أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الأول






















المزيد.....

المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الأول



أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 3659 - 2012 / 3 / 6 - 12:50
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة


الروايات (8)


د. أفنان القاسم


المسار

مسار حلم ممنوع


رواية


القسم الأول


نسخة مزيدة ومنقحة


الطبعة الأولى المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1981
الطبعة الفرنسية دار لارماطان باريس 2004


إلى القائد الراحل
جمال عبد الناصر



في الخارج، طائر الليل.
كان صداحه يبحر في الكون راحلاً على مراكب الدجنة، وشعبان يصغي دون أن يرى الطريق، دون أن يبذل حركة واحدة. بدا كلحظة في الزمن ساكنة، وكحل العشب الأسود لا يضيء هدبه الطويل، ونبض قلبه وبدن الأرض المجبول بنبضه لا يتجادلان كما كان عهده بهما حتى الماضي القريب. كان في الجانب الأيسر من السقف صدع جرى ترميمه، دون فائدة، إذ أن بضع نجوم قاتمة تسقط هناك، وعند قدمي شعبان كومة قذرة من ثياب رثة يلفها غطاء بالٍ ممزق الحواشي، على فترات متناسقة تعمل عمل المنفاخ، ثم لا تلبث أن تطلق زفيرًا حادًّا. لم يكن شعبان يفرق بين أن تكون هذه العفونة ابنته ذات السنوات الخمس، أم مستودع القمامة بعد أن أفرغوه عند مضجعه. صار زفير الطفلة شخيرًا مزعجًا، ولأول مرة، اختلجت عينا شعبان: راح يحرك قدمه، ويثني عنقه، ويرمي يده. بدا عليه التعب، ونبتت على محياه هموم، وتحول شخير الطفلة إلى محرك جرار يقلب الأرض بغضب، وفي أذنيه صار هناك ضجيج بلا مستقر. وجد نفسه يرفع يديه إلى أذنيه، ويدفن رأسه في مخدة القش، ويثني من حوله الفراش، لكن ذلك كله لم يكن مجديًا. ظل يعتصر داخل نفسه، ودفعة واحدة، حمل المخدة، وألقاها، بأقصى قوة، حتى آخر الكوخ، فسقطت بضعة صحون وأوانٍ فيها شروخ، وهي تحدث جلبة، من أحد الرفوف. وفي الحال، نهضت زوجه، وشعبان يضغط أسنانه، وهو يهمهم بضيق:
- أيتها الملعونة! أيتها الملعونة!
دنت زوجه منه، وسألت على عجل:
- ما الذي وقع؟
وقد تخلل صوتها اضطراب وقلق. لكنه قذف ابنته بقدمه، وصاح متذمرًا:
- هذه الجروة التي لها أنفاس الشيطان!
فزعت الطفلة، ونهضت من نومها باكية. نادت على أمها التي سارعت إلى إشعال مصباح الكاز، واندفعت تضمها:
- لماذا رفست البنت؟
وهو يرمي رأسه بين قدميه، وهي ما زالت تقول:
- أيها المجنون! أنت لست بعقلك، أيها المجنون! لماذا رفست البنت! أيها المجنون!
فضاعفت عنده الغضب:
- سأقتلها ... سأقتلها يومًا بيديّ هاتين!
وما لبثت أم شعبان أن تحركت، ونهضت بنصفها العلوي، وراحت تجمجم بصوت نصف نائم:
- يا لها من أسرة شيطان، أسرة حمير!
اعتدلت، وراحت تشد بيد عصبية شعرها الأجعد الذي لوثه المشيب:
- يا لها من أسرة جدها الأول كلب! تحرموننا حتى من قليل الراحة! عندما يطلب أحدنا أن ينام بعض الوقت!
كان شعبان لم يزل يرمي رأسه بين قدميه، وكان يغلي:
- لقد جاء دورك، أيتها العجوز، لقد جاء دورك!
لكنها قاطعته بغضب:
- لقد جاء دور العبيد ليلقوا الأحطاب في المجامر!
وفي ذات الوقت، حط نظرها على الحطام، فزمجرت بعد أن ذهب عنها نومها:
- تفعل كل هذا ولا يأتي دوري! أنت، يا فعل الشيطان! أنت، يا ابن الحرام! يا ابن الرذيلة!
فكر شعبان: (( ابن الحرام! )) فأخذ بعض الثياب العفنة، وراح يحرقها، وأمه لم تتوقف بعد عن إرسال الشتائم:
- سوف ترقّص عضلاتك غداً كي تشتري لنا غيرها، أنت، أيها الرجل الشجاع العاطل عن العمل منذ عام! ستأتي لنا بآنية الفضة! لكني، وأقسم بشيب رأسي، لن أقدم لك ما تزدرده طعامًا بعدما فعلته الليلة إلا بوعاء البول!
رمته بقطعة زجاج ردها بكفه، فانشق في كفه جرح. أطلقت زوجه صيحة، وعضت على شفتها السفلى، بينما أخذ شعبان يعوي:
- أيتها الشمطاء! يا زوجة الجن! يا أم العفاريت!
ونهض.
لكنه أطار صوابها، والصدى يقول لها: (( زوجة الجن! ))، فأنشبت أظافرها في عنقه:
- سأقتلك، سأقتلك، أيها الولد العاق! أيها الولد الشرير! سأقتلك، يحق لأمك أن تقتلك!
صراخ الطفلة بعد أن ألقتها أمها أرضًا صار ندبًا، راحت زوجه تشد أمه بعيدًا عنه، لكن أظافرها انغرست في لحمه، وبدأ عنقه ينزف. وعلى مرأى الدم الذي راح يشق أنهارًا صغيرة بين الأصابع المتعاركة ارتاع قلب الزوجة:
- ستقتلينه! افعل شيئًا، يا شعبان!
لكنها أصبحت أقرب إلى هرة مفترسة، والزوجة تولول:
- ستقتلينه! ستقتلينه! لماذا لا تفعل شيئًا، أيها الشقي؟
رفع قبضته إلى أقصى ما يكون، وأهواها على الصدر الناتئ، فهوت العجوز كتمثال يقوم منذ عصور، وانهارت باكية، وهي تولول، وتجدف:
- أيها الولد العاق! أيها الولد الشرير! جدك الكلب كان نذلاً لتكون أنت أحسن منه!
فجذبته زوجه:
- تعال، سأضمد لك هذا، كادت تقتلك!
- لن أمكث ...
- ولكنك تنزف! لن أدعك تنفق دمك باطلاً!
- هذا بيت الشيطان، وأنا ذاهب!
دفعها عنه، وراح يجري قاطعًا الحقل، وزوجه تصيح من ورائه:
- ستأكلك الذئاب! لا تتركني وحدي، يا شعبان! إذا ذهبت ألقيت ابنتك في البئر!
دون أن تتوقف البنت عن البكاء، ويختلط الأمر على السامع، فيحسب أن هذه جروة حبسوها، وها هي ذي تنبح، تريد أن تفلت من بين القضبان. بينما أم شعبان تزل تئن، وصوتها الحاقد الباكي يقول:
- إلى الجحيم، لتذهبوا كلكم إلى الجحيم! جدكم الكلب تراه أين ذهب هو الآخر؟ كلكم تعرفون الطريق جيداً، إلى الجحيم!
لم تحتمل زوج شعبان عويل ابنتها أكثر، رفعت يدها، وأهوتها على فمها، وأخذت تردد بقسوة:
- لتبكي، أيتها العاق، لتبكي أكثر، لتندبي حظ أمك!
أصابتها لوثة، فأخذت تهوي بيدها على الطفلة أينما هوت حتى أصبح لون الصغيرة أقرب إلى الزرقة. أخيرًا، سقطت دموع الأم، ضمتها إلى صدرها، وراحت تهمهم:
- أيتها الشقية! أيتها الشقية!
انحنت فوقها، وحملتها، وخرجت إلى شجرة التوت.

