أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوري أفنيري - الحملات الصليبية الجديدة















المزيد.....

الحملات الصليبية الجديدة


أوري أفنيري
الحوار المتمدن-العدد: 1137 - 2005 / 3 / 14 - 10:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قبل سنوات عديدة، قرأت كتابا بعنوان "الأمريكي الهادئ" للكاتب جراهام غرين، وبطله شاب عميل مخابرات أمريكي ومثالي، أرسل إلى فيتنام. لم تكن لديه أية فكرة عن الوضع المعقد السائد في تلك البلاد، ولكنه كان عاقد العزم على تصحيح الفساد وترتيب الأمور. وقد كانت النتيجة فاجعة كبيرة.

أشعر أن هذا ما يحدث الآن في لبنان. فرغم كون الأمريكيين ليسو سذّجا وليسو مثاليين، بل إنهم بعيدون كل البعد عن ذلك، إلا أنهم مستعدون بالتأكيد للدخول إلى هذه البلاد الأجنبية، والتغاضي عن وضعها المعقد وإعادة النظام، الديموقراطية والحرية بالقوة.



الحرب الأهلية: لبنان. لبنان هي بلاد ذات تضاريس خاصة، بلاد صغيرة مكونة من سلاسل جبلية عالية وأودية متناثرة، ولذلك استقطبت إليها مع مرور السنين الأقليات المستهدَفة، التي وجدت فيها ملاذا آمنا. تعيش فيها اليوم أربع طوائف دينية-عرقية، إحداها إلى جانب الأخرى، وإحداها ضد الأخرى: المسيحيون، المسلمون السنة، المسلمون الشيعة والدروز. توجد لدى المسيحيين طوائف فرعية مثل المارونيين ومجموعات قديمة أخرى، تعادي إحداها الأخرى. التاريخ اللبناني مليء بالمجازر المتبادلة.

يتطلب مثل هذا الوضع، بطبيعة الحال، تدخلا من قبل الجيران والقوى العظمى الأجنبية، التي ترغب في غمس يدها في الطبق لتجني المردود لنفسها. فهكذا سوريا، وإسرائيل، وهكذا أيضا الولايات المتحدة وفرنسا والاستعمار في الماضي.

عام 57 دار في إسرائيل نقاش سري بين زعماء الدولة. دافيد بن غوريون (وزير الدفاع آنذاك) وموشيه ديان (رئيس الأركان آنذاك)، وضعا خطة فذّة: اجتياح لبنان وتنصيب "جنرال مسيحي" عليها وتحويلها إلى دولة تحت وصاية إسرائيلية. موشيه شاريت، وكان آنذاك رئيس الحكومة، تصدى لهذه الفكرة، وفي رسالة مطولة ومعلّلة، حفظت كوثيقة تاريخية، أشار إلى حماقة واضعي الفكرة، أمام التعقيدات التي لا مثيل لها في البنية اللبنانية. وحذر بأن أية مجازفة ستنتهي بكارثة.

تم قبول رأي شاريت في ذلك الحين، إلا أنه بعد مرور 27 سنة، نفذ مناحيم بيغين وأريئيل شارون ما اقترحه دافيد بن غوريون وموشيه ديان في حينه، وكانت النتيجة ما تنبأ به شاريت في ذلك الوقت.

من يقرأ الآن تقارير وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية (لا فرق بينها)، تتكوّن لديه فكرة بأن الوضع في لبنان بسيط: ففيها معسكران فقط، "مؤيدو سوريا" من جهة و"المعارضة" من جهة أخرى. "ربيع بيروت". إن هذه المعارضة هي الأخت التوأم للمعارضة الأكرانية من الأمس، وهي تقلّد أساليبها بحذافيرها: مظاهرة أمام مبنى الحكومة، أعلام تخفق، شالات ملونة، وبالأساس فتيات فاتنات في الصف الأول، لصالح التلفزيون.

غير أنه لا يوجد أي وجه شبه بين لبنان وأوكراينا، فأوكراينا دولة "بسيطة": الشرق يتجه إلى روسيا، والغرب يتجه إلى أوروبا، وقد تغلب الغرب بمساعدة الولايات المتحدة.

تتدافع الطوائف المختلفة في لبنان ولكل منها مصالح مختلفة عن الأخريات، وكل منها تحاول كيد المكائد للأخريات وربما الانقضاض عليها في الوقت المناسب. هناك زعماء متعلقين بسوريا وهناك منهم من هم متعلقين بإسرائيل، والجميع يحاولون استغلال أمريكا لمصالحهم. إن مظاهر الشبيبة الفرحة التي تظهر في وسائل الإعلام لا معنى لها، في حال لم تعرف من هي الطائفة التي تقف من ورائهم.

