أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى البستاني - بهاء الحب وإشكالية الغياب في مجموعة - قصائد حب على جدار آشوري - لياسين طه حافظ















المزيد.....



بهاء الحب وإشكالية الغياب في مجموعة - قصائد حب على جدار آشوري - لياسين طه حافظ


بشرى البستاني
الحوار المتمدن-العدد: 3782 - 2012 / 7 / 8 - 02:09
المحور: الادب والفن
    




بهاء الحب وإشكالية الغياب
في محموعة " قصائد حب على جدار آشوري "
لياسين طه حافظ
**
أ.د. بشرى البستاني
الحلقة الأولى


(1 )
يؤكد شعر ياسين طه حافظ منذ دواوينه الأولى ومثل كل شعر ملتزم بالحياة وجوهر فعل الإنسان فيها ، أن الحداثة ليست انقطاعا عن زمنيتها وتاريخها وواقعها ، بل هي انطلاقات وتجاوز متواصل يستمد طاقته من البؤر المتألقة في الفعل الإنساني ، وهي تحطيم للأغلال التي تقف عقبة في طريق العبور نحو الأبهى والأكثر حرصا على جمال روح الإنسان وكرامتها ، فالسيرورة الأدبية لا يمكن عزلها عن السيرورة التاريخية ، وهذه القضية لم تكن مقتصرة على ما كتب من شعر حسب ، بل هي موقف حرك كل نتاجه الثقافي الذي توزع على مجالات عدة ، لكنها تتجلى في الشعر إبداعا لتتبلور ظاهرةً واضحة المعالم مؤكدة أن كل تجربة فنية انعزلت كليا برحلة بحثها في منعطفات الذات عن معاناة الواقع التاريخي هي تجربة انقطاع ، وان ضياع الشفرة التي تصل بين المبدع والمتلقي الجاد ضياعا مطلقا إنما يعني الإبهام الذي يلقي بالإبداع الى منفى لا يستحقه ، وهذا الأمر لن يكون إلا بضبابية الرؤيا لدى المبدع نفسه أو غيابها كليا ليكون النص تجربة لغوية بحتة وحينها يغادر الإبداع كليا وتبقى اللغة تركيبا إيهاميا لا رصيد يحركه ولا خصب .


(2 )
بدأت قصيدة النثر العربية مطلع الستينات بأهداف عالية السقف ، بعيدة التطلعات واستطاعت في البدء على يد منظريها وكتابها الماهرين ان تقدم نماذج مرموقة تمكنت من الانعطاف بجنسها الجديد إلى فاعلية فنية مخلصة لطروحاتها في الابتكار والحدس والكشف مؤكدة توجها جديدا في إبداع الشعرية العربية قام على الاشتغال باللغة والرؤيا معا في الايجاز والتكثيف والتوهج الإشراق والرؤى متحولة بالشعرية من الانشعال بالخارج الى صميم الدواخل ، معوضة عن الوزن والقوافي بإيقاعات داخلية قائمة على التدويم الذي كرسه التكرار الناسج بإحكام وقائع النص ، وعلى التوازن والتوازي والتقابل والمفارقة والضربات ، منجزة كل ذلك من خلال السرد الذي انضوى تحت راية الشعرية في مصطلح هجين يجمع بين الشعري والنثري ، بين قصيدة ونثر ، ويمكن القول إن هذا الجنس قد غدا عالميا في غمار التحولات الكبرى التي شهدتها العصور الحديثة ، إذ بقيت هذه القصيدة تحمل سمات تلك التحولات حتى في حالة تفككها وتمزقاتها التي آلت إليها على يد مدعي الأدب بسبب فتح أبواب النشر لمن لا علاقة لهم بالإبداع ، يكتبون باسم قصيدة النثر ما لا علاقة له بأي جنس من أجناس الأدب لغياب الوعي بالشروط الحاسمة للإبداع الحق ، مما أساء لقصيدة النثر وزاد على إرباكها القائم في طبيعة تشكلها المصطلحي إرباكا آخر ، كونها قائمة على التمرد وكسر الأطر والتحول الدائم الذي جعل سوزان برنار تؤكد أن " قصيدة النثر لا تُعرّف ، إنها موجودة"(1) وجعل ريفاتير يقرّ بأنها نوع ليس له شكل ثابت عرفيا بل هو مرتكز على لعبة المعنى التي تتمكن من التعرف على مقطع نثري تعرفا مفارقا بأنه شعر(2) ، لكن هل تكفي لعبة المعنى فيصلا لتحديد نوع الجنس الا دبي ؟ واذا كانت هذه الدراسة ليست مجالا لحوار مثل هذا السؤال فإن الجدل ظل دائراً حول تلك القضية النقدية الإشكالية ، قضية قصيدة النثر لأننا في الثقافة العربية لم نعمد الى تنظيرنا الخاص في هذه القضية الإبداعية النقدية ، وهو تنظير كان من المفترض أن يرتكز على ما أنتجه مبدعونا الرواد في هذا الجنس وما كتبه ويكتبه الجادون من أدبائنا ونقادنا مع الإفادة من الثقافة العالمية في بعض الإضاءات دون ان نبقى عالة على تنظيرات سوزان برنار التي كتبت من خلال ظروف ثقافتها وتحولات إبداعها الفرنسي .
ان قصائد النثر في مجموعة ياسين طه حافظ مع قصائد الجادين من كتابها في العراق والوطن العربي تعيد لقصيدة النثر اعتبارها من خلال إعادتها لرصانة اللغة ولومضتها الشعرية ولبهاء تركيبها اللغوي السليم ، ولمعة مفرداتها وجماليات سردها بعد أن تاهت قصيدة النثر للأسف لدى الكثيرين في عباب التفتت وغمرة الأخطاء التركيبية والأسلوبية وعبثية اللغة وضياع المعنى وانتفاء الموضوع كليا بحجة الزمنية والمجانية والغموض الذي تحول إبهاما لا ينفتح بأي تأويل حين يغيب القصد ويتلاشى المعنى ويغيب الوعي الجمالي بجوهر الشعرية ورؤى الفن ، وتنغمر الدلالة بفوضى المتاهات . كما أعادت النص الأدبي للقارئ حينما خلصته من سدول الإبهام وعتمة الدلالة وحمى التخبط في تشكيلات عدمية .


