أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - في نقد برهان النظم















المزيد.....



في نقد برهان النظم


أحمد القبانجي
الحوار المتمدن-العدد: 3951 - 2012 / 12 / 24 - 00:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعدّ هذا البرهان من أقوى البراهين في مسألة اثبات وجود الله تعالى لدى عامة الناس ومن مختلف الأديان والمذاهب السماوية، ويعتمده الكتاب المسلمون أيضاً في كتاباتهم، وهناك تصريحات كثيرة في النصوص الدينية من القرآن والسنة في تقرير هذا البرهان والإستشهاد به. ولكن بالرغم من ذلك فإنا لا نجد له أثراً في كتابات الفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا وصدر المتألهين وغيرهم من أساطين الحكمة الاّ اشارات عابرة لم يقصد منها الإستدلال على المطلوب، ولعل السبب في ذلك كما سيأتي هو عدم استقلال هذا البرهان لاثبات واجب الوجود الاّ بمعونة البراهين الاخرى من برهان الحدوث أو الامكان.
واختصاراً نقول بأن هذا البرهان له ثلاث صياغات يمكن أن يكون كل واحدة منها دليلاً مستقلاً:
1 ـ الدليل الفاعلي.
2 ـ الدليل الغائي.
3 ـ الدليل الاستقرائي.
الصياغة الاولى: وهي السائدة في الأوساط العلمية والدينية وتقوم على أساس صغرى وكبرى،: فالصغرى حسيّة، وهي مشاهدة وجود النظم في عالم الخليقة، والكبرى عقلية وتقوم على أساس مقولة بديهية وهي أن النظم لابدّ له من ناظم أوجده ويستحيل صدوره صدفة، يقول الشيخ السبحاني في تقرير هذا البرهان:
«إن برهان النظم يقوم على مقدّمتين: إحداهما حسّية، والاخرى عقلية، أما الاولى، فهي أن هناك نظاماً سائداً على الظواهر الطبيعية التي يعرفها الإنسان إما بالمشاهدة الحسية الظاهرة، وإما بفضل الأدوات والطرق العلمية التجربية.
أمّا الثانية، فهي أن العقل بعد ما لاحظ النظام وما يقوم عليه من المحاسبة والتقدير والتوازن والإنسجام، يحكم بالبداهة بأن أمراً هكذا شأنه يمتنع صدوره الاّ من فاعل قادر عليم ذي ارادة وقصد، ويستحيل تحققها صدفة وتبعاً لحركات فوضوية للمادة العمياء الصماء، فإن تصور مفهوم النظم وأنه ملازم للمحاسبة والعلم يكفي في التصديق بأن النظم لا ينفك عن وجود نظام عالم أوجده، وهذا على غرار حكم العقل بأن كل ممكن فله علّة موجدة وغير ذلك من البديهيات العقلية»
وأنت ترى أن هذه الصياغة لبرهان النظم تعتمد أساساً على البديهة العقلية في أن لكل نظم ناظم، وهي في الحقيقة فرع من مقولة «لكل معلول علة» واحدى تجلياتها، وهنا تكمن نقطة الضعف في هذه الصياغة لبرهان النظم، وذلك لأنه لا أحد ينكر المقدمة الأولى وهي وجود أصل النظم في العالم، والكلام كل الكلام في المقدمة الثانية، فما نرى من كتابات مفصلة في اثبات صغرى هذا الدليل في كتب علماء الإسلام من قبيل توضيح الواضحات، فالإشكال الذي يورده المنكرون على هذا البرهان هو في اثبات قانون العلية وشموله لما وراء الطبيعة، ، وقد تقدم أن هذا القانون لا يقوى على الصمود أمام الإشكالات الواردة، ولهذا أعرض الشهيد الصدر والشهيد المطهري وغيرهما من المدققين الإسلاميين عن الصياغة الأولى لهذا البرهان واعترفوا بقصورها عن اثبات المدعى وانه لابدّ من الاستدلال بدليل النظم على وجود غاية لهذا الكون أي إثبات العلّة الغائية لا الفاعلية، أو التمسّك بالمنهج العلمي الحديث في حساب الإحتمالات، أي الإستقراء لإثبات المطلوب، ولكن حتى هذه الصياغة العلمية للبرهان لا تخلو من إشكالات قوية تجهض علمية الإستدلال وتمنع أية محاولة للخروج بنتيجة منطقية من هذا البرهان لإثبات وجود الباري تعالى، فنصل بالتالي إلى الصياغة الرابعة والأخيرة والتي هي المعوّل عليها في تصحيح المسار الفكري لحركة الإنسان في ثقافته الدينية.
الصياغة الثانية: يذكر الشهيد المطهري في تقرير برهان النظم على أساس العلّة الغائية كلاماً مفصّلاً في كتاب «التوحيد» خلاصته:
«إن معنى النظم الذي يعتبر في باب إثبات وجود الخالق هو النظم بالاصطلاح الفلسفي الناشيء من العلّة الغائية لا النظم الناشيء من العلّة الفاعلية، النظم الناشيء من العلّة الفاعلية ليس أكثر من أن يقال: إنّ لكل معلول علّة ولكل أثر مؤثر وفاعل وكل إنسان الهياً كان أو مادياً يقبل بأن لكل معلول علّة والناظم هو هذه العلل نفسها، فمعنى النظم هو أن يكون لكل معلول علّة، وتلك العلّة لها علّة وهكذا، فهذه السلسلة من العلل والمعلولات بنفسها توجد النظم في العالم، فلا حاجة إلى وجود الله. ولا حاجة لأن يكون هناك ناظم وراء هذه الأشياء إلاّ أن نقول: إنّ مقصود من الله هو نفس هذه العلل والمعاليل، فالله يعني الطبيعة، والطبيعة هي الله، ولكن المؤمن بوجود الله لا يقول مثل هذا الكلام. ونفس هذا النظم لا يكون دليلاً على وجود الله اطلاقاً.
المقصود من النظم هوالنظم الناشيء من العلّة الغائية، وهذا النظم يعني أن للمعلول وضعاً خاصاً يحكي عن خصوصّية الانتخاب في العلّة، يعني أن هذه العلّة أوجدت هذا المعلول واختارته بشكله الخاص من بين اشكال مختلفة من المعلولات لأجل هدف خاص وغاية معينة، إذاً فلا بدّ أن يكون لهذه العلّة التي أوجدت المعلول شعور وإدراك وإرادة، أو على فرض أن لايكون للعلّة شعور وإدراك وإرادة بالنسبة لذلك المعلول فإنّها واقعة تحت تدبير وتسخير فاعل أعلى منها يتمتع بالشعور والإرادة والدليل على وجود علّة وراء الطبيعة هو هذا النظم بالمعنى الثاني.
اذن فعندما نقول بوجود نظام في العالم يعنى أنّ جميع الأشياء في الطبيعة تتحرك باتّجاه هدف وغاية وانتخاب، فالطبيعة مسخّرة وهذا لا يعني عدم وقوع الصدفة في العالم فهذه الصدف والإتّفاقات لا تتناقض مع وجود هدف وغاية، فالعالم يسير باتجاه هدف معين وفق قانون كلّي أو قوانين كلية هادفة»
الصياغة الثالثة: وتعتمد على الإستقراء وحساب الإحتمالات، فبعد أن يردّ السيد الشهيد الصدر مقولة العليّة كما تقدم في كلامه لدى بيان الإشكالات على قانون العليّة، يرى أن الطريق السليم هو التمسك بالإستقراء لإثبات المقصود من دون الحاجة إلى الرجوع إلى مسألة العليّة، وهذا المنهج هو المعوّل عليه في العلوم الحديثة، وبما أن الحضارة الحديثة تعتمده كأصل ومنهج في المعرفة العلمية التي تورث اليقين وترفض المناهج الفلسفية القديمة، فلماذا لا يتمسك به الإلهيون لإثبات أحقية ايمانهم وصحة توحيدهم، ولذا عوّل السيد الشهيد على هذا البرهان واعطاه اهمية فائقة في مجمل دراساته المعرفية.