(( أيها الطائر الليلي الغاضب... ! ))
كان شعبان يفكر، وقد غاص في الليل، إنه لن يعود إلى بيته. كانت فرصته التي انتظرها منذ زمن بعيد، وتذكر: (( أيها العاطل عن العمل... أيها الولد الشرير! )) سيشق الأرض كالمحراث المصمم، وسيصعد قمة الجبل، سيقف قليلاً، فقط ليجمع بعض أنفاسه، وسيهبط. أول شيء سيفعله: سيقطع الحدود إلى الضفة. الضفة – الحلم! سيطأ بقدمه حلمه، وسيجمعه بيديه قطعة قطعة، ولن يعود، بعد ذلك، حلمه الذي بعثروه، والذي منعوه عنه بالقوة.
ألقى شعبان بنفسه قرب السيل، وراح يغسل دمه: (( الدم الحرام الذي يجري في عروقك سوف يمتصه الطين! )) جمع في يده بعض الطمي، وعالج به جروح عنقه: (( هذا حسن! )) انتشرت النشوة في أطرافه، وأخذ يشعر بطعم الطين البارد في أعماقه. نهض بقامته المديدة حتى لامس أعراف شجرة برتقال، هزها بيديه، واستمع إلى حفيف الأوراق. راحت ألحان طائر الليل المغني، وهمسات الماء الجاري، تذوب في عنقه، تدغدغ له شفتيه، وتفعل هزاتها في خاصرته فعل الأنامل على أوتار قيثار. قطف بعض الأوراق الخضراء، وكسا بها الجروح، ومن جيبه أخرج منديلاً ملونًا ربطها به، ثم عاد إلى ضفة السيل، ولوث كفه بالطمي. راح الليل يضفي على هذه اليد الخارجة من التراب عنف يد مومياء ضلت جسد صاحبها، لكن شعبان كان يمتلك هذه اليد، هذه اليد بالذات كانت جزءًا منه، حملها إلى حيث أخذ مجلسًا تحت شجرة البرتقال، أجلسها في حضنه، واسترخى ساكنًا سكون البحيرة. راح يفكر: (( لم يبق على موعدي مع محمود إلا قليل )). انتظر لحظة، ثم قال: سأقول له طلقت البيت، طلقته. لسوف يفغر محمود فاه، ويقول لي مضطربًا: ليس بمعقول! زوجتك المسكينة لم تزل شابة! أنت العالة على غيرك، أتفعل هذا؟ سأضحك، وسأقول له: طلقت البيت، أيها الأبله، بمعنى أنني لن أعود إليه ثانية إلا وأنا (( رجل ))! طلقت الحجارة الرطبة، السقف المصدّع، حطمت أواني الأكل المشروخة، أحرقت ثيابي العفنة، أسلت دمي المغضوب، وأنا الآن جديد! سوف يقهقه، أعرف محمود، وسوف يقول: انظروا إلى هذا الجديد الملطخ وجهه بالطين! خرجت يا ترى من القبر أم ماذا؟
رفع شعبان يده الذبيحة على مقربة من عينيه، فأحس بالألم. كان الدم المجبول مع التراب يسير في ثلاث شعب، وكان قد عاد يفكر:
(( سأترك أمينة والبنت، لكني سأعود إليهما بالمال بعدما أدخل الضفة، هناك سأجد العمل الذي لم أجده هنا. ستغضب أمينة، أمينة الطيبة ستغضب، ولكن حين عودتي، وعندما ترى كيف تغيرت الأحوال معي، ستصفح. أنا أعرف، لها قلب أبيض من القطن! أما تلك العجوز، فلربما تكون قد ماتت ... )) وتردد: (( لن تموت على مثل تلك السهولة، لن تموت قبل مئة سنة، جذورها القديمة راسخة كشجرة التوت! ستدفن أمي جسدي بيديها، هذه ليست نبوءة، ستدفنني أمي بيديها، حتى ولو عشت مئة سنة أخرى، عند ذلك، سأطلب منها أن تغفر لي، لكني، مع هذا، سأدخلها جهنم، فلتنتظر! ))
عاد بذاكرته إلى ما قبل عام، إلى ما قبل أن يصبح عاطلاً عن العمل: (( لقد حاولت كل شيء، كل شيء، لقد حاولت كل شيء، ولكني فشلت! )) سبع سنين طويلة، سبع سنين مريرة، قضاها في المدينة. تنقل بين حيفا ويافا وعكا، عمل نادلاً وحمالاً وجامع خراء، وسموه شالوم وموشيه وحآم! خلعوه من الأرض بعد أن ذبحوا زرعها أو جعلوها جدباء كأرض مهجورة، ليطارد الحلم في المدينة. كان حلمه الأول الذي انشل منذ اللحظة الأولى، منذ الصدمة الأولى، مما احتاجه ذلك إلى سبع سنين من الزحف الطويل في المهانة: نظرات الشك التي طاردته رغم أنهم بدلوا اسمه، ورطوبة القبو التي حفرت رئتيه رغم أنه في قلب قريته. تذكر شعبان أجساد أفقر الناس كيف تختلط أذرعها وأقدامها وأنفاسها الفائحة برائحة البعر والبول كأنها أمعاء خراف تلعبط في عتمة القبو الرهيب، عشرون أو ثلاثون مطروحًا في مكان لا تزيد مساحته عن بضعة أمتار مربعة: (( كان علينا تجاه أنفسنا واجب واحد فقط: أن نبقى! كان علينا أن ننام لننهض، وأن نَكُرّ لِنَفُرّ، وأن نهجم على الحياة لنتشبث بها، فلا تغدرنا، وتذهب. ونحن لهذا، كنا في آن واحد أضعف الناس وأقواهم! )) تذكر روزا، ابنة معلم المقهى الذي كان يعمل عنده، كانت ترفض أن تبادله الحديث، أو كانت تهاجمه دون سبب، فهو سيبقى في ظنها مجرمًا رغم شكله النظيف، ورغم اسمه (( الجديد ))، لا يمكن منحه الثقة: كانت تخشى أن يغتصبها! وحينما حاول شعبان ملاطفتها مرة، طرده أبوها، وسلمه إلى الشرطة.
أطلق شعبان نفسًا ضائقًا، وقال: آه، يا إلهي! لم يكن حلمًا، كان جحيمًا! وهو، لهذا، كان يهرب إلى حقده، وإلى الخمر، أو الحشيش، إلى عالم لا يكلفه الجهد الكبير. أن يشرب، ويشرب، ويشرب. وأن يحقد، ويحقد، ويحقد. العالم كله حشرات، والعرب كلهم أنذال، والوطن عجوز شرس. بعثت إليه أمه، ذات يوم، من يبلغه براءتها منه، وبعث إلى أمه، ذات يوم، من يبلغها براءته منها. تمنى لو ينحرها كالنعجة الجرباء، لأنها هي السبب، قبل أن يكونوا هم السبب، في كل شيء، فلو كان غنيًا كصديقه الدرزي قاسم، لما حصل له ما حصل، أو لو لم تكن لهم الأرض، لما طاردوه، لما طردوه منها، ورغم أنه تعلم العبرية قراءة وكتابة، فإن ذلك لم يكن مجديًا، لقد بقي عربيًّا، لقد بقي الموصوم: بعروبته أولاً، ثم بإسلامه، رغم أنه لم يصلِّ في حياته مرة واحدة. شيطان هو، وهم الملائكة الذين يدق بالخطيئة قلوبهم. لقد بقي الموصوم، لقد بقي شعبان، لقد بقي شعبان، لقد بقي شعبان. وأخذ يصيح: نعم، نعم، لقد بقيت أنا! تشبث بالأرض، وراح يلهث من وراء حلمه الجديد، حلمه الممنوع: مهما يكن من أمر، سأقطع الحدود إلى الضفة! تذكر الأرض: وصمته وبراءته، عقابه وجزاءه، موته وحياته، وأكد أنه لا يتركها، فهو سيعود إليها بعد أن يأتي بالحلم الممنوع. مرت على قلبه ريح حنون، عندما فكر أن أمه ستبقى في الأرض، أمه الأقوى من الشيطان ستبقى في الأرض، وستبقى في الأرض كالشوكة في الحلق.