( 3 )
تبدأ المجموعة الجديدة للشاعر ياسين طه حافظ " قصائد حب على جدار آشوري " ( 3 ) ، بمفارقة حادة في عنوانها ، تتكثف في جملة اسمية يتنافر طرفاها حد التناقض ، متصارعة في دراما الحب والحرب ، لكن الحب يتقدم ليعلن هيمنة سافرة ، متجلية بإضافته الى مفردة قصائد المتضمنة قصدا واعتمادا بالعناية والانتقاء والتهذيب وسمو الهدف مستعلية على عنف الجدار الأشوري بحرف الجر – على - ، ذلك الجدار الذي امتلأت أسفاره بالحروب وعربات المحنة وعجلات العساكر والأسلحة الذاهبة للحروب والآيبة منها ، فكيف للشاعر أن يكتب مسلته الخالدة في الحب عبر اضطرام الدم والنار ، لكن العنوان في مراوغته الإبداعية يمنح الدلالة بعدا خفيا يومئ الى حركية الجدار الآشوري ومرونة فاعليته حين يستقبل برضى وألفة قصائد الحب فاتحا صدر حجارته الجبلية الصعبة والعسلية اللون والبالغة الصلابة ليدع للحب فرصة تدوين أناشيده عليها ، تلك هي الحضارات الإنسانية المثابرة ، تعبير حميم عن دواخل الإنسان في الشدة والشفافية ، في العنف والحب ، في القوة واللين ، وهل من علاقة بين الحب والحرب ، أهما مغامرتان قائمتان على الاختلاف تحتوي إحداهما الأخرى ، أم أن الحب وحده فعل درامي يتوتر داخل تجربة إنسانية يصير الحب فيها حربا بين عوامل الاتصال والانفصال ، حربا في الاختلاف وداخله ، كون الحب قائما على الاختلاف ، يجذب اثنين يحتاج واحدهما لآخر مختلف عنه ، لينهل منه ما يغذي احتياجه ، لكنّ الحرب تنشب حالما يتحول الاختلاف إلى صدام . أم أنهما – الحب والحرب - معا صراع من اجل الامتلاك والاستلاب والهيمنة ، وكلاهما في حالة الصدام نزف واستنزاف للقوى وقهر للروح والجسد ، أم هما مغامرتان تصطرعان في تجربة شاعر مقتدر كتب قصيدة التفعيلة عبر عشرات الدواوين ، وكتب الدراسة النقدية والمقالة والخاطرة بلغة أدبية ، وترجم الشعر الأجنبي والكتب النقدية والدراسات ترجمة شاعر ودارس متقن الأدوات ، إن العنوان بالرغم من البساطة الظاهرية التي تتبدى في تشكيله اللغوي الا انه يخفي اشتباكا دلاليا ثاويا في طيات بنيته العميقة ، اشتباكا يمكن أن يعطي نفسه لتفكيك متواصل مادامت تجربتا الحب والحرب من أعمق تجارب الوجود الإنساني وأمرِّها ، فحتى على المستوى الصرفي يجمع المفردتين في جذرهما حرفان موحدان هما الحاء والباء وتبقى الراء المكررة الكثيفة صوتيا في الحرب هي الفاصل بين الجذرين الآخرين ، معلنة عن تأهب الخطر الذي يهدد الحب بالفصل أبدا ، لكنَّ ما جعل الحب يتشكل ويتواصل على هذا الجدار هو ما يشفع له من مؤازرات مدنية ومعمارية وجمالية صحبت تلك التحركات الحربية وكان نتاجها بناء حضارة ومعارف وكتب ومكتبات وتجارة وبنى اقتصادية وعلاقات تواصلية مع دول العالم قبل آلاف السنين حتى سمي مركز نينوى عاصمة الآشوريين : الموصل كونها