يقول الشهيد الصدر في تقريره لهذا البرهان الاستقرائي بعد أن يذكر عدة تطبيقات لمنهج الاستقراء:
«خطوات الاستدلال:
الخطوة الاولى: نلاحظ توافقاً مطرّداً بين عدد كبير وهائل من الظواهر المنتظمة وبين حاجة الإنسان ككائن حي لتيسير الحياة له على نحو نجد أن أي بديل لظاهرة من تلك الظواهر، يعني انطفاء حياة الإنسان على الارض أو شلّها. وفيما يلي نذكر عدداً من تلك الظواهر كأمثلة:
تتلقّى الأرض من الشمس كمية من الحرارة تمدّها بالدفء الكافي لنشوء الحياة واشباع حاجة الكائن الحي الى الحرارة، لا اكثر ولا أقل، وقد لوحظ عملياً أن المسافة التي تفصل بين الارض والشمس تتوافق كاملاً مع كمية الحرارة المطلوبة من أجل الحياة على هذه الارض، فلو كانت ضعف ما عليها الآن لما وجدت حرارة بالشكل الذي يتيح الحياة، ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة الى الدرجة التي لا تطيقها حياة.
ونلاحظ أن قشرة الارض والمحيطات تحتجز ـ على شكل مركّباب ـ الجزء الأعظم من الاوكسجين، حتى انه يكوّن ثمانية من عشرة من جميع المياه في العالم، وعلى الرغم من ذلك ومن شدّة تجاوب الاوكسجين من الناحية الكيميائية للاندماج على هذا النحو، فقد ظلّ جزء محدود منه طليقاً يساهم في تكوين الهواء، وهذا الجزء يحقق شرطاً ضرورياً من شروط الحياة، لأن الكائنات الحية من إنسان وحيوان بحاجة ضرورية الى اوكسجين لكي تتنفس، ولو قدّر له أن يُحتجز كلّه ضمن مركبات، لما أمكن للحياة أن توجد.
وقد لوحظ أن نسبة ما هو طليق من هذا العنصر تتطابق تماماً مع حاجة الإنسان وتيسير حياته العملية، فالهواء يشتمل على 21% من الاوكسجين ولو كان يشتمل على نسبة كبيرة لتعرضت البيئة الى حرائق شاملة باستمرار، ولو كان يشتمل على نسبة صغيرة لتعذرت الحياة أو اصبحت صعبة، ولما توفرت النار بالدرجة الكافية ليتسير مهماتها.
ونلاحظ ظاهرة طبيعية تتكرر باستمرار ملايين المرّات على مرّ الزمن تنتج الحفاظ على قدر معيّن من الاوكسجين باستمرار. وهي أن الإنسان ـ والحيوان عموماً ـ حينما يتنفس ويستنشق الاوكسجين يتلقّاه الدم ويوزع في جميع أرجاء الجسم، ويباشر هذا الاوكسجين في حرق الطعام، وبهذا يتولّد ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسلل الى الرئتين، ثم يلفظه الإنسان، وبهذا ينتج الإنسان وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار، وهذا الغاز بنفسه شرط ضروري لحياة كل نبات، والنبات بدوره حين يستمد ثاني اوكسيد الكربون يفصل الاوكسجين منه، ويلفظه ليعود نقياً صالحاً للاستنشاق من جديد.
وبهذا التبادل بين الحيوان والنبات أمكن الاحتفاظ بكمية من الاوكسجين، ولولا ذلك لتعذّر هذا العنصر، وتعذّرت الحياة على الإنسان نهائياً، إن هذا التبادل نتيجة آلاف من الظواهر الطبيعية التي تجمعت حتى انتجت هذه الظاهرة التي تتوافق بصورة كاملة مع متطلبات الحياة .. (ثم يورد الشهيد الصدر نماذج اخرى من قبيل النتروجين وخواصه الكيماوية وحجمه وكمية الهواء، والفاصلة بين القمر والارض، ووجود الغرائز المتنوعة في الكائن الحي والتركيب الفسلجي للانسان ودقة عمل الاعضاء كالعين والاُذن والمخ وغيرها حتى الجمال والعطر والبهاء ووجود الحشرات والزهور وظاهرة الزوجية وانواع الحيوانات بما يحقق التوافق التام مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها).
الخطوة الثانية: نجد أن هذا التوافق المستمر بين الظواهر الطبيعية، ومهمّة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات يمكن أن يفسّر في جميع هذه المواقع بفرضية واحدة وهي: أن نفترض صانعاً حكيماً لهذا الكون قد استهدف أن يوفّر في هذه الارض عناصر الحياة، وييسّر مهمتها، فان هذه الفرضية تستبطن كل هذه التوافقات.
الخطوة الثالثة: نتساءل: اذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم ثابتة في الواقع، فما هو مدى احتمال أن تتواجد كل تلك التوافقات بين الظواهر الطبيعية، ومهمّة تيسير الحياة دون أن يكون هناك هدف مقصود؟ ومن الواضح أن احتمال أن تكون الرسالة المبردة اليك في مثال سابق من شخص غير أخيك ولكنّه يشابهه في كل الصفات بعيد جداً، لأن افتراض المشابهة في ألف صفة ضئيل بدرجة كبيرة في حساب الاحتمالات، فما ظنك باحتمال أن تكون هذه الارض التي نعيش عليها ـ بكلّ ما تضمّه ـ من صنع مادّة غير هادفة، ولكنها تشابه الفاعل الهادف الحكيم في ملايين ملايين الصفات.
الخطوة الرابعة: نرجّح بدرجة لا يشوبها الشك أن تكون الفرضية التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحة، أي ان هناك صانعاً حكيماً.
الخطوة الخامسة: نربط بين هذا الترجيح وبين ضآلة الاحتمال التي قرّرناها في الخطوة الثالثة، ولما كان الاحتمال في الخطوة الثالثة يزداد ضآلة كلّما ازداد عدد الصدف التي لابد من افتراضها فيه ـ كما عرفنا سابقاً ـ فمن الطبيعي أن يكون هذا الاحتمال ضئيلاً بدرجة لا تماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أي قانون علمي. لأن عدد الصدف التي لابد من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة هنا، اكثر من عددها في أي احتمال مناظر، وكل احتمال من هذا القبيل فمن الضروري أن يزول.
وهكذا نصل الى النتيجة القاطعة، وهي أن للكون صانعاً حكيماً بدلالة كل ما في هذا الكون من آيات الاتساق والتدبير»
ويقوم الإستقراء كما رأينا على مبدأ تجميع الإحتمالات المتصورة في الحوادث المتكررة إلى أن تصل إلى درجة اليقين، فعلى سبيل المثال لو افترضنا أن طفلاً لا يعرف القراءة والكتابة ولا الطبع بالآلة الطابعة جاء وجلس خلف الطابعة وشرع بالضرب على الازرار، فهل من المعقول أن يثمر هذا الضرب العشوائي عن كتابة جملة مفيدة من قبيل «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ فإذا أردنا أن نحسب الإحتمالات التي ترافق هذه العملية للخروج بهذه النتيجة، فسوف يكون الرقم خيالياً جداً، حيث أن عدد الحروف العربية (28) حرفاً، فلو أراد الطفل أن يكتب الحرف الأول من هذه الجملة في عملية الضرب العشوائي لكان احتمال حدوث هذه النتيجة (281) ـ هذا مع غضّ النظر عن أن لكل حرف صوراً متعددة من أول الكلمة ووسطها وآخرها ـ واذا استمرت التجربة وأردنا تحصيل الحرف (س) في الحركة الثانية لكان احتمال أن تتكرر الحالة مضاعفاً، أي (28 × 281)، وفي المرة الثالثة يتضاعف هذا الإحتمال حتى يصل إلى آخر المطاف إلى عشرات الاصفار على يمين الرقم واحد، والحال أن الذهن البشري في حركته العلمية يلغي مثل هذا الإحتمال الضعيف جداً، ويتحول الظن إلى يقين بعد عدة موارد من الإستقراء المنطقي، ويقال عن امكانية تحقق ذلك الإحتمال الضعيف جداً أنه محال وممتنع عرفاً وعقلاً.