(( أيها الطائر الليلي الغاضب... ! ))
كان على شعبان أن ينهض، آن له أن يذهب ليلقى محمود، فمنتصف الليل موعدهما. كان يحب أن يقطف بيديه ما رغب من تلك الزهيرات اللألاءة، والتي تزدهر بها حديقة الليل، لكن الرغبة أمر، وتحقيقها أمر آخر، إذ لم تمهله أمواج الدجنة التي بدأت تجرف كل شيء. فكر أنه سيقول له: (( ليس لدي مكان آوي إليه، وهأنذا ألجأ إليك ريثما أتدبر أمري )). تذكر ريتا، ريتا (( العربية ))، كما كان يصر أهل القرية على دعوتها، سيذهب عندها إن وجد نفسه مضطرًا إلى ذلك، رغم خصامه معها منذ زمن ليس بالقصير. وعاد يفكر في دخوله الضفة: كيف يمكن له أن يفكر في التنفيذ، وهو لم يرسم بعد الخطة، خطة امتلاك الحلم؟ كان على محمود أن يرسم الخطة: (( عليه أن يرسم الخطة، عليه أن يخبرني بما أنا فاعل، وليطمئن بعدها، فأنا لم أعدم من ذكاء! ))
صدم بجذع شجرة زيتون، فأطلق تجديفه. آلمه كتفه، وراح يرسل أنفاسًا متلاحقة: (( هذه الليلة من الشيطان... من الإثم! )) حث خطاه، وقبل أن يصل إلى السياج الدائر بحقل صديقه، وقف قليلاً ليستجمع قواه. كان قد ارتفع هناك في قلب الحقل ركامٌ من الطوب المحترق بالليل على شكل حجرة، وكان ذلك بيت محمود. لاحظ شعبان ضوءًا واهنًا عبثًا يحاول الهرب من ثقوب النافذة، فيتكسر، لشدة العتمة، من على بعد أمتار: (( الليل القاسي... ! )) رفع رأسه إلى السماء: ماتت حديقة الليل، ولم يعد يرى إلا الدجنة، حتى أنه لم يستطع أن يشاهد حركة ذراعه إلا بصعوبة. كانت غيمة كبيرة بقدر السماء قد راحت تهبط نحوه، فاقترب من السياج، وهو يفكر أن عليه أن (( يتطهر ))، فلربما الجلسة تطول حتى الصباح. جمع نفسه عند عارضة السياج، وفك سرواله. أخرج عضوه بيده السليمة، وبعد أن برم عليه أصابعه، أحس أنه ثقيل، ففكر بغرور: (( أقبض على وحش! )). كان مسرورًا إذ ينقله على يده، رغم أنه كان دبقًا بعض الشيء، وكانت تفوح منه رائحة. وبعد أن ضغط قليلاً، انفجر من الفم الدقيق سائله الأصفر، وراح شعبان يصغي. كان ينسج، خلال ذلك، حكاية أخرى، غير التي وقعت في كوخهم، إلى أن بذل آخر قطرة. وقبل أن يضع عضوه في سرواله، شعر بالأسف، وهو يفكر أن هناك مواقف يتطلب معها الحزم، رغم أنه يشعر شعورًا لا يحتاج معه إلى تأكيد أنه قصّر في القيام ببعض الواجبات التي ليس للحزم معها أية أهمية. تذكر شعبان زوجه التي هي في أمس الحاجة إليه، زوجه الشابة التي هي في أمس الحاجة إليه هجرها. دفع عضوه في سرواله، وأقفل عليه.
همهم شعبان: (( لم يعد الآن وحشًا، لم يعد سوى زهرة ذابلة... ! ))
التفت من ورائه، كان لا يحوجه الالتفات، لكنه التفت من ورائه دون أن يتفقد شيئًا على التحديد. تعثر بحجر، لكنه لم يبال بكونه تعثر بحجر، ونسي ذلك تمامًا بعد الخطوة التالية. اقترب من النافذة ذات الضوء المتكسر، وهو يرفع قامته الفارعة: منتصبًا، قويًا، قدماه في صندال مرقع، وعلى كتفيه سترة من الجلد. كان يدفع بكتفيه العريضين الليل، بينما يخفت بالتدريج، كلما اقترب من النافذة المجتاحة بالظلام، غناء طائر الليل.
وصلته قهقهة ماجنة، تبعها صوت كأس سقطت، وتحطمت. كان شعبان يعرف صاحب القهقهة، إنه حارس الحاكم اليهودي، المغربي الأصل، يعقوب. ما الذي أبقاه إلى مثل هذه الساعة؟ أنصت قليلاً قبل أن يطرق الباب، فسمع محمود يقول بصوت سحرته كؤوس المدام:
- سآتيك بكأس أخرى، أيها اليهودي.
كانت خطوات محمود تصل إلى أذنه، وهو يرفع قدمه ليلقيها من جديد، محدثة نفس الوقع الذي تحدثه حوافر الخيل التعبة بعد طول تجوالها. راح يستمع إلى محمود، وهو يخاطب يعقوب:
- ولكنك ستنقدني ثمنها، فأنت تدري كم دائرة جبايتكم دقيقة في حساباتها، وفي يوم لن يكون بعيداً، ستطالبنا بفروجنا عندما نعجز عن الدفع، ولسوف تحفظها في زجاجات مملوءة بالماء المالح، عارضة إياها في بعض المتاحف المشهورة لتجني حصيلة رزقها بعد أن تكتب إعلانًا تعلقه على باب صالة العرض يقول: (( هام! فروج عربية محفوظة! مئة بالمئة صالحة للاستعمال! ولزيادة الاطمئنان منقولة في ثلاجات للحيلولة دون أدنى فساد! )) ستهرع الفتيات الشابات منكم على الخصوص لتتأمل هذه الفروج التي تحتفظ بحيويتها وعنفوانها واندفاعها البعيد المدى، وستحمر وجنتا الواحدة خجلاً، بينما تهمس الأخرى في أذن أبيها مثلاً، وهي تغنج: لماذا لا تشتري لي فرجًا عربيًّا، يا أبي؟ لا تخش شيئًا، سأقرضه، اذا ما احتاج الأمر، وتغمز بعينها... لأمي! وكأنها تودعه سرًّا، إذ تشد أذنه في فمها قائلة: سيوفر عليك أتعابًا كثيرة أنت في غنى عنها تقوم بها خلال الليل!
انفجرا ضاحكين، ووجه يعقوب العريض الساخر الملحم يهتز انتشاء، لكنه قال بحركة مهددة من يده:
- سأقطعه لك بيدي هاتين في الوقت الذي يأمرون فيه بذلك.
كان محمود قد أحضر كأسًا، وقد تشنجت سيماء وجهه، فارتفع يعقوب على قدميه واقفاً حتى لامس أنفه أرنبته، وبعد أن داعبها بعض الشيء، قال شبه هامس:
- إن لك أنفًا مدببًا يشتهي المرء قضمه بأسنانه، وها أنت تسمى صاحب حظ الآن، فأنا لم أفعل ما اشتهي!
قال محمود مرتبكًا:
- هيا، كف عن هذه اللعبة، هيا!
- أعطني كأسي.
- عشر ليرات.
رفع محمود الكأس إلى مستوى نظره، كانت نموذجًا مصغرًا من كؤوس الفضة التي يقدمونها في الملاعب الرياضية لمن يفوز بالبطولة.
قال يعقوب:
- سأكون المنتصر، وسأحتفظ بالكأس.
- ستكون لك حرية التصرف بها، ولكن الدفع أولاً.
أخرج يعقوب من جيبه محفظة محشوة أسال مرآها لعاب محمود، تناول ورقة ذات ليرات عشر، ومدها إليه، ثم ما لبث أن سحب يده بسرعة:
- وما يدريني أنك ستعطينني الكأس.
كست وجه محمود سحابة من الحزن:
- إن ما بيننا أثمن من كأس زجاجية وعشر ليرات إسرائيلية، يا يهوديّ، نحن يجمعنا إله الخمر العظيم، خمر جيروزاليم المقدس! نحن تجمعنا متعة الكأس والإصرار على شرب آخر قطرة من اللذة فيها! وتجمعنا أيضًا قطعة الخبز هذه، يجمعنا إله الخبز، ولا تنس أننا، أنا وأنت، صديقان حميمان، منذ زمن بعيد، أنا وأنت صديقان حميمان، يا يهوديّ!
دفع شعبان الباب، ودخل.
حينما وقعت عينا محمود عليه استضاءت به شفتاه، وقال معجلاً باقي كلماته:
- سأعطي لشعبان الكأس، ولتفعل أنت مثلي بنقودك، وعلى شعبان أن يسلم عكس ما أعطاه كلانا إلى الآخر.
اندفع يعقوب بكرشه المهتزة، وهو يشد الورقة النقدية بين أصابعه. كان الدم يغلي في صدغه، وكان يفكر بحذر: لم يزل هناك خمر في الزجاجة! أغمض عينيه، ومد يده المكسوة بالشعر إلى شعبان، ثم قال دون أن يفتحهما.
- إني أعطي هذه للشيطان!
فانقلب محمود على ظهره ضاحكًا، وناول الكأس بدوره لشعبان قائلاً:
- أعطني حقي.
أعطي شعبان لكل حقه، ثم قال ببسمة شاحبة:
- كلاكما مضحك! إن الأمر لا يحتاج إلى مثل هذا التعقيد.
هتف يعقوب:
- لكنها أصبحت كأسي، إنه أنا الذي انتصر!
أشعل محمود عود ثاقب، وبدأ بإحراق الورقة النقدية، بينما أخذ يعقوب جنون الضحك:
- أحرقت ورقة نقد إسرائيلية، ولم تحرق إسرائيل! لم تحرق إسرائيل!
وكأن أحدهم يفرك أصابعه في جنبيه، بقي بجلجلة يضحك، وقد شاهد شعبان دموعًا تتساقط من عينيه لشدة ما ضحك. وصله الصدى: ((لم تحرق إسرائيل! )) قال لنفسه: ها هو يصب الخمر في كأس بطولته، ويعبه بظمأ وهوس، ولا يكف عن الضحك! وأضاف: ولكنه لا يدري أنه لا يفعل سوى أن يغسل بالخمر المقدس أسنانه.
أخيرًا، استطاع يعقوب أن يضع حدًّا لضحكه، وقال، وهو يرفع حاجبين مثقلين:
- من الواجب أن نشرب نخب أحدهم، يا صديقيّ اليتيمين، فهذه مناسبة طيبة! أما زلتما هنا؟ أنتما تزيدان سكري بهذه الهيئة، هيئة الضلال التي أرغب في سلخها بسكيني! لتصنعا حركة، هيا! فلتصنعا حركة، أيها الفلاحان الأحمقان!
كانت ابتسامة محمود التي تتمتع بمنطقها دومًا تتربع على شفتيه، تقدم جالسًا قرب يعقوب، وقال:
- ولماذا ترانا لا نشرب؟ سنشرب نخبك، فأنت المنتصر، ألم تفز بالكأس؟
بعثت كلماته في نفس يعقوب السكرى الطرب، فرفع كأسه، وهو يمد ذراعه إلى أقصاها، وصاح مشيراً إلى نفسه:
- نخب هذا اليهودي المنتصر!
وبعد أن أدنى يعقوب الكأس إلى شفتيه، توقف، والتفت نحو شعبان بعينين متسائلتين:
- وهذا، ما باله لا يشاركنا النخب؟
قال شعبان:
- لم أعد أشرب الخمر منذ عدت من المدينة.
- لماذا؟
- لأنني لم أعد أشرب الخمر وكفى.
- بل لأنك حمار! من لا يشرب الخمر حمار!
أشعل النار في صدغه:
- من لا يشرب الخمر ليس حمارًا يا (( جاكوب ))!
أخذ مطر من النار يزخ في عينيه، فحنى يعقوب رأسه الضخم المجتث الشعر بتثاقل، واستدار نحو محمود محاولاً أن يتفادى ذلك، ثم قال، وهو يرخي ابتسامته الدبقة:
- إنه يسميني (( جاكوب )) كما كانت تسميني تلك اللعينة أمي!
- وحسبما قيل لي، كما تناديك زوجة الحاكم التي تبذل عند النطق بعض اللهثات كي توشيه بالنفس الحار!
- نعم، وعلى الخصوص، عندما تحتاج مني إلى خدمات.
- وأية خدمات هي؟ (سأل، وهو ينظر إلى شعبان من طرف
خفي... ) لا بد أنها خدمات تحتاج إلى الكثير من العناء حينًا، والكثير من التوسل والرجاء الذي لا يخلو من اللهفة واللوعة حينًا آخر! وأنت، كعهدي بك، صمود أيها اللعين، صمود حتى عندما تشتد الأمور، وتتحول إلى أزمات!
- نعم، نعم، صمود حتى عندما تشتد الأمور، وتتحول إلى أزمات... (( وراح يكرر )): أزمات... (( ثم رفع كأسه، وهتف بانشراح )): نخب الأزمات!
وقبل أن يقرعا كأسيهما، همس محمود في أذنه:
- نخب الإستات!
