أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد القبانجي - المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون















المزيد.....



المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون


أحمد القبانجي

الحوار المتمدن-العدد: 3942 - 2012 / 12 / 15 - 03:46
المحور: المجتمع المدني
    


بقلم: الشيخ محسن كديور
ترجمة: السيد أحمد القبانجي

هناك ثلاثة مفاهيم أو تصورات مختلفة عن المجتمع المدني في دائرة العلوم الإجتماعية وخاصة في علم الاجتماع السياسي، وبدون الالتفات إلى هذه المفاهيم الثلاثة عن المجتمع المدني فإن أيّة دراسة أو تحليل عن هذه المفردة سوف تُصاب بالإرباك والخلل جراء الاشتراك اللفظي والتشابك العلمي.
(التصور الأول): إن عبارة (المجتمع المدني) مفردة تؤخذ من جهة الثقافة، أي إنّ المجتمع المدني يؤخذ بوصفه ثقافة اجتماعية في حركة الحياة.
(التصوّر الثاني): أن يؤخذ المجتمع المدني بوصفه أيديولوجية.

(التصور الثالث): أن يؤخذ هذا المفهوم بوصفه منهجاً وأسلوباً للحياة، ولكلّ من هذه التصورات أو المفاهيم الثلاثة خصائص تميّزها عن الأخرى لدى أصحاب الفكر والنظر.
أما المجتمع المدني بوصفه ثقافة اجتماعية فيعني أنّ بعض المجتمعات (الغربية بالخصوص) تعيش بقيم وأعراف معيّنة في علاقات الأفراد مع الآخرين ومع السلطة، وكما يقول المناطقة أن المجتمع المدني في هذا التصور يؤخذ كقضية خارجية وقعت في البلدان الغربية بعد عصر النهضة. وعلى أساس هذا التصور والانطباع يقال عن عدم تلاؤم المجتمع المدني مع الدين، وبتعبير أدق: إنّ مفهوم العقلانية يتجلّى في إطار هذا التصور عن المجتمع المدني بحيث تكون الاخلاق والعلاقات الاجتماعية ناشئة من معايير عقلية وتمتد إلى الخصائص الذاتية للمجتمع المدني بحيث أنها تقع في الطرف المقابل للتديّن والالتزام الديني كما هو السائد في العالم الغربي.
التصور الثاني يقترب في دائرة المفهوم من التصوّر الأول مع اختلاف يسير، هو أن القائلين بهذا النمط من المجتمع المدني ينـتزعون من شكل الحياة والعلاقات الاجتماعية في المجتمع الغربي أصولاً وقواعد يمكنها أن تتحوّل إلى أيديولوجية مع حذف الخصائص المحليّة في الغرب , وبذلك يكون المجتمع المدني أطروحة عامّة وشاملة لجميع المجتمعات البشرية حيث يمكن تطبيق هذه الأصول والمبادئ على واقع الحياة المجتمعية للأفراد في إطار الحركة السياسية. هؤلاء الاشخاص يرون أنّ خير الدنيا وصلاح المجتمعات البشرية وسعادتها يكمن في تحقق هذه الأصول والمبادئ للمجتمع المدني.
أمّا التصور الثالث عن مفهوم المجتمع المدني فهو الذي نراه ونختاره في هذا البحث , وأن المجتمع المدني هو منهج علمي لإدارة المجتمع وصياغة العلاقات والروابط الاجتماعية من أجل تحويل تطلّعات الإنسان إلى واقع حي منسجم مع خط الرسالة والأديان والثقافات المختلفة في المجتمعات البشرية فلا يوجد هناك تقاطع مع الأديان والثقافات والأيديولوجيات السائدة وحتى مع النظم السياسية ما عدا السلطة السياسية المستبدة والنظام التوتاليتاري، وهذا المنهج والنظام الذي يتكفل به المجتمع المدني هو الذي يكفل سعادة المجتمعات البشرية وسلامتها وتقدّمها الحضاري ويساهم في خلق أجواء إنسانية أفضل وفق مستجدات الواقع.

