أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالوهاب حميد رشيد - اقتصاد القرن الحادي والعشرين/ ق1-ف1















المزيد.....



اقتصاد القرن الحادي والعشرين/ ق1-ف1


عبدالوهاب حميد رشيد

الحوار المتمدن-العدد: 3917 - 2012 / 11 / 20 - 10:55
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


ترجمة:حسن عبدالله (و)عبدالوهاب حميد رشيد
الجزء الأول
القوى التي تشكل النظام الاقتصادي الجديد
الفصل الأول
التحولات: قوى التغير الرأسمالي
ارنست ستيرنبيرغ، جامعة نيويورك/ بوفالو
Ernest Sternberg, State University of New York at Buffalo

زمن التغير الهائل
يبدو أننا يمكن أن نودع الرأسمالية الصناعية للقرن العشرين. إذ أن الإنتاج القائم على التجميع، والمواجهات بين الإدارة والعمال، والبيروقراطية الهرمية للأعمال، والحدود الجامدة بين العام والخاص، والحرب الباردة، الإيديولوجية، أصبحت كلها مجرد ذكريات عزيزة. فإذا كان الأمر كذلك، فإلى أين نحن ذاهبون؟
ربما ندخل الآن ما بعد العهد الصناعي، الذي يقوم على المعلومات، والتحليل، واتخاذ القرارات الرشيدة. أو ندخل عهد ما بعد الحداثة حيث تغمر حياتنا التصوراتُ التجارية الواقعية أكثر من اللازم. إذاً، قد نكون بالفعل نعيش في عهد جديد من الاعتماد المتبادل العالمي الذي ينحي جانباً الحدود الوطنية. أو ربما نحن الآن على حافة عهد ميركنتيلي جديد تتعاون فيه الحكومات وقطاعات الأعمال في كل بلد لتأكيد القوة الاقتصادية الوطنية. وقد ندخل عهداً تهيمن فيه المنشآت العالمية على الاقتصاديات المحلية. وقد نجتاز حداً فاصلاً صناعياً في وقت تكتسب فيه المجموعات المحلية من المنشآت التنظيمية enterpreneurial firms أهمية اقتصادية أكبر. ومما لا شك فيه أننا نعيش في وقت تجبر فيه الحركاتُ الاجتماعية كلاً من الحكومات والمنشآت على الاستجابة للقضايا القائمة كجنس المرء، والتوجه الجنسي، والمسائل الإثنية، والبيئة. وقد يكون عصرنا هو العصر الذي تقوم فيه المذاهب الأصولية الجديدة new fundamentalisms بإعادة توجهينا نحو حقائق خالدة.
وفي الواقع، فنحن أمام تحولات هامة جداً. ولكن هل هي تحولات إلى ما بعد العصر الصناعي، أو ما بعد عصر شركة فورد postfordism، أو ما بعد الحداثة، أو ما بعد الوطنية؟ ويبدو أنه ما أن قضى العصر الصناعي القديم نحبه، حتى جرى الإعلان عن ظهور عصور جديدة عديدة، يا للعجلة. إن مفاهيم التغير الرأسمالي قد تتنافس مع بعضها البعض لتبوح بمفهومنا نحن، الحقيقي، والظرف الاقتصادي الوشيك. ومع ذلك، فمن المحزن أنه ما أن جرى بالكاد الإعلان عن ظهور عصر جديد حتى تم فضحه، كخرافة عادةً.
إن مجلدات من التكهن عن عصر المعلومات قد رُفضت بازدراء بوصفها "خرافة الاقتصاد ما بعد الصناعي" و "معلومات خرافية(1)." إن أفكار الانتقال من الإنتاج الكبير إلى أنظمة اقتصادية جديدة تتميز بوجود منشآت مرنة وتنظيمية enterpreneurial firms، قد رُفضت حتى قبل أن تمر عليها عشر سنوات على أساس أنها "جغرافية خرافية(2)." ثمة تشكيلة من عصور جديدة وخرافات غير معروفة تتصادم مع بعضها بعضاً بصورة غير مريحة.
ومن المؤكد أن هناك الكثير من الغلو والمبالغة في العديد من التصورات والتصورات المضادة. ولكننا إذا اخترنا أفضل المساهمات وأكثرها جديةً، فيمكن، كما أعتقد، أن نجد بذوراً معقولة وقوية في أفكار التغير الجذري هذه. ويأخذنا هذا الفصل في رحلةٍ تمّر بثمانية مفاهيم للتحول الرأسمالي(3). وحينما نمر بها على عجل، يمكننا أن نلاحظ ما تبدو كعلامة مثيرة: كل مفهوم يبدو معقولاً، حتى إذا كانت هذه المفاهيم تشكِّك وتتناقض مع بعضها البعض، عند أخذها مجتمعةً.
كيف يمكن أن نفهم هذه القوى المتنافسة للتغير الاقتصادي؟ إن الأفكار الاقتصادية التقليدية عن التكنولوجيا، وتغير الأذواق، والأزمات الرأسمالية، لا تستطيع أن تفسر بشكل كافٍ تزامن هذه التحولات الجذرية. أنا أفترض بأن تصور كارل بولاني Karl Polanyi للرأسمالية كمجتمع تهيمن عليه آلية سوق مضطربة- مع أنها قيّمة، في الغالب- يمكن أن يزودنا بتفسير قوي. فمثلما قاد الغلو في سياسة عدم التدخل laissez-faire في القرن التاسع عشر إلى تطوير الرأسمالية الصناعية الحديثة، الموجهَة من قبل الدولة، والبيروقراطية، فإن الرأسمالية الصناعية قد أطلقتْ قوى تقود الآن إلى تحولها.
إن العصور الجديدة هي تحولات حقيقية- كما فهمَ بولاني هذا المصطلح من كل بد. التحول لا يتألف فقط من التغيرات الإضافية في تفضيلات الأفراد، وليس فقط من التعديلات الاجتماعية البنيوية (مع أنها قد تتضمن صفات إضافية وبنيوية معاً). والأصح هو أن التحولات الرأسمالية تمتلك الصفة البارزة وهي أنها تغّير العوامل البشرية human agents: الأفراد، والمنظمات، والمؤسسات، التي تشارك بها.
نحن نعيش وسط تغير هائل. فالرأسمالية قد باتت حضارة اقتصادية ديناميكية تطويرية تدفع بحضاراتنا، وقدرات الازدهار الاقتصادي لدينا، وعلاقتنا بالبيئة، وهوياتنا الشخصية، نحو اتجاهات متقاربة. وإذ نشق طريقنا باتجاه القرن الحادي والعشرين، فسنحتاج إلى علم جديد، تفسيري، للاقتصاد يمكّننا بصورة أفضل من إدراك الإمكانات الرأسمالية المتعددة والتأثير فيها.




العصور الرأسمالية الجديدة: قائمة جرد
عصر المعلومات
ضمن قائمتنا للتحولات الرأسمالية، فإن مفهوم ما بعد العصر الصناعي أصبح جذاباً بالفعل وألهمَ الكثير من التعليقات. ويسلّم أنصاره الآن، على الأغلب، بأن فترة ما بعد العصر الصناعي يمكن فهمها على نحو دقيق ومحدد على أنها عصر المعلومات(4).
وبخلاف الاقتصاد الصناعي السابق، الذي وسّعَ الدخول الشخصية وشيّدَ القوة الوطنية بواسطة الآلات والموارد الطبيعية والسلع المادية، فإن اقتصاد المعلومات الجديد يخلق الثروة والقوة من خلال ممارسة المعرفة. فالصناعات المهيمنة هي تلك التي تجمع، وتحلل، وتحّول المعلومات. إن نسب متزايدة باستمرار من قوة العمل تعمل في مهن معلوماتية- كأعمال ذوي الياخات البيض، والعلم والهندسة، والاستشارات، والبحث. وحتى المنشآت، التي ما تزال تنتج السلع، تعتمد الآن أكثر فأكثر على قدرتها معالجة المعلومات(5).
إن ظهور هذا العالم الجديد يُعزى أحياناً إلى زيادة الإنتاجية في الصناعات التحويلية التي سادت في العصر السابق. فهذه الصناعات الآن يمكنها بكفاءة إنتاج سلع أكثر عند تكلفة أقل للوحدة الواحدة. ولذلك، فإن المستهلكين في الاقتصاديات الرأسمالية المتطورة، حيث حققّت الدخول زيادات في قسم كبير من القرن العشرين، يفضلون الآن إنفاق نسبة أكبر من دخولهم على التعليم، والنصح والإرشاد، والمعلومات، والتسلية.
ووفقاً لهذه المحاجة، فإن عصر المعلومات قد ظهرَ للوجود بسبب تغير إضافي في التفضيلات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن معظم المعلقين حول عصر المعلومات يعزون ظهوره إلى التقنيات الجديدة. فالحساب computing، والاتصالات عن بعد telecommunications، ووسائل الإعلام الإلكترونية الواسعة، والتقنية الجديدة للتصوير- أي تلك التي يُشار إليها جماعياً بـ "تقنية المعلومات"- قد عجّلت دخولنا في عصر المعلومات. وإن البعض يربط بقوة "عصر المعلومات" بهذه التقنيات بحيث أنهم يستعملون هذا المصطلح بنفس المعنى كمرادف لمصطلحيّ "عصر الحاسوب" و "عصر تقنية المعلومات(6)."
ولكننا أيضاً نستطيع أن نقدم حجة معقولة لظهور العصر الجديد دون أن نجعل من التكنولوجيا سببه القوي. وفي الواقع، فإن أقوى حجة لصعود العصر ما بعد الصناعي تأتي من الحماس للأدوات الإلكترونية الدقيقة والاتصالات المتقدمة(7). فهذه الحجة تعزو ظهور العصر الجديد إلى الاحتياجات المتغيرة للرأسمالية الصناعية في القرن العشرين. فجذور اقتصاد المعلومات، بحسب هذه الحجة، تعود للتعقيد complexities الكامن في المجتمع الصناعي القديم. فالابتكارات الصناعية، والتنظيم البيروقراطي للمجتمع والقائم على وجود شركات الأعمال، وما يتطلبه الصراع المنظَّم على مستوى العالم من معلومات، والطلبات الجديدة على التعليم والخدمات الاجتماعية- وباختصار، التعقيد المتزايد على الدوام- قد أدت إلى زيادة الحاجة للوصول السريع للمعلومات. ولذلك، ففي العالم الصناعي نفسه كانت تكمن بذور ولادة عصر المعلومات(8).
إن ظهور عصر المعلومات الجديد كان له أثر قوي يتمثل في أن نمطاً جديداً للفهم بات جلياً في القرارات الاقتصادية والسياسية. فالمعلومات يتم جمعها، والاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية يجري قياسها، والقرارات تُتخذ من خلال مشاورة تكنيكية- تحليلية. وإذ تزدري القوة الإيديولوجية للسياسة في الماضي، فإن المنشآت والحكومات في عصر المعلومات تتخذ قراراتها وفق حساب تكنوقراطي(9). فالنخبة الجديدة تحرز قوتها وثروتها بفضل شهاداتها العالية في التعليم الجامعي. كما أن الثقافة العلمية الجديدة المعتدلة، والمحاجة التحليلية، والكفاءة المكتبية، تحقق قبولاً عالمياً واسعاً. والمحاجة البشرية أصبحت تُفهم كشكل لمعالجة المعلومات يمكن أن يؤخذ فيه الأفراد كحلقات في أنظمة الضبط cybernetic systems. والاتصالات البشرية باتت تُعَّرف كانتقال معلومات، يتم تداولها جيداً من خلال خيوط بصرية أو إلكترونية. التسلية، والمحادثة، والتجارة، والعمل، يمكن أن تتحقق على حد سواء عبر استعمال شبكة المعلومات العالمية. كما تُمارس الشؤون السياسية من خلال أنظمة تفاعل التغذية الاسترجاعية Plebescitary feedback systems.
إن أنظمة الاتصالات ذات الأشرطة العريضة، والمعالجة الجزئية فائقة السرعة، وعلم البصريات الليفية، والأنواع المتميزة الأخرى من التكنولوجيا، توسّعْ بالتأكيد من قدرتنا على معالجة المعلومات. وكلما ازدادت هذه القدرة، فإن طلب المنشآت، والحكومات، والأفراد، يزداد على خدمات المعلومات، مما يقّوي بدوره من تطور التكنولوجيا الجديدة. إن الضغوط الاقتصادية لتطوير التكنولوجيا هذه، والرغبة باستعمالها، تحدثان في وقت واحد في سياق التحول الهائل للرأسمالية المتقدمة. والحصيلة هي ظهور عصر اقتصادي جديد تهيمن فيه المعلومات والتحليل.