مركز اتصال إقليمي وعالمي في ذلك الزمن ، وبين الحب والحرب جامع آخر عريق هو الفناء ، ففي الحرب يكون الفناء موتا وفي الحب يكون الفناء ذوبانا في المحبوب وكلا الأمرين غياب وتغييب ، وسواء تشكلت تجربة الحب عبر مغامرة واحدة او مغامرتين فان مطولة مبدعنا المئوية تحاول الدخول في هذه الإشكالية وهي تأخذ بحنو أيدينا لتدخلنا معها في صميم حكمة الحب حين يكون متعاليا على نزوات الانفعال ، متسامي الهدف ، بعيد المرامي يحركه الجمال والوعي والعطاء والمعرفة في تواشج مع كل ما يدور حوله من متضادات وتنافر بوعي وفهم لما يجري ، غير مستلب بظلمة الواقع ولا محاصر بالنزوة العاطفية الصرفة وغير آبهٍ بالعنف المحيط به من كل جانب مدركا أن الخلاص في مثل هذه الظروف الكارثية ما هو إلا خلاص فردي ، شخصي يصنعه الفرد ليعيش بتوازن وانسجام مع قيمه النبيلة المهددة من الخارج المستباح ، تلك القيم التي ظل الشاعر وفيا لها إذ لم يجد سبيلا لخلاص جماعي :
فأنا أبتهج أن الحب مجدنا الشخصي الذي نحتفل به وحدنا
ببضع شموع وقصائد ، واثنتين
أو ثلاث من الأزهار البرية ، رقيقات ، جميلات ،
في تلك الخلوة الفقيرة ،
تتعانق روحانا وهما تعبران إلى زمن آخر .
حبيبتي .. دعي الآخرين لفوضاهم
في صخب البيع والشراء
وفي المشاريع الكبيرة والأمجاد
فهم لن يحظوا بجلسة مثل هذه
سيظلون بلا شموع ولا وقصائد وإزهار برية
، وحينما يدرك الشاعر أننا دخلنا أمن التجربة وأنسنا بنورها يتركنا مطمئنا الى تواصلنا معها ، فلا ندع المطولة الا ونحن عند المقطع المئوي من مقاطعها الممتدة على مئة وثلاثين صفحة ، والتي تواصلت عبر بنية توليدية تضمينية من خلال رؤية متماسكة للعالم وفهم للمتناقضات التي تصطرع داخله مما جعل النص يتسم بالتماسك هو الأخر فالاشتباك بين الفردي والجماعي ، بين المظلم والمضيء ، بين الحب والعدوان ، بين الحضور والغياب كان يتم دوما عبر تأزم واع بما يجري ، فالحبيبة بالرغم من غيابها الا ان هذا الغياب ظل يتسم بأعلى درجات الحضور كون السرد الشعري تمكن من استثمار كل مضمرات النأي والبعد ليحيلهما على مزايا شكلت ومضات شعرية في صميم العتمة ، نعم ، كان التغييب إدانة لتواشج عوامل السلب التي تعمل على الإعاقة دوما في واقع بائس يعيش انهياراته وسقوطه كل يوم إلا أن في الغياب إشعالا للشوق وتعميقا لجذوره وتمتينا لعلاقة الحضور فيه ، في الغياب يواصل السرد فعله عبر نسج متماسك يتجدد كل يوم عبر الاسترجاع مرة ، وعبر تخليق صور الحضور الحلمية مرات ، ومن خلال انبثاقات عجائبية إذ تطلع الحبيبة على حين غرة في الغابات وفي أعماق الليالي لتبدد ظلمة الشاعر وتحاوره ثم تعاود الغياب ، وفي هذا الغياب اهتمام وتركيز ونبض يوحي بالحياة ، ولذلك كثيرا ما يطفو الغياب عبر المقاطع ليتحول الى حضور يومض في المفارقة وفي الرمز