أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - سامر سليمان - في الرابطة بين القضية القومية والقضية الطبقية















المزيد.....

في الرابطة بين القضية القومية والقضية الطبقية


سامر سليمان
الحوار المتمدن-العدد: 1137 - 2005 / 3 / 14 - 10:29
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


حينما رحل الاستعمار عن أسيا وأفريقيا تولى الحكم في معظم بلدانها نظم تحرر وطني، أو نظم شعبوية. تراوحت هذه النظم في راديكاليتها أو في اعتدالها، لكنها ظلت معتمدة في تأسيس شرعيتها على إنجاز التحرر من الاستعمار سياسياً واقتصادياً. لذلك كان عنوان هذه المرحلة القضاء على التبعية. ولكن هذه النظم كانت تعاني من تناقضات حادة. فهي تقوم على مغالطة كبيرة وهي أنها تمثل "الجماهير" أو تمثل الشعب كله باستثناء الخونة والعملاء أو الرجعيين. لم تكن هذه النظم في حقيقة الأمر تمثل إلا نفسها، أو على الأكثر تمثل مصالح البيروقراطية. ربما حظيت تلك النظم بتأييد شعبي واسع، كما كان الحال مع النظام الناصري. ولكن التأييد لا يعنى على الإطلاق أن هذه النظم كانت تمثل شعوبها. لأن التمثيل يتطلب علاقة تعاقدية بين طرفين. أنا اعترف بتمثيلك لي مقابل أن تدافع عن مصالحي أو حقوقي. وهذه النظم لم تدخل في علاقة تعاقدية مع شعوبها. لقد فرضت نفسها بالقوة. و كان لهذه النظم أن تتراخي وتتحلل من الداخل. ولكن البيئة الدولية (الحرب الباردة) التي كانت تعيش فيها تلك النظم سمحت لها بالتجدد والبقاء. لأن الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري كان يتدفق على هذه النظم من الغرب والشرق. هكذا فإنه بانتهاء الحرب الباردة والاستقطاب العالمي كان لنظم التحرر الوطني أن ترحل عن الساحة بما أن تدفقات الدعم تدهورت وبما أن حالة التعبئة الدولية قد خفت.

منطقة واحدة ظلت بمنأى عن هذا التحول.. منطقتنا العربية. فلا زالت النظم القومية الشعبوية تحكم الكثير من بلدانها. لقد بحث المحللون السياسيون الأجانب كثيراً في أسباب هذا "الاستثناء العربي". هل الموضوع له علاقة بالثقافة العربية أم بطبيعة الاقتصاد السياسي لهذه الدول (دول ريعية وشبه ريعية). التفسير الثقافي لا يستحق الكثير من النقاش لأنه تفسير شبه عنصري. تفسير الاقتصاد السياسي يستحق الذكر لأنه في تقدير كاتب السطور يفسر الكثير من تجدد واستمرار النظم القومية الشعبوية في المنطقة. سيأتي ذلك في مناسبة أخرى. لكن هناك تفسير أخر لم يلتفت إليه المحللون الأجانب كثيراً وهو الصراع العربي الإسرائيلي. قلنا من قبل أن شرعية نظم التحرر الوطني في العالم الثالث تقوم على إنجاز وتحقيق التحرر من الاستعمار. ولكن التحولات الداخلية لهذه النظم انتهي بها إلى التخلي نهائيا عن تحقيق هذا التحرر. هكذا اختفي من القاموس السياسي لتلك النظم الكلام عن الاستعمار الجديد. ولكن الأمر في منطقتنا مختلف. فالاستعمار حين رحل ترك لنا مخلفات، كان من أهمها إسرائيل، الدولة الاستعمارية الوحيدة المتبقية في العالم حتى الآن. إذن الإجابة على سؤال لماذا انتهت نظم التحرر الوطني في العالم كله إلا في المنطقة العربية قد يكون الآتي: لأن الاستعمار لا زال له مخلفات في المنطقة. النظم العربية لم تنجز عملية مطاردة أخر فلول الاستعمار في منطقتنا. إنها عاجزة عن إنجاز ذلك أو غير راغبة في دفع الثمن الباهظ لتحقيقه. والحقيقة أنه بمرور الوقت اكتشفت هذه النظم أن قضية الصراع العربي الإسرائيلي عامل مؤدي للاستقرار. لأنه يعطي الشرعية للاستبداد باعتبار أن هناك مخاطر خارجية لا تتيح رفاهية الديمقراطية. إنه الشعار الشهير: "لا صوت يعلو على صوت المعركة". البعض يعتقد أن إذلال النظم العربية من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة يعطي الفرصة لتأليب "الجماهير" عليها باعتبارها متواطئة أو ضعيفة. ألا المظاهرات تخرج في أوقات احتدام الصراع العربي الإسرائيلي؟ ولكن التجربة أثبتت أن كؤوس الذل التي تجرعتها هذه النظم من قوى خارجية لم تنجح في إعطاء "الجماهير" الفرصة لإزاحتها. خذ هزيمة 1967، خذ هزيمة صدام حسين أمام الولايات المتحدة في عام 1990. الأمثلة عديدة. لم يكن الضغط الخارجي على تلك النظم عاملاً مخلخلاً لها. العكس هو الصحيح على ما يبدو. أنظر إلى استقرار نظام صدام حسين برغم العقوبات الدولية عليه.