في سورة السكر ضج كلاهما، أفرغا كأسًا، وراحا يترعان أخرى. مضت فترة من الزمن صاخبة، بعدها، حلت لحظة واعية، أحسا من خلالها غباءهما، وكآبتهما، فسقط كلاهما بين يدي شعبان الممدودتين على فخذيه كقطعتين من الحطب، وتاها في عينيه المفرغتين اللتين لم يعد فيهما نور أو نار. سقطا في هيبة نظرته الغريبة، فدب في قليبهما الرعب. وحينما أحس أنهما على وشك الصراخ في وجهه فزعًا، ابتسم لهما بهدوء، وقال بأسى:
- يجب أن أنصرف.
حلت بينهم، فجأة، ألفة جديدة، فنظر إليه محمود بمزيج من الخدر والتساؤل:
- إلى أين؟ لم يدفأ الكرسي من تحتك!
- أريد العودة إلى البيت، فالوقت يمضي، وقد تأخر بي الوقت أكثر من اللازم.
رفع محمود يده إلى شعره، وراح يشده خصلة خصلة:
- ترى من أين أتيت يا ترى؟ من البيت، أليس كذلك؟
فكر شعبان: (( محمود لا يسكر ))! ومع ذلك، فقد أحس في كلماته الثقل والبلادة، وغطس في بحرٍ أمواجُهُ من صمغ:
- كنت في الحقل طوال الوقت، أنتظر موعدنا.
وبعد أن سكت شعبان قليلاً أضاف:
- من الأفضل أن أترككما معًا.
أطلق محمود ضحكة قوية، وراح يقول، وهو يهز رأسه هزات متتالية:
- أنت أخيرًا ذاك الطفل العاقل جداً المؤدب جداً الذي يرفع إصبعه بهيبة ووقار باتجاه أستاذه! الحقيقة أن كلمة (( الأفضل )) هذه تسحرني!
عاد يضحك من جديد إلى أن قال بلهجة آمرة:
- لسوف تبقى، فأنت لا تجلس على رؤوسنا، أليس كذلك يا يعقوب؟
فكر شعبان: (( إنه يمثل دوره! )) واستمر يغطس في بحر الصمغ إلى أن سمع يعقوب يقول:
- الذي لا بد من قوله إنني أنا الجالس على رأسه، وما هي سوى برهة قصيرة ننهي بها زجاجاتنا، وأفرنقع.
لكن محمود أمسكه من كتفه، وجذبه اليه، فانهدم يعقوب كالجبل في اتجاهه:
- أتظن ذلك؟ أتظن ذلك يا يهوديّ؟ أتظن أنني سأفلتك بمثل هذه السهولة؟ هذه ليلتنا!
جمجم شعبان: (( خراء! ))، وتغضنت أساريره. بدا له أنهما يسرفان عواطفهما كعاشقين، وقد لاحظ شهوة مبهمة تجتاح شفتي يعقوب المائعتين.
لانت أوداج يعقوب:
- إذا كان الأمر كذلك، فأنا كسول خامل يروق لي الجلوس إلى أبعد حد، ولكن هذا يثير اشمئزازي بسحنته الملطخة.
كانت إشارة متعمدة واحدة إلى شعبان كافية كي تدفع محمودًا إلى اكتشاف الحال الذي يعاني منه صديقه، فنهض، واقترب منه بتهمل، ثم ما لبث أن قال بدهشة، وهو يلامس بيده عنقه:
- لكني لم ألاحظ ذلك من قبل، أية يد مجرمة فعلت بك هذا؟
تصنع شعبان كذبة:
- إنها قطة ريتا.
رفع يده الذبيحة مشيرًا إلى الجروح التي في باطنها، ثم قال، وهو يحاول الابتسام:
- كلانا ليس على وفاق مع الآخر، أنت تعرف ذلك، فأنا لا أحبها منذ البداية، وهي تكرهني كرهًا شديدًا.
أكمل محمود بلهجة ساخرة:
- ولهذا أكلت كفك، وأنشبت مخالبها في عنقك.
وضحك بملء شدقيه.
قال شعبان:
- أنت ترى إذن كم هو طريف هذا!
- لكني ... لكني أعلم، حسبما أعلم، أنك وريتا متخاصمان منذ زمن ليس بالقصير.
والتفت إلى يعقوب غامزًا:
- إن أخواتنا اليهوديات بقدر ما يعشقن بقدر ما تمتلئ قلوبهن كرهًا!
عاد وتوجه بالكلام إلى شعبان:
- أما إذا كانت علاقتك بريتا قد عادت كالماضي، فها أنت تضعني في موضع الشك، وتضفي على رأيي فيهن نوعًا من البطلان وعدم القطع.
قبل أن يفتح شعبان فمه ليجيب، سارع يعقوب إلى القول، وابتسامته الدبقة تلتصق بكل شيء:
- الشيء الذي لا يعرفه أحد سوانا أن في كرههن العسل المصفى، أيها الفلاح الفاسد الخيال! إن الذي تعتبره كره ريتا لهو غرام ما بعده غرام، وهو، في ذات الوقت، منة إلهية!
وراح يميل برأسه إلى الإمام وإلى الوراء كمن يزن كلماته:
- نعم، اعتبره منة إلهية... إنه منة... منة إلهية...
لم يحتمل محمود ذلك أكثر مما احتمل، أحس أنه لن ينتهي، كان عليه أن يوقفه لئلا يصاب بالدوار، فتوجه بالكلام إلى شعبان:
- لم تجبني يا شعبان بعد، هل هي ريتا الماضية أم ريتا أخرى؟
قال شعبان:
- إنها ريتا (( العربية )) دومًا! لا تنس هذا: (( العربية ))!
وكأنه أنهى إلى يعقوب نكتة مدوخة، فرقع ضحكة تزلزلت لها الجدران، وراح يؤكد من طرفه:
- إنها يهودية عريقة! يهودية عريقة!
رفع شعبان قدمه، وحطها فوق كرسي، ثم نظر إلى السقف:
- أما عن قطتها تلك، فهي فهدة، ينقصها أن تفترس أحدهم، ومن الواجب أن يرموها في الغاب ثم... ثم إنها لا تحظى بتشجيع ريتا أبدًا! إنها تذكرني بروزا، ابنة معلم المقهى الذي كنت أعمل عنده في عكا، كانت إما أن ترفض محادثتي وإما أن تهاجمني دون سبب، وقد كنت مسالمًا كقروي يخرج من بطن قريته لأول مرة.
قال محمود، وهو يدفع كرسيًا تحته:
- لا يمكن للمرء أن يبقى مسالمًا إلى الأبد.
تساءل يعقوب بدهشة:
- وما قصدك؟ أتراك تثير الحقد في قلبه؟
أطلق محمود ضحكة، وقال:
- حذار! إنه يحقد عليكم، إنه يحقد عليكم كلكم!
نصب يعقوب عنقه، ومصمص شفتيه:
- ولماذا يحقد علينا؟ ماذا فعلنا له؟ ماذا فعلنا له كي يحقد علينا؟
تركه يردد بشوق ليعرف:
- ماذا فعلنا له؟ ماذا فعلنا له؟
قال شعبان في قلبه: (( لم تفعلوا لي شيئًا، فقط جعلتم من حلمي جحيمًا، وحفرتم في كبدي الموت، أليس هذا كافيًا؟ ))
سمعه يجمجم:
- ولكنه حي... (( أراد أن يوضح موقفه، فتلمظ، وهو يصنع بلعابه خيطاً راح كلما تكلم يلصق كالصمغ بين شفتيه )): من عادتنا أن نعري الأموات، أما هو، فنحن لم نعرِّ إسته (( انفجر ضاحكاً، وهو يسعل، وأوداجه تصطفق، وكأن به لوثة )): لم نعرِّ إسته... نعم، نعم، لم نعرِّ استه!
انقض شعبان عليه، ورفعه من خناقه، لكن محمود فصله عنه في اللحظة المناسبة، ويعقوب يرغي ويزيد:
- أيها القذر الجبان!
كان يعقوب قد طار في الهواء خفيفًا كطابة، وكان شعبان قد توقد كسهم ناريّ، لكنه بقي مشدوداً إلى قوسه، إلى أن أسقطه محمود في العجز من جديد. فكر يعقوب: (( يا له من وحش قوي كالوعل القطبيّ! )) ثم رفع قبضة مهددة، وقال إنه سينتقم للإهانة التي لحقت به، ولا يغب عن بالهما أنه حارس الحاكم الخاص، وهو لا يأتي هنا إلا بدافع من صداقته لهما، وعاد يهدد من جديد، فأخذ محمود يعتذر:
- لكنه مزاح، بعض المزاح... إنه بعض المزاح!
وهو لا يكف عن حدج شعبان حدجًا مؤنبًا متواصلاً.
بحث يعقوب عن كأسه مرتبكًا:
- أين هي كأسي؟ أعطني كأسي!
أعطاه محمود كأسه، وصب له خمرًا كثيرًا:
- اشرب، يا يهوديّ، وانس ما حصل، لا أحد هنا يريد إهانتك.
أشار يعقوب إلى شعبان:
- وهذا، ما باله سيء المزاج الليلة؟ ما باله أحمق بعض الشيء؟ لكنني مع كل هذا (( وعاد إلى النبرة المهددة )): لا يغب عن بالكما أنني حارس الحاكم الخاص.
سارع محمود إلى القول ملاطفًا:
- بالطبع أنت حارس الحاكم الخاص، يا يهوديّ!
- ألم أذكر الحقيقة؟
- نعم، إنها الحقيقة!
- ولا يغب عن بالك أنني أقدم للسيدة زوجه بعض الخدمات، إن في هذا الكفاية. إن لي كلمتي (ومص كأسه) إن لي الكلمة الأولى والأخيرة، ولا تنس أيضًا أنني صاحب إمكانيات... إنني حارس الحاكم الخاص! والحق أنه من اللازم أن أسترد منه اعتباري لو كان غير هذا الفلاح البائس الذي أعرفه منذ زمن بعيد، لكن، وليكن في علمك، إن معرفتي به لا تضع حداً نهائياً للرد على الإهانة.
حلَّ صمت ثقيل، وطويل، ثم قال محمود مخاطبًا يعقوب، وهو يحاول التخفيف من وطأة الصمت:
- إنني أقدم لك كأسًا بدافع الصداقة، يا يهوديّ، لن أقول بدافع المصلحة، إذ أنني لا أشعر بأدنى غل نحوك. وهذا كافٍ لاعتبار أن شيئًا ما كان، وانظر كيف سيشرب شعبان نخبك رغم أنه ترك الخمر منذ عاد إلى القرية.
مد لشعبان كأسًا، دون أن يتناولها، مضت لحظات، فتوتر الجو من جديد، وتلبدت الأفكار في رأس محمود: (( هذا اليهودي لا يحمل في صدره القليل من الطيبة، لكني لا أود أن أفقده! )) راح ينظر إلى شعبان نظرة ترجٍ، فتناول يعقوب الكأس من يد محمود، وقال:
- هأنذا أقدمها بنفسي، ولنغلق صفحة قديمة.
بقي شعبان ساكنًا دون حراك، لا يرتم بكلمة، وصارت سحنة يعقوب بلون الرماد، اختل توازن يده الممدودة في الهواء، بينما راح شعبان يحدد النظر في الأصابع الدسمة المكسوة بالشعر، وهو يحس في قلبه بخفقة المقدم على مغامرة. رفع يده، وقبل أن يأخذ الكأس بأطراف أصابعه، جعلها تلامس تلك الأصابع الحيوانية، وبسرعة، تناول الكأس، ووضعها إلى جانبه. صاح يعقوب ومحمود بعربدة، أما شعبان فظل يجلس وحيدًا، بعيدًا، منعزلاً، لم تفارق عيناه لحظة واحدة يد الغول التي انتهت قصة مغامرته معها منذ قليل، الذي تبقى طعم الملامسة على بشرة الأصابع، فقط، ونوع من الإغماء طافح بالحيوية راح يدور به.
فكر شعبان فيهما، في يعقوب ومحمود، وقال: (( كلاهما يخبئ عن الأخر هدفًا! )) أراد أن يقف، ويرحل، فقد عادت تشغلهما الخطوة التالية، خطوة كل منهما الخاصة، واندمجا في كوميدياهما من جديد. لكنه انتظر، فمن اللازم أن يكلم محمود، من الضروري أن يعرف ما جد بأمر الخطة. كان لا يصدق أن هناك مشروعًا ملكه! عليه أن يدرسه نقطة نقطة، مثلما عليه أن ينجزه خطوة خطوة. وتساءل: كيف سأطلق عليه الاسم في النهاية، وبعد التنفيذ ماذا سيقولون عني؟ العربي القذر ناكر الجميل؟ متوحش الصحراء الذي عاد إلى جذوره؟ مجرم خطر على الأمن الإسرائيلي؟ وما أن وصل به التفكير إلى هذا الحد حتى عاد يدب في أوصاله الشعور بالمغامرة، فلربما يقوم بذلك في الغد: سيبقى الشعور بالمغامرة يكبر كبحر عظيم الأمواج، وسيذهب عائمًا وسطها كغصن له أعراف، وسيظل تائقًا لهفًا في انتظار أول ملامسة له معها. إن الأمر سيختلف، حتمًا سيختلف، فهو ليس كأصابع يعقوب الدسمة المكسوة بالشعر. إن انفعاله قد بدأ! وها هو ذا يحدد أبعاد خطته قبل أن يكشف له عنها صديقه، خطته هو، سيرتشفها قطرة قطرة، وسيدعوها خطته، نعم، خطته هو.
