أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حوا بطواش - الحب والعاصفة 21















المزيد.....

الحب والعاصفة 21


حوا بطواش

الحوار المتمدن-العدد: 3857 - 2012 / 9 / 21 - 16:03
المحور: الادب والفن
    


بعد ان أنهيت مكالمتي غير المتوقّعة مع سامر رقدت في فراشي للنوم وبقيت مستيقظة طوال الليل، أفكّر وأخطّط الى أن غلبني النوم عند اقتراب الفجر، فنمت آخر ساعاتي على فراشي... في غرفتي... في ذلك البيت الذي لن يعود بيتي منذ غد الى أبد.

* * *

11
الهروب الى المجهول

جلست أمام المرآة.
رفعت عينيّ الى صورتي المنعكسة منها. ولكنني لم أرَ شيئا. أحسست كأن ضبابا من الأسئلة يجثم بنفسي كالفضاء المربدّ الذي يغشاه السحاب. مددت يدي وأمسكت بالمشط وأخذت أسرّح شعري ببطء... وأنسرح في التفكير. ترى، ماذا ينتظرني في الخارج؟ لقد أمضيت أكثر من أسبوعين بين جدران هذه الغرفة... والآن، سأخرج منها أخيرا... ولن أعود إليها ثانيةً. ماذا سيكون مصيري؟ هل أنا مصيبة بقراري؟ هل أنقذ نفسي من التعاسة؟ وهل سأجد السعادة التي أبحث عنها؟
حوّلت نظري الى سريري الذي رتّبته من قبل، كما رتّبت ملابسي، كتبي، مجلاتي، أسطواناتي وكل شيء كان يخصّني في هذه الغرفة ولن أراه ثانيةً في حياتي. رتّبتها وأنا أودّعها.
مرّت دقائق وأنا جالسة في تأمّل وشرود. نظرت الى الساعة في معصمي. لقد اقتربت من الرابعة. ثم رأيت فادية وهي تدخل الغرفة. وجّهت إليّ نظرة وابتسمت مملوءة بالدفء والرضا.
"متى سيأتي؟" سألت وهي تجلس على سريرها.
"بعد قليل." أجبت.
ثم وسّعت من ابتسامتها وهي تأمّلتني بدقة: "أنا سعيدة من أجلك، يا عزيزتي." قالت بحرارة لم أعتَد عليها. وتابعت: "وأخيرا ستتزوجين ويصبح لك بيتك الخاص وتكوّنين أسرة."
تأمّلتها بشيء من الخيبة، وقلت: "يبدو أنك لم تعودي تطيقين وجودي في هذا البيت. أنت وأخاك."
فوجئت بكلامي وأسرعت لنفيه بلهجة ناعمة: "ما هذا الكلام؟! نحن نحبك ونعزّك كثيرا. فأنت أختنا وحبيبتنا وكل ما نريده ونسعى اليه هو سعادتك فقط. تأكّدي من ذلك، يا هنادي."
أطلقت تنهيدة وأنا أدير وجهي نحو المرآة. أخذت أحمر الشفاه وكسوت به شفتيّ.
رأيتها خلال المرآة وهي تقوم وتقترب مني. وضعت يدها على كتفي وقالت: "وتأكّدي أن رامز سيجعلك أسعد إنسانة على وجه الأرض. لقد اشترى ذلك البيت الكبير لك أنت. سترين كم هو جميل وتتأكّدي بنفسك كم يحبك ويريد سعادتك."
لم أقل شيئا. رفعت نظري اليها في تأمّل طويل وأحسست في داخلي بعطف غريب... ودفء لم أحس بمثله نحوها من قبل. وكأنني كنت أودّعها، كما أشيائي الأخرى في هذه الغرفة، أودّعها بروح طيبة تخلو من الحقد والغضب.
"ألا تصدّقينني؟" قالت بنبرتها الناعمة الهادئة.
وفجأة، أحسست بقلبي يغوص في صدري وكنت على وشك البكاء. أرخيت رأسي وقاومت دموعي، فانحنت اليّ فادية وطوّقتني بذراعها وقالت برقة وحنان: "لا تخافي من شيء أبدا، يا عزيزتي، واطمئني. كل شيء سيكون على ما يرام. ثقي بي."
وجدت نفسي أرتمي في حضنها والدموع قد تفجّرت من عينيّ في بكاء مرّ. عانقتها بقوة واحتضنتني بحرارة واستطردت: "لا تكوني عاطفية هكذا، يا هنادي. ستكونين معنا دائما حيثما كنت، لأنك في قلوبنا وأعيننا. رامز يحبك. ولولا ذلك لما وافق أخوك على زواجك منه. لا تخافي من شيء ولا تقلقي على الإطلاق."
رنّ جرس الباب. فقالت وهي تمسح دموعي عن وجهي: "ها هو رامز قد وصل. هيا يا عزيزتي. إمسحي دموعك ولا تدعيها تسيل ثانيةً واحدة بعد الآن."
ثم خرجَت من الغرفة لتفتح له الباب دون أن تعلم أن هذه كانت لحظاتنا الأخيرة معا في غرفتنا وهذه آخر مرة نلتقي فيها في بيتنا.
ألقيت نظرة على نفسي. كانت عيناي محمرّتان قليلا وآثار الدموع واضحة على وجهي. ذهبت لغسل وجهي بسرعة فسمعت فادية وهي تدعو رامز الى غرفة الضيوف. عدت الى الغرفة وأسرعت لضبط وجهي أمام المرآة. ثم ألقيت نظرة أخيرة مطوّلة الى كل جزء من أجزاء الغرفة التي قضيت فيها سنواتي العشرين. أخذت محفظتي من على المنضدة وانزلقت الى الخارج.