اقتصاد الصور The Economy of Images
إن الاعتناق الفكري المضطرب لما بعد الحداثة قد ملأ رفوف المكتبات بالتكهنات عن عصر رأسمالي آخر، جديد. ولكن هذا العصر الجديد للصور يبدو كوجه عملة غريب من اقتصاد المعلومات.
في اقتصاد الصور، فقدنا المعاني الميتافيزيقية والتقاليد الفكرية والجمالية المستفيضة. ففي الحقبة السابقة، للعالم الحديث، كانت الفنون تفكر بنفسها وكأنها تعمل في حيز مستقل ومنعزل، يمكنها أن تتأمل ما للحياة الصناعية من عقلانية وهدف واضح purposefulness. ولكن، الآن، فإن هذه الأنماط من التعبير الفني المجرد قد اُستكشفت واُستنفدت. وقد أنهارَ التمييز بين الإنتاج الفني ومنتجات العالم التجاري- بين الفن والنتاج الاصطناعي.
إن أولئك الذين يكتبون عن عصر ما بعد الحداثة ربما يفحصون الآثار بالنسبة للأدب، والفن المرئي، أو النقد، أكثر مما بالنسبة للاقتصاد. ولذلك، فمن الممكن مسامحة المعلقين حول اقتصاد المعلومات لو أنهم لم يلاحظوا أن عصر ما بعد الحداثة له دلالات تعاكس تلك التي تعود للعصر ما بعد الصناعي(10).
وفي وقتنا الحاضر، فإن المقدرة الإلكترونية والميكانيكية على إعادة إنتاج الفن وتقديم الصور قد قادت إلى تكاثر مكر واسع الخيال. إن الواقعية المؤسَسة بإحكام للعهد الصناعي الحديث قد أفسحت المجال لواقعية مفرطة من المعاني المنفلتة والمفككة(11).
فعمل السيارة أصبح الآن نمطاً للتحرر الذاتي. والكساء قد كفَ عن أن يكون ثياباً تمت خياطتها من القماش، بل أصبح علامات تدل على بهاء المنظر، الأمومة، الاحترام، وبقية الصفات الذاتية. ومع أن الأكل ما يزال يحمل شبهاً بالإنتاج الصناعي، فإن الأطعمة أخذت شكل لفة بالية من مستخدمات الطعام، ولكن هذه الأطعمة، في الطاولات الطويلة للطعام المبرَّد ومطاعم الوجبات السريعة، أصبحت أشياء ثانوية ملحقَة بمحيط مصمَّم بعناية.
إن تطور العقارات (أراضي ومبان) وأسلوب بناء الضواحي تخلق الآن مناطق سكنية وتجارية مع بنية أساسية مُحكَّمة (قرى صيد سمك، ومسارح حفلات إثنية، ومعتكفات برّية). إن المنتجعات السياحية- منتجات ما بعد الحداثة ذات الأهمية الاقتصادية المتزايدة دوماً- تصمَّم لتمثيل تجارب حضارية دخيلة، مع أنها في الغالب ذات مصداقية اثنوغرافية تافهة، حتى حينما توضع في الموقع الملائم. إن صلصة الطماطم ketchup تفقد معناها كتوابل طماطم أمريكية لتصبح موضوعاً للحنين الحسي للوطن. وهذه الصور باتت منتشرة جداً بحيث أنها لم تعد مجرد وسائل تحايل لجذب المستهلكين لسلعة معينة. فهي الآن الوسيلة ذاتها التي نمارس من خلالها رغباتنا الخاصة.
ويبدو أن هذا الاقتصاد الجديد للصور قد ظهرَ حينما كان بوسع الإنتاج الصناعي أن يلبي بسهولة الحاجات الأولية من السلع المادية والخدمات العملية. إن ممّوني المنتجات التجارية يدركون بأنهم يستطيعون الآن بيع ليس فقط الأشياء المحلية بل الصور المغرية التي من خلالها يمكن للمستهلكين أن يتظاهروا بممارسة هواياتهم- الصور التي تعتبر، بالنسبة لها، سلعاً أو خدمات محددة، أمراً عرضياً إلى هذا الحد أو ذاك. إن الاهتمام نفسه بإنتاج المعاني significations يصبح الآن عنصراً طاغياً من الرأسمالية المتقدمة.
إن تكنولوجيا التلفزيون، والفيديو، والأفلام السينمائية، تسهل وتقّوي هذا التحول الاقتصادي. ولكن كما رأينا عند زيارتنا لاقتصاد المعلومات، فإن التكنولوجيا لا تخلق العالم الجديد بصورة منعزلة، بل تشارك فيه بشكل متكرر.
وبخلاف اقتصاد المعلومات، فإن اقتصاد الصور لا يعبأ إلاّ قليلاً بمعالجة المعلومات، والحساب، والتحليل التكنيكي. إن الولع والتباهي بالسجاير لا شأن له بالمعلومات، رغم كل شيء. وإن الإفراط السائد في الصور عقبة للتفكير المتماسك، إن كان يعني أي شيء أصلاً. ففي هذا الاقتصاد، لا يسيطر المختصون التكنيكيون-التحليليون. وإن المهندسين ومشغّلي وسائل الإعلام الالكترونية مطلوبون، ولكن كموظفين فقط functionaries. فالمهارات التي تهيمن في الاقتصاد هي تلك التي تعود للأداء التعبيري، والفنون المرئية، والتصميم التصويري، والعلاقات العامة، وتصميم المنتجات والرزم، والواقعية العملية، وإنتاج الفيديو.
في اقتصاد الصور الأكثر تقدماً، اقتصاد الولايات المتحدة، فإن الصناعات الرائجة هي تلك التي تقدم فقرات تسلية في الهواء الطلق theme parks، والإعلانات، ومعارض التسوق shopping malls، ومناطق البيع بالتجزئة retail environments، والأفلام السينمائية. إن القوة الاقتصادية الحقيقية للبلاد تكمن الآن في الصناعات التي تشكل الصور المثيرة للذكريات والعواطف. وإن هذه الصناعات لها حدود مشتركة مع الثقافة الأمريكية ويتعذر تمييزها عنها. وعلى غرار الأفلام السينمائية الأمريكية، فإن السلع الاستهلاكية، ومحلات الأطعمة السريعة، تنتشر في العالم كله، وإن صورها التي يُعاد تكوينها باستمرار تبرز كثقافة عالمية.
إن اقتصاد الصور الجديد، عالمي الانتشار، يطوّق ليس فقط إمبراطوريات الدعاية والإعلان. فحتى منشآت الأعمال التي تنتج سلعاً عادية كالسيارات تنفق على تصميم صورة السلعة بقدر ما تنفق على الجوانب الميكانيكية. إن منشآت ما بعد الحداثة تحقق الثروة- مثلما يحقق سياسيو ما بعد الحداثة المنزلة الاجتماعية prestige- حينما يجري تصميم معارضها (مع الصور وهي تغلّف المنتجات التي تبيعها) على نحو ما لإثارة رغبات المشاهدين ومخاوفهم. فالمركز المهيمن في الاقتصاد لا يهتم الآن بإنتاج السلع، ولا بمعالجة المعلومات، بل بتشكيل المعاني significations.

عصر الاعتماد المتبادل العالمي
من أفكار التغير الاقتصادي الهائل، الفكرة التي قد تكون أكثرها تأثيراً والتي تقول بأن الصناعات والأقاليم تعمل الآن في اقتصاد عالمي. وهذه العولمة globalization تُقدَم أحياناً كقضية درجة، كتغير إضافي فقط في الرأسمالية. ولكن العولمة يمكن أيضاً أن تُشاهد كتحول رأسمالي شامل له تأثير على كل جانب من الحياة الاقتصادية(12).
وهذا التدويل internationalization نلاحظه كلما توجبَ على كل بلد بصورة متزايدة أن يربط نفسه بالتجارة الدولية، والمالية، والاستثمار، وتبادل العملة، وأسعار السلع، وموازنة الديون. وينبغي على منشآت الأعمال فيه أن تستجيب للتغيرات في الأسعار، والمعايير السلعية، والابتكارات للعملية الصناعية، ومعارض التسويق التي تُقام في كل مكان من العالم.
إن هذا القول أصبح كلاماً عادياً الآن، طبعاً. ولكن المثير هو أنه حتى حينما تقوم المنشأة بإنتاج سلعة ما لا تتنافس في الأسواق العالمية، فإنها تجد، رغم ذلك، أن ترتيبات صنعها وبيعها قد تم تدويلها. فالبحوث المحلية لتطوير السلع تتفاعل مع البحوث المناظرة التي تجري في أماكن أخرى من العالم. والأرصدة الاستثمارية ترد عبر أسواق المال العالمية. وثمة مؤسسة عالمية للتأمين تؤمن الحماية ضد المخاطر. ويقدم الخبراء من مختلف الدول المشورة والنصح في حقول المحاسبة، والإدارة، أو ضمانات النوعية quality assurance. كما أن براءات الاختراع، والعلامات التجارية، والرخص، وبقية أشكال الملكية الفكرية، يتم التأمين عليها في عدة بلدان. والمواد تُجلب من مصادر مختلفة. والأجزاء المكونِّة للمشروع تمارس نشاطها في بلدان عديدة. وحتى في موقع الإنتاج المحلي، فإن السلعة يتم تجميعها بصورة نهائية من قبل قوة عمل من عدة بلدان وعدة قوميات. ولإنتاج سلعة ما مركبة، وحتى تلك المخصصة للسوق المحلية، فإن المنشأة تضطر لنسج الكثير من شبكة العلاقات العالمية.
يتم ترتيب هذه العلاقات وتسييرها من خلال اتفاقات دولية. ويتم التنسيق ما بين العملات، وتُوقَع اتفاقات التعريفة، وتُعلن مناطق الموانئ الحرة والمعالجة، كما تكتسب المناطق الحدودية طابعاً دولياً، وتظهر التكتلات التجارية القارية- كتبشير بقدوم تجارة عالمية حرة أكثر. كما أن زوال الكتلة السوفيتية يبشّر بقيام أسواق عالمية جديدة ومستقلة تحصل فيها البلدان الأفقر، أخيراً، على الفرصة لتحسين مستوى المعيشة فيها.
في هذا العالم الجديد، فإن منشآت الأعمال، والمدن، والأقاليم، التي تزدهر هي تلك التي تتكيف للاقتصاد العالمي. والكفاءات الأساسية المطلوبة هي إجادة اللغات الأجنبية، والإطلاع على ثقافات العالم، ومعرفة الأسواق الأجنبية، وفهم قواعد التجارة الدولية. ويصبح الإطلاع على ما يدور في الخارج شرطاً جوهرياً للتقدم الاقتصادي.
إلا أن الاعتماد المتبادل العالمي يجلب البلاء أيضاً: التلوث عبر الحدود والمحيطات، والتغير العالمي للجو، وتدمير طبقة الأزون، والانفلونزا والأوبئة المتنقلة بين أرجاء المعمورة. ولكن في نفس الوقت، فإن التوسع نفسه للعلاقات الدولية يخلق اتفاقات بين دول متعددة، وأجهزة تعود لحكومات دول متعددة، ومنظمات متعددة الجنسية، يمكن للعالم من خلالها أن يحقق عملياً الاستقرار ويسيطر على الآثار الجانبية.
لقد ظهرَ هذا الاعتماد المتبادل الجديد من رحم نظام الاقتصاديات الوطنية، الذي يصعب الدفاع عنه، لأوائل القرن العشرين، والذي عملَ من خلال مؤسسات الاكتفاء الذاتي الرأسمالية، والحواجز التجارية، والكساد العالمي المتكرر، والحرب العالمية، والحرب الباردة. ويمكن للولايات المتحدة، وهي الدولة التي خرجت منتصرةً من الحرب العالمية الثانية، أن تصبح اللاعب الاقتصادي العالمي المسيطر، فارضةً الحرية الإنجلو- أمريكية على الآسيويين والأوروبيين المتمردين. إن تقنيات الاتصالات، والحساب، والنقل، كانت فعالةً مرة أخرى، حيث عملتْ على خفض تكاليف التجارة، والسفر، والتعاون عبر الحدود. وفي عقود قليلة، هبطَ التأثير الأمريكي، غير المتوازن، وإلى جانب ذلك، أخذت أوروبا وآسيا مكانتهما. وتدخل منشآت أمريكا الشمالية في علاقات معقدة من التنافس والتعاون.
وهذا الاقتصاد العالمي الجديد يقوم الآن ليس فقط بتعزيز الازدهار، بل بإنعاش الفنون أيضاً. فالاستعارات العالمية تتضاعف في حقول الموسيقى، والفنون، والعلوم. فالكساء، والإبداع، والطب، والإذاعات، والرياضة، كلها تتعزز من خلال الاتصالات الدولية. فنحن الآن أمام عصر كامل من الاعتماد المتبادل العالمي.

