل، فإنّ الزائرَ لا يلبث أن يُواجه بلوحةٍ معدنيّة، مَنصوبَة عند المَدخل، يقرأ فيها أنّ الجنائن قد افتتحت في عام 2004. بيْدَ أنّ الأشجار هنا، وغالبيتها من النوع المثمر كالنخيل والبرتقال والتين والزيتون، يدلّ مَظهرُها في المُقابل على عتقها. الممرّ الرئيس، ذو الأرضيّة الاسمنتيّة الصلبَة، يقودُ الزائرُ مباشرةً إلى حديقة للأطفال واسعة، زيَنت بنصبَيْن هائلين لحيوانيْ الديناصور، المُنقرض. على أنني سأتجه إلى اليسار، أين الممرّ الفرعيّ المُتفيّأ بأشجار الزيتون، الهَرمة، والمَحروس بأصص البوكسيا والخبازى ضمن فخاريّات متوسّطة الحجم. المقاعدُ الخشبيّة، مشغولة بالمتنزهين وأكثرهم من الشبان والفتيات. ينتهي الممرّ بمستديرةٍ تحاذي جدار الحديقة الغربيّ، الشبيهة عمارته وصباغته بسور المدينة القديمة. ثمّة، تعتلي نافورة حديديّة مصطبات المستديرة الثلاث، المكسوّة بالزليج الصقيل، والتي يحفّ بها الأحواض ذات الشكل الهندسيّ، المثلث. إلى مُستديرةٍ أخرى، أوسع وأجلّ شأناً، تقع إلى اليمين، تتوسّطها منظرةٌ كبرى. أشجار النخيل، تحيط المُستديرة، فيما تبدو في الصّدر عمارة تقليديّة الطراز، تتمثلُ صورة مُصغرة عن واجهة أحد القصور المَراكشيّة. من هناك، تناهى بَصَري نحوَ الجهة الشرقيّة ليلبثَ مَليّاً. مَاًخوذاً بمَشهد حديقة صبّاريات، تبدو من بعيد خِللَ الأشجار والأجمات، مَضيتُ نحوها فيما كانت الشمسُ فوقنا تميل إلى الغروب. أحواضٌ عديدة، على أشكال هندسيّة مُختلفة، كانت تكمن هنا مع هذه الشوكيّات الغريبة، العجيبة. ذاكرتي، عادت للفور إلى رحلتي المَراكشيّة، الأولى، حينما اصطحبتني من كانت آنذاك خطيبتي إلى " جنائن مَجوريل ": الشوكيّة المُدبّبة، " القبّة "، هيَ بحجم سميّتها في المَسجد؛ الشوكيّة الاسطوانيّة، " الصخرة "، كأنما هيَ مُنتزعة من جلمود الجبل؛ الشوكيّة المُتشعّبة، " الشمعدان "، ترتفع هنا إلى علوّ الدور الثالث في أيّ من الأبنية، المُحدقة بالمَكان؛ أما الشوكيّة ذات الاسم الشاميّ الطريف، " لسان الحَمَاة "، فكأنها ألسنة نساء مردة الأساطير.
