أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - رمضان متولي - ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وتماسك الجماعة؟















المزيد.....


ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وتماسك الجماعة؟


رمضان متولي

الحوار المتمدن-العدد: 3686 - 2012 / 4 / 2 - 03:12
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


لم تفقد جماعة الإخوان المسلمين قدرتها الفائقة على إثارة الدهشة. وكل من يتابع مواقف الجماعة ومناوراتها السياسية يكتشف تلك المرونة الهائلة في اللعب على مختلف المسارات، ويتأكد من أصالة انتهازية الجماعة ونزعتها الإصلاحية حتى في ذروة الأوضاع الثورية. وربما تقدم لنا مراجعة مواقف الجماعة منذ بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 دليلا راجحا على تلك المرونة الانتهازية والنزعة الإصلاحية الضيقة، من إعلانها عدم المشاركة في مظاهرات 25 يناير، إلى اندفاعها بقوة في هذه المظاهرات يوم 28 يناير عندما تطورت المظاهرة إلى انتفاضة قوية ضد نظام مبارك، ثم لقائها مع عمر سليمان الذي أصبح نائبا للرئيس المخلوع للبحث عن مكاسب وفرص الخروج من الأزمة، ثم انسحابها من التفاوض معه عندما أدركت أن سليمان ورئيسه ورموزه أصبحوا أوراقا محروقة وأن الموجة الثورية العارمة لن تتوقف قبل إزاحة مبارك عن السلطة الآن وفورا.

مراحل تحالف الجماعة مع المجلس العسكري بعد ذلك ووقوفها ضد المظاهرات والاعتصامات والإضرابات معروفة، حتى أنها لم تعد إلى الميدان إلا عندما حاول المجلس تهديد مكاسبها المتوقعة عبر وثيقة المبادئ فوق الدستورية التي سعى العسكريون إلى فرضها عبر المجلس الاستشاري. ثم كان نزولها الميدان مرة أخرى في مواجهة جماهير الثورة خلال الذكرى الأولى لانتفاضة يناير 2011 عندما حاولت دون جدوى أن تضفي طابعا احتفاليا عليها بينما كانت الجماهير تطالب بإزاحة المجلس العسكري واستكمال الثورة والقصاص لدماء الشهداء.

وقفت الجماعة طوال الفترة اللاحقة في مواجهة مع جماهير الميادين وأبدت حرصا شديدا على مقاعدها البرلمانية رغم إصرار المجلس العسكري على ألا تكون للبرلمان أي صلاحيات، بل وأصرت على مساندة حكومة كمال الجنزوري رغم المواجهة العنيفة التي جرت أمام مجلس الوزراء بين الأمن والمتظاهرين الذين حاولوا منع الجنزوري من دخول المبنى. واستمر شهر العسل بين الإخوان والمجلس العسكري حتى جاءت مجزرة بورسعيد متوجة عدة أزمات أخرى لتؤكد للإخوان المسلمين أن برلمانهم مجرد ناد رخيص لممارسة الثرثرة السياسية الفارغة، ولا صلاحيات له في سحب الثقة من الحكومة أو تعيين حكومة ائتلافية أو غيره.

وجاء قرار جماعة الإخوان المسلمين الأخير بترشيح المهندس خيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة المقبلة ليثير من التساؤلات الكثير مما يتلاءم مع ما عهدنا من مواقف الجماعة التي تتسم بالغموض والمناورة. لست مهتما هنا بمواقف من يسمون بالقوى المدنية التي بدت بائسة في هرولتها إلى المجلس العسكري حتى يتدخل ضد ما وصفوه بالنزعة "الاستحواذية" لدى الإخوان. إنما الأهم بالنسبة لي هو ما يمكن أن ينطوي عليه قرار الإخوان من تطور في علاقتها مع المجلس العسكري وحكومته من ناحية، وفي علاقتها بشعبيتها وجماهير الثورة من ناحية أخرى.

و يمكن تفسير هذا القرار على ثلاثة أوجه رئيسية: أولا، ربما جاء قرارها تصعيدا لصراعها مع المجلس العسكري على اقتسام السلطة إلى مرحلة أعلى. ثانيا، ربما يكون القرار جزءا من صفقة بين الإخوان والمجلس العسكري يتخذ تمريرها شكل المعركة بدلا من شكل التوافق الصريح. وثالثا، ربما كان هذا القرار خطوة بائسة تتخذها جماعة الإخوان متأخرة كعادتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد تراجع شعبيتها على خلفية مساندتها للمجلس العسكري وحكومة الجنزوري في مواجهة جميع التيارات الثورية التي رفضت بقاء العسكر في السلطة ووقفت ضد تعيين الجنزوري رئيسا للوزراء.