إذا سلمنا أن النظم السياسية في العالم العربي تقتات جزئياً على الصراع مع الاستعمار الإسرائيلي، فإن إنجاز مهمة الخلاص من إسرائيل سيكون كافياً لكي تحمل الكثير من هذه النظم عصاها وترحل. المعضلة هي كيف يمكن كسب معركة مع إسرائيل في ظل قيادة هذه النظم للمجتمعات العربية؟ إنجاز أي انتصار على إسرائيل يتطلب نظم من نوع مختلف. من يريد حقاً أن ينجز تحرير فلسطين يصبح عليه أولاً أن يزيح من طريقه النظام السائد لكي يصبح الطريق مفتوحاً أمامه لكي يساهم في مهام التحرير. هذا الموقف تتبناه بعض الحركات القومية والإسلامية واليسارية. مشكلة هذا الموقف أنه يقوم على افتراض خاطيء وهو أن "الجماهير" تريد أن تقاتل في سبيل تحرير فلسطين. وأول ما يهدم هذا الافتراض هو التذكير بحقيقة أن فئة الجماهير هي فئة متخيلة، يجوز استخدامها في الخطاب السياسي، لكن لا يجوز على الإطلاق تداولها في التحليل السياسي والاجتماعي. نحن نتحدث إذن عن طبقات وفئات اجتماعية مختلفة تنضوي تحت يافطة الجماهير. هناك مؤشرات عديدة على أن كراهية إسرائيل هو محل شبه إجماع مختلف أبناء الطبقات الاجتماعية في مصر، سواء لأسباب إنسانية أو دينية أو قومية أو لكل هذه الأسباب في نفس الوقت. الشعب المصري متعاطف قلبا وقالباً مع فلسطين. ولكن ليس هناك مؤشرات تتيح لنا معرفة المدى الذي يمكن أن تصل له فئات الشعب المختلفة في تضحياتها من أجل القضية الفلسطينية. لكن المؤكد أن الجماعات والفئات الاجتماعية والتيارات السياسية تختلف في مصر بشدة حول طريقة التعامل مع إسرائيل. والأمر فيه من المصالح المادية كما فيه من الاعتبارات الفكرية والعقيدية. البيروقراطية والرأسمالية لا تميلان بالطبع إلى القيام بمغامرات خارجية فيها الكثير من المخاطر. ماذا عن العمال؟ إذا افترضنا أن المصالح المادية هي المحرك الأساسي للطبقة العاملة (أكل العيش) فبأي معنى يمكن القول أن مصالح العمال تصب في قيام نظام سياسي نشيط في الصراع ضد إسرائيل؟ المعنى الأساسي المطروح هو أن هزيمة الصهيونية والإمبريالية الأمريكية ستؤدي إلى تحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية للعمال. كيف؟ لأن الثورة لكي تكون ثورة حقة يجب أن تكون عالمية. لا عيب في محاولة ربط المضطهدين كلهم على مستوى العالم. ولكن يجب أن يكون للربط أسس واقعية وإلا سقط في أول امتحان. هل يختلف أحد على أن العمال يتحركون أساساً للحصول على مكاسب اقتصادية واجتماعية مباشرة؟ كيف تستطيع إذن إقناع العمال بأن مصالحهم المباشرة تتطلب الدخول في مواجهات مع إسرائيل وأمريكا؟ هل يزيد ذلك من أجورهم، من أجازاتهم من فرص العمل لأبنائهم؟ بالطبع لا. بل أن الأمر سيكلفهم دماء بعض الأبناء. نحن نعرف من يموت في الحروب. الحل الوحيد هو إما أن تركز على المصالح طويلة الأجل (مثل إقامة نظام إسلامي أو اشتراكي عالمي) أو محاولة القيام بألعاب بهلوانية لكي تثبت أن مصالح العمال قصيرة الأجل تتطلب الدخول في مواجهات مع إسرائيل وأمريكا. وهو الأمر الذي يتطلب كثير من المراوغة. هذا هو مأزق الحركات المعارضة التي تحاول تعبئة فئات اجتماعية على مشروع قومي. فالتعاطف الإنساني مع شعوب أخرى لا يقيم حركات سياسية. الحل الوحيد أمام اليسار لكي يقوم بتعبئة العمال على أرضية الصراع مع إسرائيل والإمبريالية هو أن يربط هذا الصراع بالمصالح اليومية للعمال. فلا يمكن لعامل أن ينتقل مباشرة للدفاع عن مشروع سياسي تاريخي قبل أن يتمرس في الدفاع عن مصالحه المباشرة. وهذا لا يحدث في لحظة، لكنه يأخذ وقت ويتطلب خلق العمال لمؤسسات، تستطيع أن تختزن التجارب وتنقلها من جيل إلى جيل.