أخرجُ من الحديقة على صَدى صفير حرّاسها، المؤذن بساعة الإخلاء والإقفال. من حُسن حَظي، أن " مَعرضَ الصناعة التقليديّة "، السنويّ، قد اختيرَ مَكانه هذه المرّة على طرف " ساحة 16 نوفمبر "، حِذاء الجنائن تلك. غشَيتُ المَكان من مَدخله الوحيد، الواسع، الشبيهة أقواسُهُ بما نعرفه عن العمارة المراكشيّة الكلاسيكيّة. عشرات الخيَم، البيضاء الناصعة، شكّلتْ أقسام المَعرض وتوزع فيها منتوجه من التحف والمفروشات والاكسسوارات. ثمّة، تزاحمَ الخلق بين مُشترٍ ومُتفرّج، أو بين مُسترخ ومتنزّهٍ. على طرف المَعرض المُخيّم، تقوم مُستديرةٌ واسعة نوعاً، يتوسطها بحرةٌ مُرخمة، تنبثق نوافيرُها من جرار أربع، ضخمة، وأخرى أصغر حجماً. هناك، إذن، وحينما كنتُ أهمّ بمغادرة المكان، انجذبَ بصري نحوَ مرآة كبيرة، مؤطرٌ خشبها بالصّدف المزخرف، وقد وضعت فوق بيرو من المادّة الباذخة نفسها. اقتربتُ من الخيمَة المَتجر، لأتيقن من نظرةٍ أخرى على المَوْجودات، من مَفروشات وموبيليا، أن معظمها هوَ على الطراز الدمشقيّ، المَعروف. " نحن نتعامل مع عددٍ من الحرفيين، السوريين، الذين افتتحوا رِحَباً ومتاجرَ في مَراكش "، قال لي البائعُ الشابّ. وقد سمّى لي أحدهم، ممن كنت قد تعرّفت عليه قبلاً عن طريق قريب امرأتي، الذي يعمل لديه. أشرتُ بيدي نحوَ كنبَة من الخشب الثمين، المُرقش بدقة، والمُظهَّر بالمُخمل المُدبّج، قائلاً للبائع: " كان لدينا في منزلنا، هناك في دمشق، طقمٌ شبيهٌ تماماً بهذه الكنبة ". ولكن، ما لم أجد ضرورة لذكره أمامَ هذا الرّجل، أنّ والدتي أرادت التماشي مع بدعة التحديث؛ التي بدأت باستلاب عقول الناس في بلادنا منذ بداية الثمانينات. هكذا تمّ التخلّي عن ذاك الطقم الثمين، النادر، لبائعٍ جَشِعٍ دفعَ للأمّ دراهمَ بخِسَة كي تشتري فيما بعد طقماً آخرَ من الموبيليا الرَخِصَة، المُسمّاة عصريّة.
3 ـ من باب أغمات إلى منارة الكتبيّة:
اعتباراً من رحلتي الثالثة، المراكشيّة، حصلَ تغييرٌ شاملٌ في إقامتي هنا. انتقلتُ من داخل المدينة القديمة إلى خارجها، ومن النزول في الرياض مُستأجراً إلى الحلول ضيفاً في منزل حَمايَ. إلا أن هذا البيت، المُكوّن من دورَيْن كمعظم أبنية مَراكش، لا يبعد عن أسوارها سوى بمائتي خطوة، حَسْب. ثمّة، أين ينفتح مَدخلُ " باب أغمات " خِلل السور العتيق، الواطيء في هذا القسم من المدينة. مَدخل الحيّ ( أو " الحَومة " بالمَحكيّة المَحلّية )، يُشبه أمثاله من أبواب المدينة الحَمراء، السبعة: قنطرة عميقة نوعاً، بعلو السور نفسه، تقع إلى يسار المَدخل الرئيس، المزدوج والمقوّس الشكل، والذي يحفّ به في الجانب الأيمن مدخلٌ أصغر الحجم لمرور الأشخاص. في زمنٍ سابقٍ على تأسيس هذا الحيّ، كانت القنطرة هيَ الباب الوحيد؛ حيث اتخذ اسمَ بلدة " أغمات اوريكة "، التي يبدأ دربها من هنا. البلدة، تقع في ناحية " جبل توبقال "، المطلّ على مَراكش. وقد أسعدني الحظ، أوّلَ مرة، في الارتقاء بالسيارة عبرَ تلك المسالك الجبليّة المُشجّرَة، الوعرَة، في الطريق إلى مَصيف " امليل ". ثمّ مضى بي حظي، هذا الشتاء، إلى " اوريكة " ذاتها. في هذا الحيّ، إذن، ما أن يَخرج المرءُ من درب " عَرَصة المسفيوي " ( أين يقوم منزل حماي )، حتى يرى عن بعد منظراً رائعاً لذلك الجبل الحالق، المُعمّم بالثلوج شتاءً وحتى فترة متأخرة من الربيع. العَرَصة بدَورها، كما تحققت من ذلك بنفسي عن طريق المُصادفة، استمدّت اسمها من كنيَة العالم محمد بن عبد الله المبارك المسفيوي. لقد وقع بين يديّ كتابٌ من تأليف ابنه، المؤرّخ، عنوانه " السعادة الأبديّة في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشيّة "، حيث يفصّل ذكر سيَر الصالحين في حيّ " باب أغمات ". أشهر هؤلاء، سيدي يوسف بن علي؛ وهوَ أحد " الرجال السبعة "، ممن اشتهروا بالولاية والقداسة في مَدينة الحَمراء، كما أنه أعطى اسمه للحارة المُجاورة. يقول مؤلّفُ الكتاب في مقدّمته، عن أهميّة الحيّ: " ولا يخفى ما في هذه الروضة المنورة، والبقعة المكرمة، من الأوتاد والأبدال والأنجباء والنقباء والأقطاب والأجراس والأفراد، مما تضيق المجلدات عن احصائه ".