وفي التوريات والكنى ، ولان النص كان صادرا عن مقصدية تعي هدفها فان موقف الذات المأزوم مما يجري اجتماعيا لم يؤدِ إلى انشطار الذات الساردة بمعنى انفصامها سلوكيا بدوافع الإحباط ، ولا انفصام الغائبة التي دار حولها النص ، والتي كانت مشاركة عبر الاستحضار في الفعل النصي ، بل على العكس كان كلاهما يزداد وعيا بالقدرة على تأمل ما يجري وتأويله وتفكيك الأزمة التي يديم توترها ما يحدث واكتشاف عوامل الضعف والإفقار في دواخل الإنسان زمن الانحراف والقتل والتمزقات . لكن الحكمة الكبرى في المطولة تتجلى في أن ما لا يتمكن ذوو النفوس السامية من تحقيقه من الأماني فانه لن يتحول الى كابوس تغدو الحياة معه كارثة سوداء كما يحدث لدى ضعاف الإرادة ، بل يمكن أن يكون الغياب على العكس من ذلك رصيدا لينابيع لا تنضب من دوافع خلاقة لآفاق من الرؤى والمنجز الراقي والتطلعات النبيلة والحلم المتجدد بوعي الضرورة ، تحدوهم لخلق عوالم تشدهم للحلم ذاته عن طريق السعي وراءه وعيا خلاقا مشكلا لفضاءات إبداعية قد تكون أجمل من الحلم في حالة تحققه ، من هنا كان العنوان علامة سيميائية تؤدي مجموعة من الوظائف مهما تباينت فإنها لن تفارق انطولوجية النص وخطوطه الدلالية في اطار سوسيو ثقافي خاص يبقيه متواصلا مع المتن من خلال تيارات دلالية ظل الطرفان عنوانا ومتنا يتبادلان إشعاعها في عملية إضاءة مستمرة .
من هنا نجد الشاعر يتعامل مع الغياب بألم هادئ ، ألم مشوب بالجمال الطالع من منابت حب غامض :
أحببتها ، أحببتها كثيرا جدا
لكنها غابت ، وغبت .
إن الشعرية في هذه المقاطع المئة تحتوي الحب وتهندسه في سلوك فني ينطق بتفاصيل تضفي عليه بعدا انسانيا شاملا ليتحقق كتابةً في معادلة تتسم بالرصانة لكنها رصانة الفن التي تدرك كيف تحتفظ بحركيتها وبفاعلية تأثيرها بعيدا عن سكونية الأداء الأحادي ، فالحبيبة لا تختفي الا لتظهر ، ولا تظهر الا وهي مشروع خفاء ، والشعر يريدها ليكتمل ، بينما يريدها الشاعر ليحيا ، وفي كلا الحالين هي مشروع حياة وتكامل ، الحبيبة متنكرة بالزمن كما الشعر تماما . والزمن عصيٌّ ، متسربٌ ، منسربٌ ، شتات ، منفصل ، لا يعطي لمؤتمنه أمانا ، الشعر والحبيبة يكمنان في المسافة الفاصلة بين الفردوس والجحيم ، لكن الفردوس ناء مغيب ، والجحيم يملأ الأمكنة واللحظات ، ويحتل مرابع الحياة ومناها ، عبر دبابات ومتفجرات ودخان وعبوات ، وعبر دم برئ وأحلام مقهورة وأحبة لا يجدون غير الحلم ملاذا من المنفى القسري الذي يحاصرهم ويأخذ بخناقهم ليل نهار . وللشعر طقوسه ، للشعر تقاليده وغلالاته وخمرة حجبه ووصله ، بدون ذلك الحجب يكون مباحا ، وحينها ... لا شعرَ أبدا :
وانا في هذا الغموض وفوق الممرات الضيقة
لا استطيع الا التريثَ
كما لأبدأ صلاة ...
كما لتحتفي روحي باستراحة نصف الطريق ... ص8