الميركنتيلية الجديدة
كان لانتشار المعلومات والخدمات التي تقّدم الصور في اقتصاد مُدَّول نتيجة محيِّرة. فبخلاف التوقعات المرتبطة بعصر ما بعد الصناعة، فإن ذلك الانتشار يُزيد من الأهمية الاقتصادية المحلية للصناعة المتقدمة. وبعكس الميل نحو الاعتماد المتبادل العالمي، فإن ذلك الانتشار يقّوي من عزم البلدان على بناء مصائرها التكنولوجية المحلية.
إن أصحاب رؤيا "الميركنتيلية الجديدة" (وهو مصطلح يُرجَح أن يستعمله النقاد أكثر من الأنصار) يشيرون إلى أننا ندخل الآن ظرفاً اقتصادياً تصبح فيه التقنيات المتقدمة والصناعة الرفيعة مصدْرين استراتيجيْين للازدهار الاقتصادي(13). يعترف الميركنتيليون الجدد بأن نسبة أكبر من كل اقتصاد تُخصص الآن للخدمات والمعلومات. وبما أن هذين العنصرين لا تجري المتاجرة بهما أو نقلهما عبر الحدود بنفس السهولة التي يتم بها ذلك مع السلع، فإن الصناعات التحويلية تصبح، على نحو غريب، أكثر أهمية في العلاقات الاقتصادية الدولية(14). كما يعترف الميركنتيليون أيضاً بأن خدمات الأعمال، والحكومات، والعناية الصحية، والتسلية الإذاعية، ومعالجة المعلومات، تستخدم بشراً أكثر من السابق. ولكن هذه الخدمات تستعمل تقنيات متقدمة جرى تطويرها في القطاع الصناعي، أي في ذلك الجزء من الاقتصاد الذي يستثمر كثيراً في البحوث والهندسة.
ونظراً لاعتماد قطاعات المعلومات على الصناعة في الحصول على التقنيات اللازمة لها، فإن تدهور منشآت البلد الصناعية يسيء إلى بقاء صناعاتها المعلوماتية المتقدمة كذلك. وخلافاً لبعض التوقعات، فإن الدول الرأسمالية المتقدمة تجابه الآن أهمية استراتيجية أكبر للصناعة المتقدمة تكنولوجياً(15).
وينبغي على البلدان، الآن أكثر من أي وقت مضى، بناء طاقاتها في التكنولوجيا المتقدمة. يتوجب عليها أن تكون في طليعة البلدان الأخرى في إنتاج شبه الموُصلاِّت semiconductors، والحاسوب، وقطع الحاسوب الخارجية peripherals؛ والبصريات الليفية، والمحوِّلات الالكترونية optoelectronic switching، والهواتف الخلوية، والأقمار الصناعية satellites؛ والتصوير المتقدم، وطرق التصميم التصويري، والتلفزيونات المتطورة high-definition؛ وتقنيات الفضاء الخارجي والنقل السريع aerospace and high-speed transit. على هذه البلدان أن تبني الطاقات الهندسية لدمج مثل هذه المعدات والبرمجيات software في الأنظمة المعقدة للحساب، والاتصالات، والتصوير، والنقل.
ومن المؤكد أن البلدان (كما سنلاحظ في الفقرة التالية عن العصر الرأسمالي القادم) تقيم منشآت متعددة الجنسية في أنحاء متفرقة من العالم. ولكن المنشآت العالمية الألمانية واليابانية الأكثر نجاحاً تحافظ على ولاءها الوطني. فكلما تْنصّب هذه المنشآت تجهيزات أجنبية، فهي تفعل ذلك لتتخطى الحواجز التجارية، أو تستأجر قوة عمل رخيصة، أو تكسب الوصول للتكنولوجيا. ورغم طابعها المتعدد الجنسية، فإن هذه المنشآت تُبقي مكتبها الرئيسي وطاقاتها التكنولوجية الأساسية في بلدها الأم.
وفي عالم من دول- وطنية تحرص على مصالحها، فإن مثل هذا الاستجابة أمر حتمي. فإن حقيقة بقاء البلد وحقيقة القدرات القسرية للحكومات تعني أن مبررات الدولة لها الأسبقية على المنطق المطوَل للاعتماد المتبادل العالمي(16). ولذلك، فإن البلدان الرأسمالية الآن تهتم بصناعاتها وتقنيتها الاستراتيجية بشكل هادف. وفي الحقبة الاقتصادية السابقة، كان بوسع هذه البلدان أن تفعل ذلك من خلال توجيهات حكومية مباشرة أو عن طريق تأميم منشآت الأعمال. ولكن الحرب الباردة وما لها من قدرة دائمة على التعبئة منحَ البلدان الغربية الخبرة في إقامة علاقات تعاقدية أكثر تعقيداً بين القطاعين الحربي والتجاري.
وبالاعتماد على هذه الدروس، تبني البلدان الرأسمالية صناعاتها الاستراتيجية من خلال إجراءات مُركّبة تخص العلاقة بين المنشآت، جامعة وصناعة، صناعة وحكومة، ومنشآت مدنية- حربية. وحتى في اللبرالية المزعومة للسوق في الولايات المتحدة، فإن هذه العلاقات الحربية- الصناعية (إضافة إلى السياسة الصناعية التوجيهية لليابان) تغدو الآن النموذج لرأسمالية تعاونية جديدة collaborative capitalism(17).
إن هذا التشابك للسياسة الصناعية هو ما يقود البعض لوصف هذا الاقتصاد الجديد كاقتصاد "ميركنتيلي". وهذه الكلمة تشير إلى استخدام الحواجز التجارية، من قبل ملوك أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بقصد مراكمة كنوز الذهب treasure وبالتالي بناء الثروة الوطنية. إن المقدرة الإنتاجية المتقدمة تكنولوجياً تخدم الآن كمعادل للكنوز. وتتضافر جهود الحكومة والصناعة في كل بلد لكي يضعا معاً السياسة الصناعية لبناء الخزينة التكنولوجية technological exchequer .
وفي هذا الاقتصاد، فإن المهن الخدمية، بما في ذلك المهن القائمة في معالجة المعلومات والتسلية، تتجاوز عدد المهن التكنيكية. ولكن لذلك السبب بالذات، فإن ما لدى البلد من مهندسين، وفنيين، ومختبرات، هو الأمر الحاسم. إن بلدان العالم تبني الآن ترتيبات ميركنتيلية جديدة لخلق تكنولوجيا جديدة، وإدارة التجارة، ومباشرة الصناعة المتقدمة بفعالية أكثر.

العصر الجديد لسيطرة الأعمال
تويوتا Toyota، ايكسون Exxon، ماتسوشيته Matsushita، والت دزني Walt Disney، هوجست Hoechst، بيبسيكو Pepsico، فيلبس Philips ، ونظرائها، وما يرتبط بها من منشآت أعمال خدمية، تهيمن الآن على الحياة الاقتصادية في العالم. تمارس هذه المنشآت شكلين من السيطرة في حقل الأعمال corporate control أصبحا الآن شاملْين. أولاً، إنها تُشّدد من سيطرتها على العمل من خلال الأتمتة ومعالجة المعلومات. ثانياً، إنها تُوسّع من سيطرتها على الوحدات الإدارية الفرعية المنتشرة عالمياً. إن نشاط قطاع الأعمال حقّقَ فعالية إدارية وحضوراً عالمياً جعله مغرياً أكثر من أي وقت مضى.
كان القرن العشرين معروفاً، طبعاً ولوقت طويل، بوصفه القرن الذي سيطرتْ فيه شركات احتكار القلة العملاقة ذات المراتب الهرمية على معظم الأشياء في كل اقتصاد رأسمالي. ولكن التوسع الأخير في سيطرة الأعمال، شامل ومنتشر في كل مكان بحيث أنه يعكس، في الواقع، تحولاً في الرأسمالية المتقدمة. إن مزايا الحجم التي تنشأ عن الإنتاج كبير الحجم، والقدرات على استعمال أنظمة الأتمتة لتكييف الإنتاج لمهام متنوعة، وإمكانات التنسيق التي أتاحها الحساب المتقدم computing وتقنيات الاتصالات؛ والآليات والاتفاقات السياسية التي تسّهل الحركات الدولية- كل ذلك قد عملَ معاً (أو دُفع لكي يعمل معاً من خلال تأثير الأعمال) لتوسيع سيطرة الأعمال.
إن انتشار قوة الأعمال يرتبط بقوة بظهور المالية العالمية. وإذ لم تعد تخضع لسيطرة أفراد وعائلات معينة، فإن الشركات الكبرى largest corporations يملكها مستثمرون لا حصر لهم ممن يمتلكون المَحافظ والأسهم والسندات ويمارسون تأثيراً قليلاً على الحصص الفردية. إن أكبر أصحاب الأسهم هم أنفسهم شركات corporations: كصناديق التقاعد، وشركات التأمين، والمصارف، والصناديق التعاونية.
يتصرف مديرو الأعمال والمديرون الماليون كنخبة متشابكة عالمياً. وهم قد يختلفون فيما بينهم ويتنافسون على الاستثمارات الفردية، ولكن تجمعهم مصلحة متبادلة في وجود إجراءات صحيحة وجو عمل سليم؛ وعلاقات مقبولة مع الحكومة وجماعات المصالح والعمل(18). ورغم أنهم يديرون عمليات ذات نطاق عالمي، فأنهم يبقون قريبين من بعضهم بجعل العمليات الأساسية تتم في مدن عالمية مختارة كنيويورك، وفرانكفورت، وطوكيو، ولندن(19).
ورغم دعمهم المزعوم للمنافسة الاقتصادية المفتوحة، فإن المديرين متعددي الجنسية يستعملون استراتيجيات محكَّمة للمحافظة على مراكزهم الاقتصادية البارزة. وهم يسيطرون على حزم من براءات الاختراع، والملكية الفكرية، والخبرة الهندسية. كما أنهم يحكمون السيطرة على الشعارات logo، والعلامات التجارية، والسمعة، والمظهر الخارجي للنوعية والجودة وذلك لتأمين المزايا الهائلة في الأسواق العالمية. وهم يمارسون بشكل عدواني التسعير، والاكتساب acquisitions، والهيمنة takeovers، حينما يتم تشخيص وجود منافسين خطرين. وإن أكثر ما يستفيدون منه هو مشاركتهم في النخبة العالمية للأعمال وشبكات علاقاتها للمصلحة المتبادلة. فبعكس الحال مع رومانسية السوق الحرة، فإن الخارجيين outsiders- ممن تنقصهم الخبرة، وينحدرون من بلدان لها علاقات ضئيلة مع تلك النخبة، وليسو قريبين من التمويل- لا يملكون سوى فرصة قليلة لاكتساب قوة الأعمال.
يعمل عصر هيمنة الأعمال، أيضاً، من خلال السيطرة على العمل بشدة أكثر. إذ أن قدرة مشرفيّ الأعمال على إعادة تغيير مواقع العمليات الإنتاجية في مختلف الأقاليم والبلدان تمكنهم من الضغط على منظمات العمل. كما تسمح التقنياتُ الجديدة للاتصالات للمديرين بفرض تقييد أكثر على تلك المنظمات عن طريق تشتيت العاملين في محطات الحاسوب في مناطق بعيدة، رغم محافظتها على الإشراف المركزي. وبفضل تقنيات المتابعة الإلكترونية، يمكنهم الآن الإشراف بدقة على معدلات العمل في مواقع المعمل المرهقة التي تضم العاملين مع المدخلات- البيانات. وتتدنى منزلة الحرفيين والعمال الماهرين نظراً إلى أن الأشكال المختلفة من الأتمتة المتكاملة حاسوبياً تحّول العاملين إلى مجرد تابعين ميكانيكيين machine tenders(20). إن الطبقة الوسطى تهبط ويظهر تقسيم طبقي جديد بين مَنْ يتعاملون مع المدخلات من البيانات الروتينية ومَنْ يشاركون في نخبة المديرين.
كما أن سيطرة الأعمال تشكّل الآن المصير الاقتصادي للدول والأقاليم، بما لها من قوة يصعب مقاومتها عبر الحدود السياسية. فالمصانع القائمة يتم إيقافها لتعود للعمل من جديد في مواقع قريبة من السواحل، حيث يكون العاملون أكثر انقياداً، وتكاليف العمل أقل، والحماية القانونية رخوة، والاستقطاعات الضريبية في حدها الأدنى. وحتى من دون إيقاف العمل في وحدة ما للإنتاج، فإن التهديد بإعادة تعيين مهام العاملين وأعبائهم بين المصانع يمكن أن يؤثر بدرجة كافية على نظام العمل.
وفي ظل المنشآت متعددة الجنسية، فإن محاولات الحكومات الوطنية لتوجيه السياسة الصناعية- نحو ميركنتيلية جديدة- محكوم عليها بالتخبط. إن ما يبدو وكأنه تجلي عصر معلومات هو، إلى حد بعيد، نتاج عرضي by-product لسعي قطاع الأعمال لفرض سيطرة وتحكم المنشآت المعقدة. وإن هدف امتدادها العالمي، كأوضح أثر لها، ليس هو تحقيق الاعتماد المتبادل العالمي، بل هيمنة الاقتصاديات المحلية عالمياً.
كما أن سيطرة الأعمال بهذا القدر من شأنها أيضاً تشكيل رغبات المستهلكين. إن سطوة الوجود المفرط للصور هي الحصيلة العملية جداً للتسويق المقصود من جانب الأعمال. فبعد أن روّعت الحكومات، فإن المنشآت متعددة الجنسية يمكن أن تستعمل الدعاية والإعلان لخلق رغبات في سلع تافهة أو ضارة كالمشروبات الخفيفة، السجائر، المشروبات الكحولية، حليب الأطفال (كبديل للبن الأم)، في بلدان ليس فيها للفقراء سوى دخل ضئيل متذبذب.
الاقتصاد السياسي العالمي الجديد أخذ شكلاً تسيطر فيه طبقة عالمية جديدة على استثمار وجهاز إنتاج متعدد الجنسيات. إن أعضاء هذه الطبقة يعيشون في مدن عالمية مختارة، ويحضرون جامعات مختارة، ويتكلمون لغات قليلة خاصة بالنخبة (ومع الإنجليزية باعتبارها اللغة المشتركة lingua franca)، ويسافرون عبر نفس المطارات، ويلبسون نفس الملابس الفاخرة لقطاع الأعمال، وينزلون في فنادق ذات معايير معينة. وهم ليسو بالضرورة مولعين بالظهور في حالة انسجام، ولكنهم في الواقع يبرزون كنخبة عالمية، وينشرون في العالم كله الثقافة الموحدة لإشراف الأعمال.

عصر التخصص المرن
إن هذه الأزمنة المضطربة لم تكن ملائمة لبيروقراطيات الأعمال التي سادت في رأسمالية القرن العشرين. إن ثباتها الاقتصادي قام على وجود فترات إنتاج طويلة لوحدات متماثلة، وتقسيم عملية الإنتاج إلى مهام بسيطة وروتينية، وأنواع جامدة من العمل، وفصل العاملين من ذوي الياخات البيض عن خط ذوي البدلات الزرق، والمواجهات بين النقابات والإدارات. وقد اعتمدت تلك الأزمنة في أدائها على صيغ إدارية ترتبط بفردريك وينسلو تايلر Frederick Winslow Taylor، المناصر الكلاسيكي لفكرة الكفاءة الروتينية في مكان العمل، وهنري فورد Henry Ford، المناصر لخط التجميع.
وندخل الآن في عصر ما بعد تايلر أو فورد، الذي لم تعد تسود فيه حكمتهما(21). فهذا زمن تفكيك قوة الأعمال المتكاملة عمودياً وصعود منشآت رأسمالية أصغر أكثر تنظيماً، أكثر تخصصاً، أكثر تكيفاً، منشآت تعتمد على قوة عمل ذات مهارات متعددة.
وقد اجتازت الرأسمالية هذه العتبة الصناعية لأن الأسواق للوحدات المنتَجة على نطاق واسع باتت متشبعة الآن. فالمستهلكون في الاقتصاديات الغنية يبدون اهتماماً أقل بالملابس البسيطة والخفيفة، والأطعمة المنتَجة على نطاق واسع، والبيوت المتماثلة، والسيارات النمطية. فمنشآت الأعمال التي تخدم هؤلاء المستهلكين لم تعد قادرة على الصمود بإنتاج منتجات متماثلة لأوقات طويلة، بل ينبغي عليها، على العكس، أن تتجاوب مع أذواق متنوعة جداً ومتبدلة بسرعة.
وفي الوقت نفسه، فإن المنافسين الأجانب، الذين يظهرون بمنتجات وعمليات جديدة، يقتحمون أسواقاً داخلية محصَّنة من خلال مواضع متخصصة في السوق. إن صعود التقنيات الجديدة، الباعثة على عدم الاستقرار، من التكنولوجيا الحيوية وصناعة الخزف المتقدمة إلى أجيال تتجدد باستمرار من معدات الحساب computing equipment، تضع ضغوطاً أكثر على المنشآت الخاصة حتى تتكيف بسرعة. وفي هذه البيئة المتقلبة، فإن الشركات الصناعية المنظمَّة بيروقراطياً تكون في حالة تنقصها الميزة.
إن الكثير والكثير من المنشآت لا تصمد الآن إلاّ لأنها تضع خطط إنتاج قصيرة الأمد، وتستثمر في معدات يمكن أن تؤدي مهاماً متنوعة، وتُدخل بسرعة منتجات جديدة. والشركات يمكن أن تسّهل مثل هذا التغيير بالاعتماد أكثر على الحاسوب لمتابعة العمليات وكذلك بزج المهندسين والمصمِّمين أكثر في الإنتاج. وبغية إنتاج منتجات ذات نوعية أرفع ضمن أنواع أكثر، ولفترات أقصر، فإن المنشآت تبتكر أشكالاً لتنظيم مواقع العمل لا تعتمد على الإشراف ذي التسلسل الهرمي.
إن المنشآت الصغيرة، التنظيمية enterpreneurial firms، هي في أفضل وضع لتحقيق هذا الانتقال. فهي صغيرة إلى حدٍ كافٍ للاستجابة للأذواق المحددة، ونبيهة إلى حدٍ كافٍ للتكيف بسرعة للتغيير الحاصل. وعندما يتواجد عدد كبير من مثل هذه المنشآت في نفس الإقليم الجغرافي، فإنها تتمكن من الاعتماد على نفسها في الحصول على المعلومات والخدمات المتخصصة، التي حاولت الشركات الصناعية الكبرى ذات يوم الحفاظ عليها تحت مظلة تنظيمية واحدة. إن نفس العوامل التي تجعل البيئة الاقتصادية غير مستقرة- تقنيات الحساب والاتصالات- تساعد على ربط هذه الشركات بعضها ببعض ومع عملائها، مما يزيد أكثر من مقدرتها على الاستجابة السريعة.
وغالباً ما تجد المنشآت بأنها تصمد على نحو أفضل حينما تتكتل في أقاليم صناعية جديدة مثل سيليسون فالي Silicon Valley وإيطاليا الثالثة Third Italy. إذ يمكنها هناك أن تهتم بمجموعة متنوعة من العلاقات المرنة فيما بينها: فهي تتمكن من الوصول إلى المعلومات الداخلية، وتستفيد من (وتساعد على تطوير) العمل المدرب جيداً في الإقليم، وتقوم بالشراء والبيع والدخول في علاقات. ورغم العولمة الواضحة للاقتصاد، فإن الإنتاج الرأسمالي يصبح الآن أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على ما بين المنشآت من علاقات بفضل القرب الجغرافي.
إن منظمات الأعمال الأكبر تثابر وتستمر، ولكن ينبغي أن تغير طرقها في أداء عملها. ففي البيئة الحالية غير الآمنة، تتخلص هذه المنظمات من الشركات الفرعية ذات القدرات التقليدية. وهي تقّوي من قبضتها على قلب التقنيات وتبني خطوطاً إنتاجية متشابكة. كما أنها تنصرف عن دوائر البحث المحكّم والمدار مركزياً، ومكاتب أنظمة- المعلومات، وعمليات مركزها الرئيسي التي كانت ذات يوم تهدف إلى التنسيق بين الوحدات الفرعية المتعددة. وبدلاً من ذلك، فهي تبحث عن المرونة من خلال العلاقات مع عدد ضخم من الحلفاء في الأعمال، والشركاء الاستراتيجيين، الممِّونين، والمتعاقدين الفرعيين.
إن المستخدَم في الإنتاج الكبير في العصر الصناعي السابق آيل إلى الزوال اليوم؛ فمهاراته الروتينية هي تلك المهارات بالذات التي يمكن أتمتها. فبخلاف التوقعات بأن الأتمتة والحوسبة ستعمل على التقليل من شأن مهارات العاملين وتحوّلهم إلى تابعين ميكانيكيين machine tenders، فإن البيئة الجديدة قد قدمت مكافأة على تنوع المهارات البشرية. فحينما يتعلق الأمر بتقديم منتجات جديدة، والتكيف لأزياء جديدة، وتغيير طرق الإنتاج، واستيعاب التكنولوجيا الجديدة، فإن الروبوت robots لم يتكيف في أي مكان كما ينبغي. وإن منشآت الأعمال لم يعد بوسعها أكثر أن تعتمد لا على العاملين غير الماهرين الذين يخضعون للإشراف بصورة جامدة ولا على الأتمتة. وبدلاً من ذلك، تقوم تلك المنشآت بتأجير عاملين أكثر تعلماً وقدرةً، كما أنها تشجع على زج العاملين أكثر في قرارات الإنتاج.
ولذلك، فإن التحول الرأسمالي الجديد يجلب معه ظهور أقاليم رأسمالية جديدة وديناميكية، واعتماد اقتصادي جديد على التنوع البشري،، وثقافة دولية جديدة للتنظيم enterpreneurship.

عصر الحركات الجديدة
في التغيرات الرأسمالية، شاهدنا لحد الآن منشآت الأعمال، والحكومات، وإدارييّها، بوصفهم الممثلين التاريخيين الرئيسيين. فهؤلاء هم الممثلون الذين ينفذون التغير الرأسمالي. ولكن مثل هذا التحول يرهق الأفراد- المواطنين، المستهلكين، أعضاء الأسر، والعمال- كقوة هائلة تحدد مصائرهم الشخصية.
وعند حلول القرن الجديد، كان مواطنو العالم الرأسمالي المتقدم قد اكتسبوا الوعي الذي به سيتمكنون من الرد على التغير الاقتصادي مطلق العنان. وهم اكتسبوا هذه المقدرة، جزئياً، من التعليم الذي أتاحه الازدهار الرأسمالي نفسه. كما أن تقنيات المعلومات، والإذاعات، والاتصالات، كانت حاضرة مرة أخرى بحيث أنها قدّمت للمواطنين معرفة متزايدة دوماً بالحقوق، والامتيازات، والمخاطر. والحصيلة هي ظهور حركات جديدة لتوجيه الشؤون الاقتصادية نحو النفع الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن هذه الحركات تظهر أيضاً لسبب آخر أكثر عمقاً. فنفس التغيرات الرأسمالية، التي ناقشناها، قد حوّلت ولاءات الفرد. ففي الحقبة الرأسمالية القديمة، كرّسَ المواطنون ولائهم (غير ولائهم لأسرهم) لطبقتهم، لوطنهم، لجيشهم، أو لمكان عملهم. وبخلاف ذلك، فإن الفرد الجديد يكتسب مجموعة من الهويات، والاهتمامات، والولاءات: لجنسه، لبيئته الطبيعية، لتفضيله الجنسي، وللشؤون العامة الملائمة. فهو (أو هي) يشارك في الحركات الاجتماعية التي تؤكد على حقوق الأقليات، أو تقلل المخاطر الإنسانية، وتقدم الضمان الاقتصادي، وتقاوم تخريب المحيط الإنساني.
وفي ستينات القرن العشرين، كانت حركات الشباب الراديكالية قد فُهمت أساساً على أنها طليعة للفعالية الاجتماعية(22). وبعد عقد من ذلك، برزتْ الحركات التي تعكس قوة المجتمعات المحلية والسيطرة المحلية. وكرد على هبوط الصناعة التحويلية، وعلى توجه قطاع الأعمال نحو تغيير مواقع العمل بحسب رغباته، قامت الحركات هنا وهناك للاحتجاج على إغلاق المصانع، والمطالبة بإشراك العاملين في صنع قرارات الأعمال، وبالديمقراطية الاجتماعية. كما حاولت الحركات المبعثرة في البلدان الرأسمالية المتقدمة أن تستعمل المنظمات المحلية، والمجموعات الاجتماعية المعبأة، والسلطة الضئيلة للحكومات المحلية لممارسة التأثير المحلي على الاقتصاديات المحلية. ولكن عند نهاية القرن، كسبت الحركات الاجتماعية أعظم تأثير لها عندما أصبحت لقضاياها صلة هامة بجهات محلية كثيرة(23).
إن الحركات الواسعة تنشط الآن عبر الأقاليم والبلدان لحماية البيئة الطبيعية، ولضمان سلامة السلع الاستهلاكية، وللضغط من أجل المحافظة على الصحة العامة، وللدفاع عن حقوق الضعفاء، ولزيادة الوعي العام بشأن التهديدات المتزايدة دوماً من عدة مصادر- كالأشياء التي تُضاف للأطعمة وتجعلها غير صحية، ومواقع النفايات الخطيرة، والنمو السكاني المفرط، والشعر الغنائي والموسيقي البذيء، والممارسات الجنسية الضارة.
إن هذه الحركات أصبحت قادرة الآن على حمل التطور الرأسمالي على الاهتمام بمثل هذه القيم. وفي الواقع، فإن الحركات بات لها مثل هذا التأثير القوي والواسع بحيث أن منطق السياسة والأسواق قد تغيرَ. والحصيلة هي رأسمالية جديدة، واقتصاد اجتماعي تتخلله مجموعة من الاهتمامات الإنسانية. وهذا الاقتصاد الجديد يختلف بقوة عن دولة الرفاهية التي سادت في الحقبة الصناعية السابقة: فهو لا يركز أساساً على إعادة التوزيع الاقتصادي أو التقسيم المحدَّد بيروقراطياً للحقوق. إذ أن الحركات الاجتماعية الجديدة تطالب بأن يكون لممثليها الحق بالتشاور والتأثير على القرارات التي تتخذها الهيئات الحكومية وقطاع الأعمال.
وسواء تعلقَ بالتلوث السام، أو بتمكين الأقليات من العمل، أو بسلامة السلع الاستهلاكية، فإن الحركات تصل إلى مصادر المعلومات، وتكسب المقدرة على مراقبة الأداء، وتُوصل آرائها ومعارفها إلى شتى المنتديات (لجان قطاع الأعمال، وسائل الإعلام، الهيئات التشريعية، الهيئات الاستشارية)، وتدخل في حوار مفتوح مع مَنْ لديهم وجهات نظر أخرى، وتنجح في أكثر الأحوال في المشاركة بالقرارات الهامة.
ورغم تنوعها، فإن الحركات الاجتماعية يجمعها خيط عام: وهو مبدأ الشفافية والمشاركة open, participatory ethic. فهي تنشد القوة للمشاركة في القرارات التي تؤثر على الشؤون الإنسانية. وبذلك، تتمكن الحركات الاجتماعية من تشكيل سجل منشأة أعمال ما في حقل سلامة العمل، وجودة السلعة، وانبعاث السموم، هذا دع عنك علاقاتها مع الأفراد من مختلف الأعراق، والتوجهات الجنسية، وجنس المرء، وحالات الإعاقة والعجز والضعف.
وإذ تخضّب مطالبها حياة الأعمال، فإن للحركات آثار عميقة على عمليات الاقتصاد. فكل منشأة أعمال، كل هيئة حكومية، وكل جامعة، تعمل الآن في بيئة أخلاقية معقدة لا نظير لها في الماضي. فهي تولي عنايتها لردود الأفعال المحتملة على أفعالها من قبل مجموعة من الدوائر والمتعاملين داخلياً وخارجياً.
إن هذا الدليل الأخلاقي لقرارات قطاع الأعمال يبّشر باقتصاد اجتماعي حقاً: رأسمالية، يحرسها حُراس لديهم اهتمامات إنسانية متنوعة ويصبحون مشاركين عضويين في حياة قطاع الأعمال. وعند مواجهته باقتصاد المعلومات الذي يهيمن عليه التفكير التحليلي، فإن الاقتصاد الاجتماعي الجديد هذا يعمل من خلال المفاوضات المفتوحة، والمناقشة، والحوار. ومع أن المستهلكين، في اقتصاد الصور، لهم حياتهم التي تحددها النزوات والخيالات fantasies وتعكسها وسائل الدعاية والإعلام، فإن المواطنين، في الاقتصاد الاجتماعي هذا، هم المشاركون المؤثرون في وضع اتجاهات منشآت أعمالهم وحكومتهم. في الرأسمالية الجديدة هذه، لم تعد الأحداث الاقتصادية تجري من خلال الممارسة الطائشة لقوة قطاع الأعمال ولا من خلال العمليات التلقائية لآليات سوق عالمية. على العكس، فهي تبزغ من خلال المراقبة الاجتماعية الملية، والمشاركة الواسعة، والحجة المعلَّلة.

عصر الأصوليين الجدد
إن الانتشار العالمي للتغير المضطرب يلوح كتهديد عميق للهوية الشخصية. ولذلك، فإن العشائر، والأعراق، والأديان، والطوائف، في كل أرجاء العالم، تعيد صقل الحضارات القديمة، وتعيد اكتشاف القيم الأصلية، وتعيد التأكيد على الحقيقة الأبدية، وتكتسب القوة للكفاح من أجل الحقيقة. إن التحولات نفسها التي تم وصفها تضيف إلى الطابع الملح لهذه المهمة. فعصر المعلومات وسياسته التكنوقراطية تعم الآن الحياة الإنسانية مع مبدأ لا أدري من التحليل agnostic. كما أن التجارة العالمية تواصل تقدمها عبر البلاد والمجتمع مع عرض مدوِّخ من المغريات الجديدة. إن بيروقراطيات قطاع الأعمال متعدد الجنسية، وأسواق المال العالمية، والتحالفات الميركنتيلية بين الحكومة وقطاع الأعمال، والمنظِّمين البارعين مع تقنيتهم المتقدمة، لديهم قوة جبارة لإفساد الحكومات، والعمل على عدم استقرار الاقتصاديات، وانتهاك قدسية القيم العزيزة، وتخريب العرف الجدير بالاحترام.
الأصولية fundamentalism التي تنبعث كرد فعل على ذلك لا ينبغي خلطها بالتقليدية traditionalism. فالمجتمع التقليدي حاربَ وخسرَ خلافه مع المجتمع الصناعي في القرن التاسع عشر(24). كما أن الممارسات التقليدية الباقية تتعايش مع العالم الصناعي وقد وجدت لها أدواراً هامشية فيه. وإن التقليديين والمتدينين الأرثودكس من جميع الأنواع قبلوا بإبعاد الدين إلى مكان منزوٍ للتأمل الشخصي- كما حدثَ مع الفن في العالم الحديث. وفي منتصف القرن العشرين، عملتْ الحكومات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية تسوية مؤقتة وخدمتْ كمَصْد بين النخبة الحديثة والجماهير التقليدية. ولكن عند انهيار هذه التسوية، تم التشكيك بسهولة انقياد المتدينين الأرثودكس. وفي الوقت نفسه، فإن الحياة الصناعية في حالة فوضى وتداهمها تحولاتُ يتعذر تجنبها.
ويتسارع ظهور الحركات الأصولية ليس بسبب انتشار العهد الصناعي الحديث والعلماني والتكنولوجي، بل بسبب تلاشيه. وفي هذه البيئة، يبحث الأصوليون في ذخائرهم التي لا تتغير من التاريخ، والآثار، والأصل، والكتاب المقدس، والأسطورة، عن أحجار كريمة من المعتقد القوي. وبعد ترتيبها وتزيّينها كما ينبغي، فإنها تصبح معتقدات غالية تحميها براءة أبدية. وعند مقارنتها بالصور المتجددة أبداً، والمربكِّة دوماً، والمُتلاعَب بها دائماً، التي من خلالها تشكّل وسائل الإعلام مفاهيمنا الذاتية، فإن الأصولية تعيد خلق ذلك الأساس الأبدي من المفاهيم الذي يمكننا أن نعتمد عليه(25).
يعتمد الأصوليون بصورة انتقائية على ذخيرتهم الثقافية ويعيدون بنائها بأشكالٍ لا يستطيع التقليديون إدراكها دائماً(26). فهم يحددون موضوعات الالتزام العاطفي (الملابس البسيطة، والفن المسالم، وحياة الجنين) التي قلّما اهتم بها أسلافهم. كما أن الأصوليين الجدد لا ينفرون من التكنولوجيا. فهم يستعملون شبكة الحاسوب العالمية، والتلفزيون، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية. وفي الجامعة، يصون الأصوليون الجدد الهندسة والعلوم الطبيعية، حتى ولو جرى قمع العلوم الإنسانية والاجتماعية.
كما أن الأصوليين ليسو معاديين للرأسمالية. فالدولة الأصولية النموذجية في هذه الحقبة، جمهورية إيران الإسلامية، تحتفظ بالمشروع الخاص، وبالملكية الخاصة، وبالتجارة الخاصة. وإن البازار bazaar، السوق، والتاجر، هي مصادر قيَّمة لصيانة المعتقد. وكما في الأصول البروتستانتية للرأسمالية، فأنه في هذا العهد الرأسمالي الجديد، أيضاً، يمكن للتجارة والادخار والاستثمار أن تكون ناقلات للتقوى- ما دام المشروعُ يخلص الولاء للوصفات الأصولية، وما دامت الحركةُ تشارك في المكافآت المالية.
وفي هذا العصر الجديد، تتقيد منشآت الأعمال بآداب المجتمع من ناحية السلوك، والملابس، وجنس المرء، والتقويم وما فيه من مناسبات. وهي تقيم العلاقات مع المؤمنين، وتشجع الفضيلة في مكان العمل، وتدفع العشر. فالحياة الاقتصادية تتحول بواسطة الإخلاص للحقائق الأبدية.
إن العالم كله يشاهد ظهور الحركات التي تؤكد الأصوليين الجدد. فتزايد الحماس للدين، في الدول الشيوعية السابقة، لا تكاد تضعفه حتى ضرورة استكمال الحاجة لرجال الدين. وبالنسبة للإنبعاثي هاريدي Haredi ، فإن أعظم عقبة سياسية ربما هي أن اليهود، والحرس الثوري، والناشطين الهندوس، والأغلبيات الأخلاقية، لا يقيمون بشكل جاهز تحالفات مع بعضهم بعضاً. ولذلك، فثمة فارق أساسي بين الأصوليين الجدد والحركات الاجتماعية الجديدة. فالحركات الاجتماعية تمارس الحوار، والمشاركة، والمفاوضات، وعملية الأخذ والعطاء السياسية. أما الأصوليون، فربما يكونوا مستعدين للدخول في ترتيبات تكتيكية، ولكنهم يظلون عالقين بالاعتقاد بتعذر التوصل إلى تسوية في نهاية المطاف. كلاهما قد يكون قلقاً بشأن الهوية الأخلاقية، ولكن الحركات الاجتماعية تُدخل قضايا الأعراق إلى المنشأة كقضية مدنية، بينما تفعل الحركات الأصولية ذلك لتأكيد السيطرة العرقية. وبينما نجد العصر الجديد للحركات الاجتماعية يعيد تشكيل الرأسمالية من خلال المشاركة الجماعية، فإن العالم الجديد للحركات الأصولية يحوّلها عبر التصميم الهادف أو العنيد.