إنّ هذا الحيّ، هوَ بالفعل " روضة منوّرة ". حذاء الأسوار، المُمتدّة طويلاً لتطوّق المدينة القديمة برمّتها، تنبثق كرومُ الأشجار المثمرة من التربة الحمراء، الكريمة، المُستنبتة بمختلف أنواع العرائش والخمائل والأجمات. خلاءٌ هائلٌ آخر، من الكروم والنخيل، يَظهرُ للعيان بين الجدار الداخليّ، المُوازي للشارع الرئيس، وبين السور العتيق. هذا الجدار، ينفتحُ عند مَداخل بعض الأبنية الرسميّة؛ مثل المركز الصحيّ ومخفر الشرطة والمدرسة الثانويّة. فما أن يَخرج الجوّالُ صباحاً، مُغادراً المنزل الكائن في بداية الدرب، حتى يَواجهُ مُباشرة ً بمَرأى ذاك الجدار وقد ظهرَ من ورائه أشجار الكوتشوكة والتوت. إلى نخلتين هرمَتين، من ذوات السعف الشبيهة بأجنحة البازيّ؛ إلا أنهما شبيهتان بالعفريت، كون أهداب كلّ منهما، الكثيفة، تنحدرُ من قمّة الجذع حتى أسفله. هوَ ذا انعطافٌ إلى جهة اليمين، ثمّ سيرٌ على الطوار المُطلّة عليه حوانيتٌ ومحلاتٌ ورحبات. حين الوصول إلى مبنى الثانويّة، التأهيليّة، ثمّة مفرقٌ إلى اليسار هذه المرّة. من هنا يُستهلّ الطريقُ، رأساً، نحوَ الأسواق الكبرى مروراً بمدخل " ساحة جامع الفنا ". ستستغرق الرحلة ربعَ ساعة من المَشي، لا أكثر؛ ولكنها رحلة شبه يوميّة، حافلة بأماكن حميمة، مألوفة لعينيّ الجوّال. هذا الطريق، ينفتحُ في بدايته عن دربٍ عريض، تغشاه السيارات من طرَفيه. إلى اليسار، جدران عالية كالأسوار، يتهدّلُ منها أغصان شجرَتيّ تين وتوت تعرّت من كسوتها. إلى فروع هائلة العلوّ لشجرة كوتشوكة، متألقة بأوراقها الصقيلة؛ لكي تكون، ربما، جديرةً بمجاورة الرياض الفخم المَدخل، الكائن في مقابلها. هوذا رياضٌ آخر، على النسق نفسه، بابُهُ مزخرفٌ بالجصّ على الطريقة المراكشيّة. يعلو مَدخل الرياض قبّة من القرميد بلون أخضر مع افريز من خشب الأرز، الثمين، وعمود مُرَخم إلى كلّ جانب. عدّة دروبٍ، على الأثر، ينفتح أكثرها إلى جهة اليمين من الطريق تتطاول من مداخل منازلها عرائشُ المَجنونة بألوان أوراقها المختلفة، المَسحورة. أما جهة اليسار، فتتوالى فيها رِحَبُ المشغولات الخشبيّة والحديديّة كما ومداخلُ أزقةٍ تذخرُ بالنزل السياحيّة.