قبل ثلاثين سنة فقط، خاضت هذه الطوائف حربا أهلية ضارية فيما بينها، وكانت مليئة بالأعمال الوحشية والمجازر البشعة. كل منها ذبحت الأخريات. المسيحيون المارونيون أرادوا السيطرة على الدولة بمساعدة إسرائيل، ولكنهم أحبطوا من قبل ائتلاف بين السنة والدروز. (لم تكن أهمية الشيعة في ذلك الوقت على ما هي عليه اليوم). الفلسطينيون الذين كانوا في ذلك الحين شبه "طائفة" خامسة، انضموا إلى المعركة. عندما أوشك المسيحيون على الهزيمة، طلبوا من السوريين الوقوف إلى جانبهم، وبعد ست سنوات نفذت إسرائيل اجتياحها، حيث أرادت طرد السوريين والفلسطينيين وتنصيب دكتاتور مسيحي (بشير الجميّل).

لقد استغرق الأمر 18 سنة حتى خرجنا من ذلك الوحل. إن الإنجاز الوحيد الذي حققناه هو أننا حولنا الشيعة إلى قوة عسكرية وسياسية نشطة. عند دخولنا إلى لبنان، استقبلنا الشيعة بوابل من الأرز والحلويات، لأنهم كانوا يأملون في أن نطرد الفلسطينيين الذين كسروا شوكتهم. بعد مرور عدة أشهر، وعندما اكتشفوا أننا غير عازمين على المغادرة، بدأوا يطلقون النار علينا. شارون هو عرّاب حزب الله.

من الصعب التكهن بما سيحدث في حال انصاع السوريون بالفعل للتهديدات الأمريكية وخرجوا من لبنان. لا توجد أية إشارة إلى أن الأمريكيين يعملون على خلق نسيج حياتي جديد بين الطوائف اللبنانية. إنهم يكتفون بالثرثرة عن "الحرية" و"الديموقراطية"، وكأن تصويت الأغلبية يمكن أن يؤسس نظاما مقبولا على الجميع. إنهم لا يفهمون أن "لبنان" هو مصطلح مجرّد، لأن جميع اللبنانيين يعتقدون بأن الانتماء إلى الطائفة أهم من الوفاء للدولة بأضعاف مضاعفة. في مثل هذا الوضع لن تتمكن حتى القوى الدولية من المساعدة.

إن تجديد الحرب الأهلية الدامية هو أمر وارد بالحسبان.



الحرب الأهلية: العراق. في حال نشوب حرب أهلية في لبنان، فإنها لن تكون الحرب الوحيدة في المنطقة، ففي العراق تدور رحى مثل هذه الحرب، ويكاد يكون الأمر خفية.

القوة العسكرية الوحيدة الناجعة في العراق، عاداك عن القوة المحتلة، هو الجيش الكردي المسمى "بشمارغا" (مواجهو الموت). يستخدم الأمريكيون هذه القوة كل الوقت لمحاربة السنة، وقد لعبت هذه القوة دورا هاما في القتال في مدينة الفلوجة، التي دمرت من الأساس وجميع سكانها إما قتلوا أو طردوا.

تشن القوى الكردية الآن حربا على العرب وعلى التركمانيين في شمال الدولة، بهدف السيطرة على مناطق النفط ومدينة كركوك، وكذلك لتطرد المستوطنين السنيين الذي زرعهم هناك نظام صدام حسين.

وكيف يمكن لرحى مثل هذه الحرب أن تدور دون وجود وسائل الإعلام؟ الأمر غاية في البساطة: يتم كنس كل شيء إلى ما تحت البساط المسمى "الحرب ضد الإرهاب".

إلا أن هذه الحرب الصغيرة لن تكون سوى نقطة في بحر، مقابل ما يمكن أن يحدث في العراق، حين تحين الساعة للبت في مصير الدولة. الأكراد يريدون حكما ذاتيا كاملا، لن يكون إلا بمثابة استقلال خفي. السّنة لا يحلمون بالحصول على السلطة من أيدي الأغلبية الشيعية، الممقوتة من وجهة نظرهم، حتى وإن تم ذلك باسم "الديموقراطية". من الممكن أن حربا واسعة النطاق هي أمر مرهون بالوقت فقط.



الحرب الأهلية: سوريا. إذا نجح الأمريكيون، بمساعدتنا السرية، في كسر الدكتاتورية الحاكمة في سوريا، لا شيء يضمن أن تحل محلها "ديموقراطية" و"حرية".

سوريا مجزأة مثل لبنان تقريبا، ففيها طائفة درزية قوية في الجنوب، ومجموعة كردية متمردة وطائفة علوية (التي تنتمي إليها عائلة الأسد) في الغرب. الأغلبية السنية مجزأة تاريخيا بين دمشق في الجنوب وحلب في الشمال. الجمهور السوري قد تقبّل دكتاتورية الأسد لأنه يهاب ما سوف يحدث في حال انهيار هذا النظام.

لا يفترض بنا أن نعتقد بأنه ستنشب هناك حرب أهلية حقيقية. إلا أن وضعا متواصلا من الفوضى يمكن أن ينشأ هناك، وأن يحدث زعزعة كبيرة. شارون سيكون مسرورا، إلا أنني لا أعتقد بأن هذا جيد لإسرائيل.