قوى التحول
قبل نصف قرن من الآن، تكاثرت أفكار التغير الراديكالي، وانتشرت بسرعة بقدر ما وهنَ الإيمان بالتقدم، كما يبدو. وقد أبرزت نفسها ليس فقط عصور ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة والعصور الباقية، ولكن أيضاً العصر الذري، وعصر الحاسوب، وعصر الفضاء، وعصر الجينات، والعصور الجديدة الأخرى(27). وقد أُذيعت على نطاق واسع أنباء وصولها، وهي الآن لا تعتبر أنباءً هامة إلاّ بشكل عابر. ليست التغيرات المثيرة ما اعتادت أن تكون عليه. وقد تكون الرغبات الشديدة بالعصور الثورية الجديدة علامات على أزمنتنا، لولا أن المؤمن الألفي السعيد يأمل بمظهر عقلي. وربما أن مجرد كثرة العصور الجديدة تثبت أننا فقدنا الاتجاه، فتشّدنا إلى آمالنا المثيرة الأخيرة قبل أن نفقد الإيمان بالأمل الجديد.
إذاً، مرة أخرى، فإن الخلل المنطقي في مثل هذا الرفض العدمي يبدو واضحاً جداً. إن تعلنْ هذا كعصر معين عند انقضاء عصور جديدة هو تناقض ذاتي ميئوس منه لأن ذلك، طبعاً، هو إعلان عن عصر جديد. وإذا أخذنا عصراً جديداً واحداً بصورة جدية، فإن العصور الأخرى يمكن أن تطالبنا بإبداء الاهتمام بها. وفي الواقع، فإن الرأسمالية تطفح بقوى التغيير. فكل واحد من "العصور الجديدة" ينير إمكاناتنا الحالية أو الموشكة على الظهور. وإن التحدي الذي أمامنا هو فهم معنى كثرتها.
وبين أمور أخرى، يمكننا أن نعمل ذلك بأن نختار رؤيا واحدة للتغيير، وأن نعلن بأنها صحيحة، ورفض الرؤى الباقية. وفي الواقع، فإن هذا النوع من المزاج الفكري غالباً ما يميز التناول المعاصر لموضوع التغير وذلك، جزئياً، لأن المشاركين به يشعرون بأنهم يقومون بالتنبؤ ويشعرون بأنهم ملزمون باختيار المستقبل الصحيح. وهذا يسري على عصر المعلومات، وعصر العولمة، وعصر ما بعد الحداثة، وغيره؛ فلكل عصر المتحمسين له الذين يأخذون القوة الرأسمالية المفضلة كمهمة شخصية. إن المراهنة على العصر الصحيح تعني تثبّيت المستقبل في موضع ما وتُثبت للمرء أنه عَراّف (أو متنبئ). والحصيلة الفضلى تأتي من اختيار المستقبل الصحيح، وليس من تسليط الضوء على الإمكانات الحالية.
وبدلاً من اختيار المستقبل الصحيح، يمكننا أن نجرب استراتيجية أخرى: دمج التغيرات المتعددة في اتجاه تاريخي ضخم واحد. وغالباً ما تحاول الكتابات عن التغير المعاصر أن تفعل ذلك، كما هو شأن، مثلاً، أدب العلم- الاجتماعي social-science literature الذي يرد تحت عنوان: "إعادة الهيكلة الصناعية(28)." ومع ذلك، فمع انهيار عدد من الاتجاهات المعاصرة (ورفض عدد من الاتجاهات الأخرى)، فإن فكرة إعادة الهيكلة الصناعية تُجانس مفاهيمنا لما يحدث في الوقت الحاضر وتقوّض قدرتنا على إدراك الإمكانات المتعددة.
ولكي نفهم تماماً معاني الجرد الذي قدمناه للعصور الجديدة، فينبغي أن نتخلى عن هذه الطرق التقليدية لإدراك معنى التغير الراديكالي. ولذلك، أقترحُ أن نسلّم بإمكانية التحولات المتعددة، المتزامنة. وحينما نأخذ هذا الموقف الفكري، فنحن لا نراهن على وضع ما بشأن المستقبل. فمن الممكن أن كل أو معظم الرؤى لعصر ما جديد قد لا تكون سوى خرافات حداثة- متأخرة. وقد يحدث أيضاً أن عصراً جديداً واحداً أو خليطاً من عصرين أو ثلاثة عصور يسود في المستقبل. ولكننا لا نستطيع بعْد أن نقول شيئاً. فالحقبة الحالية حبلى حقاً بالمستقبل وهي- بقدر ما يمكن قوله- لم تلد بعد. ومهمتنا هي دراسة الحمل الرأسمالي هذا.
وإذا كانت كل العصور الجديدة، فرادى أو ضمن خليط ما، معقولة على نحو منسجم، فينبغي أن تكون هناك قوة ما تأخذنا في عدة اتجاهات متقاربة. فما هي القوة التي تشكل الأساس للتغيرات الرأسمالية المتقاربة؟

التكنولوجيا، الأذواق، أو الأزمات؟
النظام الأكاديمي المأخوذ به عادةً للنظر في العالم الاقتصادي، أي علم الاقتصاد الأرثودكسي، يستخلص استنتاجاته عن التغير المثير من فرضيته الأساسية: إن آليات السوق تمكّن الأفراد المهتمين من حل الحاجات والضغوط الجديدة بكفاءة. والاقتصاديون يبحثون عن تفسيرات، للتغير في الأحداث، خارجية بالنسبة للسوق external or exogenous: في التقنية المتغيرة أو الأذواق المتغيرة.
لنأخذ القاطرة الأولى: التقنية. التقنيات الجديدة مضَّمنة حقاً في قوى التغير الرأسمالي. إذ أن عصر المعلومات إضافةً إلى عصر الحركات الاجتماعية الجديدة؛ وعصر الميركنتيلية الجديدة إضافةً إلى عصر الأصولية الجديدة؛ كلها تحدث جزئياً بسبب التغير التكنولوجي. إن أحد عناقيد التقنيات: "تقنيات المعلومات" الجديدة- التي تتألف من الحساب، والاتصالات، والإذاعة- تلعب دوراً مركزياً بشكل خاص. هل يمكن لكل واحد من العصور الجديدة أن يكون النتيجة للتقنية؟
التفسير معقول ما دمنا نعالج كل عصر جديد- كل تحول- على حدة. ولكنه يصبح غير معقول في مواجهة التحولات المتعددة. إذ لا يمكن لنفس المجموعة من التقنيات أن تسّبب كلاً من التنسيق العالمي لقطاع الأعمال ومرونة الأعمال المحلية، أو كلاً من الاعتماد المتبادل العالمي والميركنتيلية الوطنية. وحينما توضع عصور جديدة متشعبة (أو متباعدة) divergent بجانب بعضها بعضاً juxtaposed، فإنها تبين استحالة الحتمية التكنولوجية. من المؤكد أن التكنولوجيا لها صلة وثيقة بظهور العصور الجديدة. ولكن القوى التي تخلق كل عصر متصَّور تقّدم الدافع والاتجاه للتغير التكنولوجي بقدر ما تتأثر هذه القوى به. وأنا أستنتج بأن أياً من العصور الجديدة المطروحة لا تنشأ ببساطة عن الابتكار التكنولوجي.
وبالنسبة للقاطرة الثانية، فإن الاقتصاديين التقليديين قد يفترضون أن العصور الجديدة المفترضة هذه تنشأ ببساطة عن الأذواق الفردية المتغيرة. وبحسب وجهة النظر الأرثودكسية هذه، فإن الرؤى الاقتصادية الموصوفة هنا قد تستحق بعض التعليق ولكن يندر أن يكون لها أثر كبير لأن ذات الواقع القائل بأن التسوية حاصلة يفترض بأن الأسواق، التي تقود سلوك المستهلكين والمنتجين بفعالية، تستجيب للأذواق المتغيرة التي تؤثر في الطلب على المعلومات والتشكيلة السلعية وحماية البيئة، أي على القيم الأساسية. ومع ذلك، فهذا القول ليس من شأنه سوى توسيع المشكلة أكثر. فكيف نفسر تغير الأذواق؟ وإذ لا تمكّنهم عُدتهم من الإجابة على هذا السؤال، فمن المحتمل أن يبحث الاقتصاديون، مرة أخرى، عن أسباب خارجية كالعوامل "الاجتماعية" أو "الثقافية" التي يُعتقد بأنها تقع خارج العالم الاقتصادي. ومع ذلك، فإن دراستنا للتحولات الرأسمالية تفترض أن العصور الجديدة لا تنشأ عن عوامل فوق اقتصادية extraeconomic events، بل من اتجاهات كامنة في الرأسمالية.
وبانصرافنا عن التكنولوجيا والأذواق كعوامل محرِّكة أساسية للتغير الرأسمالي، فنحن نزيل الشكوك الرئيسية عن البحث عن أسباب خارجية دون أي فائدة. فلكي نجد مصادر التحول، علينا أن نعود للاهتمام بالاتجاهات الكامنة في الرأسمالية المعاصرة.
إن الاقتصاديين المتأثرين بتقاليد الفكر الماركسي يتمسكون فعلاً بمواقف في الاقتصاد تحاول فهم الديناميكية التاريخية. ولذلك، فإن فهمهم للتغيرات المثيرة أفضل بكثير- حينما تُعالج هذه التغييرات كلٍ على حدة. وهكذا نجد نظرة ماركسية جديدة لما بعد الصناعة، ولما بعد الفوردية- "مدرسة التوجيه"، وانتقادات لسلعنة العلامة commodification of the sign (اقتصاد الصور)، وانتقادات لعولمة رأس المال. ولكن هذه التوصيفات الماركسية الجديدة، أيضاً، لا تصمد عند مواجهة عصور جديدة متعددة. إن الماركسيين الجدد من شأنهم أن يعترضوا على أفكار التحولات المفتوحة، والمتزامنة، وغير المحسومة. ففي الفكر الماركسي، في نهاية الأمر، فإن فكرة عصر رأسمالي جديد لابد أن تأتي كنتيجة لفعل التناقضات الرأسمالية في اتجاه ما قابل للتعريف. ولكن جردنا للعصور الجديدة يمكّننا أيضاً أن نقول بأن مصير الرأسمالية غير مندرج في التاريخ؛ وبدلاً من ذلك، نشاهد عدداً من التغيرات المتزامنة التي لم تُحسم اتجاهاتها بْعد.
الأفكار الماركسية الجديدة للتغير الرأسمالي غالباً ما تعالج "رأس المال" وكأنه قوة وهمية disembodied force تخضع لأزمات دورية وتعديلات بنيوية. ولكن رأس المال له هذه الآثار لأن الإنتاج الرأسمالي يركز القوة power في طبقة معينة. وسواء أكان هذا بالتآمر أم لا، فإن أعضاء الطبقة يستجيبون لهذه النزعات من خلال مكائد تؤذي، وتستغل، وتؤثر، بصورة مختلفة على مَن يفتقرون إلى القوة السياسية- الاقتصادية. إن النتائج المتباينة لهذا التفاوت في القوة تطلق نزعات رأسمالية جديدة. وهذه السلاسل من الأزمات والتعديلات البنيوية تنشأ، إذاً، عن الواقع الأساسي: السيطرة المتفاوتة والمصالح المتعارضة، الكامنة في الإنتاج الرأسمالي.
وعلى نحو مغاير، فإن جردنا للعصور الجديدة يفترض ليس أزمة بنيوية، بل تغيراً مضطرباً turbulent change. فعمليات الأسواق والشبيهة بالأسواق في قلب المجتمع الرأسمالي تمارس ضغوطاً على العوامل الشخصية (أفراداً، ومنظمات، ومؤسسات) التي تستجيب من خلال استراتيجيات ثقافية، وصناعية، وتكنولوجية. ومن المؤكد أن أولئك الذين يمسكون بالقوة من خلال الثروة أو الوظيفة يمتلكون تأثيراً غير متناسب على تلك الاستجابة، ولكنهم هم أنفسهم تزيحهم جانباً قوى التحول. وليس لدينا فهماً سهلاً جداً للمصالح الطبقية بحكم أن المصالح نفسها تتحول.
ولذلك، فإن دراستنا للعصور الجديدة توحي بلونٍ من التفكير ربما يتجنبه الاقتصاديون من كلا الاتجاهين التقليدي والراديكالي: الفكرة القائلة بأن نفس عمليات وتطور النظام الرأسمالي تغّير الكائنات البشرية المشاركة فيها. إن قبول ذلك المنطق يفترض أننا لا نستطيع بدرجة كافية فهم التغير الراديكالي كحصيلة للمصالح المتعارضة بنيوياً بحكم أن طبيعة المصالح تتغير. ووفقاً لنفس المنطق، فإن أفعال التبادل الفردية هي أكثر من تصرفات نفعية. إذ أن آثارها تتخطى التكاليف والعوائد costs and benefits التي يمكن للمتبادلين أن يحسبوها بشكل عقلاني. إن النظام الرأسمالي ربما يمتلك الأثر المحيِّر المتمثل في تغيير الكائنات البشرية، والثقافات، والمنظمات، التي يعمل من خلالها.