والآن لنتوجه إلى عالم الطبيعة ولنرى أنه على حساب الإحتمالات هل يعقل أن يحدث بدن الإنسان مثلاً بما يحويه من أجهزة معقدة ونظم عجيب وتناسق مذهل، صدفة وبدون تدخل قدرة مدبّرة وخارقة؟.
هنا لا نحتاج إلى قانون العلية، بل اننا بمجرد أن نتوجه إلى القضية ذاتها وبما تحوي من حساب الإحتمال يتولد لدينا يقين بصحّة فرضية وجود الناظم القدير، كيف ونحن في المسائل العلمية يحصل من خلال عدة تجارب أو بحوث استقرائية يقين بالقوانين الطبيعية..

مناقشة برهان النظم:
هذه خلاصة ما ذكره المحققون في تبيين برهان النظم، وقلنا أن هذا البرهان رغم وضوحه وقبوله لدى عامة الناس، الاّ أنه يواجه بعض المشاكل المعرفية والمنطقية تحول دون الإعتماد عليه كأساس من أسس المعرفة الدينية، وقبل ذكر الصياغة الصحيحة نورد بعض نقاط الضعف التي يواجهها هذا البرهان، ونبدأ بالصياغة الأولى والثانية:
الإشكال الأول: هو ما أوردناه سابقاً من اشكالات على قانون العلية، وهذا البرهان في هذه الصياغة كما ترى يعتمد في كبراه على قانون العليّة.
الإشكال الثاني: ذكرنا آنفاً أن الفلاسفة وحكماء الإسلام لا يعيرون أهمية لهذا البرهان في كتاباتهم، لأنه بإعتقادهم لا يقوم كدليل مستقل لإثبات المقصود ولابدّ من ضمّ دليل آخر إليه، فغاية ما يثبته هذا الدليل هو وجود الناظم، أي علم الله وتدبيره، ولكن المسألة الأساس وهي أصل خلق وايجاد العالم واثبات وجود الذات المقدسة تبقى بعيدة عن افق هذا الدليل وخارج دائرة اثباته، يقول الحكيم المعاصر جوادي الآملي:
«إن المقدمة الثانية من هذا البرهان والتي تشكل كبرى القياس وهي أن كل نظم يحتاج إلى ناظم، هذه المقدمة بدون الإعتماد على برهان الحركة، أو الحدوث أو الامكان لا تكون منتجة، كما لو قيل أن النظم حقيقة حادثة أو ممكنة، ولابد لها من مبدأ محدث أو واجب، إذن، فالنظم له مبدأ محدث أو واجب، وطبعاً بما أن هذا المبدأ قد صدر عنه النظم لذا يسمّى ناظماً أيضاً، فعلى هذا فإن برهان النظم بحاجة إلى برهان آخر يضمّ إليه ولا يمكن اعتباره برهاناً مستقلاً ... وهذا البرهان بسب محدوديته من جهة الكبرى يواجه مشكلتين: أولاً أنه ناقص وليس بامكانه اثبات ذات الواجب كما في برهان الحركة والحدوث. ثانياً: أنه حتى من أجل اثبات صفة من صفات الباري تعالى نظير: الناظم، المدبّر، العالم.. لابدّ له من الإعتماد على أحد البراهين الاخرى نظير برهان الإمكان والوجوب»
ويقول الشهيد المطهري في ردّه لهذا البرهان:
«ماذا تريدون اثباته بهذا الدليل؟ هل تريدون إثبات أن لهذا العالم موجداً ومدبّراً؟ ولكن وجود العالم المدبّر لهذا الكون أعم من أن يكون هو الله تعالى.
فما هو تصورنا عن الله؟ هل أن الموجد والمدبّر لهذا الكون اذا كان له أيضاً موجد آخر يصح أن يكون هو الله؟ كلاّ، إن الله الذي نعتقد به هو الخالق الذي ليس له أول وليس مخلوقاً لآخر...
ثم إن برهان النظم يثبت أن للعالم موجد ومدبّر، والقرآن الكريم يعتبر هذه الصفة للملائكة، وهكذا بالنسبة للاحياء والإماتة والرزق. فلا يكتفي القرآن بنسبة هذه الصفات لله تعالى لأنه ينسبها أيضاً للملائكة»
الإشكال الثالث: ما أورده «هيوم» أساس برهان النظم قائم على قياس النظم الموجود في الطبيعة بمصنوعات الإنسان ومنتوجاته في حركة الحياة، أي أننا لو رأينا ساعة أو مبنى من عدة طبقات نحكم بأن له ناظماً حتماً، وهذا اللحاظ أسريناه إلى مفردات الطبيعة، والحال أنه ليس هناك كثير مشابهة بين مصنوعات الإنسان وبين مفردات الطبيعة كيما تستنتج أنه بما أن مصنوعات الإنسان صنعت وفقاً لتدبير وفكر فكذلك الموجودات الطبيعية، فهذا القياس باطل، لأننا قد أدركنا بالتجربة بأن مصنوعات الإنسان هي حصيلة الفكر والتدبير ولكن في عالم الطبيعة فليس لدينا مثل هذه التجربة حتى نخرج بمثل تلك النتيجة.
إذن فالرصيد العقلي لهذا البرهان ليس سوى التشابه والتمثيل، ولا يحكي عن جنبة واقعية أو قاعدة منطقية.
وأجاب عنه بعض علماء الكلام، بأن برهان النظم ليس برهاناً تجريبياً بأن يكون الملاك فيه هو تعميم الحكم على أساس المماثلة الكاملة بين الأشياء المجرّبة وغير المجرّبة، وليس أيضاً من مقولة التمثيل الذي يكون الملاك فيه التشابه بين فردين، بل هو برهان عقلي يحكم العقل فيه بعد ملاحظة نفس الشيء وماهيته وبعد سلسلة من المحاسبات العقلية من دون تمثيل أو اسراء حكم كما يتم في التمثيل والتجربة.. فالعقل يرى ملازمة بيّنة بين النظم بمقدماته الثلاثة، أعني الترابط والتناسق والهدفية، وبين دخالة الشعور والعقل، فعندما يلاحظ ما في جهاز العين مثلاً من النظام بمعنى تحقيق اجزاء مختلفة كما وكيفاً، وتناسقها بشكل يمكنها من التعاون والتفاعل فيما بينها ويتحقق الهدف الخاص منه، يحكم بأنها من فعل خالق عظيم، لإحتياجه إلى دخالة شعور وعقل وهدفية وقصد.
ولكن هذا الجواب واضح الخدشة، فالمسألة ليست هي أن العقل يحكم أو لا يحكم، بل في أن العقل في حكمه هذا على أي أساس يقوم؟ هل على أساس منطقي. أو خيالي ولمجرد التمثيل؟ ومن الواضح أن العقل العلمي يقوم على أساس التجربة، فيحكم بأن هذا علّة لذاك من خلال عدة تجارب يقوم بها الإنسان لاستنتاج قانون طبيعي معين، وقانون النظم مقتبس من التجربة حاله حال سائر القوانين العلمية الاخرى، (إذا لم ندخله في دائرة البراهين الفلسفية)، ومعلوم أن النظم في الطبيعة لا يخضع للتجربة، فلا العلّة الميتافيزيقية تخضع للتجريب ولا المعلول، فندرك جيداً أن حكم العقل في هذا البرهان لا يستند على أساس علمي، إذن فيبقى الطرف الآخر من القضية، وهو أن يقوم حكم العقل هذا على أساس التمثيل والتشبيه كما قال هيوم.