" تلك الرحب، وأيضاً المتاجرُ على جانبيّ الدرب، تخصّ صاحبَ هذا القصر "، قال لي رجلٌ متوسط العُمر وهوَ يُشير بيدَهُ إلى أكبر عمائر المنطقة. إنه يعملُ دليلاً سياحياً، لقيته جالساً في الظلّ حينما كنتُ ألجُ " دوّار كَراوة "؛ أين تقوم نخلاتٌ تسعُ من ذوات السعف، البازيّة، في أحواضٍ أنيقة. هذا القصر، المُنيف، الذي يعيش فيه أحدُ الأمراء، يُهيمن على المكان بأسواره العالية وبمدخله المقوّس، المزخرف بالجبس الناصع. الدوّار، ينفتحُ على عدّة دروب، أحدها يؤدي إلى ناحية الأسواق. " درب القناريّة " هذا، يُستهلّ بساحةٍ صغيرة يَحفّ بها إلى اليسار مطعمٌ من ثلاثة أدوار، نوافذه أندلسيّة الطراز ذات أفاريز ناصعة، بديعة التكوين، ينتهي كلّ منها بشكل الأرزة . مقهىً إلى ناحية اليمين، يعتليه منزلٌ رياضٌ ذو ترّاسٍ مُشجّر، وقد تدلّت من سقفه نجفاتٌ جميلة مَشغولة من القصب. إالى الجهة الأخرى من الساحة تلك، الطريقُ يُفضي إلى " درب الزيتون الجديد " ومن ثمّ إلى حيّ " الملّاح ". يتعيّن الإشارة، أنه اعتباراً من الزنقة المؤدية لسوق " القناريّة "، تصبح الطريق في غاية الضيق وبالكاد تتمكّن الدراجات الناريّة من اجتيازها. هذا السوق، غير المتجاوز عرضه الثلاثة أمتار عموماً، يَذخرُ في المُقابل بالمَتاجر المُعتبرَة. ها هنا تعرَضُ على أرصفة المحلات بضائعُها، من التحف والزرابي والمَشغولات النحاسيّة والخشبيّة والزجاجيّة والجلديّة، المتنوّعة؛ من أوانٍ وأقداح وأباريق ومَرايا وعقود وصَوَانٍ وصناديق وأحزمة وحقائبٍ وغيرها. إن " دربَ القناريّة " صورةٌ، مُصغرة، عن الأسواق الكبرى؛ التي سينتهي إليها مسيرُنا تواً. كذلك بشأن المطاعم والنزل هنا، فإنّ مداخلها على درجة من البذخ حتى لتعبِّر بدَورها عن فن العمارة، المغربيّة.
عادةً، أعودُ من المَدينة ليلاً، حينما يكون البدرُ المنيرُ يَتطلّع إلى مَنارة " الكتبيّة " ببعض الضيق والحَسَد. هذه الآبدة، وبما أنها مَنارة، فمن الأولى مُعاينتها مع حلول المساء. إنها تبدو للعيان من بعيدٍ، بعمارتها الهائلة، المُربّعة الشكل، كما وبعلوّها الباسق. وفي هذا الشأن، يُقال أن مَنارة " الكتبيّة " هيَ أكثر الأبنية ارتفاعاً في المدينة الحمراء. ها أنا ذا في " ساحة جامع الفنا "، مُقابل المَنارة تماماً، أجوبُ بين الجُوَقِ الموسيقيّة، المُشتعل أوارُ ألحانها وأناشيدها في آناء الليل والنهار. لكلّ جوقةٍ جمهورُها، وفضاؤها الخاص، وفانوسها؛ بما أن الميكروفونات لا تستعمل هنا لحسن الفأل. هذه الفرق الموسيقيّة، الشعبيّة، تتبادلُ إلى ذلك المَواقع. إذ يكون بعضها منذورٌ وجوده للنهار حَسْب، فما أن تحلّ آونة الغروب، حتى يُخلي مكانه لغيره من الفرق. الجوقة، مكوّنة غالباً من خمسة إلى عشرة شبان، يعزفون على آلاتٍ محليّة مُختلفة، يقودهم مُنشدٌ يتنكّبُ غيتاراً. يتخللُ الغناء استراحاتٌ، تطول أو تقصر، يتبادل فيها المنشدُ مع أفراد جوقته الطرائفَ يشاركهم فيها الجمهور أحياناً. يجب على الحاضرين، المُقتدرين، أن ينفحوا الجوقة بعضَ الدريهمات. إذاك، يُعبّر المنشدُ عن الشكر مومئاً بيده نحوَ المُحسن. من ناحيتي، فإنني مُعتادٌ على المكوث لدى فرقة مُعيّنة، حتى أنّ أفرادها ومعلّمهم باتوا يعرفونني ويقدّمون لي كرسياً في كلّ مرةٍ تقع أبصارهم عليّ. رحلة إثرَ الأخرى، وأنا أسعدُ بصحبة هؤلاء الشبان المَوهوبين، شاكراً الوجودَ على نعمة لقائهم، المُتجدّد. غناء الجوقة، وعلى الرغم من أنه بلغة الأمازيغ غالباً، إلا أنّ الجموع المُحتشدة تردّده بحماسةٍ حتى وإن كان الكثير فيها من المتكلّمين بالعربيّة. هذا دونما نغفلَ السيّاح، ممن يُسهمون أيضاً بالغناء وحتى الرقص. إذا صدفَ وأن رأيتَ زحاماً ثمّة، حول إحدى الجوقات، فاعلم أنّ سائحة حسناء تستعرض مهارتها في الرقص المحليّ. أمّا نانسي عجرم، فإن حضورَها الصاخب، المَسحور، كان ذات موسمٍ من الفوضى والاضطراب في هذه الساحة، حدَّ أنّ منظمي " مهرجان مَراكش " لم يجرئوا على دعوتها مرّة أخرى.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,817,915,762
- مَراكش؛ أذواقٌ، أصواتٌ، بَصَرُ
- مَراكش؛ زوايا، أماكنٌ، بؤرُ
- مَراكش؛ أشجارٌ، عرائشٌ، بشرُ
- شبّيحة علويّة، شبّيحة كرديّة
- حكاية شبّيح
- لأجل من قامت الثورة..؟
- ماردين؛ مِحَن الأسلاف
- مازيداغ؛ مسالك الأسلاف
- حلب؛ حلول الأسلاف
- الحسكة؛ معسكر الأسلاف
- قامشلو؛ ممرّ الأسلاف
- عامودا؛ منفى الأسلاف
- رأس العين؛ فردوس الأسلاف
- أبو بكر وعلي و.. جورج
- حلم الحاكم
- خالد بكداش؛ طاغية بلا سلطة
- ثيمة الانتقام في السينما الكلاسيكية
- مرشح لجائزة شبيّحة بلا حدود
- سليمو وباسطو وأوجلانوس
- مشعل التمّو؛ شاهداً وشهيداً


المزيد.....




- فيلم كرتون يحطم رقما قياسيا جديدا في عالم السينما (فيديو)
- العراق يستذكر شهداءه في مسرحية ..بروفة على خط النار!
- مكتب مجلس المستشارين يتدارس مواضيع تهم التشريع ومراقبة العمل ...
- المغربية سميرة ياسني ممثلة دائمة للبرلمان الإفريقي
- النجمة سلمى حايك تعلق على خسارة ألمانيا أمام المكسيك (فيديو) ...
- كيف جلبت أزياء فريدا كاهلو السياسة المكسيكية إلى المسرح العا ...
- فنانة روسية ترسم النجم محمد صلاح بطريقتها الخاصة (صورة)
- «البيجيدي» ينفي سفر برلمانييه إلى روسيا على حساب المال العام ...
- -إنكريدبلز 2- يتصدر إيرادات السينما الأميركية
- اكتشاف رابط مثير بين الأجنة والموسيقى!


المزيد.....

- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - مَراكش؛ أصباحٌ، هاجراتٌ، بَدْرُ