**
حبيبتي ، ما أوضح الكلام غامضا .. ص 55

وفي غموض الشعر يطيب التأمل وينشغل الفكر من اجل كشف يخترق عتمة اللغة ، ومقدرة
تملأ الفجوة التي يدعوك إليها اغتراب المعنى ، فتبحث في الغامض عما تظنه واضحا ، وعن اللا موجود في الموجود ، والقيمة تحتشد في اللغة حين يكون النص سؤالا في غياب الجواب ، سؤالا عن سر الوجود في غياب المفاتيح ، سؤالا في غيابه تتحول الحياة الى عبث لا طائل وراءه ، والشعر إذ يحتوي الحب يشكلان سؤالين في سؤال واحد ، سؤال الفن إذ يتجلى حياة تنبض وتشتبك بمتناقضاتها ، ويكون الجواب ذلك الملاذ المفقود الذي تحضر الحياة بحضوره وتستعيد الوانها الاشياء :

وانا ناعما امشي الهوينى
فما كنت وحدي
يدي تتلمس كفاً لحبيبة غائبة
حبيبتي
مَنْ سواك يمنح العون لروحي
في مدينة كلها رحى ..
........................
حبك هو الظل الوحيد في هذا الهجير
يحتفظ بحنانه وبقمصانه الحريرية
ويظل مبتسما مضيئا بينما الليلُ
يركدُ على بحيرة روحي ... ص 112


هكذا في مدن قتل الإنسان وطحن أمانيه يكون الحب ملتفا بالشعر خلاصا من عبودية الطغيان وعنجهية القتلة الذين يديرون رحى الحروب ، كون الشعر قادرا على تشكيل واقع آخر مختلف عن الواقع المرهق بتمثلات وعي شقي يعاني قمعا ليس بمقدور الفن مجابهته كونه قائما على الحديد والنار ، واقع أجمل لأنه من تشكيل خيال الشاعر ، ولذلك فهو يفتح أفقا لتمثلات مغايرة تتسم بتشخيص الحلم وبالانفتاح على الإنسان والعالم والأشياء من خلال معادلات تصنعها اللغة بانزياحات شتى ، والحب والحرب إذ يتقابلان في المجموعة فإنهما لا يتقابلان منفصلين بل هما في جدلية اشتباك معقدة وتوترات شديدة الإرباك مع كل ما حولهما مما يجعل المقابلة تشكيلا لكينونة مأزومة عبر مأساوية الحدث ودراميته ، ليكون الحب عبر شبكة علاقاته أمنا وجوديا في زمن الرعب والحمى والجوع والعطش ، زمن انهيار المدن الجليلة وشحوب تواريخها حيث ينهض الحب مؤازرا لمجابهة هباء العدوانات على الحياة :

نينوى تبدو شحاذة في طريق القوافل
بغداد مقرفصة على كوم أنقاض
وأنا وجدت في حبك حلا
ورغيفا وكأس ماءْ
فليكن في الكتب ما يكون
وليكن في السوق المضبَّب ما يكون
فأنا لا أرى في كل هذا الا وجهك يضئ
وكأنّ ضياءه كله من أجلي .. ص 10

فما الحل الذي وجده الشاعر في الحب ولم يفصح عنه ، لا شك أنه الخلاص السابق على مقومات الحياة البايولوجية لانه سبق الخبز والماء ، ولأنه الما وراء الذي يمنح الخبز والماء فعلهما ، وهو " مالا تدركه الصفة " لأنه يتعلق بمدارج الروح وهي تسعى لأمنها في الوحشة ولانتمائها في الاغتراب ، ولأنه فضلا عن ذلك سيعمل في توثبات فاعليته الكبرى على الاشتباك الناسج لكل مفاصل الحياة ، إنه الحب الذي يكسر قيود كل حد ليفيض على الانسانية كلها مشتعلا ، ومتوهجا بفيضه على القوانين والفنون والشعر ، بل ومتواشجا مع التاريخ وهو يشكل احداثه ووقائعه :
وما صدّقتُ أنَّ حبك قد جرفني
بعيدا عن الكتابة الخافتة
الى الاشتباك العظيم مع التاريخ
والقوانين والأشعار ... ص 18