الرابطة بين قضية الصراع مع إسرائيل ومصالح العمال هي رابطة سياسية، لا تستطيع أن تتبناها إلا قوى سياسية. لكي يتبناها العمال يجب أن يكتشفوا في نضالهم اليومي ومع مرور الوقت أن القضيتين مرتبطتان. على أن يكون الارتباط أكثر من مجرد التجاور الذي يحدث عندما تخرج المظاهرات فتنتقل من الهتاف ضد إسرائيل إلى الهتاف ضد الأسعار. هذا الانتقال هو غالباً نتاج اختيارات القوى السياسية التي تنشط في المظاهرات. ولكن على أية حال السياسة تتعدى بكثير المظاهرات، فهي تتعلق بخلق مؤسسات. والمؤسسات لا تنتقل من وظيفة إلى أخرى إلإ بصعوبة شديدة.

المرحلة الآن هي مرحلة التغيير السياسي أو التحول الديمقراطي. هذه هي القضية الأم. وهذه المرحلة تقتضي تجميع كل من له مصلحة في تحقيق الحريات السياسية والفكرية والدينية في مصر، وليس تجميع القوى المناهضة لإسرائيل وأمريكا. يكفي إقصاء من الحركة الديمقراطية من يظن أن الاستعانة بقوى خارجية يمكن أن ينجز تحولات سياسية حقيقية. لأن الديمقراطية والحرية بالتعريف لا تأتي إلا من أسفل، أي بانتزاعها من قبل الناس. أما أن نبنى الجبهة الديمقراطية على فكرة أن الديمقراطية هي خير وسيلة للنضال ضد إسرائيل، فإننا بذلك نكون قد أقصينا من الجبهة من يرغب في الديمقراطية لكنه لا يرغب في التصعيد مع إسرائيل. وإذا كانت المرحلة هي مرحلة تحول ديمقراطي فلتكن المواقف تجاه الحريات السياسية والفكرية هي المقياس لتقييم مدى ديمقراطية القوى السياسية. حينئذ سنكتشف أن من يحمل أقسى خطاب ضد إسرائيل ليس هو بالضرورة من يتخذ أكثر المواقف راديكالية في سبيل انتزاع الحقوق السياسية، وليس هو بالضرورة من يعرف جيداً مقتضيات المعركة من أجل الديمقراطية.

علنا نتعاون في فهم تناقضات المرحلة التي تمر بها مصر والمنطقة العربية. وهنا لا بديل عن التحليل الاجتماعي الطبقي حتى لا نضل الطريق. من في هذا المجتمع له مصلحة في تحقيق الديمقراطية؟ هذا هو السؤال. إنها المصالح يا زملاء. فهل أخطأت؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في تشريح الصراع الاجتماعي والسياسي في مصر
- دعوة للحوار
- نحو رؤية يسارية للمسألة الديمقراطية


المزيد.....




- كاميرا CNN على متن مقاتلات إف 16 في مناورات فوق كوريا الجنوب ...
- أغنياء زيمبابوي.. ثراء فاحش في بلد الفقر المدقع! (صور)
- موسكو: استمرار عمل حكومة الحريري يخدم أمن واستقرار لبنان
- سوريا في قائمة امتحان الإملاء الروسي الدولي
- مقتل 12 حوثيا بغارات للتحالف العربي في تعز
- عصابة دببة في شوارع مدينة أمريكية!
- خامنئي: سندعم كل بقعة في العالم تكون بحاجتنا
- مؤتمر علمي – تطبيقي حول التصدي للتطرف الديني
- الرئيس التركي يقطع خطابه ويرد على طفلة نادته -جدو أردوغان- ب ...
- أوبر تقر بدفع أموال لقراصنة اخترقوا بياناتها


المزيد.....

- هـل انتهى حق الشعوب في تقرير مصيرها بمجرد خروج الاستعمار ؟ / محمد الحنفي
- حق تقرير المصير الاطار السياسي و النظري والقانون الدولي / كاوه محمود
- الصهيونية ٬ الاضطهاد القومي والعنصرية / موشه ماحوفر
- مفهوم المركز والهامش : نظرة نقدية.. / تاج السر عثمان
- التعايش في مجتمعات التنوع / شمخي جبر
- كه ركوك نامه / توفيق التونجي
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ... / رابح لونيسي
- الجذور التاريخية للتوظيف السياسوي لمسائل الهوية في الجزائر / رابح لونيسي
- المندائيون في جمهورية ايران الاسلامية بلا حقوق!! / عضيد جواد الخميسي
- واقع القبيلة والقومية والامة والطبقات في السودان. / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - سامر سليمان - في الرابطة بين القضية القومية والقضية الطبقية