كان محمود قد أعاد للمرة الثانية:
- تعالَ أيها المومس! لماذا لا تشاركنا لهونا؟
وأفضى له بحذر:
- إن ما أنت آت من أجله يعني هذا أيضًا (( وهو يضرب على صدر يعقوب بظاهر يده ضربات تتصنع المداعبة، ويعقوب بينه وبين نفسه يرجو أن تستمر الضربات إلى ما لا نهاية، لأنها توقع مارشَ عسكرٍ راقت له نغمته )) لا تبتئس! لك سحنة تعسة ورهيبة! آه، لو تدري كم هي سحنتك تعسة ورهيبة! (( دون أن يتوقف عن عمل المارش العسكري على الصدر العريض )) إن لمن الضروري كسبه، أفهمت؟ هو بالنسبة للمشروع من الضرورة بكثير. هيا، هيا، أنت لا تملك عقلية جدك، أم أنك (( لم تتناول بعد عشاءك ))!
قال شعبان، وهو يحني هامته:
- أظن أنني (( لم أتناول بعد عشائي ))!
أمسك يعقوب بآخر الكلمات، وسأل باهتمام:
- عشاء؟ أتكلم أحدكما عن عشاء؟
- أترغب في إعداد بعض الطعام، يا حارسي؟
- كلما نظرت إلى شعبان انفتحت شهيتي لالتهام كل شيء! انظر إليه: يتلألأ! رغم ما يرتديه من قذارات! يتلألأ كالنجم! ولونه الخمري، آه! أكاد أسكر من بعض النظر إليه، وهو، مع هذا، لم يشرب قطرة واحدة!
كان شعبان يدور بإصبعه، طوال الوقت، مع حافة الكأس، وكان يعقوب ينتظر منه أن يقول شيئًا، وعندما طال ذلك، توجه إلى محمود:
- لكني أعرف أنك لا تملك شروى نقير، فكيف يمكن لك أن تقوم بإعداد طعام الأغنياء هذا؟
- سأستدين منك، وسأقصد دكانًا.
- في هذه الساعة؟!
وفحص ساعته بصعوبة:
- تقترب من الواحدة صباحًا.
- سأطرق دكان المختار عمران، وسيفتح لي طالما هناك دفع.
تساءل يعقوب، وهو يفرك حاجبًا:
- لماذا المختار؟ لمَ لا تسقط إلا على الذباب؟
- إنه تاجر، يا عزيزي يعقوب، قبل أن يكون وجيهًا! سيفتح لي، وسيبيعني طالما هناك دفع.
ولكنه بقي يسأل ملحًّا:
- لماذا المختار؟ لِمَ لا تقصد إميل؟ أليس إميل تاجرًا أيضًا؟
- لأن إميل لن يبيعني حتى ولو أردت شراء دكانه كلها إذا ما عرف أنه مقدم لك، وسيتوقف عن إعطائي ديناً علبة سردينه اليومية التي يدفعها لي بيديه القذرتين، وهو يتأفف. إنه يكن لك كرهًا شديدًا كما تعلم!
اشتعلت نظرة يعقوب، ثم انطفأت، وقال بهدوء غريب، وهو يطلق تنهدات عميقة:
- نعم، يكن لي كرهًا شديدًا، فهي حكاية طويلة.
- لقد كنت قذرًا، الحقيقة، بفعلتك!
تحول يعقوب إلى صبي مذنب فجأة:
- نعم، لقد كنت قذرًا، وأنا لا أصدق كيف جرى ذلك! ولكنها الأوامر!
ضرب محمود صدر يعقوب العريض بظاهر يده، وقال مع نصف ابتسامة راحت تضيق:
- أخرج منها، يا يعقوب، أخرج منها، ولا تقل لي (( لكنها الأوامر ))، فأنت من دبر ذلك.
انتفض يعقوب في جلسته، وركز عليه نظرًا قاطعًا:
- إن الحاكم أشكناز ذو مراس صعب، وهو نهم إلى أبعد حد، إذا قرر شيئاً، فهو واقع لا ريب، وابنة إميل كانت... جميلة!
قال محمود عن عمد:
- وأنت؟ ألم تنل حصتك؟ إذا قلت (( لا )) دفعتني إلى الشك في كونك أبله بعض الشيء! كان لك رأس الكبش حسبما بلغني.
ثنى يعقوب رأسه إلى الوراء، وراح يترنح كمركب غارق، مستعيدًا القصة كلها في رأسه:
- كانت جميلة...
ثم ما لبث أن اعتدل، التفت إلى محمود بعينين حمراوين كالجمر، وقال، وكأنه يعترف بخطاياه:
- أذكر الآن جيدًا، أذكر الآن كل شيء، فبعد عملية الخطف، أخذتها إليه. كانت زوجه غائبة عن البيت، كانت في تل أبيب، لعدة أيام، تقضيها مع أختها. وكان الحاكم يعرف أن لإميل ابنة جميلة، وكثيرًا ما استفسرني عنها، إذا ما كانت تخرج للعمل في كيبوتساتنا أم لا، فهو قد رآها مرة واحدة فقط عندما جاءت إلى مكتبه بصحبة أبيها من أجل وثيقة الإرث، ومنذ ذلك الحين، أصابت الحاكم في رأسه لوثة غرام قاهر، لقد أصبح عاشقًا حقيقيًّا. عرضت عليه خدماتي، فأنا لم أكن في الجهاز العسكري، وبعد لم أصبح حارس الحاكم الخاص، كنت في الاستخبارات، ولا أحد منكم كان يشك فيّ. حتى أنكم اعتبرتموني لفترة عربيًّا قذرًا مثلكم هاجر بالخطأ من المغرب، فصادقتموني (( أطلق ضحكة متعمدة )) وما زلتم تصادقونني. نعم، عرضت عليه خدماتي من أجل الترقية، فالحياة هكذا، خدمات مقابل خدمات! بعدها، الكل يعرف كيف أصبحت صداقتي مكينة مع إميل وعائلته (( أطلق تنهدةً، ثم أضاف )): في تلك الليلة، طلبني الحاكم، وعندما ذهبت لأراه راعني أمره. هددني وقتها بلهجة لا تخلو من عناد جنسي: أحضرها الآن، وإلا قتلتك! وعندما فاجأني الأمر، أعطاني إذنًا بأن استعمل القوة، لكني لجأت إلى الدهاء. ذهبت إلى إميل، وقلت إن زوجتي تنازع، وهي تحتاج إلى عناية أحدهم، ويا حبذا لو كانت نرجسة، فالعجوز زوجه غير قادرة على السهر، وزوجتي بحاجة إلى يد خفيفة، والعناية التي تتطلبها ستأخذ جهدًا كبيرًا. أمر ابنته بأن تذهب معي في الحال، سمعته يقول لها: إنها زوجة أخ! كلما عاودتني كلماته هذه أحس، وكأن خنجرًا يطعن قلبي، فأنا بعثت بابنته إلى الخطيئة.
رأى كلاهما قطرات من الدمع تقف في محجريه، ولم يعد يعقوب المتغطرس الذي يتشدق، من وقت إلى آخر، معلنًا أنه حارس الحاكم الخاص.
- كنت أربض كالكلب جوار الباب، وكانت صرخات الاسترحام تصل إلى أذني، وأنا أتعذب، فقد بعثت بها إلى الخطيئة بيديّ هاتين، لقد قتلت روحًا، نعم، لقد قتلت روحًا. كان بإمكاني أن أدخل في اللحظة المناسبة، وأنقذ نرجسة، لكني لم أفعل، كنت راغبًا في أن أتعذب، فهي لحظات يعجز المرء عن الإتيان بها بسهولة، وقد تعذبت جيدًا حتى انفطر قلبي.
لم يمض وقت كبير حتى سكتت الفتاة، ولم أعد أسمع لا توسلاتها ولا صرخاتها، والحقيقة انني أصبت وقتها بالخيبة، إذ قلت لنفسي ها هي ذي تذعن أخيرًا ملتذة، إنهن بنات إبليس!
فجأة، فتح الحاكم الباب، وأشار إلىّ بالدخول. كان شبه عار، وشعره المنكوش قد أوحى لقلبي بالهلاك. عندما صرت وسط الحجرة، رأيت كل شيء، قد تبعثر، أو تحطم، وكأن ريحًا عاتية أرادت هدم الحجرة أو زحزحتها. بحثت عن نرجسة، فلم أجدها. التفت إليه مذهولاً: أين يمكن تكون؟ دفعني إلى الجانب الآخر من سريره الضخم إلى أن اصطدمت خطواتي بخطواتي، فأنا شاهدت، وهو لم يعد بإمكانه إجباري على التقدم خطوة واحدة أخرى. أخذت شهقة طويلة لم تزل عالقة في حلقي إلى اليوم، (( راح يتنحنح قاذفاً لسانه ))، كانت أعضائي كلها قد تشنجت، ولم أستطع الالتفات إليه بوجهي المجنون من الرعب إلا بصعوبة. فتحت فمي، فهربت من فمي الكلمات غير مفهومة، وإذا به يطلق ضحكته العاجية الساخرة، ويقول لي:
- لم تشأ أن تلعب معي لكني قسرتها.
وأنا ألهث.
- استعملت كل الوسائل، وها أنت ترى أنني انتهيت، إنها الآن لك.
وأنا ألهث.
- إن الأمر ليس بمفزع إلى هذه الدرجة كما تتصور، أنه...
وأنا ألهث....
- ... إنه جد عادي.
وهو يمسح بمنديله بقعة من الدم على زاوية فمه:
- ستقول إنه حادث طارئ، وعندما يصل الأمر إلى يدي، سأوقع، فينتهي كل شيء. وبعد أن تأمل بقعة الدم، أمرني على طريقة قاتلي وعل القطب الذين يصنعون من جلده المعاطف:
- خذها! واعتبر نفسك منذ اليوم حارس الحاكم الخاص، حارسي الخاص، نعم، حارسي!
لم تعد في صدري أنفاس، قليلاً ويكاد يقف قلبي! لم أعد خائفاً، لكني كنت أحس بالذنب، بالخطيئة حتى الأعماق، وبتأنيب الضمير.
نهض محمود، واقترب من قنديل الكاز، وراح يلعب بفتيله، ثم قال ساخرًا:
- أنت، بعد كل هذا، ألديك ضمير؟
مما جعل يعقوب يضرب على قلبه بحنق، ويصيح:
- إنه موجود هنا، وأنا أنتظر أن أقوم بكفارتي.
فك محمود القنديل، وقال هازئًا:
- متى؟ وأين يا ترى ستقوم بها كفارتك هذه؟ أفي بيت الدعارة؟
- سأقوم بها يومًا، وسأقدمها لروح نرجسة كي تكف عن ملاحقتي.
- وهل تراك صادقًا، يا يعقوب؟ إن أقوالك صارت في موضع ارتياب لدي، وصرت أخشى أن أشرب نخبًا معك.
أحضر زجاجة الكاز، وراح يملأ القنديل، وقد طير عقل يعقوب:
- ولكن... ولكن لو لم تكن من أصدقائي الحميمين لما رويته لك.
- كنت تريد أن ترويه لأي شخص كان، فهو يقعد على كبدك.
- لربما كان يقعد على كبدي، لكني كنت سأحتمل ذلك، فهي معاناتي! نعم، معاناتي! إنها تبقى هنا!
وضرب بقبضته على كبده.
رفع محمود ضوء القنديل رغم خفوت الحلكة، وسمع شعبان غناء طائر الليل المكسور بعد أن احتسى من كأس الطبيعة معظم خمر المساء، فقف شعر رأسه: كان يصل إلى أذنه كاللحن الجنائزيّ. رأى جسد نرجسة، وهو يقوم من لحده برشاقة، وراح الجسد يقترب منه عاريًا، وبعد لم تلتئم فيه الجروح، بينما الصرخة المتوسلة تثقب شفتيه. تساءل محمود، وهو يمضغ بين أسنانه سخرية قدرها، قدر نرجسة:
- أين دفع يا ترى بخنجره ذاك المغوار؟
زم يعقوب جفنيه حتى لم يلاحظ من يراه أن له عينين في ذاك الوجه الضخم، جرع آخر قطره في كأسه، وتمتم:
- بين الفخذين، مكان الجماع، في الوسط تمامًا.
وأسقط من يده الكأس، لتتحطم متحولة إلى ملايين الشظايا، ثم راح يقهقه بهستيرية انسحق في خيال شعبان على إثرها الجسد الصاعد من لحده. فكر في أن كل شيء ينتهي عند هذه النقطة، ولا بد من العودة إليها: إلى نقطة النهاية هذه من جديد.
ومن الطرف الآخر، صاح محمود بحدة:
- لقد كان نكاحًا عبقريًا!
ترك يعقوب كرسيه، واتجه صوب النافذة، وشعبان يهمهم من ورائه:
- إنها كأس المنتصر التي تتحطم في الأخير!
فلم يعلق يعقوب، ولكنه قال:
- أتوق إلى شم الصباح.
دفع النافذة بيديه، فهبت في الحجرة نسمة باردة، استنشقها يعقوب بقوة، ثم عاد والتفت إليهما:
- لن تظهرا أمامي بمظهر المتطهر، أيها الشريران! لماذا تنظران إلي هكذا؟ تجعلانني أحسب حسابًا دقيقاً للعاقبة، وهذا ما لا أريده على الإطلاق.