ونلاحظ أيضاً في الجواب المتقدم خلطاً كبيراً بين العقل الفلسفي الذي يحكم بضرورة الناظم بالبداهة وبالإستناد على قانون العلية، وبين العقل العلمي الذي يحكم بذلك الحكم استناداً إلى الإستقراء والمحاسبات العقلية. وبين العقل الوجداني الذي تقدم الحديث عنه، وهذا التداخل هو السبب في قصور أدوات العقل الديني في تقصّي المشكلات الفكرية والوقوع في ورطة التهافت والسطحية.
الجواب الآخر على اشكال «هيوم» هو ما ذكره بعض الأساتذة من أن المسألة ليست من قبيل التمثيل والقياس، بل تحكي عن حقيقة واقعية تمدّ جذورها إلى قاعدة العلة والمعلول وضرورة السنخية بينهما، أي أن كل معلول له علة خاصة يشتركان معاً في السنخية والتجانس، وهذا المعنى تحكم به الضرورة العقلية ولا يحتاج إلى تجربة لإثبات صحته، والمصنوعات البشرية مصداق من مصاديق هذه القاعدة، وبما أنها تتمتع بنظم خاص فالعقل يحكم بأنه لابد لها من ناظم يتمتع بعلم ودراية بحكم قاعدة السنخية، وكذلك الحال في مخلوقات الله تعالى، فكليهما ـ أي المصنوعات البشرية والمخلوقات الإلهية مصاديق لقاعدة واحدة وأفراد لقانون عام.
وهذا الجواب بدوره لا يقوى على النهوض امام الاشكال المذكور، لأننا سبق وأن ذكرنا في بحث العلّية بأن مسألة السنخية بين الخالق والمخلوق لا تتمتع برصيد منطقي في دائرة العقل.
فمن الخطأ أساساً قياس العلية في الطبيعة والتي تعد السنخية من أركانها، على العلية بالنسبة لما وراء الطبيعة، ثم إن القول بأن مفهوم السنخية يحكم به العقل بدون توسط التجربة أول الكلام، ومعاجز الأنبياء تمثل اسقاط صريح لهذا المفهوم على مستوى الواقع الخارجي.
وأوضح منه أن العالم المادي مخلوق لعلّة غير مادية، فأين التجانس؟ ولماذا لا يحكم العقل هنا بهذه الضرورة؟
الإشكال الرابع: ما أورده «هيوم» أيضاً وهو أن الإلهيين يريدون بواسطة برهان النظم إثبات أنّ هذا العالم أكمل عالم ممكن، وهو قولهم: «ليس في الامكان أبدع مما كان» فمن أين لكم إثبات هذه القضيّة؟ فهل جربتم أشكال اُخرى من العالم في السابق ورأيتم أن هذا الشكل بهذا الوضع الموجود فعلاً هو الأفضل؟
الإشكال الخامس: ما أورده «هيوم» كذلك من أنّه من أنّه سلمّنا وجود المشابهة بين صنع الإنسان وموجودات الطبيعة وبما أن لمصنوعات الإنسان لا بدّ لها من صانع فكذلك موجودات الطبيعة، ولكن غاية ما يمكن إثباته بهذا الكلام أن صانع العالم هو كائن يشبه الانسان، ولا أحد من الإلهيين يقبل بهذه النتيجة، لأنهم يريدون إثبات المبدأ الإلهي لهذا النظم والذي يتمتع بعلم لا محدود وقدرة مطلقة وكمال لا متناه. وهذه النتائج لا يمكن استخلاصها من هذا الدليل.
الإشكال السادس: ما أورده «برتراند راسل» على هذه البرهان من احتمال أن يكون هذا النظم بسبب التكامل، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
ويمكن تقرير إشكال «راسل» بهذه الصورة:
1 ـ إن النظم الموجود في العلل والاسباب في دائرة عالم الاحياء إما أن يكون ناشئاً عن التكامل أو ناشئاً عن تدبير وتخطيط لعلّة غيبية.
2 ـ إن هذا النظم ناشيء من التكامل.
3 ـ إذن فهذا النظم ليس ناشئاً من تدبير علّة غيبية.
وهذا يعني أن النظم إذا أمكن تبريره على أساس قانون بقاء الأصلح فلا حاجة حينئذ للاستعانة بفرضية التدبير
الإشكال السابع: ما أورده «كانت» على هذا البرهان رغم أنّه لا ينكر القيمة العملية له من حيث دلالته القلبية على الصانع المتصف بالعظمة، ولكن الخلل فيه أنّه غير قابل للإثبات المنطقي وهو في الحقيقة عبور من الثرى إلى الثريا ومن التراب إلى ربّ الأرباب وذلك من خلال بيان بعض المقدمات:
1 ـ إن هذا البرهان مبنيّ على التجربة والتدبير والنظم في العالم.
2 ـ ولكن التجربة لا تعطينا صورة كاملة عن المطلق وواجب الوجود لأنه:
أ ـ إذا كان الله هو أعلى وأكمل الموجودات الموجودة بالفعل الداخلة في اطار التجربة، فهذا يعني أن من الممكن وجود موجود هو أعلى وأكمل منه.
ب ـ وإذا كان الله منفصل عن سلسلة هذه الموجودات، ففي هذه الصوره لا يمكن أن يقع أساساً لفرضية تجريبيّة، وعليه يكون هذا البرهان غير معتبر حيث تركنا المبنى التجريبي واستعرضنا وجوداً آخر من العقل المحض.
3 ـ وعلى هذا الأساس لا يمكننا إثبات واجب الوجود من خلال التدبير والنظم الموجود في العالم.
هذا ويمكن أن يكون الناظم أقل شأناً من المنظوم ـ كما ذكر دوكاس ـ فليس من الضروري أن يكون المدبّر والناظم أعلى وأعلم من الشيء المخلوق له بل قد يكون أقلّ شأناً من مخلوقه كما هو الحال في مخترع المجهر، أو الكمبيوتر، فهل يستطيع أن يرى أو يحسب مخترع هذه الأجهزة كما يعمل المجهر أو الكمبيوتر؟ وهكذا الحال في الطائرة والمركبة الفضائية وسائر مخترعات الانسان التي تفوق قدرتها في عملها قدرة الانسان نفسه.
الإشكال الثامن: أن يقال بذاتية النظم لعالم الوجود كما قلنا في باب الحركة. وهذا يعني أن الكون تسيّره قوانين طبيعية منبعثة من ذات المادة كالجاذبية والإستمرارية وخواص الماء والهواء والتراب وسائر المعادن، فما نشاهدة من نظم دقيق في هذا الكون والذي لا يقبل الإنكار، لا يعني أن ناظماً عليماً وراء كل هذا النظم والتدبير بالضرورة، وهذا المطلب مؤيد تماماً في العلوم الحديثة.
لا يقال بأن هذه القوانين والخواص الذاتية للمواد من هو الذي خلقها؟ وأن الله هو الذي جعل في الكون هذه القوانين الذاتية، لأنّا نقول بأن هذا الكلام يعود بنا إلى برهان الحدوث وأن الله تعالى أحدث هذه القوانين والخواص الذاتية في العالم بعد أن لم تكن، والكلام في سبب النظم وهل انه يحتاج إلى ناظم خارج ذاته، أم لا؟
وهذا الإشكال مؤيد أيضاً بالنصوص الدينية التي تتحدث عن وجود الملائكة ومسؤوليتها في حفظ النظام الكوني وادامة الفيض الإلهي لعالم الوجود، أي أن الملائكة هي المسؤولة عن النظم وهي الناظم والمدبّر لحوادث عالم الخلقة لا أن الله تعالى هو الناظم المباشر، فالله خلق الملائكة، وهي بدورها تقوم بتدبير العالم (طبعاً بالطول لا بالعرض) وهذا المعنى يعود بنا إلى دليل الحدوث والعلة والمعلول، وقد سبق ردّه.