المجتمع المدني في حركته التأريخية
المجتمع المدني بوصفه منهجاً وأسلوباً للحياة الاجتماعية حاله حال سائر المفاهيم الاجتماعية والسياسية من حيث تأريخيته وحركته التكاملية في مسار الفكر الاجتماعي والسياسي لدى الفلاسفة وأصحاب الفكر في التأريخ البشري، ويمكننا أن نرى ثلاث مراحل طواها هذا المفهوم في حركته التاريخية، (الأولى ): ما كان عليه المفهوم في حياة اليونان القديمة وما كان يتصوّره فلاسفة اليونان مثل: افلاطون، ارسطو، سيسرون, عن المجتمع المدني، ففي هذه المرحلة التاريخية كان المجتمع المدني متحداً مع النظام السياسي في دائرة المدلول والمعنى بحيث لا يمكن التفكيك والفصل بين هذا النمط وبين الدولة، وأهم خصائص النظرة اليونانية للمجتمع هي انتقال المجتمع البشري من دائرة البربرية والبدوية والحالة الهمجية إلى الحياة تحت ظل القانون. (سيسرون) كان المنظّر الأول الذي ذكر مصطلح المجتمع المدني في خصائصه اليونانية ولم يذكر تفاصيل أكثر عن هذا المصطلح، ولذلك سوف لا يكون هذا المعنى للمجتمع المدني في إطاره القديم موضوع دارستنا هذه. (الثانية): من المراحل التاريخية لسيادة مفهوم المجتمع المدني هو ما عاشه الغرب من تحولات ثقافية وليبرالية بعد عصر النهضة، وأكثر الانتقادات الموجّهة من قبل الإسلاميين نحو هذا المفهوم هي ما يرتبط بهذه المرحلة من تحولات مهمّة طرأت على الشعوب الغربية في القرن السادس عشر والسابع عشر، وبالأخص ما طرحه فلاسفة الغرب ومفكروهم حول مصطلح المجتمع المدني من قبيل: هوبز، جون لوك، روسو، ميل، بنتام، وغيرهم حيث نرى في هذه المرحلة من الثقافة الفلسفية والاجتماعية وجود فاصلة بين المجتمع والدولة بخلاف المفهوم عن المجتمع المدني في المرحلة السابقة (اليونانية) وهنا نجد تأكيداً على سيادة القانون والمساواة والحرية بوصفها أسساً ودعائم للمجتمع المدني، فهناك تقابل في هذه الرؤية بين المجتمع المدني والمجتمع الطبيعي بحيث يخرج أفراد المجتمع عن الحالة الطبيعية للفرد وينضمون في إطار المجتمع المدني من خلال حكومة القانون التي يصوغها أفراد المجتمع بكامل اختيارهم وارادتهم ويرسمون بذلك نوعية العلاقات التي تربطهم مع الحكومة والنظام السياسي من دون أن يتعرضوا إلى الاجبار والإكراه والعنف، إنّ الحركة باتجاه تأصيل الفرد في دائرة العلاقات السياسية والقوانين تعد من خصائص هذه المرحلة للمجتمع المدني، وبما أنّ هذه التحولات الثقافية والفلسفية قد حدثت في المجتمعات الغربية بعد عصر النهضة فإنّ القوانين التي كانت توضع في هذه المرحلة كانت تتقاطع مع القوانين والمقررات الدينية والإلهية للكنيسة.
(القراءة الثالثة) للمجتمع المدني: وهي القراءة المعاصرة والجديدة التي طرحها المفكرون بالاستفادة من الانتقادات والاشكالات الموجهة لمفهوم المجتمع المدني في المرحلة السابقة وما واجه هذا المفهوم من مشكلات على مستوى النظر وعلى مستوى الممارسة والواقع الاجتماعي، هذه القراءة بدأت من (هيجل) الفيلسوف الألماني الذي وضع المبادئ وبسط الاشكالات حول هذا المدلول عن المجتمع المدني، بحيث أصبح المعيار والعامل الأساس في صياغة المجتمع المدني هو المؤسسات التي تتوسط بين الأفراد من جهة، والدولة والنظام السياسي من جهة أخرى، وبعبارة أخرى أنّ هناك واسطة بين الأفراد وبين الدولة في المجتمع المدني وهذه الواسطة أعلى من مستوى المنفعة الفردية والمصالح الشخصية للأفراد وكذلك ليست ضمن السلطة الرسمية للدولة، وتعد هاتان الخصوصيتان من المميزات الرئيسية للمجتمع المدني بحيث تستوعب في دائرتها الخصائص الأخرى أيضاً، وفي الواقع فإنّ المجتمع المدني عبارة عن ساحة يتحرك أفراد المجتمع فيها لغرض تحقيق هدفين أساسيين:
1ـ العمل على تنظيم مطالبهم.
2ـ ثم العمل على إبلاغ الدولة والسلطة الرسمية بهذه المطالب والأغراض ليتم العمل على تحقيقها.
فهناك نجد ذوباناً للفرد في المجتمع كما هو الحال في الأنظمة التوتاليتارية أو الأنظمة الاستبدادية، ولا يوجد هناك تضاد بين رغبات الفرد ومصالح المجتمع بصورة عامّة بل هناك نوع من التعامل والارتباط الوثيق في قوالب معيّنة تنبثق من إرادة الناس وعلى أساس من حرّيتهم واختيارهم.
ففي المجتمع المدني لا تكون الدولة في مواجهة الأفراد بل في مواجهة المنظمات والمجاميع والمؤسسات التي تأخذ على عاتقها بيان رغبات الأفراد في إطار القوانين والمقررات، وعليه فإنّ خصوصية (القانون) تعد ظاهرة أساسية من ظواهر المجتمع المدني، فهنا لا تكون القوانين مفروضة على الناس من قبل الدولة والسلطة بل يتم صياغتها خارج الدولة و من خلال اختيار الناس لوكلائهم، فالدولة لا تمثّل سلطة خارج إرادة الأفراد وخاصة في الجانب الاقتصادي، ولا تشكل مديرية هذه المؤسسات عبئاً اقتصادياً على الدولة بل يتم تأمين نفقاتها بواسطة الناس، فهذه المجاميع والمؤسسات أو الأحزاب تنبع من أعماق المجتمع وتتّسم بخاصية المنافسة والمشاركة السياسية لأفراد المجتمع حيث يتحركون لمساعدة الدولة ضمن المشاركة السياسية والاقتصادية ولذلك يتم ضمان سلامة المجتمع وحرية العمل السياسي للأفراد من دون تحويلهم إلى كيانات مهزوزة أمام سلطة الدولة.
الخصوصية الأساسية الأخرى للمجتمع المدني هي التنوّع والتعدد في الآراء والأفكار والتيارات الاجتماعية والسياسية ضمن الاعتراف الرسمي والقانوني بها، ومن هنا فإنّ هذا التنوّع والتعدد يضمن حركة المجتمع ونشاطه ويشعر الأفراد فيه بكرامتهم وحريتهم والقدرة على تأمين حقوقهم المشروعة بعيداً عن أجواء الإرهاب الفكري والسياسي والديني، فلو أن النظام السياسي أو الدولة لم تعترف بهذه الحقوق لما أمكن تحقق المجتمع المدني في الواقع الاجتماعي وعلى هذا الأساس فإنّ المجتمع المدني بمثابة منهج وأسلوب لتأمين وضمان هذه الحقوق مع التأكيد على استقلال الأفراد عن الدولة من خلال هذه الوسائط بين الأفراد والدولة، ولذلك فإن كلّ من يريد أن ينتقد المجتمع المدني أو يقبل بهذه الأطروحة فعليه الالتفات إلى هذه الميزة والسمة الأساسية.

ضرورة المجتمع المدني
اذا لم نقبل بالمجتمع المدني فأما أن نقبل بنظام الحزب الواحد او النظام (التوتاليتاري) أو نخضع للاستبداد الفردي، وبعبارة أخرى فإنّ رفض المجتمع المدني بعنوان منهج في حركة الحياة الاجتماعية والسياسية يؤدي حتماً إلى نوع من التسلط الفردي والحزبي والطائفي، وتدريجيا يمتد الاستبداد إلى جميع ميادين المجتمع لكي تمارس السلطة عملية إخضاع الأفراد وتدجينهم بشتى الوسائل وفي جميع الميادين والمستويات العمومية والخصوصية، فلا يجد الفرد نفسه في حرّية وخلاص من أسر أوامر السلطة التعسفية، وبالتالي يبتلى المجتمع بالاستبداد الفردي وزوال عنصر المنافسة الحرّة والمشاركة السياسية للأفراد وإلغاء حرياتهم الأساسية. ومع الإلتفات إلى ما تقدم فإن المجتمع المدني يتكفل تحقيق الحلقة المتوسطة بين الحياة الشخصية للأفراد وبين القدرة السياسية، فلا يخدش بحقوق الأفراد وحرياتهم، ولا يضعف أو يوهن القدرة الظاهرة للحكومة.
وكما تقدم أيضاً أنّ السمة الأساسية للمجتمع المدني والمعطيات العامة التي أفرزها التطور الحضاري في المجتمعات الحديثة يمكن أن تتجلى في الانضمام الحر إلى الأحزاب والمجاميع، المشاركة السياسية والفعاليات الاجتماعية، التعددية، المنافسة، الاعتراف بحقوق الإنسان وغير ذلك.