اقترب من زجاجة الخمر الفارغة، وقلبها، فسالت قطرة حاول أن يلتقطها بفمه، لكنها زلقت على ذقنه. قال، وهو يشير إلى الزجاجة:
- خسارة أن تنتهي، لقد كانت لذة حقيقية!
سأله شعبان فجأة:
- وهل أنت نادم؟
علت نبرة يعقوب:
- قلت لك كانت لذة حقيقية، فكيف إذن لا أندم إذ تنتهي.
مما أثار غضب شعبان، راح يجمجم بين أسنانه السباب المغلظ.
قال يعقوب متفاجئًا:
- أعتقد أنه الجواب المناسب.
انفجر شعبان:
- طز فيك! طز في جوابك! أنا أسألك عن ابنة إميل لا عن لذتك أو عربدتك، حقيقية كانت أم غير حقيقية! (( وهدأ معيدًا السؤال )): هل أنت نادم من أجلها؟ أريد أن أعرف إن كنت نادمًا...
ثم أضاف بصوت متهم:
- إن شعورك بالخطيئة لا يعني الندم.
انحنى يعقوب بعناء بعد أن عاد وأقفل النافذة، التفت إليه، وفي عينيه بعض الذهول، وهمس:
- لست أدري! إن ذلك لم يخطر على بالي إلا الآن، كيف يا ترى أخرجته؟
قال شعبان، وقد أصدر حكمًا، كأنما هو قاضيه:
- أنت لست بنادم، يا يعقوب، أنت تخشى أن يصلبوك هناك يوم القيامة، أنت لا تريد أن تنتظر ذلك، لكنك تنتظره رغمًا عنك، وأنت، لهذا، تعد نفسك هالكًا، وترغب في تقديم كفارة، تحاول، لكنك لا تنجح.
ونهض، أمسك بقبضة الباب، وهو يفكر: (( يريد أن يظهر بمظهر المتطهر ليهرب من جريمته، لا، يعقوب لم يسكر بعد تماماً! ))
قال شعبان لمحمود:
- عليك أن تضاعف من خمرك في المرة القادمة.
وخرج تاركًا إياه في التيه، وهو على العتبة، سمع يعقوب يقول بصوت مليء بالشك:
- ولكني لم أفهم ما هو مراده... إن بإمكاني أن أندم لأي سبب، وهذا ما لا أريده، فأنا أرى في ذلك عملاً لا أخلاقيًا! (( كرر، وقد أدهشته فخامة الكلمات )): نعم، أرى في ذلك عملاً أخلاقيًا! وها هو يدعني هكذا... (( لوح بيده في الهواء )): الآن فقط يدعني للندم، إنما هو الآن يجعلني أفكر أنه كان من اللازم علي أن أندم... لكنه سيكون ندمًا فائتًا لأوانه، وفي هذا بله لا طائل تحته.
كان محمود قد تناول صحنين من خزانة قصيرة، ووضعهما من أمامه:
- هنا فاصولياء بالزيت، بلا لحم، بالطبع، وهنا بعض القمح المغلي.
أخذ يعقوب نفسًا، وقال محاولاً العودة إلى سلوكه السابق:
- أيها المأفون! أيها المأفون! لم يزل لديك بعض القمح، أيها المأفون!
- أنا أخفيه للأصدقاء اليتامى أمثالك، ولكن... (( رفع إصبعًا محذرة)): إياك أن تبلغ عني!
- إذا ما أكلت، فكن مطمئنًا.
راحا يأكلان، ثم ما لبث السؤال أن عاد يلح عليه، فقال، وهو يدفع يده في كتف محمود:
- وما شأن الندم في ذلك؟
فكر محمود:
(( سأتركك في الشر حتى تندم... ))
تصنع الغفلة، وقال:
- آه! لقد نسيت، هناك بعض العرق الأبيض، وستلذ لك جرعة منه، يا يهوديّ، إنه عرق مغتصب.
التصقت على فم يعقوب ابتسامته الدبقة من جديد، وقال، وهو يكمش القمح بيده:
- طالما أنه مغتصب، فهو ممتع!
ومحمود يدفع رأسه باحثًا في الخزانة القصيرة، سأله يعقوب من ورائه:
- ومن أين اغتصبته؟
أخرج محمود أخيراً الزجاجة، ورفعها على مستوى الحاجب، زجاجة كالكف، وجد كأسًا، وبحث عن أخرى:
- لست المغتصب، ولكن لنقل... لنقل إنه مهرب.
- مهرب!
- نعم، مهرب.
وضع أمامه الكأس، وقبل أن يصب له فيها بعضًا من العرق أراه الطابع:
- انظر.
فقرأ بتعجب:
- صنع في لبنان!
أطلق نصف ضحكة، وشتم:
- أيها العاهر الصغير!
- هأنذا أسقيك لبنان كله... احفظ هذا!
- إنها المعصية التي أحلم بها منذ زمن طويل.
شم الكأس بعشق، وأتبع ذلك بتنهدات رتياح، ثم أضاف فيها بعض الماء، وجرعها على دفعات:
- له الطعم الذي أشتهي، طعم يانسوني حقيقي.
صب له ثانية:
- هذا من عند المختار.
- من عند المختار! وهل يبيع المختار هذا؟
- للأصدقاء.
- طبعاً، فأنت زبون متأصل!
- يقول لي هذا.
- ولكن، كيف حصل عليه؟
- إنهم حرس الحدود.
- حرس الحدود!
- نعم، حرس الحدود!
- أنت تكذب، أيها العاهر الصغير! أتظنني سكرت؟
- كما أقول لك، إنهم حرس الحدود، وهم يبيعون هذا غاليًا.
أخذ من يده الزجاجة، وصب منها في كأسه إلى منتصفها، وكسرها بالماء. قال محمود، وهو يركز عليه عينين ثابتتين:
- حرس الحدود أولئك على علاقة ببعض زراعي الكروم اللبنانيين نواحي صفد، وهم لا يقبلون إلا الدولار.
- طبعًا، طبعًا، فمن يجدون في حوزته ليرتنا هناك يعتبر جاسوسًا، وحسبما سمعت أن العرب يقطعون رأس الجاسوس دون محاكمة.
وشرب مستحسنًا.
- أيعجبك؟
- نعم، وهل لدى المختار منه الكثير؟
- ليس الكثير.
- عجبًا!
- ولكن...
وسكت. أرهف يعقوب السمع لما يريد محمود قوله، فحثه على القول، وهو يمسح صحن الفاصولياء بقطعة خبز:
- ولكن ماذا؟
- ولكن، إذا أردت، نستطيع أن نعمل صفقة.
همهم:
- هاه!
- قلت نستطيع، يعني كلينا، وسيدر علينا ذلك الربح الوفير.
ضحك يعقوب بمكر:
- لتخرج منها، أيها العاهر الصغير! لتخرج منها! قل لي ماذا في جعبتك؟ هيا، لا تخف عني شيئًا!
- سأقول لك.
- ولكنك ستقول لي كل ما عندك، فأنا أريد أن أعرف كل شيء.
- لن أخدعك.
مسح يعقوب بأصابعه فمه:
- لماذا لا تبدأ؟
- سأبدأ.
- ولكن عجل، فقد طلع النهار.
- القضية ليست شائكة إلى هذه الدرجة كما تتصور، فأنا يمكنني أن أتصل بالمختار، وأن أعمل معه صفقة، هذا في أول الأمر. وبعد أن أقوم ببيع الزجاجات في الناحية – دون أن يلحقنا ضرر- نكون قد أحرزنا نجاحًا اعتبره أوليًّا، إذ من الضروري أن نكون نحن على اتصال بحرس الحدود وليس المختار، فنوفر الفائدة التي ندفعها له. لكن الاتصال بحرس الحدود ليس بالسهل، لا بد وأن تكون هناك كلمة سر المختار على علم بها. وفي كل الأحوال، سأحاول عند الصفقة الثانية مع المختار أن أكون الموفد، وإذا احتاج الأمر أغريناه ببعض المال، وبذلك نصبح نحن أصحاب المشروع.
فجأة، قال محمود:
- ولكن... ذلك يتوقف.
- على ماذا؟
- عليك، فأنت لديك المال.
- آه! (( دبت في عيني يعقوب الفضوليتين الحركة )): هذا هو صلب الموضوع!
- أنت تعلم أنني فلاح معدم، لدي هذا البيت الحقير، والأرض تهددونني يوميًّا بمصادرتها، وحياتي تتوقف على المواسم، لكنكم تنهبونها على التقريب، ولا تبقون لي غير الذي أخبئه في الخفاء عنكم ((أراد أن يزيل الفكرة التالية من رأسه )): أما إذا ما بعت الأرض، أثرت بعض الشكوك، الشيء الذي من الواجب أن يتفاداه كلانا.
تململ يعقوب في جلسته:
- وكم ستكون في حاجة يا ترى؟
- إنه... إنه مبلغ تقدر عليه.
ضرب يعقوب يدًا بيد، وهتف:
- أي فرج! أتظنني محشوًا إلى هذه الدرجة؟
- أنا لا أطمع فيك.
- لتقلها إذن... لتقل إنك تريد أن تسمن على حسابي.
- لكني أقسم...
- لا داعي للقسم... كم هو المبلغ؟
- إنه، بالطبع، أمام صفقة أولى صغيرة للتجربة...
وسكت، ثم أردف بسرعة قائلاً:
- ألف دولار.
تململ يعقوب في مقعده، رفع صحن القمح المغلي إلى فمه، وراح ينقل آخر الحبات، حبة تلو حبة، ولكي يحثه محمود على التعجيل في البت في الأمر، صب له كأسًا أخرى من العرق، كسرها بالماء، وقال جاذبًا من فمه الكلمات:
- ماذا قلت؟ إنها صفقة رابحة كما ترى، وسنصبح أغنياء برمش عين!
قال يعقوب، متصنعًا عدم الاهتمام:
- ولكن، كما تعلم، هناك صعوبة في الحصول على الدولار في ناحيتنا، ولو كنا في تل أبيب أو حيفا لهان الأمر.
- تصرف! ليعرض عليك الحاكم خدماته، لتعرض عليك زوج الحاكم خدماتها! الحياة هكذا، خدمات مقابل خدمات! أليس هذا قولك؟
- نعم، نعم، هذا قولي، وما زلت عند قولي: الحياة هكذا، خدمات مقابل خدمات!
- إذن...
- سنرى.
- ليكن في علمك أن أقصى أجل للبدء سيكون بعد غد السبت، فهو نهار عطلة كما تعلم.
راح يعقوب يردد:
- سنرى... سنرى...
نهض، وكذلك فعل محمود، وهو يقول:
- أنا واثق من إحضارك المبلغ.
فدفعه يعقوب في صدره:
- أنت لا تشك... أنت لا تشك أبدًا، أيها العاهر الصغير!
- لك محفظة سمينة، وأنا أخشى عليها من أن تصاب يومًا بمرض سارٍ! أنت تعرف كم أنا حريص على سلامة كل ما يخصك، يا يهوديّ.
كان يعقوب قد ارتد قليلاً إلى الوراء، ووقف بكرشه الضخمة وسط الحجرة متأرجحًا، ثم تقدم نحو الباب بعجلة، ففتحه له محمود، وقال مودعًا:
- إلى مساء ما بعد الغد، يا يهوديّ!
لكن يعقوب لم يفه بكلمة وداع واحدة.
راح يقطع المعبر الترابي الشاق للحقل الواصل للبيت بالطريق: معبر صفت على حافتيه بعض الحجارة بدت من ورائها أحواض فيها بعض الحشائش ونباتات من الخس كثيرة. كان محمود قد خرج ينظر إلى ظهر يعقوب، وهو على بعد مسافة قصيرة منه ناداه، ثم قال شبه صائح:
- إياك أن تنسى (( التصريح )) بالتجوال، احصل عليه أو مهد للحصول عليه على الأقل (( ثم تمنى له بصوت أكثر ارتفاعاً )): لتنم جيدًا، يا يهوديّ، لتنم جيدًا، يا حارسي!
توقف يعقوب في الصمت قليلاً، وهجمت بين ساقيه بعض الكلاب الضائعة، فأخذ يتناول عن الأرض الحجارة، ويشج بها رؤوسها، إلى أن تمكن من طردها، ثم تابع طريقه لاهثًا. وبعد عدة خطوات، انحنى، وتناول بأصابعه المشعرة نبتة من الخس صغيرة، راح يتأمل أوراقها. كانت تسقيها بضع قطرات من الندى، وعلى إحدى الوريقات، عند منبت العنق، دودة تقضم الحافة الخضراء. التفت يعقوب إلى حيث محمود لم يزل واقفًا، وحرك له يده، وعلى فمه تزحف بسمته الدبقة بإصرار لا هوادة فيه. وقبل أن يختفي على الطريق المعبدة، رشق الفجر السهام من وراء الجبل، فلم ير كيف تترك في الوادي أثرًا دمويًّا، ولم يدر كيف وضع في فمه الوريقات اللبلابة، ولا كيف راح يمضغ أعناقها المرة، وهو يلوكها بمتعة لا تعادلها متعة.