الإشكال التاسع: أننا أساساً نرفض صغرى هذا البرهان، وننكر أن يكون هناك نظم خاص في عالم الطبيعة، والمشاهدات تحكي عن وجود نظم في عالم الاحياء فقط، وهذا النظم في الاحياء خاصة معلول لوجود الروح، أي أن الروح في الاحياء هي المسؤولة عن كل هذا النظم المدهش في الكائن الحي من النبات والحيوان والإنسان وذلك للمحافظة على وجود واستمرار الحياة، أما من خلق هذه الروح فيعود إلى دليل الحدوث كما قلنا.
وتفصيل الكلام، أن النظم المدعى إما أن يكون في الاحياء والناظم له الروح الموجودة في الكائن الحي، وإما أن يكون في عالم الطبيعة خارج دائرة الاحياء فلا يوجد مثل هذا النظم المزعوم أساساً، بل بالعكس فالشواهد الكثيرة جداً تحكي عن فوضى عجيبة وحكومة المصادفات والإتفاقات على هذا العالم أكثر من حكومة النظم والتدبير، ولا يعني أن تلك المصادفات تقع بدون علّة، فذلك مما لا يقول به أحد من المنكرين، فالصدفة هنا لا تعني عدم العلة بالضرورة، بل عدم وجود غاية حكيمة تحكم حوادث الطبيعة، ففي منطقة تكثر الأمطار حتى تتولد السيول وتغرق الناس، وفي اخرى يشكون من القحط وعدم المطر، علماً بأن ثلاثة أرباع الأمطار أو أكثر تنزل على البحار والمحيطات نفسها وتعود كما كانت من دون فائدة، وكذلك وجود الميكروبات والزلازل والبراكين وما يخبرنا عنه العلم الحديث في مراصده العظيمة عن حدوث انفجارات وتصادمات في المجرّات العظيمة والكواكب السماوية مما لا يخضع لقانون ونظم معقول.
والعجيب من بعض الكتّاب والمفكرين كلامهم حول دقة النظم الطبيعي الذي يحكم الكرة الأرضية وبمقادير معينة ودقيقة تكفل بقاء الحياة واستمرارها من قبيل حجم الكرة الأرضية ومقدار الهواء والماء الموجود فيها ومقدار بعدها عن الشمس وسرعة دورانها وحجم الشمس ووجود القمر وفوائدهما الكثيرة في حياة الإنسان وما إلى ذلك من حقائق طبيعية كثيرة مسخّرة لخدمة الإنسان وادامة حياته على الأرض بحيث لا يمكن أن يكتب بقاء الإنسان والاحياء مع الاخلال بواحد منها ومقدار من مقاديرها، هؤلاء غفلوا عن أنّ الخصوصيات المذكورة الأرضية من بين مليارات المنظومات الشمسية بكواكبها واقمارها غير الصالحة للحياة لا تعدّ أمراً مدروساً وخارجاً عن اطار المصادفات، وحساب الإحتمالات لا ينفي احتمال حدوث كوكب ـ وهو الأرض ـ من بين هذه المليارات من الكواكب بهذه المواصفات والخصوصيات المساعدة على نشوء الحياة، ولو كنا نحن والمنظومة الشمسية فقط بكواكبها التسعة لأمكن القول بأنه على حساب الإحتمالات وجود كوكب بهذه الخصوصيات من بين تسعة كواكب أمر لا يمكن أن يحدث صدفة، ولكن كيف والكرة الأرضية واحدة من بين ملايين المليارات؟
والملاحظة الاخرى أن الأرض نفسها كانت قبل ملايين السنين غير صالحة للحياة، ولكن بفعل تسرّب الحرارة إلى الفضاء وهطول الامطار وحدوث بعض المتغيرات بمرور الزمان أصبحت بهذه الصورة.
أما بالنسبة إلى الاحياء والروح المدبِّرة لها حيث لا ينكر وجود النظم فيها فيمكن القول على ضوء مستجدات العلم الحديث أن الروح في بداية الأمر وقبل ملايين السنين تولدت من حركة المياه الدائبة وعلى شكل موجودات نباتية احادية الخلية، أي أن المياه في حركتها الدائبة من أمطار وأنهار وشلالات ثم على شكل أمواج في البحار وصعودها مرة اخرى الى الجو ثم نزولها على شكل أمطار وجريانها بين الجبال والوديان والسهول، واستمرار هذه العملية لملايين السنين تجعلها مؤهلة لنشوء الحياة من خلال تجميع هذه الطاقة المتولّدة من حركة المياه هذه في جزئيات الماء والتراب والأملاح المختلطة معها، فالروح في بدايتها هي عبارة عن نقلة نوعية لكمّ هائل من الحركة المخزونة في جزئيات الماء مضافاً إلى ما يحمله من معادن وأملاح في طريقة نحو البحر، وهذه الطاقة المخزونة التي تحولت إلى روح في الخلايا المجهرية السابحة في الماء هي التي تقوم بتنظيم وتدبير أمور الخلية، ومع مرور الزمن وانظمام طاقات مخترنة اخرى واتحادها مع خلايا اخرى تتحرك قافلة الحياة في سلّم التطور والتكامل الى أن وصل الحال إلى هذه الاحياء المتطورة وخاصة الإنسان، فمن الخطأ أن نحسب حساب الإحتمالات في تكوين العين أو الخلية الحيوانية من دون أخذ عنصر الروح في هذه المحاسبات كما هو المشاهد في كتابات المعاصرين.
والملاحظة الأخيرة أن الحياة نشأت بعد وجود العوامل الطبيعية بمقاديرها المذكورة من ماء واوكسجين وطاقة شمسية محدودة وأرض صالحة للزراعة وما إلى ذلك لا أنها كانت وبعد ذلك تغيّرت الطبيعة على وفق عنصر الحياة، وهذا يعني أن عنصر الحياة في الكائن الحي هو الذي يوفّق نفسه ويدبّر أموره مع الطبيعة لا العكس، وعلى هذا فلا عجب أن يكون مقدار الماء والاوكسجين وأشعة الشمس وغيرها بمقدار احتياج الكائن الحي لا أكثر ولا أقل، لأن عنصر الحياة في الكائن الحي هو الذي يغيّر نفسه ليتوافق مع المحيط، فلو كان مقدار الماء في الكرة الأرضية نصف المقدار الحالي، وكذلك مقدار الهواء وأشعة الشمس لأمكن لعنصر الحياة أن يوفّق نفسه مع الوضع الموجود، كما نرى في الاحياء التي تعيش في القطب أو تلك التي تعيش في أعمال البحار.
* * *

أما الصياغة الثالثة:
لتقرير هذا البرهان والتي تعتمد أساساً على حساب الإحتمالات للوصول إلى درجة اليقين بوجود الله تعالى كما في دراسة الشهيد الصدر في الأسس المنطقية للإستقراء، فيلاحظ عليها:
أولاً: ذكر الشيخ جوادي الآملى في ردّ برهان الإستقراء ثلاثة ردود، أقواها أن حساب الإحتمالات رغم أنه يتدنّى بإحتمال الصدفة إلى أدنى درجاته ويقرّبه من درجة الصفر، الاّ أنه لا يوصله إلى درجة الصفر مطلقاً، ولهذا لا يكون نافعاً الاّ في تحصيل الإطمئنان العرفي واليقين النفساني، ولا يمكنه تحقيق اليقين العلمي.