اقتصاد المستقبل
أشار الاقتصادي الناقد كارل بولاني، في ذروة الحرب العالمية الثانية، إلى أن الكساد والحرب العالمية ميزّتا نهاية رأسمالية القرن التاسع عشر، وعالماً اقتصادياً هيمّنت فيه على المجتمع الغربي سياسةُ عدم التدخل الحكومي القائمة. وفي الرأسمالية المتحولة مجدداً، التي أخذت مكانها، توصلَ المجتمعُ إلى أساليب لحماية نفسه من فوائض السوق(29). إذ حاولتْ سياسة التوجيه الحكومي، والسياسة العامة، والنقابات، حماية الجمهور والبيئة والعمال؛ وهدفتْ السياسة الاقتصادية الكلية والسياسة التجارية إلى حماية الاقتصاد نفسه؛ بينما سعت الاتحادات الاحتكارية trusts والشركات القابضة لحماية منشآت الأعمال من أهواء المنافسة المتواصلة- وهو موضوع لم يذكره بولاني.
لقد تمكنَ بولاني من ملاحظة مثل هذه التغييرات بفضل الطريقة التي فهمَ بها الرأسمالية. فقد نظرَ إليها كمجتمع تهيمن عليه قوة قاسية لآلية سوق تلقائية. فالمجتمع الرأسمالي يتغير كنتيجة لعوامل عدم الاستقرار الكامنة والتي تمارسها هذه الآلية على الأفراد، والمنظمات، والثقافة. ولذلك، فإن الرأسمالية الصناعية، الموجَّهة حكومياً، والمنظَّمة بيروقراطياً- والتي سيبقى القرنُ العشرين في الذاكرة بسببها- قامتْ كنتيجة لعدم اليقين والآثار الجانبية الهدامة لأنظمة السوق القائمة على عدم التدخل الحكومي. وقد شهدَ منتصف القرن العشرين، وتحت السيطرة الأمريكية للعالم غير الشيوعي، استقراراً غامضاً، غير واضح.
ولكن بولاني لم يعش أكثر ليدرك أن الرأسمالية الصناعية لمنتصف القرن العشرين تضمّنت القوى المحرِّكة التي من شأنها تحويلها مرة أخرى. وأقترحُ أن ننظر إلى جردنا للعصور الجديدة في ذلك الضوء. فمع أن العصور الجديدة ساعدت على ظهور مجموعة محيِّرة تماماً، فهي كلها تعكس الآثار المنطقية لقوة اقتصادية نامية ومنتشرة في قلب المجتمع الصناعي للقرن العشرين. وقد عكسَ هذا المنطق نفسه بصورة مختلفة في كل واحد من العصور الجديدة.
أولاً، إذ قاد تعقيد المجتمع الصناعي إلى زيادة الحاجة للمعلومات، فإن المنشآت والحكومات عملتا على تجهيز (وتحمل مخاطرة) التدفقات السريعة والمتزايدة باستمرار من المعلومات. ورغم كتل المعلومات، فإن المنشآت والحكومات انصرفتْ للتحليل بوصفه الشكل الحاسم لصنع القرار. وقد غدت أفعال المنشآت والحكومات جزءً من أنظمة جمع المعلومات، والتوزيع، والمعالجة، والعرض. وقد تقدمَ الأفراد والمنظمات في الحال للعمل، وحتى لفهم أنفسهم، كمعالجين للمعلومات.
ثانياً، وفي إطار المجتمع الصناعي، أدركت منشآت الأعمال أنها تكسب جل الأشياء من تشكيل رغبات المستهلكين. إن التشكيل الهادف والبارع للمعاني significations أصبح شاملاً بحيث بات حتى المصمّمين يؤمنون بها. إن الإعلان، والعلاقات العامة، وخطوط الإنتاج في هوليود، وشخصيات وسائل الدعاية والإعلان، قد كسبوا القوة power لتعريف العالم إلى درجة قوية جداً بحيث أننا الآن نفهم حياتنا الخاصة نفسها من خلال حقائق الصور التجارية التي تقدمها وسائل الدعاية والإعلان.
ثالثاً، في أعقاب رأسمالية صناعية وسعّت التجارة الدولية، كنا عرضة لكثرة من الصلات والاحتكاك بجهات متعددة الجنسية وعالمية. كما تخلت المنظمات والأفراد عن رؤاهم ضيقة الأفق، حيث توفرَ لهم التنوع وباتوا يشاركون بثقافات متعددة في اقتصاد عالمي.
رابعاً، إن التدويل المتزايد للتجارة، الذي ميّزَ العالم الصناعي، وضعنا أيضاً أمام ميركنتيلية جديدة. فقد فقدت التنظيماتُ المعاني التقليدية لمبدأ فصل السلطات الحكومية government checks-and-balances والمنافسة الخاصة. إذ تحولتْ بشكل متزايد إلى ترتيبات شراكة جديدة هجينة بهدف إعادة التأكيد على الثروة الوطنية من خلال التقنية المتقدمة.
خامساً، كنتيجة للتعقيد المتزايد للمراتب الهرمية الإدارية، التي وُضعت أول مرة في المجتمع الصناعي القديم، أخذنا، أكثر من أي وقت مضى، نقع في فخ عمليات المنشآت العملاقة لقطاع الأعمال. فقد اكتسبت البيروقراطيات العالمية قدرة على الحركة تتجاوز حدود البلاد، وباتت تهيمن على الحكومات الوطنية والمحلية، وحوّلت العاملين إلى ميكانيكيين تابعين machine tenders وموظفين لتدوين البيانات.
سادساً، لقد عجّلَ المجتمع الصناعي القديم بحالة عدم اليقين uncertainty إلى حد انهيار المنظمات الصناعية الفوردية لتلك الحقبة نفسها. وقد شكّل المنظِّمون الأذكياء جيلاً جديداً من منشآت لها تخصصات مرنة، والتي قامت باستئجار العاملين المتعلمين ومتعددي المهارات ممن يمكنهم الاستجابة بسرعة للتغيرات الاقتصادية.
سابعاً، لقد ساعدنا نفس المجتمع الصناعي للقرن العشرين على توسيع شخصياتنا بحيث تتجاوز أبعاداً معنية كالطبقة، والجنسية، ومكان العمل، وبالتالي تكوين ولاءات جديدة. وقد أدت هذه الأبعاد إلى ظهور مجموعة من الحركات من شأنها اختراق منشآت الأعمال والحكومات ببرامج اجتماعية.
ثامناً، فرضت التغيرات في المجتمع الصناعي تهديدات أكبر على العشائر، والأعراق، والأديان، بحيث أدت إلى عصرٍ أعدنا فيه اكتشاف تمسكنا بمعتقدات أصولية.
ولذلك، فإن العصور الرأسمالية الجديدة تظهر ليس فقط من خلال التقنيات الجديدة، وليس فقط كاتجاهات إضافية incremental، وليس فقط كتغيرات بنيوية تحدث بعيداً عن إدراك الممثلين البشريين. على العكس، فهي حقاً الآثار للتحولات. فالتحول الرأسمالي قد يتضمن صفات تكنولوجية، وإضافية، وبنيوية، ولكنه أيضاً يمتلك الصفة الأخرى، المحدِّدة، وهي أن التحول الرأسمالي يغيّر الممثلين (أفراداً، ومنظمات، ومؤسسات) الذين يشاركون فيه(30).
وكنتيجة للقوى التي يتعذر السيطرة عليها والتي انطلقت حينما أصبح السوق القوة المركزية في المجتمع، فإن رأسمالية القرن التاسع عشر، القائمة على سياسة عدم التدخل الحكومي، تحولت إلى المجتمع الصناعي للقرن العشرين. إن الرأسمالية الحديثة نفسها، الموجَّهة حكومياً، والتي تحمل طابع احتكار القلة، وفيها دولة الرفاهية البيروقراطية، تضمنت القوى التي تحوّل الرأسمالية الآن مرة أخرى. ومن خلال الآثار المتزامنة والمتفاعلة لهذه التحولات تتشكل الآن رأسمالية القرن الحادي والعشرين. هذه حضارة اقتصادية ناشئة، ومضطربة (أو مشاغبة)، تندفع بقوة مع إمكانات ملهمِّة ومخيفة.
وعند عتبة القرن الحادي والعشرين، ما نزال نحن في وسط مجموعة تحولات، ولا نعرف بعد أي منها، أو أي خليط منها، سيسود في المستقبل. إن أفكار التحول تتباعد عن بعضها بعضاً لأنها تعكس إمكانات زماننا الباعثة على التباعد possibilities divergent. ولا ينبغي علينا أن نحاول إخفاء هذه الإمكانات الباعثة على التباعد وذلك بأن نرسم صورة متجانسة للتغير. بل علينا، على العكس، أن نحاول فهم وكشف الاتجاهات المتعددة التي تعيد الآن تشكيل العالم.
ولذلك، فإن أنماط تفكيرنا بالاقتصاد ما تزال تحت تأثير مجتمعات القرن التاسع عشر والقرن العشرين التي تكونت فيها مفاهيم الرأسمالية. وينبغي علينا أن نطوّر ترتيباً اقتصادياً جديداً، وتفسيرياً، يمكّن من تأمل التغيرات التي تحصل في العالم. فالعلم الاقتصادي للمستقبل هذا economics of the future هو الذي سيسمح لنا بفهم أفضل للحصيلة من التحولات المتعددة وبإعداد أنفسنا على نحو أفضل للتفاعل معها.