2
قطع شعبان الساحة العامة، ومر أسفل عمود خشبي مال قليلاً، علق في أعلاه مصباح ضعيف الإنارة. وهو يدلف إلى الزقاق الضيق على يمينه، رأى قبب الديار المحيطة بالساحة كعمامات بيضاء اللون. كان الليل يتلاشى، والصباح يصعد فوق الأبنية القديمة. ومن بعيد، رأى (( المسلم ))، وهو يتجه بخطى سريعة نحو الجامع الذي يقع عند نهاية الزقاق، فأخفى نفسه خلف جدار، وراح يتابع خطواته، وصدره المتثائب ينكمش على غير العادة. عندما ابتعد المسلم، أخذ شعبان فرعًا إلى جانب، وراح يقطعه بعجلة، وهدفه بيت ريتا. كان بينه وبين نفسه دهشًا: كيف يمكنه أن يفعل هذا؟ أن يذهب عند ريتا مع الفجر؟ هو الذي انقطع عنها مدة ليست بالقصيرة؟ أحس أنه في حاجة ماسة إلى صدر دافئ،
لا كالأرض اليابسة تحت قدميه.
سيعود إلى ريتا، ويرتمى في أحضانها من جديد، هذا إن وافقت ريتا على استقباله. لكنه كان واثقًا من استقباله بكل سرور، فهو شعبان الجسور! وما لبث أن راح يحدث نفسه، ويقول: كان من الأفضل أن أبقى عند محمود أو أقصد رابية إسحق. كان من الأحرى أن أذهب إلى الجامع أو أعد إلى أمينة حاملاً على يدي توبتي ككل مرة. كان من الأجدى أن أرمي نفسي في السيل، وأنتظر بزوغ الشمس لتلفح لي بدني، وتكوي لي عظمي. توقف، وهو يطوي على صدره ذراعه، وقبل أن يتابع سيره، قال: كان من اللازم أن اتجه نحو أول طريق سائر إلى الحدود، واذا ما صرخ أحدهم: من هناك؟ أتقدم. ودون أن ينتظر الآخرون جوابًا ليقرروا إذا ما كان عليهم أن يطلقوا الرصاص، يفرغون عياراتهم، وهم يظنون إنما هم أفرغوها قبل فوات الأوان، بينما يكون الأوان قد فات قبل ذلك بكثير.
(( وهذا الطائر الحائر الذي يجمع آخر الليل بين جناحيه راحلاً
لا يريد الموت... ! ))
طالما ستستقبله ريتا العاشقة، وفراشها الوثير الفائح بالعطر، فلم لا يذهب؟ لم لا يندفع عاديًا، ويصيح عند بابها مناديًا، لتفتح له بسرعة؟ لا بد أن يذهب إلى مكان ما، على أي حال، ريثما تشرق في رأسه الخطة، خطة دخوله الضفة.
جمع سترة الجلد حول رقبته، فتيار من الهواء القاسي قد زفر دائرًا برأسه. فكر أن شهر آذار في منتصفه، وهو يصعد الدرجات المؤدية إلى الشرفة الخارجية لدار ريتا، وأصغى إلى صداح طائر الليل لآخر مرة. أرهف سمعه، لكن شيئًا ثقيلاً يشبه قطعة اللحم الكبيرة قد سقط مرتطمًا بقدميه، وراح يموء مهمرًا.
إنها القطة!
كان شعبان قد دخل الشرفة التي تنتهي بالباب، انحنى للقطة، وابتسم لها، بدأ يكلمها، وراح يناغيها، أخذ يقول لها كلمات غزل بالعبرية، وهو يحرك شفتيه، ويزمهما، مختلقًا نغمة:
- أيتها القطة! طفلة صغيرة! طفلة صغيرة!
مد يده إليها، فهو لا يريد أن يدخل معها في معركة، وحكايته لمحمود على عدم صحتها إلا أنها كثيرًا ما وقعت بالفعل: كانت عداوة القطة له حقيقية.
- يا طفلتي! يا طفلتي!
وهو لا يريدها أن تصرخ، فهذا يعني غضبًا لا ينتهي، وضجة توقظ أهل القرية.
- إن ريتا التي تحبك هي أختي! تعالي، يا لعبة!
اقتربت القطة منه، تركها تلتصق بساقه، وذيلها الطويل يضربه على دفعات. وعندما ظن أنه حظي برضائها عنه، رفع يده، وأمرَّها على ظهرها، دون أن تنقطع مناغاته:
- طفلة عاقلة! طفلة جميلة تذهب إلى المدرسة كل يوم!
كان من اللازم أن يطرق الباب، فتقدم تاركًا إياها من ورائه، وطرق الباب مرتين، بينما ازداد تيار الهواء حدة. طرق الباب مرة أخرى، وهو يلتفت حوله، ونسي القطة تمامًا. هبت في رأسه عاصفة من القلق، فرجع على إثرها بضع خطوات إلى الوراء، ثم تقدم ليطرق الباب من جديد، فإذا بالقطة تقفز غارزة أنيابها في ساقه، وبسرعة البرق، تتسلق الجدار إلى السطح مزمجرة، ومواؤها قد تحول إلى صراخ طفلة مجنونة. لم يستطع شعبان أن يكتم صيحة ألم، صاح موجعًا، وراح يجمجم:
- يا ابنة العاهرة! يا ابنة العاهرة!
فجاء من الداخل صوت ريتا نصف النائم:
- من هناك؟
لم يجبها شعبان، كان ينعطف نحو ساقه المنهوشة، وهو يضغطها، دون جدوى من الإمساك بالألم.
نادت ريتا:
- ريري... ريري...
وقد تحول المواء إلى نواح كتيبة من اللقطاء.
- ريري، ريري، أهذه أنت يا ريري؟ ريري ...
وفتحت ريتا الباب.
لما رأته، انتفض نهداها تحت قميص نومها، وجمعت يدها على صدرها:
- أنت! ماذا تفعل هنا؟
- أقف منذ ساعة.
- إنه الوقت المناسب كما ترى.
- قطتك هذه زرعت أنيابها في ساقي دون سبب، لهذا أظن أنني بحاجة إلى معالجة.
نبرت ريتا بلهجة لا تخلو من دلال:
- ادخل! ادخل! لم يزل واقفًا بعد! قلت لك ادخل!
دخل شعبان، بينما قفزت ريتا بضع قفزات في الخارج، وهي تنادي:
- ريري، تعالي، يا ريري! إن الناس نيام، فلتخجلي يا عاق! إن كنت لا تريدين أن تجيئي، فلماذا تنبحين مثل الجروة؟ اسكتي، يا كلبة!
ولم تتوقف القطة عن الصياح لحظة واحدة.
كانت إلى جانب ريتا سلة معلقة في خيط، مملوءة برؤوس الثوم، تناولت منها رأسين رمت بهما القطة محاولة ردعها.
- قلت لك اسكتي!
توقفت ريري أخيرًا عن الصياح، وسمع في السكون المخيم وقع مخالبها. ثنت ريتا قامتها من فوق الشرفة، ونظرت إلى الحارة الميتة، وإلى ضوء المصباح المستسلم للأشعة الدموية، ثم سارعت الخطى إلى الداخل. أغلقت الباب، وسألته:
- هل هذه آخر حكاياتك أم أولها؟
- لربما كانت آخرها.
- بعد غياب دام أكثر من شهر تأتيني مع الفجر، وأنت داخل في معركة مع ريري!
- في البداية كانت لطيفة معي إلى أبعد حد، وقد استقبلتني بحفاوة لو تعلمين، لكنها تذكرت أنها تكرهني في اللحظة الأخيرة (( رفع يديه كمن يعتذر، ثم أسقطهما إلى جانبيه )): هذا كل ما هنالك.
أعادت متصنعة لهجته:
- هذا كل ما هنالك!
ثم سألت بحزم:
- وماذا جئت تفعل هنا؟ لتريني عصابة عنقك ووجهك الملوث بالطين! هل أغرقوك في بركة القرية يا ترى؟
- هذا يحتاج إلى شرح، ولا أستطيع سرده في بضع كلمات.
- وأنا أيضًا أعتقد ذلك.
- اذا أردت أن ألقي بنفسي في الطريق ثانية، فلن أتأخر لحظة واحدة عن تنفيذ ذلك.
وكأن ألمًا قد أصاب رأسها، بدأت تحركه يمنة ويسرة إلى أن تمالكت نفسها عن فعل ذلك.
- إنني أنظر إليك، وأنت بهذه الهيئة، فأخاف منك!
ضحك، وهو يشبك ذراعيه:
- ماذا تريدين أن أفعل؟
صاحت:
- وكأنه لا يعرف الطريق إلى الحمام!
وجذبته من ذراعه:
- إنه هنا، هنا!
- ولكني أحتاج إلى معالجة (( انحنى ممسكًا بساقة )): إن ريري هذه وحشة!
لم تستمع ريتا إليه، دفعته داخل الحمام، وأغلقته عليه. ومن وراء الباب، قالت:
- ستعالج فيما بعد.
قال شعبان:
- إنني يا ريتا... (( وتوقف )) إنني أرغب في محادثتك.
وهي تصغي بانتباه، ثم سمعته يقول برجاء:
- لقد جرت أمور كثيرة.
بعد قليل، سمع خطواتها، وهي تذهب، فصاح بعجلة:
- إنني يا ريتا...
ولم يكمل باقي كلماته. قال لنفسه: (( في البداية، هي دوماً هكذا ))! ترك الماء يصب في الحوض، خلع ثيابه، ووقف عاريًا. حط يده على عنقه، ورفع عنه الضماد، فرأى جروحه، وقد عملت قشرة قاتمة. ألقى نظرة على ساقه، فرأى دمه يتجمع في ناحيتين، وأحس لذلك حرقًا. رفع ساقه، وحاول لمس الجرح، فتحركت الأجراس المعلقة بين فخذيه. ألقى عليها نظرة رضى، واجتاحه الشعور بنقاء المتطهر، الذي على وشك الدخول إلى المعبد. ألقى بنفسه في الحوض، وحاول أن يعوم، لكن الحوض كان من الضيق بحيث تعذر عليه ذلك. فكر في الجدران الضيقة، وقال إنها ستنهار عليه إذا ما دفعها ببعض قواه، وهو، لذلك، لن يفعل. كان في الجوف، في الداخل.