ولكن كما ترى، فان هذا الإشكال يتضمن خلطاً بيّناً بين العقل العلمي والعقل الفلسفي، فصحيح أن العقل الفلسفي لا يصل إلى درجة اليقين، لأنه يظل يحتمل الصدفة مهما بلغت درجة تدنيها نحو الصفر، أي ولو بلغ احتمال الصدفة واحداً بمليار المليارات، الاّ أن السيد الشهيد لم يقصد من هذا البرهان المنهج الفلسفي، بل صرح بأن المنهج العلمي المتبع في العلوم الحديثة هو المقصود، ومعه لا يبقى للإحتمال الضعيف جداً وجود في دائرة العقل العلمي، أي أن العقل يلغي الاحتمال الضئيل جدّاً لحساب الإحتمال الكبير جداً ويصل الإنسان عندها إلى مرحلة اليقين، وهذا هو المنهج المتبع في العلوم الطبيعية، فمهما تكررت تجربة تمدد الحديد بالحرارة، أو ظواهر الجاذبية يبقى احتمال أن تكون العلة شيئاً آخر، موجوداً في المنهج الفلسفي، ولكن العلم يرفض هذا المنهج، والاّ لما ثبت حجر على حجر في البناء الحضاري الجديد.
ثانياً: أن يقال: إن الإستقراء وان كان متّبعاً ومفيداً لليقين في العلوم الطبيعية، الاّ أنه من الخطأ استخدامه في دائرة اخرى غير دائرة الطبيعة، لوضوح عجزه وقصوره عن ايصال الإنسان إلى مرتبة اليقين، ولهذا نجد الناس جميعاً يتفقون في يقينهم الإستقرائي في العلوم الطبيعية على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، ولكنهم حينما يصلون إلى دائرة الغيب واليقين الميتافيزيقي فنجد أن القليل منهم يحصل على مرتبة اليقين رغم أنهم مشتركون في مشاهداتهم الطبيعية، فبعضهم يصل إلى هذه المرتبة بأدنى تجربة استقرائية في اثبات النظم واخرون يبقون في مرتبة الشك رغم أنهم يقضون أعمارهم في اكتشاف عالم الاحياء أو عالم الأفلاك ويرون باستمرار النظم الدقيق والمدهش الذي يحكم اجزاء العالم من الذرة أو الخلية الحية إلى المجرّات التي تحوي مليارات النجوم والكواكب، وما ذلك الاّ لأن ميدان العلوم الطبيعية يختلف عن ميدان العلوم الأخلاقية والميتافيزيقية، فإذا حصل الإنسان على اليقين في الأول من جهة الإستقراء، فإنه لا يستطيع الحصول عليه في الثاني الاّ بعد مجاهدة النفس وازاحة حجب المادة والدنيا وتطهير القلب من الأهواء والأنانية والنوازع النفسية.
قد يقال إنّ الإنسان السليم والعقل السليم لا يفرق في موارد الإستقراء، فلو تدنى احتمال الخلاف الى الواحد بالالف مثلاً فالعقل يحكم لصالح الألف ويلغي احتمال الواحد ويرتفع بالإنسان إلى درجة اليقين، سواء كان في دائرة القضايا العلمية أو الميتافيزيقية، ومن يواجه مشكلة في تحصيل اليقين في القضايا المتيافيزيقية فالعيب فيه لا في المنهج والدليل، وعليه رفع هذا النقص من نفسه، والسيد الشهيد أراد أن يقول للمنكرين وعلماء الطبيعة والماديين انكم كما تقبلون بالإستقراء في اثباتاتكم العلمية وتذعنون لحجيّته فلماذا لا تقبلونه في دائرة الميتافيزيقيا واثبات وجود الله مع أن الشواهد التجريبية والمشاهدات العلمية كلها تؤكد أن احتمال الصدفة في خلق العالم والكائنات غير معقول بتاتاً؟
فنقول: إن المسألة ليست في أصل جريان الإستقراء في هذه الدائرة دون تلك، فالإستقراء يجري في الطبيعيات لإثبات عللها الطبيعية وغير الطبيعية، الاّ أن المشكلة هي في نفس حصول اليقين، فحجية الإستقرار مبتنية على حصول اليقين فقط بخلاف الصياغة الاولى المبتنية على أصل العلية، فحتى لولم يحصل اليقين فالبرهان قائم وحجة، وهنا لو لم يحصل اليقين من عملية الإستقراء فهو غير حجة ولو بلغت التجارب والمشاهدات في مورد من الموارد أكثر من أن يحصى، فالإنسان المادي يكفي أن يقول إنني لم أحصل على اليقين من هذا البرهان لإسقاط البرهان من أساسه مهما كان السبب في عدم حصوله على اليقين، ولا يصح في مجال الإستدلال العقلي أن نتهم الطرف الآخر بأنك معاند أو محجوب بحجاب الغفلة والأنانية فلا ترى الحقيقة، لأن هذا الحجاب يبتلى به جميع افراد البشر الاّ الأوحدي من الناس، فحتى المسلمون بل والمؤمنون رغم اعترافهم بوجود الله تعالى الاّ أن من يصل منهم إلى مرتبة اليقين بحيث يرى الله تعالى حاضراً وناظراً فبلّغه سلامي.
فتبيّن أن مسألة وجود الله داخلة في دائرة الأمور الوجدانية لا العقلية، ونفس شك هؤلاء المنكرين شاهد على هذا المدعى. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تقرر هذا المطلب وتؤكد على أن الذنوب وتوجه الإنسان بقلبه وسلوكه نحو الدنيا وملذّاتها الرخيصة يشكل مانعاً عن إدراك حقيقة وجود الله تعالى مهما بلغت الأدلة والبراهين في اثبات وجوده:
(وماتغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)
(وإنّا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب)
بل تصرح بعض الآيات الكريمة أن السبب الحقيقي وراء عدم ايمان هؤلاء هو أنهم خسروا وجدانهم وأماتوا ضمائرهم، وهي أنفسهم الحقيقية، ومعه كيف يتسنى لهم الإيمان:
(الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)
ثالثاً: أساساً إن حصول اليقين من جهة الاستقراء والتجربة غير ممكن في القضايا العلمية فكيف بحصوله بهذه الادوات بالنسبة للقضايا الميتافزيقية؟
ولتوضيح ذلك نقول: بالنسبة للقضايا التجريبية هناك ثلاث مباديء اساسية تمنع لدى اجتماعها من حصول اليقين:
1 ـ إن جميع القضايا التي تحكي عن الواقع الخارجي هي قضايا «تركيبية» أي أن نفيها لا يستلزم «التناقض» وجميع القضايا التركيبية الحاكية عن الواقع الخارجي هي قضايا متأخرة عن الادراك الحسّي، أي أنّها باللحاظ المنطقي قائمة بقضايا اُخرى وغير مستقلة عن التجربة والادراك الحسّي.
2 ـ إن اليقين لا يحصل للإنسان إلاّ من خلال الادراكات الحسّية المباشرة وما يرتسم على الحواس «الظاهرية أو الباطنية» من مدركات، فمثلاً يمكن أن يحصل لدى الإنسان شك في وجود الكتاب الذي أمامه، ولكنه لا يمكن أن يشك في ما ارتسم على صفحة ذهنه من صورة الكتاب، أي أنّه قد يشك في جملة «هذا الكتاب موجود واقعاً» ولكنه لا يمكن أن يشك في جملة «إنني أرى هذا الكتاب أمامي» لأن القضية الثانية تحكي عن مدركاته الذهنية التي أدركها بالعلم الحضوري، والإنسان يحصل له علم قطعي وبدون واسطة من هذه الإدراكات.
وعلى هذ الأساس فانّ الطريق الوحيد لحصول اليقين بالواقع الخارجي هو هذه الوسائل الذاتية. وليس لنا طريق موضوعي لتحصيل اليقين المعتبر ـ كما في اليقين الناشيء من القياس المنطقي ـ سواه.
3 ـ من الواضح أن الاستنتاج الاستقرائي غير معتبر باللحاظ المنطقي والاستنتاج الوحيد المعتبر هو الاستنتاج القياسي في المنطق، أي أن من المحال التوصل إلى حكم كلي من قضايا جزئية (إلاّ بالاستقراء التام الذي لا يعقل حصوله في العلوم).
ومع ملاحظة هذه الاصول والمباديء نقول:
1 ـ لنفرض أن القضية (أ) قضية علمية ناظرة إلى العالم الخارج.
2 ـ لنفرض أن قضية (ب) قضية حاكية عن ادراكاتنا الحسّية الشخصية.
3 ـ وحينئذ فالقضية (أ) تكون معتبرة فيما لو كانت نتيجة للقضية (ب)، أي نتيجة منطقية تحكي عن ادراك حسّي لدى الشخص.
4 ـ ولكن (ب) لا تحكي إلاّ عن ادراك حسّي وذاتي للشخص، والقضية (أ) تحكي عن الواقع الخارجي، وهذا يعنى أن مضمون (أ) أكبر من (ب).
5 ـ في الاستنتاج القياسي لا يمكن أن يكون نتيجة القياس أكبر مضموناً من المقدمات، فعليه لا يمكن استنتاج (أ) من (ب) منطقياً.
والحاصل: إن القضايا التجريبية لا يمكن أن تتمتع باليقين المنطقي، ولذا لا يمكن الإعتماد على القضايا العلمية في تحصيل اليقين بالقضايا الميتافيزيقية بطريق أولى. وفي ذلك يقول الشهيد المظهري:
«إن السبب في كون العلوم المعتمدة تماماً على التجربة غير يقينية هو أن الفرضيات التي تصاغ فيها ليس لها من دليل سوى انسجامها مع التجربة واعطائها نتائج عملية. واعطاء النتاج العملية لا يكون دليلاً على صحة تلك الفرضية ولا على مطابقتها للواقع لأنّه من المحتمل أن تكون الفرضية مخطئة مائة بالمائة ولكنها في الوقت نفسه تؤخذ منها نتائج عملية. ومثال ذلك هيئة بطليموس التي كانت تعد الأرض مركزاً للعالم، والأفلاك والشمس وجميع النجوم تدور حولها. فهذه نظريه مخطئة ولكن السابقين المعتقدين بها قد إستخرجوا منها نتائج عملية صحيحة فيما يتعلق بالخسوف والكسوف وغيرهما. وكذلك الطب القديم القائم على اساس الطبائع الاربع (الحرارة ـ البرودة ـ الرطوبة ـ اليبوسة) فقد كان طباً خرافياً ولكنه في الوقت نفسه عالج عملياً مئات الالاف من المرضى ومنح كثيراً منهم الشفاء...
ويوجد سبب آخر لعدم يقينية العلوم التجربية وهو أن هذه العلوم تنتهي أخيراً إلى المحسوسات والحس يخطىء أيضاً.
يقول فيلين شاله في كتاب «ميثوءلوجي» (معرفة المناهج العلمية) في فصل «قطعية العلم الفيزيائية والكيميائية»:
«إن العلوم الفيزيائية والكيميائية ليست كالعلوم الرياضية في يقينها وقطعيتها المطلقة، لأنّ أساس تلك العلوم الاولى هو المحسوسات والحسّ يخطىء وفي عمله».
ويواصل حديثه فيقول:
«صحيح أن اليقين في العلوم الفيزيائية والكيميائية نسبي واضافي ولكن هذه النسبية لا تخفض من قيمة تلك العلوم لأنّها ترضي عقولنا الباحثة عن النظام والانسجام من ناحية، ومن ناحية اُخرى فانها تحقق لنا فوائد اُخرى فانها تحقق لنا فوائد عملية لا يمكن التقليل من أهميتها.»..»
رابعاً: يرد عليه ما ورد على الصياغة الأولى من اشكال عدم قابلية هذا البرهان لإثبات أصل وجود وصدور العالم من الباري تعالى، أي وجود ذات العالم لا حقيقة النظم فيه، وكذلك قصور هذا الدليل عن اثبات سائر الصفات الكمالية للذات المقدسة غير العلم والتدبير.
خامساً: سلمنا، ولكن غاية ما يمكن أن يثبته هذا الدليل على فرض تمامه هو أن الله موجود، ولكن هل هذه هي أصل المشكلة؟
اننا لا نجد في شتى الطوائف والمجتمعات البشرية من ينكر وجود الله الا نادراً، فكل إنسان عاقل وطبيعي وغير ملوث الذهن بأفكار فلسفية الحادية يعترف بوجود الله، وحتى الأقوام السالفة لم تنكر وجود الله ولم يحدثنا القرآن عنهم ذلك سوى أن المشركين منهم كانوا يعبدون الأصنان بذريعة أنها تقربهم إلى الله زلفى، ومشكلة الأنبياء مع أقوامهم وكذلك مشكلة البشرية المعاصرة ليس في انكارها لوجود الله، بل لعدم توغل فكرة الله في قلوبهم ووجدانهم وعدم ترجمة هذه الفكرة إلى سلوك وممارسة ميدانية، وهذه البراهين الفلسفية والعلمية ومنها برهان النظم هذا تنطلق جميعاً من تصورات ذهنية لاثبات وجود الله في ذهن الفرد، أي وجود الله الذهني لا الحقيقي، وهذه الصورة الذهنية لله واعتراف الإنسان في ذهنه فقط بأن الله موجود لا تثمر سلوكاً سليماً ولا تصعد بالإنسان من واقعه السيء إلى مستوى الطموح الإنساني والأخلاقي للفرد، فللإنسان أن يقول: انا أعلم بأن الله هو الخالق للكون وما فيه، ولكنه خلقني حراً أفعل ما أشاء وليس له أدنى حق عليّ، لأنه اذا أراد أن يطالبني بشيء فمن الأفضل أن لا يخلقني، فأنا لم أطلب منه أن يخلقني، والآن وقد خلقني يجب عليه أن يرزقني ويهيىء لي أسباب الحياة ووسائل المعيشة، أو يقول: إن الله خلقني فقط، وما بقي من أسباب المعيشة فقد اكتسبته بيدي وجهدي أو من والديّ في مرحلة الطفولة وإلى غير ذلك، ولهذا كانت مشكلة الأنبياء مع الناس هو في اثباتهم الربّ، لا وجود الله، أي أنهم(عليهم السلام) أرادوا أن يلفتوا نظر الناس إلى أن الله هو الربّ، وهو المدبّر والرازق والشافي لا الأصنام والأموال والقدرات المادية والوجاهة الاجتماعية وأمثال ذلك، وهذه هي المشكلة الحقيقية للإنسان في حركة الحياة الفردية والاجتماعية، وما لم نتوجه في أبحاثنا بهذا الإتجاه فما قيمة اثبات أن الله هو الناظم أو الخالق لهذا الكون؟!
وبكلمة: إن هذا البرهان اذا استطاع أن يثبت وجود الله، فهو عاجز عن اثبات مسؤولية الإنسان أمام الله تعالى، وقاصر عن ترجمة الفكرة والقبول الذهني بوجود الله إلى ممارسة عملية على أرض الواقع.
وهذا الإشكال يرد على سائر البراهين المتقدمة من برهان الحركة والحدوث وما سيأتى من برهان الامكان والفطرة والبرهان الوجودي، فهي جميعاً قاصرة وبتراء ولا تثبت سوى صورة ذهنية لله تعالى، وما ينفع الضمآن وصف الماء أو رؤية السراب؟!
وسيقول البعض: اذا ثبت للإنسان من خلال الأدلة العقلية وجود الله تعالى، فسوف يقوده هذا الدليل العقلي إلى التفكير في طلب مرضاته وأداء حقوقه، وبالتالي سوف يدفعه هذا نحو البحث عن الطريق الأفضل والسبيل الأقوم على المستوى العملي في الخروج عن العهدة وحق الطاعة وذلك بالإلتزام بما جاءت به الأديان السماوية من ارشادات وتعليمات وسنن وآداب.
وفي مقام الجواب نقول: إن الواقع الحي ينفي هذه الملازمة، فأكثر الناس في جميع المجتمعات البشرية يؤمنون بوجود الله تعالى، الاّ أنهم يتحركون على مستوى الحياة العملية والممارسة الميدانية بوحي من أهوائهم وما تمليه عليهم ظروفهم وثقافتهم الاجتماعية.
