أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نجاة طلحة - كارثة تعويم سعر صرف الجنيه السوداني















المزيد.....

كارثة تعويم سعر صرف الجنيه السوداني


نجاة طلحة
الحوار المتمدن-العدد: 3744 - 2012 / 5 / 31 - 09:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كارثة تعويم سعر صرف الجنيه السوداني

التعويم flotation هو ترك سعر صرف عملة ما كي يتحدد وفقا لعوامل العرض والطلب في سوق العملات بهدف محاربة التضخم بإستقرار سعرها عند نسبة يمكن تثبيتها لضمان تحسين قوتها الشرائية أو بهدف إنعاش الصادر وجذب الإستثمارات. لضمان نجاح هذه الخطوة يجب أن تتوفر معطيات إقتصادية تتعلق بالسياسات المالية والنقدية المتبعة ومدي مقدرة الدولة علي التحكم في سوق المال وحركة الوارد والصادر. بغياب الشروط المطلوبة يأتي تعويم سعر صرف العملة بنتائج سالبة علي العملة أولا ثم على الإقتصاد بشكل عام. فهل في الظروف الإقتصادية الحالية تتوفر المقومات المطلوبة لنجاح هذه السياسة؟

أهم هذه العوامل هو قدرة الدولة علي التأثير في السوق النقدية ولكن و في الحالة الراهنة عجز الحكومة في هذا الجانب يمثل جوهر القضية إذ أن السبب المعلن علي روؤس الاشهاد هو أن الهدف الرئيسي من إتخاذ هذه الخطوة هو محاربة المركزى للسوق الموازي ولمحاربة انتشار وتمدد السوق الموازي. اذا فالخطوة تحمل في طياتها عدم مقدرة الدولة علي التحكم في سوق النقد وأعتراف من النظام بعدم قدرته على ضبط سعر صرف الجنيه. فكيف يستقيم أن تستعمل علاجا من صميم أسباب نجاحه إنتفاء وجود العلة نفسها إلا اذا كان ذلك من باب وداوني بالتي كانت هي الداء. وهذا من المؤكد لا يتستقيم ويتسق مع كل ما قدمه علم الإقتصاد.
أمر أخطر هوما ورد على لسان عبد المنعم نور الدين نائب رئيس اتحاد شركات الصرافة "أن البنك المركزي سيأخذ خطوة ثانية يأذن فيها للمصارف التجارية بتداول الدولار دون التقيد بالسعر الرسمي"
هذه خطوة في إتجاه التعويم المطلق والذي إذا لم تُستوف الشروط المصاحبة له إنعكس سلبا علي قيمة الجنية السوداني وستنخفض من جرائه قيمة الجنيه بشكل كبير وسريع للغاية. فالتعويم المطلق وهو يعني عدم تدخل الدولة بشكل مباشر وكي لا ينعكس تأثيره سلبا علي قيمة العملة وعلي الإقتصاد بشكل كامل يستوجب إمساك الدولة وقدرتها علي التحكم في حركة الإقتصاد من معدلات نمو وميزان مدفوعات وتدفق الأموال الإستثمارية وهو ما ينعدم تماما في ظل السياسات الإقتصادية المتخبطة والحروب الأهلية التي ينعدم معها أي معني للإستقرار السياسي. شرط آخر هو أن تكون الدولة ممسكة بزمام الأمور في حركة السوق النقدية ومؤثرة في حركتي العرض والطلب فبالتعويم المطلق تستخدم الدول وهي غالبا ما تكون ذات إقتصاد قوي ما نسميه "بعصاية مدفونة وعصاية مرفوعة" فهي تحرر سعر الصرف بشكل مطلق ولكن تتحكم في السوق النقدية ببيع العملة المحلية أو شرائها حسب ما تستوجبه الظروف. ففي ظل الإقتصادات القوية هذه ففي حالة فائض الإنتاج وتفوق معدلات الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الفعلي علي المحتمل تلجأ الحكومة الي محاولة تجفيف السوق نقديا بالقدر الذي يضمن التوازن. هذا مثال لقياس قدرة هذه الدول علي التحكم في حركة الناتج وإمتلاكها لمقدرة يمكن معها أن يكون تعويم سعر صرف العملة المحلية ذو نتائج إيجابية. وكم نحن بعيدون كل البعد عن وضعية كهذه.
شرط أخر مهم هو مقدرة الدولة علي التحكم في الواردات والتأثير الكمي في حجمها فتعويم سعرصرف الجنيه السوداني والذي في الحالة الراهنة للإقتصاد سيؤدي حتما الي تخفيضه تعود بالضرر لقطاع الوارد حيث ترفع أسعار السلع المستوردة بسبب الزيادة في سعر صرف الجنيه أمام الدولار فبالنسبة للسودان وقد أصبح وبفضل لعنة شعار "نأكل مما نزرع" كل ما يستهلك يستورد لم ينج من ذلك كما ورد في الأخبار "النبق" وهل يدري من قرروا تعويم الجنيه ورميه في تيار العرض والطلب علام سيستقر سعر صرف الجنيه وكم سيبلغ كيلو النبق التركي.
تخلف السودان وهو الغني بالمقومات الطبيعية للزراعة والرعي عن الثورة الزراعية الحديثة والتي إنتظمت العالم لمواجهة الحاجة المتزايدة للغذاء ومواجهة النمو السريع لسكان العالم والتي إعتمدت علي التقدم التقني الآلي والطرق العلمية في الإنتاج والتي تمكن من إنتاج أوفر وبتكاليف أقل. علي العكس من ذلك فقد دُمرالقطاع الزراعي وفقد الإقتصاد أهم مقوماته الحيوية. كذلك سترتفع تكلفة إستيراد مدخلات الإنتاج فينعكس هذا بالتالي علي أسعار المنتجات المحلية وتتضاعف معاناة المواطن مع جحيم الغلاء.