النسبة بين المجتمع المدني وبين المجتمع الديني
إنّ المجتمع الديني هو الذي يتسم بخصوصيتين أساسيتين بحيث لو ارتفع أحدهما لا يمكن إطلاق كلمة المجتمع الديني على ذلك المجتمع:
1ـ أن يكون أكثر أفراد هذا المجتمع ملتزمين بتعاليم الدين، فلو أنّ الأقلية من أفراد المجتمع كانوا ملتزمين بتعاليم الدين وتكاليف الشريعة فإنه لا يمكن أن يسمى هذا المجتمع مجتمعاً دينياً.
2ـ وهذه النقطة أهم من الأولى، وهي أن يكون الدين بمثابة الهمّ الأساس للناس، وبعبارة أخرى أنّ أفراد المجتمع المتدينين يريدون في حركتهم الفردية والاجتماعية تحكيم الدين بحيث يتم إلغاء أو تهميش كل عمل يراه الدين مخلا بسعادة الفرد والمجتمع، ويتحركون كذلك نحو تحقيق الأمور والموارد التي يؤيدها الدين.

العلاقات السياسية في المجتمع الديني
إنّ المجتمع الديني يمكنه استخدام طريقين أو منهجين لإدارة المجتمع على مستوى توزيع القدرة وتنظيم العلاقات السياسية في دائرة النظام السياسي:
(الطريق الأول): وهو الطريق المغلق والذي ينحو نحو الاستبداد وانعدام الديمقراطية. والخصوصية الأساسية لهذا المنهج في إدارة المجتمع: الاعتقاد بأنّ صاحب السلطة وممثّل الحكومة معيّن من قبل الله تعالى بحيث يضفي على هذا المقام جوّا من القداسة، وعلى هذا الأساس تكون أوامره الزامية في كلّ مسألة ويمكننا استخراج بعض هذه المضامين من النصوص الدينية في تأكيد هذا المعنى.
(الطريق الثاني): هو الطريق الديمقراطي وغير الاستبدادي، فمن خلال هذا المنهج تتمّ إدارة المجتمع على أساس التجربة البشرية وإيجاد الحلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع على مستوى التحديات الصعبة في مختلف المجالات بالرجوع إلى العقل البشري ومعطيات الحضارة البشرية في العالم المعاصر.
وبعبارة أخرى فإنّ هذا المنهج لا يغفل عن الأهداف الإلهية ورعاية المحرمات والواجبات التي اكّدت عليها الشريعة المقدسة ولكن في نفس الوقت يفوّض أمر ادارة المجتمع إلى التجربة البشرية والعقلانية المستوحاة من خلال الممارسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعيداً عن آفاق السماء، وهكذا يكون لدينا مجتمعاً دينياً يمكنه إخراج الإنسان من أجواء اللامبالاة إلى أجواء المسؤولية مع استخدام مناهج عقلائية في دائرة السياسة والحكومة، فعندما نقول إنّ هذا المجتمع هو مجتمع ديني، فينبغي علينا توضيح المراد من هذه الجملة وما هو مقصودنا من المجتمع الديني؟ هل هو المجتمع الذي يخضع لنظام توتاليتاري أو ديمقراطي؟ ومع الالتفات إلى ما تقدم نلاحظ أنّ المجتمع التوتاليتاري لا ينسجم إطلاقاً مع المجتمع الديمقراطي او المجتمع المدني بل هناك تقاطع وتباين تام بينهما، فمن يقول بإمكان اجتماع المجتمع الديني والمجتمع المدني على أرض الواقع الخارجي فإنه لابدّ أن يقصد المجتمع الذي يقوم على أساس ديمقراطي في نظام الحكم، ومن يقول بعدم اجتماعهما إطلاقاً يقصد من ذلك أنّ المجتمع الديني هو المجتمع الذي يأخذ بالمنهج الأول والذي يفضى إلى الاستبداد وتحكيم مباني النظام التوتاليتاري الذي لا يشمل أي بعد عقلاني في الاختيار الإنساني، أي أنّه يرى أنّ الدين لابد وأن يؤخذ في مثل هذا المجتمع على أساس أيديولوجي، ولكن هؤلاء لم ينظروا إلى القضية من جميع جوانبها المختلفة، فلابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار أن المجتمع المدني عبارة عن منهج وأسلوب في الحياة الاجتماعية والسياسية ثم دراسة خصوصيات المجتمع المدني من قبيل التعددية، المشاركة، المنافسة الحرة، استقلال الأفراد عن الدولة, وغير ذلك، ومدى انسجام هذه المفردات مع الالتزام الديني على مستوى الفكر والممارسة، وبعبارة أخرى إن المجتمع المدني ينسجم ويتحقق في صفوف المتدينين أيضاً كما هو الحال في المجتمعات غير الملتزمة بالدين، ومن هنا لابد من ملاحظة الظروف والشرائط الخاصة لتحقيق المجتمع المدني، فلو أنّ أكثرية أفراد المجتمع رأوا في الدين مصدراً وحيداً للقيم والمبادئ والقوانين على حساب العقل البشري وتهميش معطياته، فحينئذٍ لا يكون لدينا مجتمع مدني.

