أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير عبد الرحيم اغا - توظيف الصور القرآنية في الشعر . قرأءة في مجموعة - مواقف الالف - للشاعر اديب كمال الدين















المزيد.....


توظيف الصور القرآنية في الشعر . قرأءة في مجموعة - مواقف الالف - للشاعر اديب كمال الدين


سمير عبد الرحيم اغا

الحوار المتمدن-العدد: 3710 - 2012 / 4 / 27 - 20:36
المحور: الادب والفن
    


توظيف الصور القرآنية في الشعر
قراءة في مجموعة " مواقف الألف " للشاعر أديب كمال الدين


لا شك ان " الصورة الفنية " هي قوام البنية العميقة لأي عمل أدبي ولا سيما الشعر منه ، فمجمل أجناس الخطاب الأدبي تشترك في مبدأ " التصويرية ، ولكنها تختلف فيما بينها في استعمال الصورة كما وكيفا " . 1 لقد بات " الإيماء بالصورة الشعرية من ابرز خصائص الشعر المعاصر بوصفها فعالية لغوية تخرج اللغة من بعدها الإنشائي إلى بعد مجازي تصوري او رمزي ، بمعنى انها علاقة لغوية متولدة "2 . والشعر الذي يعتمد الصور هو فعل نفاذ وفعل إضاءة بجوهر الوجود والصور بهذا المعنى " رؤية فكرية وعاطفية في لحظة من الزمن. ولعل هذا ما يرشحها لتكون " من اخطر أدوات الشاعر بلا منازع " 3
لقد تعرضت الصورة الشعرية شانها شان العناصر الفنية الأخرى إلى تطور في المفهوم والدلالة ، فقديما كانت تقف عند حدود الصورة البلاغية المجازية من التشبيه والاستعارة ، ولكن مع انفتاح عالم الشعر على المشهد الثقافي للحياة المعاصرة أخذت الصورة تتنوع وتتسع لتصبح أكثر شمولا ، فباتت تستمد مصادرها من منابع مختلفة ، ذلك انها في سعيها الى التوصيل والتواصل لن تكون عملا فنيا مكتفيا بذاته . بل تثرى بالتفاعل والتأويل الذين يعززان دورها في بناء الثقافة " 4 ولذلك لم يعد " الشاعر المحدث " يستقي من ينبوع ثقافي واحد او من مصادر معينة كما الحال في العصور الماضية ، فقد عمد الشاعر إلى (التناص ) مع الموروث المختلف أنواعه الأسطورية والشعبية والتاريخية والادبية فضلا عن توظيف تقانات الفنون المختلفة الأدبية منها وغير الأدبية للتخلص من اسر الغنائية والمباشرة وإثراء القصيدة بأساليب تستقيها من الفنون الآخرة " 5 .
لقد استثمر الشاعر اديب كمال الدين جميع هذه الإمكانيات مستعينا بموهبته في تصوير مشروعه الشعري بدافع من هاجس المغايرة فكان خطابه الشعري حافلا بمختلف التقانات الحديثة وأكثر ما يتجلى في مجال إنتاج الصورة الشعرية من مصادر شتى ، لما لها من دور فاعل في تحويل النبضة الفكرية إلى نبضة جمالية ، ومن خلال متابعة مسيرة تطور الصورة الشعرية في تجربة اديب كمال الدين يمكن رصد تحولا ت واضحة صاحبت عملية أنتاج الصورة ولا سيما تدرجها ، ولعل توظيف " الشعراء المحدثين " تقانات الأجناس الفنية .. يعد ابرز منجزات الحداثة اليوم بحيث يتم تبادل كثير من عناصر هذه الفنون لا ثراء النص الشعر ومده بدماء جديدة واليوم نحن مع حالة جدية يتم فيها توظيف الصور القرآنية في النص الشعري ، ونحن نعرف ان " التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن ، فهو يعبر بالصورة المجسمة المتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث الممسوس ، والمشهد المنظور ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها مجسما الحياة الشاخصة او الحركة المتجددة فاذا المعنى ذهني هيئة او حركة واذا الحالة النفسية لوحة او مشهد " 6
ونصوص او سور القران من قصص ومشاهد القيامة ، نماذج إنسانية ، المنطق الوجداني ، مضافا إليها تصوير الحالات النفسية ، وتشخيص المعاني الذهنية وتمثيل بعض الوقائع التي عاصرت الدعوة وهي تؤلف على التقريب أكثر من ثلاثة أرباع القرآن ، وكلها تستخدم طريق التصوير في التعبير .. فلا يستثنى من هذه الطريقة سوى مواضع التشريع وبعض مواضع الجدل ،
بهذه الطريقة وظف الشاعر أديب كمال الدين الصور القرآنية في مجموعته الجديدة " مواقف الالف " الصادرة عن الدار العربية للعلوم لهذا العام 2012 عبر انفتاح النص الأدبي على النص القرآني بما فيها فوائده الكاملة ، وهي مناظر شاخصة من صور وظلال ، وان مصادر الصور الشعرية لهذا المجموعة هي من النبع القرآني بكاملها حيث تتنوع الصور في معظم قصائد المجموعة وقد استعرضها في ( 55 ) موقف موزعة في قصائد قصيرة وكل هذه القصائد هي صور تستمد من آيات القرآن المعنى والنص والتضمين . تتوافر لها الصورة والحركة والإيقاع .