الاشتعال الديني: إيران. الهدف الأمريكي الرئيسي هو، بطبيعة الحال، كسر نظام آيات الله في إيران. (إنه لأمر يثير العجب أن يساعد الأمريكيون على بسط سيطرة الشيعة في العراق الجارة في وقت يعلنون الشيعة فيه عن نيتهم في بسط نظام حكم ديني فيها).

إيران هي جوزة يصعب كسرها أكثر بكثير، فخلافا للعراق، سوريا ولبنان، هذه الدولة هي دولة موحّدة.

تطلق إسرائيل تهديداتها العلنية الآن بنيتها في قصف المنشئات النووية في إيران. كل عدة أيام، يظهر على شاشات التلفزيون لدينا طيارون بوجوه مشوشة يتفاخرون بقدرتهم على تنفيذ ذلك في أي وقت من الأوقات.

لقد تلاشى التأجج الديني لدى آيات الله في السنوات الأخيرة. وكما يحدث في كل ثورة بعد انتصارها، فإنها تتآكل. إلا أن هجوما عسكريا من قبل "الشيطان الكبير" (أمريكا) و"الشيطان الصغير" (نحن) يمكن أن يدب الروح من جديد في جميع الأنحاء الشيعية - إيران، جنوب العراق وجنوب لبنان.



ولدينا. إسرائيل ذاتها عادت لتوها من حرب أهلية صغيرة.

لقد نشبت في قرية المغار الجليلية، التي تعيش فيها منذ أجيال طائفة مسيحية وطائفة درزية، معركة دموية. لقد كانت هذه مجزرة بكل ما في الكلمة من معنى: لقد انقض الدروز على المسيحيين، هجموا حرقوا ودمروا، وبأعجوبة لم يقتل أشخاص هناك. يدعي المسيحيون أن الشرطة الإسرائيلية (والعديد من أفرادها هم من الدروز) وقفت مكتوفة الأيدي. ذريعة هذه الهجمات: صور عراء مفبركة على شبكة الإنترنت. هجموا حرقوا ودمروا. الكلمة من معنى: لقد النبناي.ى شاشات التلفزيون لدينا طيارون بوجوه مشوشة يتفاخرون بقدرتهم على تنف



من السهل جدا إشعال فتيل حرب أهلية سواء كان ذلك على خلفية التطرف أو كان على خلفية السذاجة غير المحتملة. جورج بوش الأمريكي (غير) الهادئ يتجوّل في العالم ويبيع دواءه السحري، "الحرية" و "الديمقراطية"، من خلال تجاهل تام لتاريخ يصل إلى مئات السنوات. إنه يرتكز على قصة صديقنا شيرانسكي وهو نابغة صغير جدا.

من حق كل شخص وكل شعب أن يتمتع بالحرية. العديد منا كانوا قد ضحوا بدمائهم من أجل هذا الهدف. الديمقراطية هي هدف يتوق إليه كل شعب ليحققها بنفسه، إلا أنه عندما تخفق أعلام "الحرية" و"الديمقراطية" فوق حملة صليبية تشنها قوة عظمى عاشقة للمال ومعدومة المسئولية، فإن النتائج يمكن أن تكون مأساوية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- احذروا الكلب فهو ينهش!
- والنتيجة كانت التعادل
- من يحسد أبا مازن؟
- قبل الكارثة المقبلة
- إكليل بلير
- الجبل والفأر
- أعطني فرصة
- تحطيم أبي مازن
- لا تفرح بسقوط عدوك
- مميّز في عصره
- أنهى دوره
- على طريق حرب أهلية
- شكرا لك، يا دوبي
- لا تصدقوا كلمة واحدة
- كل البيض في سلة واحدة
- مفجرو المساجد
- هذه إرادة الله!-
- على اللاعنف السلام
- حرب أحادية الجانب تماما
- قحط في تكساس


المزيد.....




- أحدث ضيوف البيت الأبيض.. ديوك رومية تنزل في فندق فاخر وتنتظر ...
- روحاني: الجامعة العربية بالية.. ماذا فعلت ضد داعش بسوريا وال ...
- حصرياً على CNN.. هذه هي حال أطفال مناطق الصراع باليمن
- أمريكا: الحرس الثوري يزوّر العملة اليمنية لتمويل عملياته
- الوضع الأمني في مدينة البوكمال
- مباحثات في غزة بشأن ملف سلاح الفصائل
- المبعوث الأممي: توقيت سقوط الموصل كان معروفا في 2013
- خلافات داخل حكومة ماي حول -البريكسيت-
- ثلاث طبيبات بيطريات يتحدين التقاليد ويفتتحن محلا للجزارة
- السجن عامين لمحام حقوقي بارز في الصين


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوري أفنيري - الحملات الصليبية الجديدة