(1)

تصعيد الصراع مع المجلس العسكري:

لا شك أن علاقة الإخوان المسلمين بالمجلس العسكري شهدت فترات من الشد والجذب تصاعدت حدتها مؤخرا بعد مساعي الإخوان إلى سحب الثقة من حكومة كمال الجنزوري وفشلها في ذلك حتى الآن مع تصريحات لأعضاء المجلس العسكري والحكومة بأن البرلمان لا يملك صلاحية حجب الثقة عن الحكومة أو إقالة الوزراء.

شهر العسل بين جماعة الإخوان المسلمين وبين المجلس العسكري بدأ منذ أن تولى العسكر السلطة بتنحي الرئيس المخلوع عنها في 11 فبراير من العام الماضي، ثم قيام العسكريين بتعيين لجنة لتعديل بعض مواد الدستور دافع عنها الإخوان وحشدوا لها، خصوصا وأن اللجنة ضمت في عضويتها المحامي الإخواني صبحي صالح وكانت برئاسة المستشار طارق البشري، المحسوب على التيار الإسلامي. ووقفت الإخوان موقفها هذا من التعديلات الدستورية رغم معارضة جميع القوى السياسية الأخرى من يسار ويمين ورغم اعتراض شباب الميادين عليها. واستطاعت الجماعة مع السلفيين حشد الجماهير للتصويت بالموافقة على هذه التعديلات، حتى خرج المجلس العسكري في النهاية بإعلان دستوري ساندته أيضا الإخوان رغم اعتراض باقي القوى السياسية عليه. وفي مختلف المعارك التي دارت في الميادين ضد حكومة شفيق، ثم حكومة شرف الأولى والثانية، في المطالبة بمحاكمة مبارك، والقصاص للشهداء وحقوق المصابين، التزم الإخوان بالابتعاد عن الميادين وتأييد المجلس العسكري والزعم بأن المجلس لا يطمع في السلطة. حتى إذا تقدم الدكتور علي السلمي بما عرف بوثيقة المبادئ فوق الدستورية واقتراحات بتشكيل الجمعية التأسيسية حتى نزل الإخوان المسلمون والسلفيون إلى الميادين رافضين لها في جمعة وصفها الناشطون بجمعة "قندهار". وتراجع المجلس العسكري عن الوثيقة وانتهت الأزمة واستمرت مساندة الإخوان للعسكريين حتى أنهم أيدوا حكومة كمال الجنزوري ووصفوا المتظاهرين بالبلطجية، واستدعوا شبابهم لاعتراض المتظاهرين في أول اجتماع لمجلس الشعب رغم أن المتظاهرين كانوا يطالبون بتسليم السلطة للبرلمان وعودة العسكريين إلى الثكنات. وكان قد سبق هذا المشهد خروج الإخوان المسلمين في الذكرى الأولى لانتفاضة 25 يناير للاحتفال واصطدموا مع المتظاهرين الذين كانوا يطالبون العسكريين بالعودة إلى ثكناتهم ومحاكمة من ارتكبوا منهم جرائم ضد الثوار.

بدأ الصدام كما قلنا آنفا عندما حاول الإخوان المسلمون في البرلمان سحب الثقة من حكومة الجنزوري خاصة بعد مجزرة بورسعيد وفشلوا آنذاك في إقالة وزير الداخلية، ثم أعقب ذلك تصريحات من كمال الجنزوري ومن المجلس العسكري بأن البرلمان لا يملك إقالة الحكومة. غير أن الصدام يمتد إلى ماهو أبعد من سحب الثقة من الحكومة. ذلك أن المجلس العسكري يسعى إلى إعادة إنتاج نظام مبارك بحذافيره ويريد نظاما رئاسيا وحكومة تنفيذية لا سلطان للبرلمان عليها حتى يحاصر التيار الديني داخل أروقة البرلمان للثرثرة الفارغة فقط دون أن يكون للأغلبية البرلمانية تأثير حقيقي على الإدارة التنفيذية. وقد بدا ذلك واضحا من قانون الانتخابات الرئاسية الذي قام العسكر على إصداره قبل انعقاد البرلمان بساعات وتضمن العديد من المواد المعيبة وكان أخطرها تحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية من الطعن عليها أمام المحاكم مما يعني توفير فرصة للتزوير لتصعيد رئيس يرضى عنه العسكريون.