المجتمع المدني وشروط التحقق
إن الأحكام الشرعية في دائرة الإلزام والتكليف، أي الواجبات والمحرمات لا تشمل جميع المساحات الاجتماعية في حركة الإنسان المسلم، بل هناك مساحة واسعة جداً تدعى بمساحة (المباحات) حيث تقع فيها أكثر المسائل السياسية والاجتماعية التي يواجهها الإنسان في حركة الحياة والواقع، وببيان آخر إن الشارع المقدس وضع في هذه المساحة الواسعة أهدافاً كلية وبعض موارد المحرمات والواجبات، وأوكل أمر سائر القضايا في الدائرة السياسية والاجتماعية إلى العقل البشري كيما يتحرك ضمن تلك الأهداف المتعالية للشريعة المقدسة لبناء حياته الاجتماعية والسياسية وايجاد الحلول لما يواجهه من مشاكل و تحديات على أرض الواقع المتحرك، فهذه الدائرة تقع خارج دائرة الالزامات الشرعية، وقد ذكر الميرزا النائيني فقيه المشروطة (النهضة الدستورية) قبل ثمانين عاماً ما نصّه: (يا أيها الأخوة إن القانون الذي نعتقده هو قانون الشرع، ويجب علينا مراعات الواجبات والمحرمات الشرعية بأجمعها ولكنّ ذلك لا يتنافى مع تقنين بعض الأمور في دائرة منطقة الفراغ أو حوزة المباحات، نحن الآن نواجه في المسائل الاجتماعية بعض القوانين والمقررات البشرية التي لا تتنافى ولا تتقاطع مع الأحكام الإلهية ففي مثل هذه الموارد لا يوجد هناك تزاحم مع الشرع وبما أنّ الوجدان العام للشعب المسلم هو وجدان ديني، فمن اليقين أن القوانين التي يضعها وكلاء هؤلاء الناس ونوابهم لا تتنافى إطلاقاً مع القوانين الإلهية).
وفي هذا المجال نستعرض تجربتين من تجارب تأريخنا الإسلامي الشيعي المعاصر لنصل بالنتيجة إلى التجربة الثالثة وهي تجربة المجتمع المدني، (التجربة الاولى): نهضة المشروطة أو النهضة الدستورية. (التجربة الثانية): تجربة الجمهورية الإسلامية في ايران. أما في التجربة الأولى فقد طرح الشيخ فضل الله النوري ورفاقه في تلك الأيام للنهضة المشروطة، نظرية أخرى في هذا المجال وأعلنوا للناس بأن المشروطة مخالفة للشرع وأن الحريات التي يريدها أصحاب المشروطة هي التحرر من الالتزام بالشرع وهذا يعني التحلل الأخلاقي وسحق الأحكام النبوية والإعراض عن القرآن والسنّة التي أكّد عليها نبي الإسلام، فالشعار الأساسي لأتباع المشروعة (نظرية النوري) هو رفض المساواة، رفض القانون والحريات وبالتالي السقوط في وادي الاستبداد، وبعبارة أخرى ان المشروعة في نظر فضل الله النوري تتضمن إعطاء الشرعية للاستبداد ونفي تقسيم القوى ورفض مجلس البرلمان الذي يعمل على ضبط حكومة الشاه ضمن إطار القوانين، ولكن النائيني أشار في مقابل مشروعة فضل الله النوري قائلاً: (إننا عندما نقول بالحرية فلا نقصد الحرية المخالفة للشرع بل الحرية المنضبطة بالضوابط الشرعية، وعندما نقول بالمساواة فلا نريد منها ما يقع في مقابل النص الوارد في القرآن والسنة بل المساواة في مقابل القانون, وعندما نقول بضرورة القانون فمرادنا ليس إهمال الأحكام الشرعية المقدسة بل نعتقد أن الشارع المقدس جاء بتكاليف معيّنة وترك مساحة كبيرة في دائرة المباحات لكي نتدبر الأمر فيها بعقولنا البشرية)
ولأول مرة يشير الشيخ النائيني إلى أهمية الزمان والمكان في مثل هذه الموارد وقد أكّد عليها الإمام الراحل بعد ذلك، فيرى النائيني أننا نستطيع من خلال معرفة مقتضيات المكان والزمان أن نكتب القوانين والبرامج الاصلاحية من دون القول بتحليل وإباحة المحرمات وهذه هي حقيقة المشروطة التي لو تحقّقت فإن ذلك بإمكانه ان يساهم في رفع المستوى الحضاري لإيران والشعب المسلم الايراني والتحرك في خطوة كبيرة نحو التقدم والتطور في مختلف المجالات.
(التجربة الثانية) هي تجربة الجمهورية الإسلامية حيث يعتقد البعض انها لا تتأقلم مع تعاليم الإسلام حيث تقرر في الجمهورية الإسلامية أن ينتخب الناس ويشتركون في مسائل الحكومة والسلطة بعملية الاقتراع والانتخاب في حين أنّ الإسلام والنصوص الدينية لم تشرّع الانتخاب بل أمرت بالرجوع إلى الوحي والتعاليم السماوية في جميع الموارد.
وهكذا نرى أن جميع الموارد التي يثيرها البعض ضد المجتمع المدني وأنه مخالف لتعاليم الإسلام قد أثيرت ولا زالت تثار حول الجمهورية الإسلامية التي تعتبر جمهورية قائمة على انتخاب الناس، فصحيح إن الجمهورية الإسلامية هي نظام يقع ضمن إطار الدين والشريعة وتسعى لمطابقة نفسها مع الأصول والمبادئ الإسلامية ولكنّ هذا المعنى يأتي أيضا في أطروحة المجتمع المدني، فمن هنا يتبيّن الفرق بين الجمهورية الدينية والجمهورية الديمقراطية، فإنّ الجمهورية الدينية تعتمد على تعاليم الدين ورأى الناس المشروط بعدم منافاته لأحكام الدين، وأما في الجمهورية الديمقراطية فإن الأصل هو اختيار الناس وإرادتهم من دون الاهتمام بموافقة الشرع والدين، فمثلاً في الجمهورية الإسلامية لو اختار الناس بأجمعهم رفع الحجاب، فمع ذلك نقول بأن الحجاب حكم شرعي إلزامي ولا يتأثر برأي الأكثرية، وحاله حال النظريات العلمية من قبيل نظرية انشتاين , فهل يمكن الرجوع في صحة نظرية انشتاين إلى رأي الأكثرية ؟ كلا طبعاً، وعلى هذا الأساس فإن دائرة رأي الأكثرية لا يشمل المسائل القطعية العلمية ولا المسائل الإلزامية الدينية، ورأي الناس إنما يكون معتبراً ومحترما فيما لو لم يتقاطع مع التكاليف القطعية العلمية أو الدينية، وذلك في دائرة المباحات وعلى أساس من (أمرهم شورى بينهم).