* * *

جلست الى جانبه في سيارته.
كان الصمت سيّد المكان. انشغلت في التأمّل خلال النافذة وأحسست بالقلق الذي يتعمّق في صدري. شردت بذهني الى بعيد... الى حيث يأخذني مصيري... الى حيث لا أدري ما يحلّ بي... الى المجهول المرعب الذي يجرفني اليه قدري هربا من العاصفة.
بقيت شاردة في تأمّلي الى أن اقتحم عليّ صوتُه عالم صمتي: "لماذا أنت صامتة؟ قولي شيئا."
رميته بنظرة سريعة وقلت وأنا أحاول الحفاظ على نبرة طبيعية : "ماذا تريدني أن أقول؟"
"أي شيء." رد. ثم بعث لي بابتسامة ماكرة وأضاف: " أحبّ سماع صوتك."
لم أرد بشيء، فقال سائلا بعد وهلة: "هل أنت متلهّفة لرؤية بيتنا؟"
رنّت كلمته الأخيرة في مسمعي كصفير مزعج لا ينتهي. ولكنني تمالكت نفسي وأجبت بابتسامة باهتة: "متلهّفة جدا."
فابتسم لي من طرف شفته، وقال وهو يرميني بنظرة استعلاء واضحة: "أعرف أنه سيعجبك." ثم انغمس في وصفه لي كبره وفخامته وجمال منظره، مازجا حديثه بالتفاخر والإعتزاز بنفسه، ومؤكّدا بنبرته أنني لن أجد زوجا أفضل منه في حياتي.
وبعد دقائق، انتصب البيت أمامنا بفخامته وجماله. وأركن السيارة بجانب البيت.
"تعالي من هنا." قال لي وقادني الى المدخل الرئيسي الذي تؤدي اليه درجات مرصوفة بالحجارة.
فتح رامز الباب ودعاني الى الداخل. وفي الدقائق التالية، أطلعني على كل غرفة وكل زاوية من زوايا وغرف البيت وعلى منظر البحر البديع الذي يطلّ عبر شرفة البيت الفسيحة. وقال لي: "منذ غد سنبدأ بتأثيث البيت وتجهيزه بكل مستلزماته حسب ذوقك أنت. سأتوّجك أميرة على هذا البيت وأعيّشك حياة لم تحلمي بها حتى في أجمل أحلامك."
تأمّلت حولي باهتمام وانسرحت أفكّر. هل حقا تريدين التنازل عن كل هذا والهرب الى المجهول؟! إنه بيت لم تحلم به امرأة في العالم، بيت يوفّر لك الهدوء والأمان والإستقرار، ويؤمّن لك حياة راغدة وهادئة في ظل العائلة التي احتضنتك خلال سنواتك حياتك. أحقا ستهربين وتتركي وراءك كل هذا؟ تهربين الى حيث لا أمان ولا استقرار ولا شيء يضمن سعادتك؟
ولكن سامر...
سامر! ذلك الرجل الذي استوطن قلبي، وسكن زوايا روحي، ضخّ دبيب النبض في عروقي، أسكر أحاسيسي كلها بسعادة لم أذُقها من قبل، حتى بات ظلا يلاحقني وروحا تحوم حولي في كل آن، ومكانا أحتمي فيه من عواصف الزمان، أبحث عن الأمان والإستقرار والسعادة التي أفتقدها بين أحضانه. سامر هو الحلم الذي أسعى الى تحقيقه وأنا مدركة بأنني لو فعلت ذلك... فقدت كل شيء دونه.
إقترب مني رامز كثيرا. "ما رأيك؟" قال بصوت تكسوه رقة عجيبة.
عدت الى الوراء خطوة، وأجبته مبتسمة: "إنه رائع. تماما كما تصوّرت. أحسّ أنني محظوظة جدا!"
فانفرجت شفتاه أكثر في ابتسامة تنمّ عن الفخر والإعتزاز. وبعد لحظات من التحديق في وجهي، قال: "أنا سعيد أنه أعجبك. وفي الواقع، لم يكن لدي شكّ بذلك. أريدك أن تعيشي مثل الأميرات في أجمل وأفخم البيوت وتلبسي أحلى وأفخر الملابس وتأكلي أطيب وأشهى المأكولات. لن أدع شيئا ينقصك أبدا ."
"هذا كثير!"
"لا شيء كثير عليك، يا عزيزتي."
رميته بابتسامة رقيقة. ثم قلت له وانا أغلّف صوتي بنبرة الدلال: "ما رأيك أن نذهب الى مطعم جيد ونتناول طعام العشاء معا؟"
"أودّ ذلك. ولكنني وعدت أخاك أن أعيدك الى بيتك مباشرة."
"إنه سيتفهّم الأمر. لا تكن قلقا بشأنه. فهذه أول مرة نخرج فيها معا الى أي مكان. فهل تريدنا أن نعود فورا الى البيت؟"
"هنادي، عزيزتي، أنا أريد أن أكون معك دائما في كل مكان وفي كل لحظة، ولكن..."
"بدون لكن! لن نتأخّر كثيرا. ولو أردت لن نخبر وليد بالأمر. فماذا قلت؟"
أطرق يفكّر للحظات وكان من الواضح أنه لا يريد مخالفة وليد في الأمر، ولكنه ردّ بعد ذلك: "حسنا. كما تشائين."
إبتسمت برضا وقلت: "أعرف مطعما ممتازا. لا بد أنه سيعجبك."
وهكذا، أخذته الى ذلك المكان.
عند وصولنا الى موقف السيارات أخذت أتأمّل من حولي لعلّي ألمح سيارته البيضاء. ولكنني لم أرَها.
دخلنا الى داخل المطعم واتّخذنا مكاننا أمام الشباك الزجاجي الكبير وجلسنا بانتظار أكلنا. واصلت التأمّل حولي من حين الى آخر حتى جعلت رامز ينتبه الى ذلك.
"ما بك؟" سألني مستغربا. "لماذا تتأمّلين حولك بهذه الطريقة وكأنك قلقة؟ هل هناك شيء؟"
فأجبته بنبرة طبيعية نافية: "لا، أبدا. ولكن جمال المكان يبهرني. أليس جميلا حقا؟"
فرد: "فعلا. إنه جميل. أرجو أن يكون الطعام جيدا أيضا."
ثم لمحته فجأة من بعيد وهو يخطو نحو المراحيض ويسترق النظر اليّ حتى يتأكّد أنني رأيته... واختفى.
قلت لرامز: "أستأذنك لحظةً. أودّ الذهاب الى المرحاض."
"تفضلي."
قمت من مكاني، ولم أكن قد خطوت أكثر من خطوتين حين فوجئت بصوته من ورائي: "هل ستأخذين معك محفظتك؟"
أحسست بضربات قلبي تتسارع وتتزايد في صدري، ثم أجبته في جهد لتبسيط الأمر: "أريد أن أضبط ماكياجي."
حاولت التّأنّي في خطواتي عند سيري نحو المراحيض وفي داخلي أتوق أن أركض بجنون كما لم أركض في حياتي. وحين وصلت الى الجناح الخاص بالمراحيض فوجئت بيد تمسك بي وتجذبني.
"هيا، أسرعي! أركضي ولا تلتفتي الى الوراء."
ركضنا معا دون أن نلتفت إلا أمامنا، وهبطنا عبر درجات حتى خرجنا عبر باب خلفي يؤدي الى الموقف. بسرعة كبيرة وجدت نفسي أمام سيارته البيضاء.
"إركبي بسرعة."
فعلت كما قال فركب الى جانبي، أشغل محرّك السيارة وقادنا الى البعيد المجهول الذي هربت اليه أخيرا.