الإعتماد علي الإستيراد بشكل أساسي بدافع الربح الجشع لمنسوبي النظام وأتباعه مع التخلف في قطاع التصدير وإهمال وتدمير البنية الأساسية للإنتاج نتج عنه عجز في الميزان التجاري قدره د. صابر محمد حسن محافظ بنك السودان السابق في ورقته حول التحديات الاقتصادية للمرحلة المقبلة، "الفجوة في الإيرادات بحوالى (4.6) مليارات جنيه في موازنة العام الحالي، و(9.3) مليارات جنيه في العام المقبل، الى جانب تأثير فقدان البترول جراء الانفصال في زيادة عجز الميزان التجاري ليصل الى (4.7) مليارات دولار تمثل (6.4%) من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2012م، و(4.9) مليارات دولار تمثل (6.4%) من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2013م"

أن عملية تعويم العملة أو خفضها لاتكون ذات عائد أيجابي إلا إذا كانت تستهدف قطاع الصادرات لتشجيع الصادر وتعزيز الفائض في الميزان التجاري. تتجه الدول التي يكون فيها الطلب علي صادراتها قويا الي تعويم سعر الصرف بضمانة قوة الطلب علي صادراتها فيحدث هذا آثارا إيجابية في قطاع التصدير وينعكس هذا علي الإقتصاد بشكل عام.
المأزق الذي وقع فيه الإقتصاد السوداني هو الإعتماد علي البترول كسلعة تصديرية واحدة. فخطأ إعتماد الإقتصاد السوداني كليا علي النفط له سلبيات مزدوجة منها وليس على سبيل الحصر:

الإعتماد علي سلعة تصديرية واحدة يجعل الإقتصاد أكثر حساسية وتأثرا بالمتغيرات الفجائية أو ما يسمى في علم الإقتصاد بال economic shock وهو التأثير الناتج عن متغيرات خارج عملية الإنتاج كالعوامل المؤثرة في مجريات العرض والطلب أو كما حدث بالنسبة للنفط السوداني من سابقة نادرة, وهي عندما تذكر في حالة النفط ترد بإعتبارات المدى البعيد من نضوب النفط أو تراجع أهميته الإقتصادية عالميا, فقد اختفي ما يعادل 75% من انتاج النفط وهو يمثل أكثر من 85% من عائدات التصديرهكذا! وبسبب السياسات الهوجائية.

السلبية الأساسية الثانية هي الإعتماد علي تصدير المواد الأولية أو الخام وهو الخطأ الذي تقع فيه كل بلدان العالم الثالث والمستفيد الوحيد هو الدول الرأسمالية التي تستورد هذا الخام لتعيد تصديره لهذه الدول مواد مصنعة لتزيد هذه فقراً. المخرج الوحيد من هذه المعادلة الظالمة هو الإتجاه لتطوير عوامل الإنتاج من تكنلوجيا وإستثمار في الطاقات البشرية في الدول النامية.

يمكن لسياسة تعويم سعر صرف العملة المحلية أن تشكل ايجابية جذب الإستثمار الخارجي وهو قطاع يحتاجه الإقتصاد وبشكل ملح فالإستثمارات قد تساعد في تجسير الهوة في ميزان المدفوعات وتمويل عجز الميزانية. لكن عدم الإستقرار السياسي والمنعكس علي الأداء الاقتصادي للبلد يشكل عاملا منفراً لدخول رؤوس الأموال.

هذا يقود للحديث عن الآثار السالبة للتعويم علي ميزان المدفوعات والذي يعاني أصلا من عجز بسبب العجز في الميزان التجاري.تعويم وتخفيض سعر الجنيه يفاقم من العجز في ميزان المدفوعات لأنه يتسبب في تضخم حجم الديون. ويقدر حجم الدين الخارجي السوداني بحوالي 38 مليار دولار وإرتفاع الدولار يؤدي إلى زيادة القيمة الحقيقية للديون. ثم أن التعويم سيؤدي الي تكلفة قيمة فوائد القروض. وبهذا يتضاعف الخلل في ميزان المدفوعات. ما هو أدهي أن التعويم المطلق لا تحده قيود وقد يستمر الجنيه في الانخفاض حتي يتجاوز قيمته الحقيقية.

والكارثة المؤكدة هي تفاقم العجز في الموازنة العامة بسبب إرتفاع النسبة التي ستقتطع من الدخل القومي للصرف علي الواردات.

ما الذي يدفع بلد لتعويم سعر صرف عملته وهو يعاني من عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات ويعاني في الوقت نفسه من إضمحلال في قطاع الصادر وهو القطاع الوحيد الذي يمكن أن يعين تعويم سعر الصرف كي يفي بقرض تقليص التضخم و وتحسين القدرة الشرائية للعملة. إنه حقيقة إنتحار وليس غير ذلك. أم انها أستجابة مبطنة لضغوط من صندوق النقد الدولي إذ أن تعويم سعر الصرف يأتي غالبا علي قمة الوصفات التي تمليها هذه المؤسسة لجر الإقتصاد والسير به في طريق الإلتزام التام بآليات السوق المفتوحة. هذه كانت أو تلك, هي كارثة علي الإقتصاد السوداني.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,929,359,861
- إنفصال جنوب السودان - كيف وصلنا لهذا
- الطبقة العاملة وأوضاعها المعاصرة
- صعود اليسار في أمريكا اللاتينية
- حول مقدرة الرأسمالية علي التجدد - وهل يخرج إقتصادها متعافيا ...
- كيف تراجع مشروع النظام العالمي الجديد
- لذكري أكتوبر 1964 (السودان) - بين الثورة والنهوض العفوي للجم ...
- أخطبوط المنظمات غير الحكومية أختراع أمبريالي


المزيد.....




- القصة غير المحكية عن مركز دبي التجاري العالمي
- هل تجرؤ على مشاهدتها؟ اكتشاف أفعى نادرة برأسين في فرجينيا
- مصور سعودي يلتقط صورة تُثير -الدهشة- لإقليم سدير بالسعودية
- هل يدفع دونالد ترامب أمريكا للقراءة مجدداً؟
- خامنئي: منفذو هجوم العرض العسكري مولتهم السعودية والإمارات
- "الصحة العقلية" مادة جديدة تضاف إلى المناهج الدراس ...
- -مع مين؟-.. جسامة السؤال الملكي وتهافت الأجوبة
- تثبيت حكم بسجن بريطانية أدخلت دواء محظورا إلى مصر
- ابن سينا، الفارابي والرومي.. أتراك أم إيرانيون؟
- روسيا تعلن تطوير الدفاع الجوي السوري بمنظومة صواريخ أس 300 ا ...


المزيد.....

- كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن ... / عبدالله بنسعد
- آراء وقضايا / بير رستم
- حركة الطلاب المصريين فى السبعينات / رياض حسن محرم
- تقدم الصراع الطبقي في ظل تعمق الأزمة العامة للامبريالية / عبد السلام أديب
- كتاب -امام العرش مرة أخرى- / عادل صوما
- الطائفيّة كثورةٍ مضادّة السعوديّة و«الربيع العربيّ» / مضاوي الرشيد
- المثقف ودوره الاجتماعي: مقاربة نظرية المثقف العربي وتحديات ا ... / ثائر أبوصالح
- مفهوم الديمقراطية وسيرورتها في إسرائيل / ناجح شاهين
- فائض الشّباب العربيّ والعنف في تقارير التنمية البشرية العربي ... / ميسون سكرية
- مرة أخرى حول المجالس / منصور حكمت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نجاة طلحة - كارثة تعويم سعر صرف الجنيه السوداني