الضوابط والشروط في المجتمع الديني
ونستمر في بحثنا حول السؤال عن الضوابط المقررة لإجراء تعاليم الدين على أرض الواقع وهل هي مختصة بوجود الحكومة الدينية وعلى رأسها الحاكم الديني، أم توجد هناك ضوابط مختلفة لتجسيد تعاليم الدين على الواقع المجتمعي؟
كما نعلم أنّ المسائل الدينية لا تتحد بدائرة الإلزامات والواجبات، أي إنّ الأمور الاجتماعية لها صفة عرفية أكثر من كونها دينية، من قبيل مسألة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حيث يشترط الفقهاء في تنفيذ هذا الواجب الإلهي احتمال التأثير، أي أن احتمال التأثير شرط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فلو لم يحصل التأثير , أو علم الإنسان بعدم حصوله فإنّ هذا الوجوب الشرعي ينتفي بذلك. وببيان علمي , أننا اذا استطعنا أن نهيّء، الأرضية الثقافية لتقبل التعاليم الدينية في المجتمع، فحينئذٍ يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً الزامياً مع الأخذ بنظر الاعتبار تلك الوسائل والأدوات , وفي غير هذه الصورة فإن أصل الوجوب منتفٍ , وهكذا نرى أن مواجهة أحكام الدين بهذا الشكل الصوري لاسقاط التكاليف الشرعية لا ينتج عدم تحقق أحكام الدين في الواقع الاجتماعي فحسب بل يثير ردّة فعل لدى الناس في مواجهة أحكام الدين الشرعية المقدسة، وعلى هذا الأساس لو رجعنا إلى النصوص الشريفة الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة في هذا المجال فسوف نرى التأكيد الشديد على ضرورة إيجاد المحيط المناسب وخلق الأجواء المناسبة لتأثير الأوامر والنواهي الدينية، أي يجب أن نتحرك باتجاه تنفيذ الأحكام الدينية لا لسلب التكليف عن أنفسنا بحجة ان الظرف لا يسمح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو نعلم بعدم التأثير، وعليه فلابد من العمل بشكل يكون فيه الوجدان العام رافضاً للمنكر ولا يساعد على إشاعة الفحشاء، فلو إن المجتمع لم يُظهر أي ردّ فعل تجاه المنكرات فلابد من دراسة هذه الظاهرة بشكل علمي لكي ندرك السبب والعلّة الكامنة وراء هذه الظاهرة الاجتماعية أوالدينية.
بعض المؤمنين يرى أنّ شكل الحكومة في هذا الزمان (أي زمان الغيبة) ورد بشكل خاص في مجموعة التعاليم الدينية بحيث إن الشرع أو الدين بإمكانه أن يجيب على كل مسألة من المسائل التي يواجهها المجتمع الإسلامي على مختلف المستويات، وعلى أساس هذه الرؤية سيكون حاكم الشرع هو الذي يقع على عاتقه ايجاد الحلول للمسائل السياسية والاجتماعية بوصفه القائم على أمور الشريعة، وليس بالضرورة أن يكون مرسلاً من الله تعالى، ومن الواضح أن هذه الرؤية تتقاطع مع ما رأينا في صياغة المجتمع المدني الذي يُعتبر من نتاج العقل البشري الجديد، وببيان أوضح , أنّ هذه الرؤية الدينية لا تنسجم مع أطروحة المجتمع المدني، وكما رأينا أن فكرة الجمهورية مبتنية على الحق الإلهي الذي فوّضه الإله للإنسان في اختيار الحاكم ونظام الحكومة ولكن أصحاب هذه الرؤية الدينية يرون أن الناس في الجمهورية الإسلامية مكلّفون باختيار هذا النمط من الحكومة وأن لهم الحق في ذلك ، والفرق شاسع بين من يرى أن الجمهورية تكليفاً شرعياً وبين من يراها حقاً من حقوق الناس، فالجمهورية بالمعنى الأول وهو التكليف الشرعي تعني إن بعض النخبة أو أهل الحل والعقد يختارون الحاكم الشرعي ويجب على الآخرين قبول ذلك والإدلاء بأصواتهم لاختياره وانتخابه، وهذا المعنى يتنافى قطعاً مع أساس المجتمع المدني الذي يفسح المجال للمشاركة الحرة والمنافسة السياسية بين أفراد المجتمع اعتماداً على قدرة العقل البشري على معالجة المساواة القانونية في حين أن الرؤية الدينية المذكورة ترى بأنّ النخبة من العلماء ورجال الدين يكشفون باختيارهم للولي عن الواقع ويجب على الناس التحرك من موقع التأثير والبيعة لهذا الحاكم أو ذاك. وهنا لا يكون هذا الوليّ او القائد منتخبا من الناس ولا من النخبة أيضاً لأنه معيّن في عالم الغيب ولكنّ النخبة يكشفون ما هو مستور بانتخابها لهذا الشخص.
إن بعض المفكرين الإسلاميين ذهبوا إلى أن هذه الصياغة الدينية تحكي عن ترسبات ثاوية في اللاشعور متأثرة بالواقع التأريخي للحكومات الاستبدادية والفردية التي حكمت الشعوب الإسلامية، فهي لا زالت تدور حول محور هذا السؤال: من يحكم؟ وما هي شروط الحاكم؟ وهكذا نرى أن هذا التفكير لا يتجاوز الثقافة القديمة الحاكمة على ذهنية العلماء ورجال الدين حيث لم يتحرّكوا في صدد الجواب عن السؤال الأهم، وهو: كيف ينبغي أن يحكم؟ فهذا المعنى تفتقده ثقافة المتدينين بحيث إنهم تصوروا أن جميع المشاكل تتعلق بشخص الحاكم فلو تمّ إجلاء الشاه الظالم مثلاً وتمّ تنصيب فقيه عادل مكانه فإنّ جميع المشكلات سترتفع أو تُحلّ، وعلى هذا الأساس لم يتمّ التفكير بجدية في كيفية الحكومة وأساليب الحكم، فقد كان السؤال الوحيد لدى القدماء هو تعيين الحاكم بشرائط معينة و تنقيح هذه الشرائط والتأكد منها، ولهذا السبب فإننا لا نرى في الكتب الفقهية وفي كتب الحكمة العملية لفلاسفة الإسلام أبحاثاً في كيفية الحكومة بل تمّ الإكتفاء في عملية إسباغ الشرعية على الحكومة بكلّيّات محدّدة من قبيل العدالة وشروط الحاكم.
وقد ذهب بعض المفكرين الإسلاميين وبعد مراجعة جديدة للكتاب والسنّة إلى أنّ المصلحة الدينية والنصوص الشريفة لم تقترح على المسلمين منهجاً خاصاً بإدارة المجتمع في زمان غيبة المعصوم، وبعبارة أخرى إننا لا نجد مثالاً يُحتذى به لا في القرآن الكريم ولا في السنّة النبوية الشريفة ولا في سنّة الأئمة المعصومين وخاصة أمير المؤمنين بالنسبة إلى طريقة إدارة المجتمع أو شكل النظام السياسي الذي يصلح لجميع الأزمنة والأمكنة، وما ورد في التعاليم الدينية والنصوص الشريفة إنما هو عبارة عن أصول كلية تتحدث عن كرامة الإنسان وعزّة المسلمين وتؤكد على هوية المجتمع الإسلامي ومبادئ العدل والقسط، ورفض الاستبداد بالرأي والاستكبار والظلم وأمثال ذلك، وأمّا نفس القالب والإطار الخاص بالنظام السياسي والحكومة سواء كانت حكومة فردية أم مشروطة، أم جمهورية، أم فيدرالية وغير ذلك فلم يرد كلام عنها في النصوص الشريفة، ولهذا السبب نرى أنّ الشيخ النائيني مؤسس المشروطة يرى أنّ صياغة الحكومة الدستورية تنسجم مع تعاليم الإسلام، بل ذهب إلى أكثر من ذلك في كتاب (تنبيه الأمة وتنـزيه الملّة) بحيث اعتبر أنّ بعض أحكام المشروطة هي من ضرورات الدين وأنّ منكرها مرتد عن الإسلام، بينما نرى الشيخ فضل الله النوري يذهب بدوره إلى أن آراءه أيضاً تحمل عنوان ضرورات الدين ولذلك ذهب إلى الحكم بالارتداد على من يعتقد بالمشروطة!!
ألم يحن الوقت لكي نعلن أنّ كل واحد من هذين الرأيين إنّما هو مجرد استنباط شخصي من الدين يستوحي مقوماته من قراءة معيّنة للنصوص ولا يمكن إلصاق تهمة الارتداد بأيّ واحد منهما؟
وفي حين يرى الشيخ النائيني أنّ الحكومة الدستورية (المشروطة) تنسجم مع تعاليم الإسلام، فإن الإمام الخميني بعد خمسين سنة أعلن أنّ الصحيح هو (الجمهورية الإسلامية بلا كلمة زيادة ولا نقيصة).
في الواقع أن الإسلام لم يسبغ الشرعية على أيّ واحد من هذه النظريات والآراء بالخصوص، والصحيح أن علماء الدين وانسجاماً مع تطور الآفاق المعرفية للإنسان وتبعاً لمقتضيات الزمان والمكان يرون في نمط خاص من الحكومة المنسجمة مع هذه المقتضيات الزمكانية بالخصوص أنها حكومة متوائمة مع تعاليم الإسلام، ولكنّ هذا لا يعنى أنّ الدين هو الذي يقرر مثل هذه الحكومة.
نحن يمكننا في الحد الأقصى أن نعلن أنّ هذه الحكومة أو هذه القوانين لا تخالف الشرع، ولكن بين قولنا (لا تخالف الشرع) وقولنا (شرعية) فاصلة كبيرة وبون شاسع، و الخلاصة إنّ السؤال الذي يطرحه أهل الفكر والنظر في عالمنا المعاصر هو عن كيفية الحكومة والطريقة الأفضل لإدارة المجتمع الإسلامي، أي البحث في ايجاد نظام سياسي يكون فيه احتمال الخطأ في أقل درجة ويرتقي فيه مستوى الإطمئنان بسلامة القوانين وتناسبها مع العدالة وحقوق الإنسان إلى أعلى مستويات الصحة والعقلانية، وبدون شك أننا نجد الكثير من المفكرين الإسلاميين وعلماء الدين يرون لزوم إدارة المجتمع وتدبير أمور الناس الدنيوية من موقع التدبير العقلي وبالاستفادة من التجارب البشرية ولكنّ التزامهم الديني يقتضي أن يكون تدبيرهم العقلائي منسجماً مع الدين وتحت إشرافه، وبعبارة أخرى أنّ مجموع التدابير العقلائية للمسؤولين في النظام السياسي لابدّ وأن تصبّ في الأهداف الكلية للدين الإلهي وتقود المجتمع نحو العزّة والكرامة والعدالة وحقوق الإنسان في حركة الواقع الاجتماعي والسياسي.