يتبع...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,285,997
- قوة التأثير على الناس البسطاء
- الحب والعاصفة 20
- عائدون الى الروضة
- الحياة حسب ايفا ايلوز- سيد قشوع
- الحب والعاصفة 19
- أنا والفئران جيران
- الحب والعاصفة 18
- ذكرى
- غش وفوضى وخلوها بيناتنا
- الحب والعاصفة 17
- الحب والعاصفة 16
- الحب والعاصفة 15
- الحب والعاصفة 14
- الحب والعاصفة 13
- الحب والعاصفة 12
- الحب والعاصفة 11
- وردة تستجدي الحياة
- الحب والعاصفة 10
- الحب والعاصفة 9
- الحب والعاصفة 8


المزيد.....




- حزب الكتاب يطالب بالاسراع باخراج القانون الاطار للتربية والت ...
- للمسافرين.. ميزات جديدة لتطبيق الترجمة من غوغل
- بالفيديو.. في الذكرى الثالثة لانضمامها للتراث العالمي الأهوا ...
- الهتك.. فيلم مصري عن معاناة الشعب في ظل العسكر
- ممثل مصري مشهور ينهار بعد وفاة زوجته.. ويبكي جمهوره بحديثه ع ...
- تونس تحل ضيفة شرف على مهرجان مالمو للسينما العربية في دورته ...
- حوار مع الشاعر والقاص عبد الحكيم ربيعي مؤسس ملتقى أدب السجون ...
- مبتكر-المفتش مونتالبانو-.. وفاة الأديب الإيطالي أندريا كاميل ...
- بوادر أزمة بين البيجيدي وذراعه الدعوي بسبب القانون الاطار
- بعد سخط نانسي عجرم في مطار بيروت ... راغب علامة ينشر فيديو م ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حوا بطواش - الحب والعاصفة 21