ولهذا رأينا أن المشركين يعترفون بوجود الله كما صرح القرآن بذلك:
(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنّ الله) ولكنهم لا يؤمنون به، أي أن الإعتراف والاعتقاد غير الإيمان، والذي يحرك الإنسان على مستوى السلوك هو الإيمان لا مجرد الإعتقاد.
وببيان آخر: إن هذه البراهين الفلسفية والعقلية اجنبية عن هدف الأنبياء والكتب السماوية، فالأديان والكتب السماوية لم تأت لإثبات وجود الله تعالى، بل جاءت لهداية البشر إليه وتوجيههم نحوه على مستوى السلوك العملي والسير على الصراط المستقيم، فهذه هي الحاجة الأساسية للبشر، والاّ فكما يعترف الحكماء أمثال السيد الطباطبائي والشهيد المطهري أن دائرة العقل تنحصر في مجال الكشف النظري ولا تمس دائرة الإعتباريات والقضايا الوجدانية والأخلاقية، أي ما ينبغي وما لا ينبغي فعله، فلا يمكن بالدليل العقلي اثبات قضية اعتبارية، ولا يمكن كذلك اثبات مقولة عقلية بدليل اعتباري وأخلاقي مطلقاً، وهذا يعني أننا حتى لو تنزلنا وقلنا بأن جمود هؤلاء الفلاسفة وعلماء الكلام في الإستدلال على وجود الله تتمتع بقيمة علمية ونظرية (وليست كذلك) فانها فاقدة لأية قيمة عملية ولا تساوي شيئاً على مستوى اشباع حاجة الإنسان في دائرة المعنويات والكشف عن الطريق الأقوم في مسيرته إلى الله تعالى، بل إن هذا المنهج العقلي المذكور يزيد الإنسان ضلالاً وحيرة، ويورثه العجب والغرور والتكبر على سائر الناس ويعيقه عن سلوك الطريق نحو الله بوجدانه وقلبه وعواطفه، ويصده عن إدراك الجمال الإلهي وارواء ظمأ الروح من معين العشق الملكوتي ومع ذلك يتصور أنه من المهتدين ومن العلماء الربّانينين، فهؤلاء هم (الأخسرين أعمالاً، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)
* * *

الصياغة الصحيحة لبرهان النظم:
وتتلخص في جعل برهان النظم دليلاً وجدانياً على وجود الله تعالى، وذلك بأن تكون مظاهر النظم الموجود في العالم الخارجي والاحياء بصورة خاصة جزء علّة واحدى مقدمات الدليل وكما يصطلح عليها القرآن الكريم بـ «الآية»، والمقدمة الاخرى هي الوجدان. فالإنسان بمجرد رؤيته للسماء أو الشجر أو أحد الحيوانات كالفيل أو الجمل أو الذبابة، أو تأمله في أحد أعضاء الجسم كالعين والأذن والأسنان والجلد والعروق وما إلى ذلك ينتقل ذهنه فوراً إلى وجود الله لا على سبيل قانون العلية كما توهم الفلاسفة وعلماء الكلام، ولا على اساس الاستقراء كما يذهب إليه بعض المحققين، فان هذا المعنى الذهني والسبيل العقلي فيه ما فيه من القصور، وعليه ما عليه من الإشكالات، ولكن الإنسان يدرك ذلك ببداهة الوجدان فينتقل من ادراكه للنظم إلى إدراك الله تعالى فوراً لا إدراك الناظم فقط، بل إدراك الناظم والخالق والرازق والمدبّر والحكيم وسائر الأسماء والصفات الإلهية، وهذا المعنى لا يحتاج إلى الإستقراء ومشاهدة عدة موارد حتى يصل إلى اليقين. بل انه بمجرد يتأمل مورداً واحداً كأن ينظر إلى السماء في الليل ويرى الكواكب والنجوم تملأ كبد السماء حتى يتوجه بقلبه إلى الخالق ويقول بلا تردد «سبحان الله».
ومن هنا نأسف على ما يبدو من الفلاسفة وعلماء الكلام من استهانتهم بهذا الدليل وتهميشهم له بسبب تلك المآخذ العقلية عليه في حين أن الوجدان يشهد أنه أقوى الأدلة على وجود الله ـ طبعاً مع ضميمة الوجدان.
هذا ويمكن الاستفادة من هذا البرهان في دائرة إثبات معقولية المدعى لا على اساس من المنطق والإثبات الفلسفي، وحينئذ يكون هذا الدليل منتجاً كما عليه المتكلمون الجدد. وعلى سبيل المثال بالإمكان صياغة هذا البرهان صياغة جديدة بديلة للصياغات المذكورة آنفاً وعلى أساس من إثبات معقولية وجود الله من خلال هذا البرهان وذلك من خلال مقدمات:
1 ـ أن كل تبيين لوضع معيّن (الكشف عن علله) يكون أقرب إلى الذهن من حيث الاقتصاد في التبيين هو التبيين الصحيح احتمالاً.
2 ـ أنّ تبيين العالم على أساس من وجود شعور وتدبير وراء هذا العالم أقرب إلى العقل وأكثر احتمالاً من كون العالم مسيّراً للصدفة ومن دون هدف، لأن مثل هذا التببين أسهل في نظر الإنسان.
3 ـ إنّ المؤيدات لمقولة أن الله هو الخالق لهذا العالم أكثر من مؤيدات الطرف الآخر النافي لهذا الاحتمال من قبيل وجود الدافع الأخلاقي في الإنسان والميل إلى العبادة وحبّ الجمال والتجربة الدينية والفطرة والغاية من التكامل وغير ذلك كلّها تشير إلى أن فرضية وجود الله هي أقرب لدى العقل من الفرضيات الاُخرى وأقوى في دائرة الاحتمال.
* * *





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,190,227
- التقليد والتحقيق في سلوك طلاب الجامعة - د. عبد الكريم سروش
- نظرة عامة في براهين وجود الله
- دوافع جعل الحديث عند الشيعة
- مدرسة الجشتلت ... علم نفس الشكل
- المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون
- القرآن والتحدي بمجموع الآيات
- منهج العقل الديني في التعامل مع المعارف والمطالب الدينية
- التفسير السيكولوجي لظاهرة الايمان بالله
- التفسير السسيولوجي لظاهرة الايمان بالله
- ابراهيم الخليل وإشكالية ذبح الابن
- هل الدين معيار للعدالة أو العدالة معيار للدين؟
- المنهج الجديد في تفسير النص
- التجربة الدينية للنبي
- القراءة السطحية للنصوص
- -لا للديمقراطية- هو الشعار الحقيقي للإسلام السياسي
- من انجازات النبي ... توحيد القبائل والشعوب
- صورة الله عند الفلاسفة
- العلاقة المتبادلة بين الدين والأخلاق
- اسطورة الفيل وحرب أبرهة الحبشي
- من انجازات النبي ... تشكيل الدولة


المزيد.....




- تعرف على المرشحة -المسيحية- لوزارة الهجرة والمهجرين
- مرصد الإفتاء المصري: -داعش- يعدم المتراجعين عن أفكاره في دير ...
- العراق.. اغتيال رجل دين دعا المحتجين في البصرة لرفع السلاح
- من هو عبد الله عزام -الأب الروحي للجهاد الأفغاني-؟
- إقرار بعدم السند القانوني للحركة الإسلامية واعتراف بتسبب ذلك ...
- الريسوني يرد على وقوف -علماء المسلمين- بصف قطر وتركيا ودور ا ...
- العراق.. مقتل رجل دين بارز في البصرة
- مقتل 40 شخصا في غارات جوية للتحالف الدولي على تنظيم الدولة ا ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- ينسحب من منطقة تلول الصفا في جنوب ش ...
- أردوغان: تجاوزنا مرحلة تحولت فيها المساجد إلى حظائر


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - في نقد برهان النظم