هوامش
لقد تمت كتابة هذا الفصل فقط لأن الكاتب يمتلك زملاء مثل أرثر هوي شين Arther Hui-Chen، سام كول Sam Cole،
برونو بي. فريشي Bruno B. Freschi، إبراهيم جمال Ibrahim Jamal ، وماجدة كوردل ماك هال Magda Cordell Mchale، الذين حملوه على تقييم المحنة الفكرية التي يفرضها التغير المعاصر. وهو يقدم شكره لهم، إضافة إلى جون فريدمان John Friedman وسوزان كرستوفر Susan Christopher لملاحظاتهم المفيدة.
(1) See Stephen S. Cohen and John Zysman, Manufacturing Matter: The Myth of the Post-Industrial
Economy (New York: Basic Books, 1987); and Langdon Winner, The Whale and the Reactor: The Search for Limits in an Age of High Technology (Chicago: University of Chicago Press, 1986), especially the essay “ Mythinformation,” 98-120.
(2)See A. Amin and K. Robins, The Emergence of Regional Economies? The Mythical Geography of . Flexible Accumulation, Environment and Planning: Society and Space 8 (1990): 7-34; and Richard A. Walker, Regulation, Flexible Specialization and the Forces of Production in Capitalist Development, Revised paper presented at the Cardiff Symposium on Regulation, Innovation and Spatial Development, University of Wales, September 13-15, 1989
(3) إن بعض الرؤى للعصور الرأسمالية ترتبط بقوة بكاتب أو كاتبين، مع إن الخلافات بين أصحاب الرؤى كثيرة للغاية، وإن كل واحد منهم لديه أتباع بحيث إن كل رؤية تحولت إلى مدرسة. وعند تقديمها في حيز ضيق كهذا، فأنا أعمد إلى قولبة وتبسيط هذه المدارس بحيث تضيع خصوصية الكُتاب وما بينهم من فروق دقيقة. وأنا أفعل هذا لكي أشحذ الفروق والتوترات وأعزز فكرة إن الرؤى تفترض اتجاهات رأسمالية متقاربة.
(4) تتضمن الأعمال الكلاسيكية حول اقتصاد ما بعد الصناعة: Daniel Bell, The Coming of Post-industrial Society: A Venture in Social Forecasting (New York: Basic Books, 1976) and John McHale, The Changing Information Environment (London: Paul Elek, 1976) . لاحظْ قبول بيل Bell لمفهوم اقتصاد المعلومات في العمل:”Communications Technology- For Better or Worse,” Harvard Business Review 57, no. 3 (1979): 20-42. . ويتضمن الأدب الحديث حول اقتصاد المعلومات، مع مراجع غنية لبقية هذا العلم الغزير: Tom Forester, ed. Computers in the Human Context: Information Technology, Productivity, and People (Oxford, Basil Blackwell, 1989), and Kevin Robins, ed. , Understanding Information: Business, Technology and Geography (London: Belhaven, 1992). . وللإطلاع على ثبت مراجع شامل لفترة منتصف ثمانينات القرن العشرين، أنظر: Miriam Whitaker and Ian Miles, Bibliography of Information Technology: An Annotated Critical Bibliography of the English Language Sources Since 1980 (Aldershor, U. K. : Edward Elgar, 1989).
(5) ثمة محاولة هامة لقياس نمو اقتصاد المعلومات في الولايات المتحدة توجد في عمل: Marc Uri Porat, The Information Economy: Definition and Measurement (Washington, D. C.: Office of Telecommunication, U.S. Department of Commerce, 1977).
(6) هذا صحيح في الكثير من فصول العمل الذي نشره فورستر: Forester, ed., Computers in Human Contexts..
(7) تفترض حجة دانيل بيل Daniel Bell المطروحة في العمل: The Coming of the Post-Industrial Society امتداداً تاريخياً واسعاً يتجاوز مجرد التعليل التكنولوجي. وقد حاول إيان مايلز Ian Miles وزملاءه ، على وجه التحديد، فصل مفاهيم اقتصاد المعلومات عن الحتمية التكنولوجية. أنظر: Ian Miles, Howard Rush, John Bessant, et al., IT Horizons (Aldershor, U. K., : Edward Elgar, 1988), and Ian Miles and Kevin Roberts,” Making Sense of Information,” in Kevin Robins, ed., Understanding Information. . ولذلك، كان لانجدون ونِر Langdon Winner ( في العمل: “Mythinformation” in: The Whale and the Reactor) يبالغ في فكرته ويضعها في مفاهيم مترابطة كلياً لمجتمع المعلومات مع الحماس للتكنولوجيات الجديدة.
(8) ومع الأسف، فإن أدب اقتصاد المعلومات لا يسهب حول هذه النقطة. الكاتب الوحيد الذي يعزو ظهور اقتصاد المعلومات إلى "تعقيد" الحياة الصناعية هو ميلفن كرانزبيرغ Melvin Kranzberg في عمله: “The Information Age," in Forester ed., Computers in Human Context, 19-32, especially 21-24.
(9) الكثير من عمل بيل: Coming of the Post Industrial society يشدد على ظهور الحساب العقلاني كقوة مهيمنة في المجتمع الجديد. إن وصفاً مماثلاً للرأسمالية المعاصرة، من زاوية إن صنع القرار يتم على أساس تكنوقراطي، نجده في المقالات المبكرة ليورجن هابرماس Jurgen Habermas، وبخاصة عمله: “The Scientization of Politics and Public Opinion," in Toward A Rational Society (Boston: Beacon Press, 1970, trans. J. J. Shapiro).. وللإطلاع على مناقشة للمفهوم التكنوقراطي مقابل المفاهيم الأخرى للاقتصاد السياسي الحالي، أنظر: Ernst Sternberg, “Incremental Versus Methodological Policy making in the Liberal State," Administration and Society 21, no. 1 (May 1989): 54-77.
(10) فمثلاً، يشدد فرْيد بلوك Fred Block على إن الاختيار بين العناوين: " ما بعد الصناعي" و "ما بعد الحديث" هو أمر اعتباطي. أنظر عمله: Postindustrial Possibilities (Berkeley: University of California Press, 1990), 4, n. 7.
(11) أنني أقتبس على نطاق واسع وبحرّية من عدة مراجع، ولكني متأثر بشكل خاص بعمل جين باودريلارد Jean Baudrillard، وبخاصة عمله: The Mirror of Production (St. Louis: Telos Press, 1975, trans. Mark Poster) and Simulations (New York: Semiotext(e) 1983, trans. Paul Foss, Paul Patton, and Philip Beitchman). . كما تأثرتُ كذلك بعمل أرثر كروكر وديفيد كوك Arther Kroker and David Cook, The Postmodern Scene (Montreal: New World Perspectives, 1986). . وللإطلاع على معالجة ماركسية جديدة لهذه الظواهر، أنظر: W. F. Haug, Critique of Commodity Esthetics (Cambridge: Polity Press, 1986). . وهناك أيضاً أدب تقليدي أكثر يراقب الدور المتزايد للصور والإعلان في الرأسمالية الأمريكية. أنظر، مثلاً: Stuart Ewen, All-Consuming Images: The politics of Style in Contemporary Culture (New York: Basin Books, 1988).
(12) التأملات عن الاعتماد المتبادل العالمي تخطت نطاق الأدب المتخصص، وهي تغمر الآن المناقشات السياسية والاقتصادية. وقد ظهرت الأفكار الأولى حول العلاقات متعددة الجنسية لدى: Robert O. Keohane and Joseph S. Nye, Jr., eds., . Transnational Relations and World Politics (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1971). . والعمل الموجز الأخير، مع مراجع مستفيضة لأعمال أخرى، هو: John Accordino, The United State in The Global Economy: Challenges and Policy Choices (Chicago: American Library Association, 1992).. ثمة تقييم دقيق بشأن التوجهات السياسية politics للاعتماد المتبادل العالمي ما بين الدول مقابل التوجهات السياسية التي تصحبها إمكانات الخلاف العسكري يظهر في عمل: Robert O. Keohane and Joseph S. Nye, Jr., “Power and Interdependence Revisited,” International Organization 41, no. 4 (August 1987):725-753. . ويمكن إيجاد مجموعة من المقالات تعكس الحماس الساذج في الكثير من المناقشات المعاصرة لدى: William E. Brock and Robert A. Hormats, eds., The Global Economy: America s Role in the Decade Ahead(New York: W. W. Norton, 1990).
(13) عموماً، إن مثل هذه النقاط يطرحها أولئك الذين يلاحظون الكثير من المنافسة التكنولوجية الشديدة بين الدول والمزيد من التدخل الحكومي في اقتصاديات الدول الرأسمالية. ولذلك، تظهر مثل هذه المحاجات في الأدب الذي يدور حول "السياسة الصناعية". للإطلاع على دليل لأدب السياسة الصناعية، أنظر: Ernst Sternberg, Photonic Technology and Industrial Policy: U. S. Responses to Technological Change (Albany, New York: State University of New York Press, 1992), chap. 4 . وحول الحجج المتعقلة باستمرار وزيادة أهمية التجارة الصناعية، أنظر: Cohen and Zysman, Manufacturing Matters. . وثمة نقاط مماثلة حول بقاء الأهمية السياسية للتجارة يطرحها : Richard Rosencrance in The Rise of Trading State (New York: Basic Books, 1986). .وللإطلاع على حجة مختلفة إلى حد ما بشأن موضوعة ما بعد الصناعة، أنظر: Jonathan Gershuny, After Industrial Policy? (Atlantic Highlands, New Jersey: Humanities Press, 1978), التي تؤكد على أننا ندخل عهداً تحل فيه محل الخدمات أشياء أخرى تقدم خدمات لنا (مثل ماكنات الغسيل التي تحل محل خدمات المكوى).
(14) See Block, Postindustrial Possibilities, p. 19.
(15) See Cohen and Zysman, Manufacturing Matters.
(16) العلماء السياسيون كانوا سيشيرون إلى تلك الحجة ك "واقعية".
(17) See Sternberg, Photonic Technology and Industrial Policy, chaps. 5-8.
(18) للمحافظة على الاستمرارية مع مفاهيم التغير السابقة، فأنا أتجنب بشكل متعمد مدخلاً شائعاً لتناول رأس المال المتحرك عالمياً يعالج "رأس المال" كقوة وهمية disembodied force تخضع لأزمات دورية وتعديلات بنيوية. إن العديد من الملاحظات حول قطاع الأعمال العالمي والقوة المالية يمكن طرحها من خلال تحليل مؤسسي أكثر، وهو ما أقترحه هنا.
(19) الأدب المتعلق بالنخبة المتشابكة عالمياً يستعرضه جون فريدمان: John Friedmann, "Where we Stand: A Decade of World City Research," Paper presented at the Conference of World Cities in a World-System, Sterling, Va, April 1-3, 1993. See, for example, articles in Richard B. Knight and Gary Gappert, ed., Cities in a Global Society (Newbury Park, Calif: Sage Publications, 1989).
(20) العمل المعروف جيداً لتمثيل هيمنة قطاع الأعمال هو: H. Braveman s Labour and Monopoly Capital (New York: Monthly Review Press, 1974). . يوسّع هارلي شايكن Harley Shaiken هذه المحاجة في العمل: Work Transformed: Automation and Labor in the Computor Age (New York: Holt, Rinehart and Winston, 1985).. وكمثال على السيطرة التكنولوجية المتزايدة لقوة العمل، أنظر: Congress of the United States, Office of Technology Assessment, The Electronic Supervisor: New Technology, New Tensions (Washington, D. C.: U.S. Government Printing Office, September 1987).
(21) ثمة عمل مؤثر عن انقسام الأسواق الواسعة: Michael Piore and Charles Sabel, The Second Industrial Devide (New York: Basic, 1984).. وحول المضاعفات بالنسبة لتطور الموارد البشرية، أنظر: Lauren Benton et al. , Employee Training and U.S. Competitiveness: Lessons for the 1990s (Boulder, Colo: Westview Press, 1991).. والكتاب الذي ينظر إلى الآثار العملية للسياسة الاقتصادية هو: Paul Hirst and Jonathan Zeitlin, eds., Reversing Industrial Decline? Industrial Structure and Policy in Britain And Her Competitors (Oxford: Berg Publishers, 1989).. ويتجلى العرض النقدي لهذا الأدب في : Amin and Goddard, The Re-emergence of Regional Economies? .
(22) تظهر هذه الموضوعات في العمل المبكر ليورغن هابرماس Jorgen Habermas s : Toward a Rational Society, Chaps. 2 and 3.
(23) للإطلاع على عرض موسع للأدب الأخير عن الحركات الاجتماعية، أنظر: Arturo Escobar, Culture, Practice and Politics: Anthropology and the Study of Social Movements, Critique of Anthropology 12, no. 4 (1992): 395-432.
(24) الخلاف بين المجتمع المحلي community والمجتمع الصناعي، أنظر: Ferdinand Tonnies, Community and Society (East Lansing : Michigan State University Press, 1957) ، وبخاصة الأقسام التمهيدية للمترجم التي تقارن مفاهيم تونز مع مفاهيم المفكرين الاجتماعيين الآخرين.
(25) للإطلاع على مقارنة مماثلة، أنظر Benjamin R. Barber, Jihad vs. McWorld, The Atlantic 269 (March 1992): 53-55 ff.
(26) سلسلة المجلدات التي تقيم هذا التمييز بين التقليدية والأصولية تبدأ مع عمل: Martin E. Marty and R. Scott Appleby, Fundamentalisms Observed (Chicago: University of Chicago Press, 191). . وهذه السلسلة هي أفضل مصدر، إلى حد بعيد، للدراسة المقارنة بين الحركات الأصولية comparative fundamentalisms.
(27) للإطلاع على قائمة ممتعة للعصور الثورية الجديدة، المذكورة، منذ الحرب العالمية الثانية، أنظر: James R. Beniger, The Control Revolution: Technological and Economic Origins of the Information Society (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1986).
(28) الأمثلة على العمل حول موضوعة إعادة الهيكلة الصناعية تتضمن: Ash Amin and John Goddard, eds., Technological Change, Industrial Restructuring , and Regional Development (London: Allen and Unwin, 1986), and Susan S. Fainstein et. al., Restructuring the City: The Political Economy of Urban Redevelopment (New York: Longman, 1983).
(29) Karl Polanyi, The Great Transformation (Boston: Beacon Press, 1957, originally Published 1944).
(30) وذلك، أيضاً، ما أراه أدق رسالة في عمل بولاني: The Great Transformation. أنظر: Ernst Sterbberg, Justifying Public Intervention without Market Externalities: Karl Polanyi s Theory of Planning in Capitalism, Public Administration Review 53, no. 2 (March/April 1993): 100-109.

اقتصاد القرن الحادي والعشرين: الآفاق الاقتصادية- الاجتماعية لعالم متغير، تحرير
وليام اي. هلال (و) كينيث ب، تايلور، ترجمة: د. حسن عبدالله بدر (و) د. عبدالوهاب حميد رشيد،
المنظمة العربية للترجمة- بيروت- ISBN: ISBN 978-91-633-2084-2





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,818,587
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين- المقدمة
- اقتصاد القرن الحادي والعشرين
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. الخاتمة والمل ...
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. ق2- ف5/ ف6
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد.. ق2: ف3- ف4
- الظروف الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق2- ف1-ف2
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق1.. ف7- ف8
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد- ق1.. ف5، ف6
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد: ق2/ ف3- ف4
- الشرطة المصرية تقتل 34، وتُعذب 88 في المئوية الأولى لحكم مرس ...
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد:ق1/ ف1-ف2
- العراق يُسجل ارتفاعاً كبيراً في التشوهات الخلقية للولادات
- الأحوال الاجتماعية للجالية العربية في السويد ق1/ف1
- القرار الغامض لتدمير الأنفاق
- حضارة وادي الرافدين- الفصل العاشر- المؤسسة الدينية
- حضارة وادي الرافدين،ميزوبوتاميا9،- العقيدة الدينية.. الحياة ...
- حضارة وادي الرافدين- ميزوبوتاميا، 8- العقيدة الدينية.. الحيا ...
- ميزوبوتاميا 7،- العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكا ...
- ميزوبوتاميا،- العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكار ...
- ميزوبوتاميا4: -العقيدة الدينية.. الحياة الاجتماعية.. الأفكار ...


المزيد.....




- أمريكا تدعم حق اللبنانيين في التظاهر السلمي ومطالبتهم بإصلاح ...
- تمور الأهواز.. ارتفاع بالأسعار بسبب انخفاض الإنتاج وزيادة ال ...
- وزير الخزانة الأمريكي يترأس وفد بلاده إلى -دافوس في الصحراء- ...
- روسيا - إفريقيا.. تعاون اقتصادي وسياسي
- الأكبر من نوعه بالمنطقة.. تدشين منتجع صحي للطب البديل شمالي ...
- المالية السورية تؤكد: لا ضرائب جديدة
- السعودية تجمع 2.5 مليار دولار من إصدار صكوك
- هل استعادت ليبيا أموالها المجمدة في البنوك الأجنبية؟
- «موديز» تحذر من تدهور عملة لبنان وأوضاعه المالية نتيجة المقت ...
- السودان يعتزم تقديم حوافز للمغتربين بهدف الإسهام في نهضة الا ...


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي للفساد في إيران / مجدى عبد الهادى
- التجارة الالكترونية كأداة للتنافس في الأسواق العالمية- دراسة ... / بن داودية وهيبة
- التجارة الإلكترونية واقع وتحديات وطموح / يوسف شباط
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- مولفات أ.د. محمد سلمان حسن / أ د محمد سلمان حسن
- د.مظهر محمد صالح*: محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية.. ... / مظهر محمد صالح
- التطور الاقتصادي في العراق، الجزء الأول / أ د محمد سلمان حسن
- التطور الاقتصادي في العراق، الجزء الثاني / أ د محمد سلمان حسن
- دراسات في الإقتصاد العراقي / أ د محمد سلمان حسن
- نحو تأميم النفط العراقي / أ د محمد سلمان حسن


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عبدالوهاب حميد رشيد - اقتصاد القرن الحادي والعشرين/ ق1-ف1