مما سبق نتبين أن المجموعة ترتكز على سؤال يحرك مفاصل المقاطع كلها ويثوي في أعماق لغتها ، إنه سؤال الوجود / الحرية ، الحرية التي تحتوي الحب والإبداع وينشر غيابها خرابا على الروح الإنسانية وعلى الأزمنة والأمكنة . ان غياب الحرية هو الذي يوقع الحب في غيابة الجب حالما يحل الفصل بين قيمتي الروح والجسد ، وتهيمن سلطة قسرية تحجب عنه ضوء التواصل فتسود العتمة ويعم الكونَ ظلام ، وهذا ما كانت المجموعة تسعى لإدانته وشجب أسبابه من اجل سيادة الجمال وعوامل الإيجاب التي توفر للحب حياته واستمراره . ان القيمة في المجموعة هي التي حركت شعريتها فكان المعنى هو الفيصل الذي ظل حضوره يمنح لذة الروح ونشوة حركيتها حتى في غياب الجسد فيزيقيا ، ومع ذلك فان المجموعة وهي تبتعد عن الايروسي المتمركز على الذات وحاجاتها المشروعة إنما تضمر توقا لاهباً لاختراق عوامل السلب من أجل حلول التوازن حتى ولو في الخيال :

مرت أنسامٌ باردة على كتفي
وانساب حرير أشقرُ من صالة الشمس القرمزية
وصلتْ وجلستْ ، فحضرتُ
كنتِ بهية ولطيفة ابتسام
أحسست أني أتنفس بحرية
أنني معافى
وأن الموت يسحب قطعانه ، ويحل في السهول القريبة الربيع ..
..................
ليس من غير سبب تهزج كل هذه الجموع
من العصافير في الميدان


ان الحب الذي يخلع الدلالة ورقصة الفرح على العالم وعلى أشيائه الكبيرة والصغيرة ، ويخلع على المحبين معنى وجودهم هو نفسه الذي يمنح المحب قدرة على الاكتشاف ، اكتشاف ذاته والآخر ، فهو من خلال اكتشاف الآخر يكتشف ذاته أكثر ويتعرف على ما خفي من أسرارها في لحظة انعتاقه من الركون الأحادي لتلك الذات ولذلك يظل الحب الحقيقي مشرعا على فضاء الحرية فكرا وفنا وإبداعا ، فالشاعر إذ يعادل حضور الحبيبة بحضوره : وصلتْ وجلستْ / فحضرتُ ، إنما يقدم أهم مقومات الحياة برقي مراميها في الشراكة التي تجعل من الحبيبين سببا في تجلي الآخر وتحققه ، إن الفعل - حضرتْ – هنا يتشكل من الرؤية والظهور الجسدي والمعرفي ، ولذلك ارتبط التفكير بالجسد لدرجة كبيرة بالتفكير بموضوعتي الذات والهوية من خلال ارتباطهما بالفكر الحداثي والثقافة الوجودية المعاصرة ، فكل رؤية كشف وكل كشف إنما يعبر عن سعة في الرؤيا وخروج من الانغلاق الساجن ، ففي البعد المعرفي ووعيه الخلاق لا يتشكل الحضور الا في فعل حضارة ، من هنا كانت المجموعة تؤسس لحضارة الحب المناهضة ببنية وعيها المتفرد للعزلة والاختناق حيث تتحول الحبيبة الى مرآة لا يرى فيها الشاعر ذاته حسب ، بل يدرك فيها وجوده ومن خلالها يظل في مثابرة دائبة للبحث عن معنى جديد لهذا الوجود وعن حل لإشكالياته الأزلية ، وفي هذا الإدراك يختزن الصورة في ذاكرته لتكون الذاكرة موئلا للامتداد ورصيدا من أرصدة الاسترجاع التي تزود الروح عند الضرورة بما تحتاج من لحظات زمنية مؤازرة .:
لقد كان الجسد من قبل متخيلا بقدر ما هو واقعي ، فهو جسد ثقافي يتبلور في صلب تمظهرات المقدس سواء في خاصيته الجمالية او الجسمية او الرمزية ، وان هذا الطابع المقدس والمتخيل قد تجذر ثقافيا لكنه بدأ يبلور نماذجه الجمالية من خلال الانزياح عن المقدس الديني مع تطور الثقافة العربية الاسلامية ليجد في المتخيل الاجتماعي والبلاغي والأدبي حرية تطوره . ( 4 )