المجتمع المدني للمتدينين
في نظري إنّ مقولة تحديد الدين بالمناسبات الفردية ونفي شمولية الدين للمساحات الاجتماعية ليس لها واقعية ولا تمثّل انفتاحاً على الرسالة الالهية من موقع العمق الفكري والروحي، فالالتزام بالإسلام يقتضي النظر والتحرك على مستوى تعميق العقيدة واستجلاء مضمونها الاجتماعي، ولو كنّا نعتقد أنّ هذا العالم ينحصر بهذه الحياة الدنيا وأنّ الآخرة لا وجود لها وأنّ العقل هو الذي يشخص مصالح الإنسان ويرسم له سعادته بالحياة فيمكن أن تكون هذه المقولة صحيحة، ولكن اذا كنا نعتقد بوجود الآخرة وأن الحياة والسعادة لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا بل هناك حياة أهم منها وبسعادة أعلى منها فمن الضروري عقلا أن يتحرك في خط الانسجام مع تعاليم الشريعة لتأمين وضمان السعادة في كلا الدارين، وهنا نرى أن العقل لا يمتد في دائرة إدراكاته ليستوعب مسائل الآخرة بأجمعها مضافا إلى الدنيا، وعلى هذا الأساس فالعقل السليم يرى أنّ اللازم في دائرة القوانين أن تكون ناظرة إلى كلا الدارين وضامنةً سعادة الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية، ولهذا لابدّ من الاستفادة من الوحي وعدم الاقتصار على العقل في عملية سنّ القوانين وتدبير الأمور الاجتماعية والتنظير لسعادة الإنسان وضمان حقوقه المشروعة من العدالة والحرية والكرامة، وعدم الاقتباس من ثقافات أخرى تقتصر في نظرها على الحياة الدنيا، وعلى سبيل المثال فنحن بالنسبة إلى الحرية لابدّ أن نقول بتحديد الحرية الجنسية بالحدود الشرعية ليتسنى للإنسان نيل الحرية الواقعية وضبط الدوافع الشريرة التي تربطه بالأرض بعيداً عن آفاق السماء، وهذا المعنى وقع مورد تأكيد الأديان الإلهية بأجمعها، لأنها ما فتئت تصرّ على إخراج الإنسان من أجواء اللامبالاة والحرية الحيوانية إلى أجواء المسؤولية والمواجهة، وعليه فإنني لا أوافق على مقولة أن العدالة أو الحرية تمثّل معنى واحداً لدى جميع الشعوب وأفراد البشر من دون فرق بين المتدين وغير المتدين، لأنّ بعض الشعوب لا تعتقد بالحرية التي يراها الدين والشريعة المقدسة وكونها كفيلة بإنقاذ الإنسان من واقعه السيء.
نحن نطالب بالحريات السياسية لضمان تحقيق الحرية المعنوية، أي أننا نتحرك نحو تحقيق الحرية السياسية من أجل أن نعيش في أنفسنا الحرية المعنوية، ومن هنا فإن إطلاق العنان للحريات الجنسية من دون رعاية الضوابط الشرعية من شأنه أن يؤدي إلى مسخ الحريات المعنوية والحريات الاجتماعية أيضاً. مضافاً إلى أنّ الدين لا يكتفي بعرض الكليات فحسب، بل أحياناً يتطرق إلى ذكر الجزئيات أيضاً ولكن ليس بالتفصيل، وعلى سبيل المثال ما نراه في البحوث الاقتصادية من تحريم الربا المذكور في القرآن الكريم، وهذا يعني أننا عندما نصل في تقنين الأمور الاقتصادية إلى موارد الربا نأخذ بنظر الاعتبار الأهداف المتعالية للشريعة المقدسة ونلتزم بمراعاة الأحكام الشرعية في مثل هذه الموارد، فالعقلانية لدى المتدينين مقبولة بشرط عدم الانفلات في عملية التقنين، لأنّ العقل نفسه يدرك جيداً أنّ معلوماته وقابلياته محدودة وأنّ الوحي يمكنه أن يرسم أيضاً طريق السعادة للبشرية بموازاة العقل البشري ويرفد الأمم بزخم معرفي ينتزعها من وادي الضلالة والانحراف، ويمكن القول إن المسائل الاجتماعية ليست من قبيل المسائل التعبدية التي لا ندرك أغراضها وفلسفتها، لأنّ الدين فتح أمامنا طرقاً لنيل السعادة بحيث إن الإنسان لو استغنى عن الدين والوحي لما أمكنه أن يحقق لنفسه تلك السعادة ولما تسنّى له الاستفادة من هذا المصدر السماوي للمعرفة، فمصدر المعرفة لدى أتباع المجتمع المدني غير الديني منحصر بالعقل فقط، وأما المجتمع المدني لدى المتدينين فبالإضافة إلى العقل هناك مصدر آخر للمعرفة وهو الوحي الإلهي، وبما أن أكثرية الناس اختاروا بمطلق حريتهم وإرادتهم أن يكون المصدر الثاني من مصادر التشريع والتقنين هو الوحي إلى جانب العقل، فلا معنى للقول بوجود تعارض بين هذين المصدرين الوحياني والعقلاني ،لأنّ الله تعالى قد أقر كلا هذين المصدرين، وعليه فإنّ السعادة الدنيوية للإنسان المسلم تتحقق في اتّباعه لتعليمات الوحي وإرشادات العقل أيضاً، وطبعاً من الممكن أن يقول البعض: ما هو الحل في حالة التعارض بين هذين الطريقين والمصدرين؟هنا ذكر العلماء حلولاً وطرقا لحلّ التعارض المذكور منتزعة من قراءة عقلانية للنصوص تتحرى تجسير العلاقة بين متطلبات الأديان وتحدّيات الواقع، ولكن على أية حال إن المجتمع الملتزم بالدين يتحرك في دائرة صياغة القوانين للمجتمع المدني من موقع اتباع العقل والوحي وعدم الجمود على النص.
لو نظرنا إلى المجتمعات غير المتدينة لرأينا أنّ أهل المعرفة وأرباب القانون يأخذون بنظر الاعتبار مصالح الشعب وأفراد المجتمع فلو كان أكثرية الناس ملتزمين بالدين أي من المتدينين فإنّ القيم الدينية ورعاية المبادئ السماوية ستكون من ضمن المصالح العامة للمجتمع المدني، وعليه فلابد للمقنّن البشري أن يلاحظ ويراعي رغبة الأكثرية في ذلك المجتمع، فلا تقع مشكلة التعارض بين القوانين الإلهية والقوانين البشرية.
وعلى سبيل المثال نرى الإمام الخميني قد طرح مسألة تشخيص المصلحة العامّة وذهب إلى أن مصلحة النظام هي أعلى من كلّ الغايات والأغراض في دائرة الأحكام الشرعية بل قد تكون أقوى من الحج والصلاة والصوم وأمثال ذلك، وهذا الموضوع هو نتيجة الأفق الواسع والرؤية الدقيقة للإمام الخميني بعنوان قائد المسيرة في المجتمع الإسلامي حيث توصل إلى هذه النتيجة، وهي أنه بالإمكان إلغاء بعض الأحكام الشرعية لضمان المصالح الاجتماعية للنظام الإسلامي، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن العقل الجمعي لأفراد المجتمع الديني هو معيار لأمثال هذه المسائل، فلو اقتضت المصلحة العامّة تقنين بعض المقررات والقوانين فإن الحكومة الإسلامية لا تجد نفسها مكتوفة الأيدي أمام النصوص الواردة في الشريعة المقدسة، لأنّ مجمع تشخيص المصلحة منتخب من قبل الناس من جهة، و لديه معرفة دينية كافية للتحقق من صلاحية القوانين من جهة أخرى, و عليه فإنّ المقررات والقوانين الصادرة من هذا المجمع ستكون قوانين دينية قطعاً.
وليس الكلام في أننا في كل مسألة من المسائل يجب أن نرجع إلى المعيار الديني، وبعبارة أخرى أننا نواجه في الكثير من المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية قضايا توصيفية معيارية، وبالتالي لا يكون المرجع فيها هو الدين، مضافا إلى أنّه بالإمكان وضع هذه المسائل ضمن دائرة الغايات العليا والأهداف الكلية للدين ومقاصد الشريعة، فالأشخاص الذين يتصورون أنه يمكن استنباط جميع القوانين والمقررات في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وأمثال ذلك من مصدر الدين فقط فإنّهم يغرقون في عالم الأوهام الأيديولوجية والتهويمات الطوباوية، فنحن رأينا ولمدة عشرين سنة من تشكيل الجمهورية الإسلامية أننا محتاجون إلى تجارب الآخرين ومدركات العقل البشري في تشكيلة القوانين الاقتصادية مثلاً، إذْ لا يكفي حذف المحرمات المعدودة من دائرة القوانين الكثيرة في مجال الاقتصاد الإسلامي بل ينبغي الاهتمام في عملية تدوين الاقتصاد بمراعاة أهداف الدين وأن لا تكون القوانين الاقتصادية مخالفة للشرع، ولكن لا أحد يجد في نفسه الاعتقاد بأن الاقتصاد الذي تعيشه الجمهورية الإسلامية بعد عشرين سنة هو اقتصاد إسلامي بل هو نظام أفرزته التجارب البشرية في العالم الجديد وليس نتاج إسلامي خالص، وهكذا الحال في مجال السياسة أيضاً، فالمهم أنّ المقررات والقوانين لا تكون مخالفة للشرع المقدس وعلى هذا الأساس فالأشخاص الذين يتصورون أنّ الفقه الإسلامي يمكنه أن يصنع النظام الكامل في مجال الاقتصاد أو السياسة أو الإعلام وأمثال ذلك فإنهم يعيشون بعقل طوباوي حالم ويفتقر كلامهم إلى الدليل.