إلى جانب ذلك، رغبة العسكريين، وربما إصرارهم، على أن تخرج الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور بدستور رئاسي يمنح صلاحيات واسعة للرئيس بينما يسعى الإخوان المسلمون إلى دستور أقرب إلى النظام البرلماني يجعل اختيار رئيس الوزراء لزاما من حزب الأغلبية في البرلمان ويحصر صلاحيات الرئيس في شئون الدفاع والأمن القومي والموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية ويجعل حتى اختصاص الشئون الخارجية بالمشاركة بين الرئيس ورئيس الوزراء. ورغم إقرار جماعة الإخوان المسلمين بمنح القوات المسلحة ومصالحها الاقتصادية وميزانيتها وضعا خاصا في ترتيبات الدستور المرتقب، لم يرض المجلس العسكري عن ذلك مما يتضح من الخلافات الشديدة حول تشكيل الجمعية التأسيسية وما يتردد من ضغوط يمارسها المجلس على بعض الجهات لسحب ممثليها منها. وكل ما يردده الليبراليون وغيرهم عن ضرورة أن يكون الدستور توافقيا، وعدم مشروعية مشاركة البرلمان في وضع الدستور وغيره ماهو إلا لغو فارغ لإثارة الغبار حول تدخل المجلس العسكري في تشكيل الجمعية ومحاولته السيطرة على صياغة الدستور الجديد بما يضمن النتائج التي يريدها.

على خلفية هذا الصراع حول اقتسام كعكة السلطة بين العسكريين والتيار الديني، قامت جماعة الإخوان فعلا بتمرير قانون انتخابات الرئاسة رغم المادة المعيبة فيه التي تتيح فرصة للتزوير، على الأقل عند إعلان النتائج النهائية، دون أن يستطيع أحد الطعن فيها أمام أي محكمة. وفي مقابل ذلك، حاولت الجماعة أن تجعل صلاحيات الرئيس محدودة في الدستور الجديد لكنها ووجهت بضغوط المجلس العسكري وانسحاب العديد ممن تم انتخابهم في الجمعية التأسيسية بدعوى عدم مراعاتها "للتوافق الوطني". في نفس الوقت، اكتشفت الجماعة أن محاولتها حجب الثقة عن الجنزوري أو كسب صلاحيات محددة للبرلمان تجعله أكثر قليلا من مجرد مجلس للثرثرة السياسية الفارغة تواجه بإصرار المجلس العسكري على التمسك بهذه الحكومة وعلى أن البرلمان لا يملك حق إقالتها، بل والتهديد بحل البرلمان إذا استمرت الجماعة في إجراءات إقالة الحكومة. ولأنها تدرك أن ذلك قد ينسحب أيضا على الرئيس القادم إذا جاء بالصلاحيات التي يريدها العسكريون، قامت الجماعة بالعدول عن موقفها السابق بعدم المنافسة على منصب الرئيس وعدم تأييد أي مرشح ينتمي إلى التيار الإسلامي، ودفعت بمرشح من كوادرها هو المهندس خيرت الشاطر إما للضغط على المجلس العسكري للتراجع عن محاولة عزلها داخل أروقة برلمان بلا صلاحيات، أو للاستحواذ على منصب الرئيس الذي قد يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة في الدستور إذا نجحت محاولات المجلس العسكري في تغيير تشكيل الجمعية التأسيسية والتأثير على نصوص هذا الدستور.

(2)

تمرير صفقة في صورة معركة:

جماعة الإخوان المسلمين تجيد عقد الصفقات مع السلطة المتنفذة، وكان ذلك ديدنها في عهد مبارك وما بعد مبارك. وفي اتخاذ الإخوان المسلمين قرارا بترشيح خيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة المقبلة العديد من المبررات التي تشير إلى احتمال وجود صفقة ما بين العسكريين والجماعة. يتضح ذلك من قراءة خريطة المرشحين لمنصب الرئيس من التيار الديني من ناحية ومن المحسوبين على نظام مبارك، الذين يميل إليهم المجلس العسكري بالطبع، من ناحية أخرى، خاصة أن باقي المرشحين لا يتمتعون بفرص كبيرة في الفوز بمنصب الرئيس.