وبداية كل القصائد كانت هناك لازمة تصدرت قصائد المجموعة كلها "
أوقفني في موقف...
وقال :
وقد كانت هذه الكلمات .... مفتاح هذه النصوص وإضاءة لكل صوت امتلك إشعاعا خاصا للإيحاء بمنابع وآيات بالقرآن وكان ذلك هو يوم الوقوف والمقصود به هو يوم الامتحان ، كما انه قد افتتح المجموعة بآيات من السور القرآنية ، وهذا يعني ان النبع قد استقاه من سور القرآن
ومن القصائد التي ذكر فيها الجنة مثلا قصيدة " مواقف الألف " ص 12
كيف سأسقيك من انهار من عسل مصفى ؟
انهار لذة للشاربين
لا فيها لغو ولا تأثيم ؟
وكيف ستجلس في مقعد صدق عند مليك مقتدر ؟
كيف وقد قال من قال :
ياليت قوم يعلمون
فكيف سيعلم بك قومك
وهم يجهلون نجمك ؟
وفي المقطع الثاني يواصل
ثم انتبه إلى دمعتي وقال :
كل درجة بالف
وكل الف بمائة
وكل مائة بكف
وستحتار ايها اقرب
في هذه النص الذي يعتبر من أطول القصائد في المجموعة تعطي الصورة إيماءاتها تنوعا ويأتي استدعاء مفاصل الجنة والدعاء والمصير الذي يلف بالعبد حين لا يقود شراعه مبصرا ، وهو " الذي اقرب اليه من حبل الوريد " حتى ينتهي في نهاية معروفة
مصيري الى التراب
اذ خلقتني من طين
ولئن كان أول زاد الأنبياء إيمانا بالله ، فان الشاعر يستعين بكل مفردات وتعبيرات الآيات القرآنية " خلقتني ، اللهم اني عاشق ، " لا مغيث لها سواي ، لذة للشاربين " وغيرها من المفردات التي أشار إليها الشاعر .
وفي نص موقف " المهد " يقول في ص 19
أوقفني في موقف المهد
وقال : وضعتك إذ خلقتك في المهد
وكان مهدك على الماء
يتنقل من نهر إلى نهر
ومن بحر إلى بحر
والشمس تحيد به
ثم تغرب الى سواد عظيم
والنجم يحيد به
ثم يغرق فيه شيئا فشيئا
وأنت في المهد
تنظر وتبكي : إلى أين ؟
وقلبك فارغ كفؤاد ام موسى
تتداعى في هذا النص الصور القرآنية للمهد بمناخ الياس والتشظي ، حيث تتجسد مشاهد قصة موسى " عليه السلام " حتى رسى أخيرا في قلب أمه لتطمئن به ، في النص الصراع ، صراع الطفل مع البحر مع الموت وقلب الام المتلهف ينتظر ويتأمل ويدعو من الله ان ينقذه
يساءل ويصرخ الى اين ؟
وبعدها ماذا يحصل لهذا المرأة المغلوبة ..؟ فهو رسم الجدار الفاصل في صورة شعرية بين الحركة والجمود وفق النص القرآني. حتى يركب الشاعر غمار الابحار في نقطة النون
ويذكر اديب " موقف الصبر " ومن سار عليه
أوقفني في موقف الصبر ص 24
وقال : الصبر امتحان عظيم
فماذا ستفعل يا عبدي
اعرف ان كلماتك سترتبك
وينهار معناها
مثل جبل من الثلج
وستدمع عيناك مثل طفل ضائع
في السوق
ان منك إرادة يوسف الصديق ؟
وأين منك حلم يوسف
وقد ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ؟
واين منك ، قبل هذا صبر نوح وإبراهيم ؟
واين منك صبر من أرسلته رحمة للعالمين ؟
وأين منك صبر الأولين :
صبر علي والحسين
اين واين واين ؟
ان التكيف الدلالالي والإيمائي الذي قدمته القصيدة .. جعل منها مجالا رحبا لمعرفة ما يلامس القلب الحقيقة .. ويكشف ما في جوفها بطريقة ممتعة ومشوقة مستعينا بكلمة " الصبر " وهي كلمة ترمز إلى امتحان. كما ذكرت في القرآن ، حين امتحن الله سبحانه وتعالى نبينا " أيوب " وقد رسمت الصورة على لبس قناع ( ايوب ) بما انطوى عله من مستوى إيحائي مواز لنقل التجربة الشعرية ، استنادا إلى ماجاء في كتاب الله العزيز " وأذكر عبدنا أيوب اذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، ، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب " سورة ص، 41-43
والتردد الصوتي:
أين منك صبر ... اين منك صبر ؟؟
الذي منحها بمقابل التأكد والإرادة وجعله في امتحان حقيقي وهكذا يستقي اديب كمال الدين من هذا النص ما يناسب وخفة ما أراده فهو يشير إلى حزن ودرس الحادث دون الاقتباس المباشر منها .
ويتناول الحرف في مدار ملكوت الباري
أوقفني في موقف الحرف
وقال : الحرف حرفي والنقطة نقطتي
فكيف لك ان تفهم سر خلودي
وانت الذي يحمل الموت
في نبضة القلب ؟
وكيف لك أن تتجلى في ملكوتي
وأنت الذي يبكي على جرعة ماء
ورغيف خبز ؟
وقال : الحرف حرفي
ستجده في كهيعص
والم وطه ويس وق ون .
لا شك ان هذه الأوصاف للحرف تحفز المخيلة لرسم صورة اقرب إلى البصر منها الى الإذن .. وكأننا نبصر شخصية الحرف ماثلة أمام أعيننا في لحظة القراءة ولان قراءة الحرف في القرآن لها دلالة كاملة وليس حرف مجرد:
فالصورة الفنية من خلال صورة اديب كمال الدين من التصوير الذي لا وجود له فعليا في العالم الخارجي ، بل قد يكون الشاعر استعارها في المظاهر الخارجية مشهدا بالحدس والرؤيا فيصير من خلال عواطفه ومعاناته وهذه الصور تفيض عن الجمال المبدع الخالق .. وهو يتجلى في ملكوت الله
ونراه بصور الروح وهي السر العظيم
أوقفني في موقف الروح ص 41
وقال : هودا سرك الأعظم يا عبدي
فأنت لن ترى الروح حتى تموت
والروح لن تراك
لكنك ستتخيل الروح وردة تارة
ونهرا تارة أخرى
وتتصورها حلما تارة
ووهما تارة أخرى
وتناديها ملاكا تارة
وشيطانا تارة أخرى
وترسمها سوادا خالصا تارة
ووميضا ساطعا تارة أخرى
تعنى هذه الصور ما يمتاز به شعر أديب كما ل الدين من كثافة مقدما شيئا جديدا يستوحيه من صورة مبتكرة او مستوحاة من نبع " القرآن الكريم " وتصوير موهبته وقدرته .. حيث يجسد مشاعر حقيقية كاشفا عن علاقات جديدة بين عناصر الصورة وأفكار ومضامين جديدة تستنطق لغة القصيدة مثل " جبل من الثلج "" اين منك ارادة يوسف الصديق " وغيرها
ويصور في : موقف نوح : سفينة نوح وكيف صنعها وحمل فيها من كل زوجين اثنين
أوقفني في موقف نوح ص 44
وقال : يا عبدي
ارايت إلى صبر نوح
وعذاب نوح
ومحنة نوح
وسفينة نوح ؟
ارايت وقد قام بالقوم ألف سنة
الا خمسين عاما
ثم يختتم النص في ص 45
ارايت كيف حمل نوح الأمانة
وصبر وكان صبره كجبل احد
وعبر الطوفان
والناس غرقى
في يوم كأنه يوم القيامة ؟
صور عاقبة من عصاه وما يلقاه من عذاب تاركا للقارئ استكمال الصورة التي ينقلها إلى فكره ويصورها ما يعتيه وقد أفاد من قصة نوح كما تضمنها القران و شكل فيها صورة جديدة مستمدة من صور القران حيث ضمن القصة مع الإشارة الكاملة إلى تفصيلاتها . وكلها تبين بعض اوجه التناص مع الخطاب القرآني عبر سفينة نوح وكيف حملت أمته ، عبر الطوفان " " في يوم كانه يوم القيامة " وكان نصره على القوم الظالمين .
وقد تعامل مع المنبع الديني برموز ه وشخصياته كقوى مؤثرة كما في قصيدة "موقف عيسى "
أوقفني في موقف عيسى ص 51
وقال : يا عبدي
أرأيت إلى من كلم الناس
في المهد صبيا
أرأيت إليه وهو يقول :
سلام علي يوم ولدت
ويوم أموت
ويوم ابعث حيا
ارايت إليه
وهو الذي أحيا الموتى
بإذني
وابرأ الأكمة والأبرص بإذني
فأنزلت اليه مائدة من السماء
حيث يصور الشاعر قصة المسيح وربطها بما يعانيه وهذه تشكل عناصر في الصورة الشعرية وتعبير عن رموزه.الدلالة الزمنية للنص من خلال هذه الرموز اذ استخدم رمز سيدنا المسيح عيه السلام دليل العذاب والتعذيب والآلام التي يواجهها الإنسان المعاصر ، ويقابله في ذلك معجزات النبي عيسى التي سخرها الله له ونحن هنا أمام مشهد آخر هو أمه " مريم البتول " حين يقول :
وهو الذي حملت به مريم
ليكون محبة للعالمين
وقد حظي هذا التوظيف في قصيدة " موقف المصطفى " ص 53
اوقفني في موقف المصطفى
وقال : أرأيت إلي من رأى
من آيات ربه الكبرى ؟
أرأيت إلى من أرسلته رحمة للعالمين
وختمت به الأنبياء كلهم والمرسلين
وجعلت له الأرض طهورا ومسجدا
وجمعت على مائدته
قدح الصبر إلى قدم النصر
وماعون المحبة إلى ماعون العلم
وشراب الشفاعة إلى شراب الكوثر
أريت كيف أسريت به
إلى حضرتي الكبرى
من سماء إلى أخرى
فرأى من النور ما رأى
فكان قاب قوسين أو أدنى ؟
النص بانبساط فرض نفسه عنصرا دينامكيا يشتق صفاته من خلود الني المصطفى ، الإنقاذ والتخطي ليطل على حياة اسمى وأنقى وقد انتظم النص في خط متناسق تواصل مع مسار العنوان الذي خضع لنسق عفوي وهي تتحول من بيت إلى بيت تحكي الخطاب القرآني لصفات وبعض من سيرة المصطفى والخلاص الذي جاء به الى الناس وكيف أسرى به الله ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ورأى ما رأى في حضرت الرب
ان عملية الإبداع في حقيقتها أشبه بالوجد الصوفي ، تتبدى من خلالها أسباب التغاير الرؤيوي بين ما هو مرئي ظاهري وما هو محسوس ، اذ أن كلا من الشاعر والصوفي يمثل حنينه في استبدال المجتمع جذريا بآخر يوحد قواه الروحية في كل متناغم ،لان " الفن والدين كلاهما يضيء من مشكاة واحدة من ذلك القبس العلوي الذي يملأ قلب الإنسان بالراحة والصفاء والإيمان "
وقال في قصيدة " موقف العزة " ص 61
أوقفني في موقف العزة
وقال : أنا العزيز يا عبدي
والعزة لي وحدي
فمن نازعني فيها
ألبسته تاجا من الذل
وألقيت عليه ثوبا من الهوان
وقال : ان اكبر اسم لك
هو عبدا لله
واصغر اسما لك
هو عبد الله
في النص قيم تمحي فيها. ثوب الذين يصدون عن سبيل الله في صورة اشد اثارة للحس وترويعا للنفس .. تتخطى المقاييس وما الانفتاح على النفس لا الانفتاح على الضياع ، فليس بينهما تناقض بقدر ما هو تواصل وتكامل اذ كان الانغلاق برفض الهوان هو الشرارة التي أطلقت حريق الروح وأولجت الشاعر ملكوت السلام والاتزان الحق
والنفس قد تهيأت للتوحد التام بالذات الإلهية حيث يقوم الشاعر باستقصاءات عميقة وواسعة يتوصل فيها الى امتداد جذور الإنسان داخل بعض الضروب الحيوية
وقال في قصيدة " موقف الباب " ص 65
اوقفني في موقف الباب
وقال : الباب أبواب يا عبدي
هناك باب للفخر
وباب للمغرب
ثم باب للدمعة
والصرخة
والسكين
ثم باب السؤال
والمحال
ثم باب المغفرة
ثم باب التوبة
ثم باب الجوع
والفقر
والحرب
ثم باب الموت
ثم باب الحساب
فالمسرة
فالحبيب
ثم باب النجاة
ثم باب السكينة
ثم باب السلام
ثم باب الشوق
ثم باب الانتظار
ثم باب السأم فالعدم
فالعبث
فالهلاك
الذات الالهية مركز الكون يدور كل شيء في فلكها وما الذات الشاعر الا ظله الذي يمتلك تميزا وخصوصية ينكشفان عن طريق المعادلة الآتية ، الله --- الشاعر _________ القصيدة ، اذ ان تمثل الوعي الغيري يعمل على تدعيم أجواء القصيدة بالقوة الروحية فتتبلور ملامحها بالا مساك بالعوامل الملهمة وهذا ما عمل على كسر نمطية الولادة
وعلى اوتار الماساة الكونية يعزف الشاعر أديب كمال الدين مناجاته مع الرب ، والقوة في النص تجتمع مع الرحمة ، فينما امتلأت الأرض جورا وظلما جاء الأمر الإلهي بالنهاية خلاصا ،
وقال في قصيدة " موقف الماء " ص 69
أوقفني في موقف الماء
وقال : قف على الماء
فقد جعلت من الماء كل شيء حي
فوقفت
ثم قال : امش فمشيت
مشيت حتى الخطوة التالية
وفي الثالثة غرقت
فمد لي يدا من نور
ثم قال : امش فمشيت
حتى وصلت السادسة ارتبكت
وفي السابعة سقطت
حتى هلكت او كدت
فمد لي يدا من قات
وقال : امش ، فمشيت
وفي الخطوة الثلاثين
غرقت وطاف جسدي فوق الماء
فقال : انج فنجوت
وفي الخطوة الأربعين زلزلت
حتى عبر جسدي بحر الظلمات
النص مليء بالطمأنينة ، اذا ولد الماء طائرا جميلا دمجه الشاعر في الوعي ، وكان هذا مفترق الطرق بين النزوع نحو الرومانسية والخيال وولوج ابواب الواقع ، وان الفعل ( امش ) يمارس سطوته على النص اذ يقدم ضمن إطار الإلهي في خلق الإحساس بفدان السيطرة بالحياة من خلال فقد هذه الأشياء الجميلة ، ويستعلي النص طقوسا تصعده باتجاه خلق جو ( القرآن ) عكس في مفردات دينامية الحياة التي زالت عن أجواء النص
وفي قصيدة : موقف الغرق " قال ص 71
أوقفني في موقف الغرق
وقال : يا عبدي
كيف تنجو من الغرق
والبحر قد غرق فيك
يقوم النص على أنتاج شعرتيه من خلال تفاعل مجموعة الجزئيات ، حتى يتوصل المتلقي إلى شبكة تغذي بعضها بعضا بينهما الحوار ، بعد ان قاد الشاعر فكرة الإنسانية إلى الانكفاء او الغرق فالحوار أفضى إلى صناعة رموز إنسانية وروحية
وقال في قصيدة " موقف الانا "
أوقفني في موقف الأنا ص 75
وقال : يا عبدي كم أذلتك الأنا ؟
اناك هي ثقب روحك
واناك هي ثقب جهنم في جسدك
هي من يفسد فيك ما خلقته
في أحسن تقويم
لترده في سرعة البرق إلى أسفل السافلين ؟
اعتمد النص في أفق الأنا مع تركيز الشاعر على مزايا ومساوئ الأنا من خلال روحه وتقويمه مع التركيز على الذات الإلهية والنص ينبع من ترسيخ العلاقة بين الشاعر والانا ودلالة الأنا هنا " ثقب في الروح " بل جسدها بعبارة " ثقب في جهنم الجسد " وكل من يقول انا .. انا .. يفسد خلقته بل أخلاقه الذي خلقها رب العالمين في أحسن تقويم ، وهي استعارات لصور من صور القران الكريم من خلال عيني شاعر يمتاز بقوة تشكيل الحرف لصوره الشعرية التي تعتمد على تحريك اللهب الهائل لمفردات لفته الثرية بمفاصل الحياة
وقال في قصيدة " موقف البياض "
أوقفني في موقف البياض ص 76
وقال : أدهشك البياض يا عبدي
أم أدهشك الحرمان ؟
أدهشك المشهد
أم أدهشك اللون ؟
أدهشك الدفء
أم أدهشك الإصبع؟
أدهشك الدمع
فكنت على سجادتي تبكي ؟
أم أدهشك المصير
أنت كريشة تطير ؟
اللون الأبيض يتغلغل في أعماق النص حيث أن اللون هي كيانه المجسد في درجة الصفر ويكتسب حضورا استثنائيا في ولادة الدهشة الذي يتسم به اللون وهو لون النهار الصريح وموحيا ته يشتغل في ضدية مع الليل ، وقد كان اللون الأبيض هنا دلالة على الخير ، ولها تشكيل لوحة لونية تثير الدهشة من اللون إلى الدمع إلى المصير
وقال في قصيدة " موقف السلام "
اوقفني في موقف السلام ص 88
وقال : أعبر حاجز الظلمة
وهو بسبعة أبحر
فعبرت
ثم قال : اعبر حاجز الوحشة
وهو بسبعة أبحر
فعبرت
ثم قال : اعبر حاجز المرأة
وهو بسبعة أبحر أخرى
فعبرت
ثم قال : اعبر حاجز الناس
وهو بثلاثة أبحر
فعبرت
ثم قال : اعبر حاجز المرآة
وهو بثلاثة أبحر أخرى
فعبرت
النص يعطي مفهوم السلام الإنساني، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تفاصيله وهو يعبر حواجز الظلمة والوحشة والمرأة. والعبور يتم من خلال أكثر من بحر ، وبالذات سبعة أبحر ، وكذلك يعكس النص إحساسا بمفردات رقمية تتسع فضاءات دلالاتها فتنطلق سيلا من التأثيرات تتساوق مع هموم الشاعر الذاتية في صورة روحية وهو ما يبرر احتلال كل من الشاعر والقصيدة مركز السلام في بنية التراكيب ، العبور يمارس عادة في اختراق حواجز عصية ومن بحر إلى بحر وبشكل متسلسل كأنه حكاية من حكايات الوحشة والظلمة ومن اراد عبور البحر لا بد أن يجتاز هذه العوائق .. عوائق معنوية او مادية متخيلة في صور وتداعيات بارزة
أخيرا .....ان جذور الصورة تجد معادلها من خلال توظيف الصور القرآنية في سلسلة إعمال الشاعر المبدع اديب كمال الدين التي تسهم في تسليط الضوء على الجذور ، كما تستاثر تجربة الشاعر( اديب كمال الدين ) برسم خارطة النص بالتشكل مع فضاء الصور القرآنية ، وقد عبر عنها في مجموعة شعرية سابقة هي " نون "التي تجمع بين الدلالي والفني تغري الشاعر في الإبحار في بحر النون والحرف المبارك بالسورة القرآنية ولم يكن الشاعر ليحتفي بها لولا يقينه من كونها تمثل امتدادا لحروف أخرى كانت لها الحظ الأوفر في بحر اللغة " حيث يركب مسيرة الحرف المحفوفة بالأعاصير ، متخذا النبوة شعارا والمعجزة شراعا والنون عنوانا للضياع " 9
لقد استمدت أهمية هذه المجموعة من مضمون الآيات والقصص القرآنية وقد اتخذها الشاعر منطلقا لخوض تجربته في هذا الديوان لتوحي برحلة هي خليط وتنوع من ألوان وأجناس السور وردت مؤطرة بتعبير القران تستثير الذهن من خلال لفت الانتباه إلى جمالية الصور القرآنية بالعبارة الشعرية مع استثارة الفكر وتحفيزه للتأمل في خلق الله
كما ان الشاعر " أديب كمال الدين " قد نبه الى جمالية اللوحة القرآنية وما تثيره من إحساس بقدرة الخالق سبحانه في تعدد الصور خلق الله منها سلالات كثيرة وقد تعمد الشاعر إلى التعدد في الإشارات الى كل صور القران ولو بقصائد قصيرة وهو تنوع مقصود به التشكيل الحياتي للشعر وربطه بالصورة الواردة بالآيات الكريمة ، وقد رسم في قصائد هذه المجموعة المتميزة اجواء السور القرآنية من صفة التنوع الشعري من خلال التنوع الدلالي او من خلال الرمز وان كل المقاطع الشعرية تتراكب مع سير المعاني القرآنية عبر سرد حكائي مفتوح كما يسرد العناصر بإيحاء بسيط في صور شعرية متجسدة ومتخيلة بديعة برع فيها بتلقائيتها وعفويتها هي من جعلت النص تحفة أدبية
وقد مكن القارئ ان يتمتع بهذا الحس الديني لدى الشاعر خاصة مع التقائه بالشمولية إضافة إلى إيقاعه الداخلي ،
انها عملية تنقيب واكتشاف في عمق الوجود للألف من دون غيره ولعل هذا " ان تقدمت حرفا / وأنت حرف / تقدمت منك أبجدية / وقدتك إلى أبجدية من نور "
في النهاية ان هذه الصور الماثلة لدينا من ديوان " مواقف الالف " تكتمل فيه مدرسة اديب كمال الدين الشعرية وعلى منعطفات الرؤى الشمولية فلقد نجح في بناء خلايا الشعر من مفردات القرآن او التي لها طابع الافق الديني ، فهو شيق بلغته ممتلئ في داخله .. يسال في دهشة وبراءة متى نقف جميعا .. يوم الوقوف العظيم ..؟ تحية للشاعر وهو يرسم الصورة من منظور جمالي .. يتخذ من الصور القرآنية رسائل تبليغ لهذه العقيدة ... وتحية للذي كتب "مواقف الالف" من حضرة الحرف إلى سدرت المنتهى .
الهوامش
.........................................................................
مواقف الالف ، اديب كمال الدين ، الدار العربية للعلوم بيروت ، 2012
• 1- الصورة والثقافة والاتصال، محمد العبد ، ص 134
• 2- جماليات المكان ، غاستون باشلار ، ترجمة غالب هلسا ، ص 34
• 3- الصورة في التشكيل الشعري ، سمير الدليمي ، ص 87
• 4- المصدر نفسه ص 134
• 5- دير الملاك ، محسن اطيمش ص 32
• 6- التصوير الفني في القرآن ، سيد قطب
• 7- المصدر نفسه ، ص
• 8- البلح المر ، عبد الجبار البصري ، ص 157
• 9- حوار القرآن والشعر في " نون " اديب كمال الدين ، د حياة الخياري ، القسم الاول







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,365,710
- العمل الابداعي ومقياس الاشتباك
- ملحمة الذكر الخالد .. البناء والرؤيا
- ( اربعون قصيدة عن الحرف ) للشاعر اديب كمال الدين


المزيد.....




- الفنانة المصرية لبلبة تكشف عن الحالة الصحية للزعيم عادل إمام ...
- أوبرا وفعاليات ثقافية روسية متنوعة في السعودية (فيديو)
- وكالة -تاس- تقيم معرضا للصور الفوتوغرافية في الرياض
- مجلس الحكومة يصادق الخميس على مشروع قانون مالية 2020
- أوبرا وفعاليات ثقافية متنوعة روسية في السعودية (فيديو)
- الكندية مارغريت آتوود والنيجيرية برناردين إيفاريستو تتقاسمان ...
- وهم بصري نشره الممثل سميث يخبرك أي جانب في دماغك هو المسيطر ...
- بعد الخطاب الملكي.. مجلس النواب يعقد ندوة حول القطاع البنكي ...
- أسطورة أم بلطجي.. ما علاقة السينما المصرية بجرائم الشارع؟
- طبيح ينفي اقتراح لشكر اسمه كوزير للعدل في الحكومة


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمير عبد الرحيم اغا - توظيف الصور القرآنية في الشعر . قرأءة في مجموعة - مواقف الالف - للشاعر اديب كمال الدين