المجتمع المدني والعلمانية
وقد يظنّ البعض أن المجتمع المدني هو مجتمع علماني ولا يلتقي مع الإسلام أبداً، أي أنّ الإسلام لا ينسجم مع مقولة المجتمع المدني ولكن رأينا في ما تقدّم من طرحنا لصياغة المجتمع المدني أنّ العلمانية لا تشكّل أساساً وركنا من أركان المجتمع المدني.
وهنا ملاحظة دقيقة ينبغي الالتفات إليها، وهي أن هناك قراءة معينة للدين ترى أن الحاكم الإسلامي هو المفسّر للدين والنصوص الدينية، أي لا إثنينية بين الدين والدولة بل إنّ الدين هو الدولة. هذه القراءة لا يمكنها أن تنسجم مع قراءة المجتمع المدني، ولكن على أساس قراءة أخرى للنصوص الدينية فإنها لا تكون بالضرورة متعارضة مع صياغة المجتمع المدني، وهذا ما ذهب إليه بعض المفكرين الإسلاميين في هذا العصر حيث قالوا بضرورة فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، وفي نفس الوقت ذهبوا إلى أن الإسلام يتضمن تعاليم اجتماعية وسياسية ولكن هذه التعاليم والمبادئ ينبغي أن يتم تجسيدها في الواقع العملي والاجتماعي من خلال مقولة المجتمع المدني، وعليه لابدّ من التفكيك في الدائرة السياسية بين مقولتين: 1ـ الدولة 2ـ المجتمع المدني المستقل عن الدولة.
ففي هذا التقسيم يقع الدين ضمن مجموعة المجتمع المدني لا الدولة، وعلى الدولة أن تحترم التعاليم الدينية وتعمل على تجسيدها على أرض الواقع. وبعبارة أخرى إن تفسير التعاليم والنصوص الدينية يخرج من حيّز القدرة السياسية فلا شكّ أنّ الدين يقع أخيراً تحت تأثير القدرة والسلطة السياسية التي لا يؤمن معها من أن تمارس وصاية على الدين والقيم.
إنّ إخراج تفسير الدين وبيان الفتاوى الشرعية من إطار قدرة الدولة لا يعني العلمانية بالضرورة، فلو قلنا بلزوم فصل حوزة الدين عن حوزة السياسة والمسائل الدنيوية وحصر الدين بالنفع الأخروي والعلاقات الشخصية في حياة الفرد وقلنا إنّ العلم هو الذي يتكفل أمور الحياة الدنيوية على مستوى الحكومة والسياسة وأنّ الدين ليس لديه تعاليم اجتماعية فهذه هي العلمانية الأمرالذي نختلف معه ونعترض عليه، وعلى هذا الأساس فإنّ الاعتقاد بالمجتمع المدني لا يتنافى إطلاقاً مع التعاليم الدينية والتزام الإنسان بالتكاليف الشرعية. بمعنى إنّ التوصية المحورية في صياغة المجتمع المدني ناظرة إلى عدم انحصار القدرة السياسية بيد الحكومة لأنّ قسماً كبيراً من السياسة يقع على عاتق المجتمع المدني وفي الدائرة الاجتماعية من قبيل: المنافسة الحرّة، المشاركة السياسية، التعددية، تداول السلطة بين أفراد النخبة وأمثال ذلك، وعلى هذا الأساس فإن الأشخاص الذين يرون أنّ المجتمع المدني يرادف العلمانية فإنهم قد اشتبه عليهم التفكيك بين الدين والدولة، والمذهب الشيعي مع تأكيده على حفظ استقلال الحوزات العلمية والمرجعيات الدينية وحفظ الاستقلال الاقتصادي لرجال الدين في أخذ الحقوق الشرعية من الخمس والزكاة، يقترب كثيراً من أطروحة المجتمع المدني.