ان الجسد يتسم بحميمية تميزه الإنساني وارتباطه المتجذر بالوعي الفرداني واللاوعي الجمعي وقدرته على الانتماء لثيمات عدة دينية وتاريخية واجتماعية وشخصية ، لكن الثقافة الإنسانية ظلت تتعامل معه بارتياب كونه مدخول حقل المحرم حتى جاءت الفلسفات الحديثة وأدخلته في صلب مباحثها الاستراتيجية حينما انهت ثنائية الروح والجسد ، وصار الجسد الإنساني منفعلا بروحه ، والروح متجلية بجسدها ، يصدران عن جمالية واحدة هي جمالية القيمة الإنسانية ، هكذا تجلى لنا الجسد في رؤية الذات الساردة في المجموعة ، رموزا لقيم تتصدر الحياة وتغذي مشروعها النبيل :
ما دامت محبتنا بهذا الحجم
وعالمنا رث وضيع لهذا الحد
فأعطني يدك
لنصنع ضوءا لليلنا
أو .... قصة تُروى .

ان اليد هنا جزء لا ينوب عن الكل بل يمثله ، وفي اليد لا يشتغل المجاز المرسل معزولا عن قرينته الكلية ، بل يعمل بها وبدلالات اخرى يضيفها رمز اليد التي تبث العطايا مادية ومعنوية ، فالنص يتعامل مع الجسد بنية ثقافية ففي العالم تعدد اجساد بتعدد الثقافات ، لان الجسد بناء اجتماعي وثقافي لم يكشف حقيقته النهائية لانه يشبك مكوناته وتجلياته بالرمز الاجتماعي فالجسد حاضر غائب انه محور ادراج الانسان في نسيج العالم ، حاضر بالهيئة ومتخف عنا بما يضمر ، لا يحضر في وعينا الا في اللحظات التي يكف فيها عن القيام بوظائفه المعتادة اوعندما يختفي روتين الحياة اليومي (5 ) . ان الابعاد الجمالية التي يشكل اجتماعها في الانسان مثالا قلما يتوفر في شخص بعينه ، كثيرا ما نجدها شاخصة شخوصا افتراضيا في قصائد ياسين طه حافظ ليس في الانثى / الحبيبة حسب ، بل وفي الراوي / الشاعر كذلك لانه ينطلق منها في رسم معالم الحب في هذه المدونة ، إن الاصغاء للجسد هنا لا يتم معزولا بل يرد دوما إصغاء لجسد متفاعل منفعل ، جسد لا يشتغل في النص الا بروح مشتبكة بالجمعي ومنفصلة عنه في آن واحد ، لا بل ان اشتباكها بالجمعي هو سر تمايزها وبدون هذا التمايز لا يكون الانسان الا حشرا في قطيع :


كنت جالسة بين حشد
وكنت مختلفة بين حشد
لا ادري كيف استطعت ان أقرأ
سورة الروح من بعد
من سكونك القاتم قليلا
من حيادية الأسى
مما يشبه عودة فارغة من الربح والخسارة
عالمك هذا هو عالم قصيدتي

القصيدة هنا هي المعادل الموضوعي لعالم نظيف ابتعد عن إرباك واقع يزخر بأنواع الفساد والأمراض الاجتماعية الرثة والسائدة ، فالاختلاف هنا هو مركز الإثارة ، ونقطة انطلاق شرارة الجذب في تواشج تلك الأبعاد وهي تشكل الجمال بتفرده ، فالبعد الشخصي بمافيه من صفات جسدية وحركية وإشارية والبعد النفسي الذي يمثل المشاعر والأحاسيس وانعكاس الدواخل في السلوك ، والبعد الاجتماعي الذي يعد الجانب التطبيقي لكلا البعدين ومن خلاله تظهر الانسجامات والازدواجيات السلبية في التعامل مع الآخر فضلا عن الجانب الفكري والمعرفي الذي يتمثل بالثقافي سلوكا ، كل ذلك كان يتراءى لنا إيجابيا في شخصية أنثى غائبة لكنها حاضرة بكل ما في الحضور من معنى لامتلاكها القدرة على دحر عوامل السلب والهيمنة بشمولية على قيودها كسرا وتكيفا وانعتاقا ولذلك كانت ملاذا لكثير من المخلوقات والأشياء في منظور الشاعر ، ولذلك يعبر عن محوريتها من خلال التراكم الذي يعد سمة مهمة من سمات الشعرية المعاصرة :


كل ما في الأرض يأخذ حصة منك
الطير يهبط أو يطير والبعوض يدور
والفرس تصهل والقطار في الفراغ والحائط
والعمود والنافذة وعقب السيكارة في وسط الصالة
وذلك الوجه الغريب اجتازك بغموضه
كلنا نبحث في هذا السوق عن حاجتنا
عما الروح من زمان عطِشةٌ إليه ولا تميز صفاته

هكذا تكون الحبيبة المحور ، وكل ما في الأرض من حيّ وجماد يدور حولها لائذا برحابتها حيث الخلاص من سجن حياة أقفله الطغاة ، كل الأرض بمراكزها وهوامشها معا ، بأعمدتها وأفراسها وقطاراتها ونوافذها ، حتى أعقاب السكائر فيها وهي تدلُّ لترمز الى ما اشتعل وتحول الى هباء ، ثم ينتهي المقطع بضربة بالغة التكثيف والتخفي ، بالغة الدهشة كونها تقدم نفسها عبر ضربتي السؤال والجملة الاسمية ، وكأنها تعلن بهذا التوجع المر عن دوام حال الفقدان وثبوته واستمراره ، وربما ضياع كل الأشياء الجميلة المتمثلة بضفيرة المرأة وما لها من تراث دلالي في المنظور العربي القديم ومدونته القيمية كونها ترمز للأنوثة والفرح اللذين تودعهما المرأة حال فقدان الرجل الذي تحب حينما تقص ضفائرها وتلقيها عليه مسجى آخر هدية حب :
بقي لي سؤال ... أين ضفيرتك الذهبية ...؟


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصيدة النثر من بودلير حتى الوقت الراهن ، ترجمة راوية صادق ، 33 ، دار شرقيات ، القاهرة ، 1998 .
دلائليات الشعر ، مايكل ريفاتير ، تر محمد معتصم ، 199 ، مطبعة النجاح ، المغرب ، 1997 .
(3 ) دار بنين ، بغداد ، ط1 ، 2012 .
( 4 ) الجسد والصورة والمقدس، فريد الزاهي ، 10 ، افريقيا الشرق ، المغرب ، 1999 .
(5 ) انثروبولوجيا الجسد والحداثة ، دافيد لو بروتون، ترجمة محمد عرب صاصيلا ، 123 ، ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، ط1 ، 1993 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,841,253,658
- نقوش الحب والجسد ، قراءة في مجموعة - أبشرك بي - لانتصار سليم ...
- قصيدة القدس
- في الغياب أتعثر بأنوارك
- فتنة
- رجاءات
- وفي كفيك ترقد النجوم
- جماليات الذاكرة وجدلية الحضور،قراءة في عينية الصمة القشيري
- زمنية التشكيل الشعري .. مقاربة في ديوان خليل حاوي
- انسجامات
- تحليل النص
- قصص قصيرة
- جيماتُ الوجد
- وعند ابن رشد فصل المقال
- عاريةً إلا من حبك ..
- هذا الضياع يدخلني في النشوة
- لئلا ينطفئ البرق
- المرأة العربية والربيع المأمول
- مواطنة المرأة العربية ، شعارٌ أم قضية ..
- النقد وإشكالية الحداثة
- إبداع المرأة بين الخصوصية والسؤال


المزيد.....




- أوباما لترامب: يتم كشف أكاذيبهم لكنهم يستمرون بمضاعفة الأكاذ ...
- السيسي يستقبل سلطان البهرة الشيعية
- هل لحدود الدول معنى في عالم القوميات المزدهرة؟
- افتتاح مسرح ضخم جديد بالقرب من الكرملين في موسكو
- مغربية وتونسي يتقاسمان جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب الع ...
- أسرار مسلة مصرية في قلب باريس
- سحب الفيلم الصيني الأغلى تكلفة من دور العرض بسبب صعف إيرادات ...
- الممثل الراحل روبن ويليامز يتحدث عن نفسه في فيلم وثائقي جديد ...
- لجنة برلمانية توصي بضرورة تطوير نظام الحكامة بمكتب السياحة
- لماذا أوقف عرض أغلى فيلم صيني في التاريخ؟


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى البستاني - بهاء الحب وإشكالية الغياب في مجموعة - قصائد حب على جدار آشوري - لياسين طه حافظ