لدينا من التيار الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا، والشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل، والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. والأخير تحديدا كان عضوا قياديا في جماعة الأخوان المسلمين وكان من أسباب خروجه من الجماعة إصراره على ترشيح نفسه لمنصب الرئاسة رغم موقف الجماعة السابق الذي يرفض ترشيح أي من أعضائها للمنصب. ومن الواضح أن المجلس العسكري لا يرغب، أو لا يثق، في فوز أي مرشح من التيار الديني بمقعد الرئيس ويفضل أحد المرشحين الذين عاشوا وتربوا وكانوا أضلاعا أساسية في نظام مبارك، مثل عمرو موسى، أو أحمد شفيق أو عمر سليمان أو غيره من الذين خرجوا من عباءة القوات المسلحة. من ناحية أخرى، هناك العديد من الأنباء التي تشي بأن هناك داخل جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة شباب وقيادات كثر يرفضون موقف الجماعة الرسمي الرافض لتأييد عبد المنعم أبو الفتوح، كما أعرب المرشح الأخواني نفسه عن ثقته في الحصول على تأييد عدد كبير من شباب وقيادات الجماعة له في الانتخابات، مما قد يقوي مركزه في مواجهة المرشحين الذين يميل العسكريون إلى مساندتهم.

هناك أسئلة مشروعة في هذا الصدد لم تقدم الجماعة عنها أي إجابات عند إعلانها ترشيح خيرت الشاطر. إذا كانت الجماعة قد قررت العدول عن موقفها السابق وخوض انتخابات الرئاسة فلماذا لم تعلن عن تأييدها لأحد كوادرها السابقين وهو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي يحظى بقبول أيضا من العديد من القوى السياسية الأخرى والذي أعرب في مناسبات عدة عن احترامه وتقديره لجماعة الأخوان، بل واعتزازها بانتمائه إليها؟ وإذا كان قرارها في ذلك يرتبط بتوافق ما تتوقعه وتسعى إليه مع قوى سياسية أخرى تنتمي إلى التيار الديني، فلماذا لم يعلنوا تأييدهم للدكتور سليم العوا الذي يحظى بتأييد حزب الوسط، أو الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل الذي يحظى بتأييد واسع من التيار السلفي؟ ألم يكن في ذلك خيارا أفضل بالنسبة لهم بدلا من الدفع بمنافس جديد إلى حلبة الانتخابات الرئاسية والسعي بعد ذلك إلى إقناع بعض القوى الإسلامية مثل حزب النور إلى دعم المرشح الإخواني؟

لم يتضمن قرار الجماعة إجابة على هذه الأسئلة، وكل ما قدمته من مبررات في دفع الشاطر إلى حلبة المنافسة على مقعد الرئاسة لا يتعارض مع تأييد أحد هؤلاء المرشحين الذين ينتمون للتيار الإسلامي، مما قد يوحي بأن الدفع بالمهندس خيرت الشاطر له هدف آخر هو تفتيت أصوات التيار الديني لإتاحة فرصة أكبر للمرشحين الذين يرضى عنهم المجلس العسكري، خاصة أن الجماعة ترغب بالتأكيد في احتواء شبابها وقياداتها الذين يرغبون في التصويت لصالح مرشح إسلامي، وكانت الكفة تميل لصالح عبد المنعم أبو الفتوح في غياب مرشح إخواني آخر. ومما قد يرجح أيضا احتمال وجود هذه الصفقة أن المجلس العسكري ربما يسعى إلى التوفيق بين القوى التي أعلنت انسحابها من الجمعية التأسيسية وبين حزب الحرية والعدالة للخروج من مأزق لجنة صياغة الدستور، أو حتى يتوقف عن الضغط على بعض أعضاء الجمعية من الليبراليين وممثلي بعض الجهات من أجل إعلان انسحابهم منها.

إذا كانت هناك صفقة من هذا النوع، فإن جماعة الإخوان قررت إخراجها على هذه الصورة التي تبدو كأنها معركة ضد المجلس العسكري والحكومة، وبذلك تحاول إعادة تماسكها الداخلي عبر تأييد مرشح ينتمي إلى الجماعة وتجميل صورتها التي جرحت بعد تحالفها الطويل مع العسكريين. وفي هذه الحالة، ربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

(3)

محاولة بائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:

ربما لا يكون القرار انعكاسا لصفقة بين الجماعة وبين المجلس العسكري ولا جزءا من تصعيد الصراع فيما بينهما، بل مناورة من الإخوان لاستعادة التماسك في صفوف الجماعة من ناحية وإنقاذ شعبيتها التي تدهورت خلال الفترة الماضية من ناحية أخرى. والقراءة المتأنية لبيان الجماعة بشأن ترشيح أحد أعضائها في انتخابات الرئاسة يكشف عن سعيها لأن تغسل يديها من جميع الإخفاقات والجرائم التي ارتكبت في حق الشعب المصري خلال الفترة التي أعقبت تنحي الرئيس المخلوع وحتى الآن. حيث يحاول البيان تصوير المعارك التي دارت حول التعديلات الدستورية والمبادئ الحاكمة "والدستور أولا" ونظام الانتخابات وغيرها على أنها معارك مفتعلة هدفها إعاقة تكوين المؤسسات الدستورية والجدول الزمني لانتقال السلطة، متناسية أنها في كل هذه المعارك الوهمية كانت تنحاز إلى موقف المجلس العسكري الذي صنع كل هذه الارتباكات من أجل خلق معارك ثانوية وفق خطته لإجهاض الثورة والالتفاف على مطالبها الحقيقية، وكانت جماعة الإخوان المسلمين أهم القوى المساندة له في ذلك فيما عدا مسألة المبادئ الحاكمة للدستور التي سعى المجلس من خلالها باللعب مع القوى الليبرالية لتحجيم نصيب الجماعة في كعكة السلطة في المرحلة التالية، وكانت هذه هي معركة الجماعة والسلفيين على وجه الخصوص فيما طرح الثوار شعار "الثورة أولا، والفقراء أولا" في مواجهة شعار الليبراليين "الدستور أولا" وشعار الجماعة "الالتزام بخطة المجلس العسكري التي وردت في اسىتفتاء مارس 2011."

وفي نفس البيان، تحدثت الجماعة عن عدم تجاوب السلطة التنفيذية مع مجلس الشعب ومحاولتها صنع الأزمات وتعويق أداء البرلمان وعدم استجابتها لمطالب الشعب التي قامت من أجلها الثورة، في محاولة جديدة لتبرئة الجماعة وحزبها من الجرائم التي ارتكبت في حق هذا الشعب، ناسية أن الجماعة أدانت رسميا في أكثر من مرة خروج الشعب في مظاهرات واحتجاجات واسعة لرفض تلك الحكومة بمجرد الإعلان عن تكليفها من قبل المجلس العسكري وكانت جماعة الأخوان وحزبها تؤيدها وتعضدها بل وتمتدحها أحيانا مع النواب المنتمين إلى حزب النور في البرلمان.

ويستمر البيان في محاولة تبرئة الجماعة من أوزار الفترة الانتقالية وكأنها لم تكتشف إلا الآن أن السلطة التنفيذية المتمثلة في المجلس العسكري وحكوماته المتعاقبة إنما كانت تسعى منذ البداية إلى إجهاض الثورة والالتفاف عليها، وأننا "وصلنا إلى ما يمكن أن يعد إهدارا لمقدرات البلاد ويضاعف من خطورة عدم الاستقرار، الذي تمثل في الانفلات الأمني والأزمات الاقتصادية والمعيشية المفتعلة، الخ."

هكذا تعود الجماعة مرة أخرى لترتدي قناع النضال وتزعم في بيانها الذي جاء متأخرا دهرا أنه "أصبح الاستمرار في هذا الأمر والسكوت عنه في رأي الأخوان تقصيرا وخطيئة في حق الوطن وتضييعا للأمانة التي حملهم إياها الشعب الذي انتخبهم بإرادته الحرة، تسأل عنها أمام الله ثم أمام الشعب والتاريخ." هل تذكرون شيئا بهذا المعنى في شعارات شباب الثورة في الميادين وعلى صفحات التواصل الاجتماعي كان موجها ضد جماعة الإخوان المسلمين بسبب تحالفهم مع العسكريين على تعليب الثورة داخل أروقة برلمان منزوع الصلاحيات وبسبب تأييدهم لحكومات تكونت من فلول نظام مبارك وبسبب إدانتهم لمظاهرات واحتجاجات العمال واتهامهم للمتظاهرين بأنهم معادون للثورة ومأجورون ومخربون؟! هل لم يكتشف الأخوان إلا اليوم مسألة الدفع بمرشح رئاسي أو أكثر من بقايا نظام مبارك ودعمهم من فلول الحزب المنحل وأعداء الثورة لمحاولة إنتاج النظام السابق مرة أخرى؟ ألم يكتشف الإخوان بعد أن النظام مازال قائما وأنه لم يصبح نظاما "سابقا" بعد؟ وهم أصحاب المقولة الزائفة "الثورة على الثورة" في محاولتهم تشويه ما دعا إليه الشباب بجمعة "ثورة الغضب الثانية"، ورغم ذلك مازالوا يتحدثون في بيانهم بأن مجلسي الشعب والشورى هما الإنجاز الأهم للثورة الذي تم حتى وقتنا هذا. برلمان بلا صلاحيات هو الإنجاز الأهم للثورة من وجهة نظرهم القاصرة، وهو لا يعدو في الحقيقة إلا أن يكون إنجازا للإخوان يحاولون ببيانهم الهزيل ألا يدفعوا تكلفة كونه كذلك محاولة لتعليب الثورة وسحب الشرعية من الميادين.