صياغتان للمجتمع المدني:
إنّ تصورات المفكرين الغربيين عن الدين تتناسب مع ما لديهم من عقائد وتعاليم دينية مسيحية، ولكنّ الإسلام لا يكتفي بذكر المطلقات والكليات بل يتدخل في المسائل الجزئية أيضاً، و لهذا السبب ذكر العلماء وجود أحكام ثابته ومتغيرة في الشريعة فالأحكام الثابتة تتناسب مع جميع الأزمنة ومختلف المجتمعات البشرية، وأما الأحكام المتغيرة فتبتني على اجتهادات العلماء الخاضعة لمقتضيات الزمان والمكان والقابلة للانعطاف والتواصل مع مستجدات الواقع وتحدياته الصعبة، وهناك من يتصور أن الأحكام المتغيرة تنحصر بالأحكام الحكومتية و السياسية، إلاّ أنّ هذا التصور خاطئ , فالأحكام المتغيرة التي تتغيّر وفق مقتضيات الزمان والمكان إنما تصدر من المجتهدين في الحوزات العلمية الذين يعيشون الاستقلال عن السلطة الزمنية، وطبعاً فإن الأحكام العامة والقوانين لابدّ أن تصدر من جهة الهيئة المتصدية لأمر الحكومة، وهذا هو السبب في اختلافنا عن التصور الغربي للمجتمع المدني، فنحن لا نرى أن المسائل الدينية تنحصر في الأمور الفردية والأخلاقية بل نرى أنّ المناسبات الحقوقية والمدنية لو لم تستفد من القيم الاخلاقية والدينية ولم تعتمد على الوجدان الديني فإن إمكان حدوث انحرافات خطيرة على مستوى القضايا السياسية والاجتماعية كبير جداً، ومضافاً إلى ذلك فإنّ الوجدان الديني يرفع من رصيد الاطمئنان في صيانة النظام السياسي والاجتماعي من الأخطار والآفات، ولابدّ من الالتفات إلى هذه الملاحظة وهي أنّ من الضروري أن يتحرك الأفراد والمسؤولون في عملية إدارة المجتمع من خلال التدابير العقلائية في تشخيص مواضع الخلل واكتشاف حلول تُلامس أزمات المجتمع إلى جانب التوكل على الله تعالى والاهتمام بتحكيم الدين والرجوع إلى المرجعية الدينية. وأفضل طريق لضمان سلامة الدين من تدخلات السياسية وآفاتها هو أن يكون القرار السياسي الذي يشخص المصلحة العامّة بيد مؤسسة مستقلة عن الحكومة وهذا المعنى يلتقي مع أطروحة المجتمع المدني، من حيث إنّ مسؤولية المجتمع هي تشخيص المصالح العامة ونقلها إلى الدولة والحكومة، وهذا الاستقلال يفضي إلى أن يكون الدين بعيداً عن التلوثات و الانحرافات والآفات التي تصيب النظام السياسي، فلا يكون الدين وسيلة من وسائل تحكيم السلطة وإضفاء المشروعية على ممارساتها العدوانية الظالمة مثلاً، وهذه هي إحدى ثمرات أطروحة المجمتمع المدني.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,663,726
- القرآن والتحدي بمجموع الآيات
- التفسير السيكولوجي لظاهرة الايمان بالله
- منهج العقل الديني في التعامل مع المعارف والمطالب الدينية
- التفسير السسيولوجي لظاهرة الايمان بالله
- التجربة الدينية للنبي
- هل الدين معيار للعدالة أو العدالة معيار للدين؟
- القراءة السطحية للنصوص
- -لا للديمقراطية- هو الشعار الحقيقي للإسلام السياسي
- صورة الله عند الفلاسفة
- من انجازات النبي ... توحيد القبائل والشعوب
- المنهج الجديد في تفسير النص
- اسطورة الفيل وحرب أبرهة الحبشي
- العلاقة المتبادلة بين الدين والأخلاق
- من انجازات النبي ... تشكيل الدولة
- مساهمات الفلاسفة في نشوء علم النفس
- حقوق الانسان من منظور اسلامي
- ابراهيم الخليل وإشكالية ذبح الابن
- الوعد الالهي بالارض المقدسة
- نقد الاعجاز البلاغي في القرآن
- موقف الاسلام من المرأة


المزيد.....




- تونس تلاحق الآراء على الإنترنت
- مطالبة الصليب الأحمر بدور أكبر تجاه الأسرى الفلسطينيين المرض ...
- موريتانيا: اتخذوا خطوات أساسية لدعم حقوق المرأة
- النيابة الكويتية تأمر باعتقال أمير من العائلة الحاكمة
- وكالة إغاثة تعلق عملياتها في شمال شرقي سوريا وتجلي موظفيها ا ...
- رئيس اللجنة العربية لحقوق الانسان يشيد بالمستجدات التي اتخذت ...
- تعذيب وتهديد مقابل كلمة سر الهاتف.. حبس إسراء عبد الفتاح 15 ...
- الأمم المتحدة: 160 ألف نازح إثر الهجوم التركي شمال سوريا
- نصائح تكنولوجية وخرائط أمان.. هكذا يتحايل المصريون لتجنب اعت ...
- بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تدين القصف الجوي على مناطق مدنية ...


المزيد.....

- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد القبانجي - المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون