أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن أمرير - مدينة الدار البيضاء : النشأة والمسار















المزيد.....


مدينة الدار البيضاء : النشأة والمسار


حسن أمرير
الحوار المتمدن-العدد: 3744 - 2012 / 5 / 31 - 21:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


1- التوطين
تمثل مدينة الدار البيضاء المجال الرئيسي لجهة الدار البيضاء الكبرى، وتنتمي للمجال الجغرافي للشاوية السفلى يحدها شمالا هضبة بلاد زعير ومن الجنوب الامتداد الطبيعي للشاوية، ومن الشمال الغربي المحيط الأطلسي ومن الشرق هضبة بن سليمان.
وحسب الإحداثيات الجغرافية، فإن الدار البيضاء تقع عند تقاطع خطي الطول َ30 ْ7 وَ45 ْ7 غرب خط غرينتش، وخط عرض َ30 ْ33 و َ45 ْ33 شمال خط الاستواء ، وبحكم موقعها الساحلي المتواجد وسط خط الإنتاج الصناعي، بين القنيطرة شمالا والجرف الأصفر جنوبا، فإنها تحتل مكانة إستراتيجية على مستوى الاقتصادي متميزة في ذلك عن باقي المدن المغربية.
وحسب المعطيات الطبوغرافية، فإن مدينة الدار البيضاء تتموضع فوق الهضاب الساحلية الشمالية. ومن حيث الارتفاع، فهي تتراوح ما بين أعلى نقطة تتمثل في 167 متر في أقصى الجنوب من الخريطة واخفض نقطة ارتفاع 5 أمتار عند الساحل من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي، وتغير الميلان الطوبوغرافي من الداخل نحو الساحل والارتفاع يتدرج من الجنوب الشرقي نحو الشمال الغربي حيث نجد انحدارات جزئية من الجنوب الشرقي نحو الشمال، الغرب، والشمال الغربي، ثم الجنوب الغربي. ويتبين من خلال نقط ارتفاع أن منطقة الدار البيضاء يغلب عليها طابع التموج بحيث ان المنطقة عبارة عن كتبان، وهذه الوضعية هي نتيجة لعمليات الغمر والتراجع التي خلفت مجموعة من المستويات الرسوبية.
وبخصوص الشبكة المائية، فمدينة الدار البيضاء تتميز بضعف على هذا المستوى ويتمثل المصدر الأساسي في واد بوسكورة، نفس الشيء ينطبق على الغطاء النباتي نظرا لطغيان المجال الحضري الذي يقلص من نسبة المساحات الخضراء .
تتكون منطقة الدار البيضاء المنتمية إلى المسيطا الساحلية، جيولوجيا، من صخور رسوبية شستية حثية وكواتزية تشكل القاعدة القديمة، تعود إلى الزمن الكمبري واردفيسي، تكسوها تكوينات حديثة كلسية وتوضعات طميية حمراء رملية أو رمادية طينية طميية داكنة "التيرس" مركزة في الغرب على طول واد بوسكورة والشريط الساحلي .
وأما مناخ الدار البيضاء فيتميز بالاعتدال، فمعدل الحرارة السنوي يقارب 18ْ والمعدل السنوي للتساقطات 433،6 ملم. وبحكم تواجدها على الساحل الأطلسي، فإنها تتأثر بالمؤثرات البحرية ويصل عمق هذه المؤثرات إلى مساحة 60 كلم نحو الداخل، فالتفاعل المستمر لعاملي الرطوبة والرياح يساعدان على تلطيف الحرارة في فصل الصيف واعتدالها في فصل الشتاء.
إذا كان العامل الطبيعي لمدينة الدار البيضاء وموقعها الجغرافي يجعلان منها قطبا صناعيا وماليا مهما على الصعيد الوطني، فإن تفاعل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية جعلت من هذه الحاضرة تحتل أهمية قصوى خلال القرن التاسع عشر، وأصبحت بذلك محط اهتمام الأطماع الأوروبية التي جعلت منها نقطة تحول في توجيه الاهتمام المدن الساحلية بدلا من المدن الداخلية.

2- التمسية
إن الفرضيات التي سنعمل على تناولها بخصوص التسمية الأصلية لمدينة الدار البيضاء، تستحضر بالتناوب أنفا والدار البيضاء للإشارة على التوالي للمجال الجغرافي للمدينة ولسكانها، وهما تسميات متتالية للمدينة ودليلا على المنعطفات التاريخية التي عرفتها هذه المدينة منذ نشأتها إلى تدميرها وإعادة بنائها . وبذلك تعتبر هذه التسميات وسيلة لرصد تعاقب الأحداث التي عاشتها هذه المدينة في الزمان والمكان. فاحتمال التشابه بين المصطلحين يساهم في حل لغز هذه المدينة، وهذا لن يتأتى إلا باعتماد أدوات تنتمي لحقول معرفية أخرى، فمن جهة علم التاريخ وعلم الاجتماع ومن جهة ثانية إضافات علم اللسانيات الحديث.
تستند التفسيرات السائدة حول أصل مدينة الدار البيضاء على رواية اعتاد المؤرخون استغلالها بشكل كبير منذ بداية القرن العشرين (لهم في ذلك مثل الرحالة الدبلوماسيين وعلماء الاجتماع لهذه الفترة)، هذه الرواية تجعل من الدار البيضاء ترجمة حرفية لكلمة كازابلانكا، وهي كلمة استعملها البحارة البرتغاليين خلال القرن الخامس عشر الميلادي للدلالة على المدينة، وفي نفس الإطار تضيف الرواية بأن وجود منزل بلون أبيض يساعد البحارة البرتغاليين على تحديد موضع كازابلانكا.
وبالاعتماد على هذه التسمية، فإن التاريخ يقدم حقيقتين، الأولى مرتبطة بمرور الموحدين بـأنفا بعد المرابطين. والثانية واردة على لسان الإخباريين البرتغاليين عند كتابتهم أنفي بدلا من أنفا ، وهذه الشهادة تبين عدم إلمام البرتغاليين عند نزولهم بالساحل الأطلسي المغربي منذ القرن الخامس عشر الميلادي بالتسمية الأصلية للمدينة. مما يدفعنا للتساؤل إلى أي حد تستمد هذه الرواية لمشروعية الحفاظ واستمرار نفس التسمية بعد غزو البرتغاليين للمدينة؟ وبماذا يفسر غياب ذكر هذه المدينة طيلة ثلاثة قرون؟ أو هل يمكن تفسير ذلك بعوامل متداخلة ساهمت في استمرارية الترجمة العربية لكلمة كازابلانكا؟
وبذلك فإن المنتسبين لهذا التفسير يخفون عن وعي أو عن غير وعي ، الآليات الأخرى المساعدة لحل هذا اللغز. ومن بين هذه الآليات تبقى تلك المقترحة من طرف الأسطورة -والتي تعتبر أن الدار البيضاء بمثابة أنفا- الأقرب إلى الحقيقة وتسمح على الأقل بطرح الفرضية داخل مجال أوسع بين التسميات المتلاحقة للمدينة، والبحث إلى أي حد أنها أنفا وليس كازابلانكا التي أدت إلى ظهور الدار البيضاء.
في اللغة العربية، يستعمل مصطلح البيضاء للدلالة على اللون الأبيض، ويبقى أن ربط أنفا باللون الأبيض يجد معنا ثابتا أو راسخا وبدون منازع أمازيغي. فالمعطيات اللغوية التي نتوفر عليها لحد الآن تدفعنا إلى عدة قراءات لكلمة أنفا ومنها نجد أنافا - أمافا - أمفا - أنفى- أنفي ....
ومن جهته، يعتبر Laoust E. أنفا هي أصل أفا، ويختم تحليله بأن مصطلح أنفا يحيل على فكرة تل أو قمة مما سمح له بالاستنتاج أن موقع المدينة الحالي هو الحي السكني آنفا. إلا أن التحفظ الوحيد الذي يجمع عليه مجموعة من الباحثين المعاصرين هو أن الحي السكني آنفا الحالي والذي تأسس سنة 1940 ليس له أية علاقة تاريخية بالموقع الأصلي للمدينة .
وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن دخول الإسلام لبلاد المغرب ساهمت فيه العديد من العوامل وخاصة منها الصراعات المذهبية ، ومع توافد القبائل العربية واختلاط الدم العربي بالدم الأمازيغي سمح انتشار الثقافة واللغة العربية، مما أثر على سكان السواحل الأطلنتية. ولما نزل البرتغاليون بساحل مدينة أنفا وجدوا تسميات عربية وأمازيغية لهذه المدينة، وعمل هؤلاء إخباريون على استعمال مصطلح أنفا وعند نقله إلى البرتغالية أصبح أنفي للدلالة على ترجمة كلمة الدار البيضاء، وهي تمسية تؤكد الاستعمال المتداول لمصطلح كازابلانكا للدلالة على المدينة.

3- النشأة والتطور
3.1- النشأة
المعلومات المتعلقة بنشأة أنفا جزئية وغير دقيقة، مما يسمح بتركيب مجموعة من الفرضيات، وهي على الشكل التالي :
1- الأصل الفينيقي : اعتبر الرحالة مارمول كرفجال أن أنفا الواقعة على الساحل المحيط من المدن الفينيقية التي بناها حانون خلال رحلته، وذكر أنها تقع على الساحل وأنها تقع بين الرباط وأزمور، هذا الطرح أكده كذلك هاشم المعروفي .
2- الأصل الروماني : ذكر حسن الوزان بقوله : "أنفا مدينة عظيمة أسسها الرومان في شاطئ البحر المحيط على نحو ستين ميلا شمال الأطلس، ونحو ستين ميلا شرق أزمور" .
إلا أن هاتين الفرضيتين أصبحتا جد مستبعدتين من طرف الباحثين والمؤرخين المعاصرين، وذلك لغياب بقايا أثرية ولغياب نصوص تاريخية تسمح بتأكيدها.
وفي مقابل ذلك اعتبر الزياني أن آنفا تستوطن منطقة "تامسنا" وأن نشاتها ارتبطت بأمراء زناتة دون الإفصاح عن المصادر التي استند إليها في هذا التحديد، إلا أن ابن خلدون أرجع أصلها لمجموعات بورغواطية ذات الأصول المصمودية مثله في ذلك مثل موقف ابن عذاري الذي أكد كذلك الأصل المصمودي لقبائل تمسنا . هذه الفرضية خلص إليها كذلك عالم الاجتماع الفرنسي أندري آدم بناء على تحليل معمق ليرجع أصل تأسيس المدينة للبورغواطيين .
تعتبر بورغواطة بالأساس أقدم واكبر شعوب بلاد تمسنا، وأن الزناتيين لم يسبق أن كانت لهم سيادة على هذه المنطقة، ويضاف إلى ذلك أن الحلف الزناتي لم يصل للمغرب إلا خلال القرن التاسع، وأن مصطلح أنفا غير وارد في الخطاب الأمازيغي الزناتي عكس ذلك نجده عند قبائل سوس وقبائل الأطلس المتوسط، فكل ذلك يدفع إلى الاعتقاد بأن مدينة أنفا تأسست خلال نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي، وهي مرحلة مرتبطة بوصول الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب .
المعلومات المتوفرة حول تاريخ المدن والأقاليم المجاورة لهذه المدينة والشعوب المستقرة بجانبها تقدم نظرة عامة للظروف المرتبطة بالبدايات الأولى لهذه المدينة. فبالنسبة لابن خلدون، فمنذ البدايات الأولى للإسلام لوحظ حضور البورغواطيين سواء من حيث العدد أو القوة، مما يرجح أن ساكنة تامسنا كانت تتوفر على هياكل تضم كل القبائل التابعة لهذه المنطقة تحت قيادة طريف، وقد استمرت المقاومة البورغواطية قرابة أربعة قرون إلى حين تولي سابع أمرائهم مقاليد السلطة .
داخل هذا النسق التاريخي المتحول نشأت مدينة آنفا وتطورت، وحول المكانة التي كانت تحتلها يقدم حسن الوزان مجموعة من التدقيقات المهمة حيث يقول : "وكم كان بداخل أنفا من مساجد ودكاكين في غاية الحسن، وقصور شامخة يمكن رؤيتها والتأكد من الآن من خلال الآثار الباقية! وكم كان فيها أيضا من البساتين وكروم! ومازالت لحد الآن تجنى منها كميات عظيمة من الثمار، ولاسيما البطيخ والخيار والتي يبدأ نضجها في منتصف أبريل" ، وبالنسبة إليه فإن المرتبة التي تحتلها هذه المدينة تندرج في الرتبة المتميزة التي تحتلها داخل مجال تمسنا بالإضافة إلى الوصف الدقيق للطرق الرابطة بينها وبين باقي المدن مما يدل أن هذه المدينة عرفت انتعاشا حضاريا في عصر المرينيين في الوقت الذي ظل الطابع القروي السمة الرئيسية للعديد من المدن الأخرى.
لقد ظلت جل هذه الفرضيات السالفة الذكر حول نشأة مدينة أنفا محط اهتمام الباحثين والمؤرخين إلى غاية ظهور نتائج مجموعة التنقيبات الأثرية والتي كشفت عن آثار وجود الإنسان ما قبل التاريخ بموقع سيدي عبد الرحمان حيث تم اكتشاف "أصداف وشضايا وفؤوس وأحجار صوانية وبقايا عظام بشرية ومساكن مليئة بالخزف والفخارة" والذي يعود تاريخه إلى العصر الحجري، وذلك ضمن مواقع أخرى منها : موقع ليساسفة الذي يقدر تاريخ وجوده بين 5 و6 ملايين سنة، وموقع أهل الغلام، وعمره مليونان وخمسمائة سنة، وموقع طوما 1، هو شاهد على أول وجود إنساني منذ ملايين السنين.
وبالاعتماد على هذه المعطيات الجديدة، والتي جعلت إشكالية أصل مدينة الدار البيضاء تطفو على السطح من جديد، اعتبر هاشم المعروفي أن لمدينة الدار البيضاء وجود يعود لفترة العصر الحجري القديم حيث أكد عن وجودها التاريخي منذ فترة العصور الحجرية القديمة مستندا في ذلك على اكتشافات علماء الآثار في بعض أحياءها حيث عثر على العديد من الأحجار المنحوتة والمصنوعات البشرية والأصداف والرماد وبقايا الأكل وعثر على كل هذا في أحياء الوازيس ومرس السلطان وعين الشق... .
هكذا إذن، ورغم قلة المعلومات التي نتوفر عليها، فالصراع يعتبر أحد المكونات الأساسية والمحددة للحجم الأصلي لمدينة آنفا. مما يدفعنا إلى التساؤل من جهة إلى أي حد يمكن اعتبار تاريخ نشأة هذه المدينة تاريخ الصراع المتوالي للبورغواطيين مع القبائل العربية الإسلامية طوال حضورهم بمنطقة تمسنا؟ ومن جهة أخرى وبغض النظر عن الفرضيات التي ترجع نشأة المدينة للحضور الأجنبي، سواء من خلال محاولات الاستيلاء عليها أو تدميرها، والذي يفتقر لمرتكزات تاريخية تأكده، ألا يمكن أن أنفا كمدينة وكمرسى عرفت نشأة محلية بربرية زناتية أو مصمودية؟ وألا يمكن الاعتقاد بعدم وجود أي تشابه بين أنفا والدار البيضاء، وأنهما موقعين مختلفين؟

3.2- التطور
إذا كان جزء من تاريخ مدينة الدار البيضاء يكتنفه الغموض، مما سمح للعديد من الباحثين وعلى رأسهم الباحث الاجتماعي أندري آدم إلى نعتها أنها مدينة بدون سكان حضريين أو تكاد، فذلك راجع لقلة الدراسات التي اهتمت بهذه المدينة على غرار المدن الكبرى مثل فاس ومراكش والتي كان لها دور سياسي بارز في تاريخ المغرب. وبالرجوع للمصادر التاريخية التي اهتمت بمدينة آنفا، يمكن الجزم بأنها ظلت مركزا مزدهرا اقتصاديا واجتماعيا وعلميا بين المدن المغربية، وكانت لها مكانة تجارية جيدة بين المدن المغربية حيث كانت تصدر لها القمح الشعير وجلود البقر والمعز والغنم، فمن خلال المعطيات التاريخية المتوفرة نسجل غياب أي ذكر لهذه المدينة خلال ثلاثة قرون الموالية للفتح الإسلامي منذ دخول عقبة بن نافع سنة 62هـ إلى عهد المرابطين.
وخلال القرن الخامس الهجري الموافق الحادي عشر الميلادي، نجد ورود ذكر مدينة أنفا من جديد في إطار صراع المرابطين مع قبائل بورغواطة قصد إخضاعهم، وتختلف الروايات حول هذه الحادثة؛ فابن أبي زرع أشار إلى أبي بكر بن عمر "سار حتى نزل بظاهر مدينة آنفا، ثم دعا بأشياخ العرب، فثقف منهم ستين شيخا بسجن آنفا، وضرب أعناق عشرين رجلا من أشرارهم الذين كانوا يقطعون الطرق بتلك الجهات وصلبهم على أسوار آنفا" ، كما تولى قيادة الجيوش المرابطية سنة 452هـ الموافق 1060م وهزم هذه القبائل وحاصرها بمدينة أنفا بعد وفاة عبد الله بن ياسين أثناء هجومه عليهم، في حين أن الزياني يذكر أن عبد الله بن ياسين نزل مدينة أنفا حاصر البورغواطيين بها سنة 453هـ إلى أن دخل عليهم عنوة فاستباحهم ولم يفلت منهم إلا من اختفى في قناة أوبير ومحا آثار ديانتهم . وقد أكد ذلك الشريف الإدريسي في إطار وصف لجغرافية مدينة أنفا وطرقها ومسالكها وقراها ومرسى فضالة والعيون والآبار والأنهار والغابات والحيوانات المفترسة وكيفية صيدها، بالإضافة إلى علاقتها بالمدن المجاورة، حيث يصف علاقتها بمرسى بقوله : "ومن فضالة إلى مرسى أنفا أربعون ميلا، وهو مرسى مقصود تأتي إليه المراكب. وتحمل منه الحنطة والشعير. ويصل به من ناحية البر عمارات من البربر من بني يدفر ودكالة وغيرهما. ومن أنفا إلى مرسى مازيغن خمسة وستون ميلا روسية. ومن مازيغن إلى البيضاء جَوْن ثلاثين ميلا. ومن البيضاء إلى الغيط خمسون ميلا. وهو جون ثان. ومن الغيط إلى آسفي خمسون ميلا. ومن أنفا إلى طرف جبل الحديد ستون ميلا. ومن جبل الحديد إلى الغيط الذي في الجون خمسون ميلا. وكذلك من طرف مازيغن إلى آسفي روسية خمسة وثمانون ميلا وقديرا مائة وثلاثون ميلا".
ولما وصل بنو مرين للسلطة بايع سكان مدينة أنفا بدون قتال السلطان يعقوب المنصور بن عبد الحق سنة 658هـ/1200م. وخلال هذه الفترة زار لسان الدين بن الخطيب مدينة أنفا واستقر بها واتصل بعلمائها، وقدم في كتابه "المعيار" وصفا عن التطور الذي عرفته المدينة من الناحية الاقتصادية والتجارية والعمرانية وعلاقاتها التجارية التي كانت لأهلها مع الأوروبيين، كما قدم مقارنة لها بالمدن المغربية من الناحية الاقتصادية والعمرانية حيث قال أنفا : "جون الحط والإقلاع ومهبط السلاع تهوي إليه السفن شارعة وتبتدرها مسارعة تصارف برها الذهبي بالذهب الإبريز. وتراوح برها وتغاديه بالتبريز . . . وفواكهها طيبة، وأمطار عصيرها صيبة، وكيلها وافر، . . . والعرب عليها في الفتن ملحة، والأمراض بها تعيت وتبعث، والخزين بها لا يلبث" .



صورة رقم : الدار البيضاء خلال القرن 16

ونظرا للضعف الذي عرفته دولة بنو مرين بسبب ما أصابها من الانحلال في جهاز الحكم وسوء تدبير شؤون الدولة نتيجة التصرفات وزرائها وانصرافهم لإرضاء أهوائهم وقضاء أغراضهم الشخصية ، عمل كل من الإسبان والبرتغال إلى التربص بالمغرب واحتلال مجموعة من المراكز الساحلية، ففي سنة 1468م استولى البرتغاليين على مدينة أنفا لسببين اثنين : "أولهما أنهم أرادوا العيش أحرارا دون أن تتوفر لهم الوسائل اللازمة، والثاني أنهم كانوا يسلحون في مينائهم الصغير زوارق خفيفة يقومون على متنها بالإتلاف والتخريب في شبه جزيرة قادس، وعلى طول الشواطئ البرتغالية" ، مما دفع بملك البرتغال إرسال أسطول بحري يشتمل على خمسين سفينة حربية تحمل عشرة آلاف مقاتل من اجل هدمها وتدميرها، وقد وقف الرحالة مارمول على آثار هذا التخريب وقال : " ولازالت أطلال الجدران القديمة قائمة العين بها إلى الآن نشاهدها بالعيان لكثرة متانة بنائها وكذلك بعض المساجد بها" . ولما رجعوا إليها 1515م ظهرت لهم دار بلون أبيض سلمت من الهدم والتخريب سموها كازابرانكا.
وفي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وأثناء رجوعه من مدينة الصويرة يوم السبت 16 ربيع الثاني عام 1119هـ موافق 1784م وقف على وضعية مدينة آنفا وهي مخربة إلا البناء الذي بقي بها، وهو عبارة عن دار بلون أبيض سلم من الهدم، فأمر ببنائها وبناء أسوارها وكلف لذلك خبراء لتصميمها وتخطيطها، أطلق عليها اسم "الدار البيضاء" وهي ترجمة لكلمة كازابرانكا البرتغالية والتي حولها الإسبان إلى لغتهم وأصبحت كازابلانكا، كما عمل على نقل جالية من أهل حاحا قصد تعزيز الجيش البخاريين وتأمين حراسة المدينة معلنا بذلك بداية الهجرات التي ستعرفها المدينة لاحقا خصوصا من قبائل الشاوية وبعض سكان مدينتي فاس والرباط كما ورد عليها طائفة من أهل العلم بغرض الإقراء والتدريس بها.
وبناء على حق الامتياز الذي منحه السلطان سيدي محمد بن عبد الله لشركة اسبانية قصد تصدير الحبوب مما ساهم في تطوير العلاقة التجارية بين الدار البيضاء الإسبان، وبذلك دخلت المدينة مرحلة جديدة من تاريخها، والذي يميز تطور النشاط التجاري وتعدد جنسيات التجار الوافدين، والجدول التالي يبين تطور حجم الساكنة الأوروبية بالدار البيضاء خلال القرن التاسع عشر.

السنة العدد السنة العدد
1856 17 1888 230
1867 60 1890 318
1878 215 1892 392
1885 175 1894 450
1887 205 1896 437
جدول رقم 1 : تطور حجم الجالية الأوربية بالدار البيضاء خلال القرن 19

إن المكانة التجارية التي أصبحت تحتلها مدينة الدار البيضاء نهاية القرن التاسع عشر بالإضافة لموقعها الجغرافي المتمثل في انتسابها للشاوية وما تزخر به من خيرات جعل منها محط أطماع الدول الاستعمارية الأوروبية، وعرف احتلالها من طرف فرنسا سنة 1907 مقاومة عنيفة شاركت فيها مختلف قبائل الشاوية، عرفت المدينة موجات جديدة من الهجرات من جميع مناطق المغرب إلى جانب الهجرات الأوروبية.

السنة المغاربة الأجانب المجموع
1907 000 24 000 1 000 25
1913 000 39 000 20 000 59
1917 000 47 000 28 000 75
1921 800 61 200 35 000 97
جدول رقم 2 : تطور ساكنة الدار البيضاء بين 1907 و1921

من خلال هذا الجدول يتبن بالملموس التطور الذي عرفه حجم ساكنة الدار البيضاء من 4% 1907 إلى 36.3% سنة 1921 بسبب توافد المغاربة نتيجة الوضعية الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها البوادي المغربية خلال القرن 19 والضغط العسكري والاقتصادي الذي مارسته القوى الاستعمارية على البوادي المغربية، بالإضافة إلى توافد الأجانب بسبب الحرب العالمية الأولى أو الرغبة في التجارة.

السنة عدد السكان المغاربة المغاربة المسلمون اليهود المغاربة الأجانب
1897 500 20 000 20 000 16 000 4 500
1907 000 25 000 24 000 19 000 5 000 1
1913 000 59 000 39 000 30 000 9 158 20
1917 000 75 000 47 - - 000 28
1921 083 97 800 61 790 48 010 13 283 35
جدول رقم 3 : تطور ساكنة الدار البيضاء حسب الانتماء العقائدي

يبين الجدول السالف الذكر الارتفاع الذي عرفته الدار البيضاء بعد احتلالها سنة 1907، كما يبين التنوع العقائدي لساكنتها، وارتفاع وثيرة حجم الطائفة اليهودية والأجانب من 21.95% سنة 1897 إلى 49.74% سنة 1921.
أمام هذا التوسع الديموغرافي والدور الاقتصادي الكبير الذي أصبحت تحتله مدينة الدار البيضاء. وبعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 بين المغرب وفرنسا، أصبح لزاما على سلطات الفرنسية التفكير في توسيع المجال العمراني للمدينة سن سياسة سكنية ترمي من جهة إلى توفير السكن للطائفة اليهودية المغربية ولأفراد الجالية الأوروبية بمواصفات عصرية تلائم ثقافاتهم، وإحداث أحياء سكنية خاصة بالمغاربة، وفي إطار ذلك تم إحداث حي الأحباس كأحد أهم أحياء بالمدينة الجديدة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,044,752,438


المزيد.....




- رئيس هيئة النزاهة السابق حسن الياسريُّ يدحض ادعاءات انتمائه ...
- اعتداءات باريس الدامية: أين وصلت التحقيقات؟
- ترامب ينتقد ماكرون على -شعبيته الضعيفة- واقتراحه إنشاء جيش أ ...
- سيول الأردن الجارفة تذكر الأميرة هيا برحيل والدتها الملكة ع ...
- شاهد: شباب يتنكرون بزي حافلة ليتمكنوا من عبور جسر محظور على ...
- هل سخر الجيش الفرنسي من ترامب؟
- صدام بين نائبة كويتية ووزيرة مصرية
- إرشادات جديدة لتجنب أمراض القلب.. ولا تأثيرا إيجابيا لأوميغا ...
- امنيات بالشفاء للرفيق الدكتور كاظم حبيب
- محللون إسرائيليون: التصعيد العسكري على غزة بلا أهداف


المزيد.....

- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن أمرير - مدينة الدار البيضاء : النشأة والمسار