نعم قد يكون قرار الإخوان المسلمين بطرح خيرت الشاطر مرشحا للرئاسة مصحوبا بهذا البيان وتلك المبررات محاولة لاستعادة تماسكها وغسيل يديها من جرائم محاولات إجهاض الثورة، وإخفاقها وفشلها في الوفاء بعهودها للجماهير التي انتخبت أعضاءها. لكنها محاولة بائسة ومتأخرة لأن مواقف الجماعة ودعمها لسيناريو وإجراءات إجهاض الثورة سجلت بدماء الثوار في الميادين وبدفاع الأخوان المستميت عن رموز الثورة المضادة الذين قادوا البلاد إلى هذا المنعطف.

(4)

نقطة اللاعودة:

لقد وصلت جماعة الإخوان في موقفها المعادي لثورة الميادين والمصانع إلى نقطة اللاعودة، ولم يعد بإمكانها إلا أن تستمر في مناوراتها وتفاهماتها مع المجلس العسكري حول اقتسام كعكة السلطة. أما الثورة فما زال أمامها الكثير حتى تطرح نفسها بقوة على ساحة الصراع، وهي تمر حاليا بمراحل من المد والجزر، وتتعرض للقمع تارة وللاحتواء تارة أخرى، لكنها بالتأكيد مازالت في مراحل بناء القوة، وأملنا جميعا في استمرارها حتى تقتص لدماء شهدائها وتحقق أهدافها، وآنذاك لن يكون لأخوان ولا عسكر مكان عندما تنتصر إرادة الثوار.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,322,634,031
- قطار الثورة يفضح أعداءها تحت القبة
- الثورة المصرية وخطر الفاشية
- الثورة المصرية مستمرة والتنظيم ضرورة لمواجهة أعدائها
- لا شيء تغير في بر مصر
- -أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟- شكرا يوسف إدريس!
- هل الماركسية فلسفة حتمية؟
- لعبة السياسة وإهدار الحقوق في معركة القضاة والمحامين
- حتى وإن كان -نجيبا-
- سفاحون ومنافقون وسماسرة
- معضلة التغيير في مصر أكبر من غرور النخبة وأحلامها
- الضحايا المجرمون وسلطان الزمان
- وطن الدكتور نظيف
- مؤسسة الفساد: -كل ناسها بياعين-
- الطائفية بين رجال الدين ورجال الأمن
- لا أمان في أرض لم نحررها
- لا نسمع ولا نرى، نضرب ونعذب فقط
- أسئلة الأستاذ أسعد – محاولة للتفكير
- دستور يا دكتور!
- البشر قبل الأرباح
- من أجل العدالة والحرية في إيران


المزيد.....




- تونس: تنامي ظاهرة عروض العمل -الوهمية- في الخارج!!
- موت جندي أمريكي في حادثة -غير قتالية- في العراق
- القرم الروسية تستضيف 50 طفلا و40 عسكريا جريحا من سوريا
- فرنسا.. ارتفاع حدة الاشتباكات بين محتجي السترات الصفراء والش ...
- أطول علم مصري في الدقهلية في يوم الاستفتاء على الدستور
- الدفاع التركية: مقتل 4 جنود قرب الحدود العراقية
- ردا على دعوة رسمية.. ناشطة سعودية تعلن شروطها للقاء سفيرة ال ...
- العراق يعتزم استضافة مسؤولين برلمانيين من إيران والسعودية ضم ...
- فيديو جديد للحظة مقتل صحفية في أعمال شغب بأيرلندا الشمالية
- معارك طرابلس -الفصل الأعنف في الصراع على النفط- بحسب بعض الص ...


المزيد.....

- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - رمضان متولي - ترشيح الشاطر: مناورة أم صفقة أم محاولة بائسة لغسيل اليدين وتماسك الجماعة؟