* * *

لم يزل الليل في الحجرة، كان خشب النافذة المقفل يمنعه من التسرب إلى الخارج، وفي سماء الحجرة غيمة من العطر تطفو. كان شعبان لا يقدر على تمييز ما في الحجرة من أشياء، لولا خيوط اللهب التي تنبعث من المدفأة. أمرّ يده على الفراش، وهمس لنفسه: (( السرير الوثير، الفراش الدافئ الوثير أخيرًا، فراش القطن! )) كان يدفع الغطاء عنه، وقد لاكه بقدميه. ظهرت ساقه المضمدة ترتاح في الفراش، والضماد الأبيض يشق طريقًا دائرية وسط الغابة التي تكسو ساق شعبان، بينما قدم ريتا الصغيرة تتنزه هناك. كانت تتمدد إلى جانبه عارية، وهي تلعب بخصلات شعره. وكان شعبان ينظر إلى السقف، وقد سكن جسده دون حراك: يطفو مع غيمة العطر... إلى أن وصله صوتها:
- إنه يذهب! إنه يرحل مع أحلامه الصغيرة!
أحس بنفسه يزلق من غيمة العطر، وريتا ما زالت تقول:
- إنه يرحل!
تمنى شعبان: آه كم أحتاج إلى فعل الرحيل.
تنهدت ريتا على صدره، ورضبت بلسانها حلمة ثديه، وهي تضحك ضحكتها المدغدغة للشمس في جسده، وها هي ذي تقطر نشوة، تمامًا كالمرة الأولى، وهو يستلقي دومًا ساكنًا، سكون ما قبل عاصفة الرحيل. صعدت ريتا فوقه، فثلمها من عنقها، ثم أراحها على ذراعه، وهمس:
- إنني تعب، يا ريتا!
نامت ريتا على بطنها، زرعت رأسها في كتفه، وراحت تتنفس كالسمكة الملونة، وبعد قليل، عاد شعبان يصعد الغيمة من جديد، يريد أن يعرف أبعادها كطفل صغير، إلى أن شبع تطوافًا هناك، فسحب عينيه، ونظر إلى ريتا التي سكنت على كتفه سكون حقل العشب، ألقى نظرة على ردفيها، على العرش الذي ينتصب بأبهة، والذي ينحدر بصيحة مكتومة مع الراسلين. ناداه كل هذا الكسل، كل هذا العبث الذي يتراكم كجبل الثلج، فرفع شعبان يده، ووجس إليتيها بأصابعه، فانهارت أصابعه، مما اضطره إلى رفعها، لتنهار من جديد. أحس يده تغرق فجأة في غضب الموج، فإذا بها مصنوعة من الرغوة والقسوة. لم يدم ذلك سوى بضع ثوان، أزاحت ريتا يده عنها، وجعلتها تحلق كالنحلة بعيدًا. لم تكن يداً غريبة عنه عندما غمرتها الأمواج، ولم تكن يدًا غريبة عنه، وهي تحلق بعيدًا كالنحلة، كان هو الغريب.
قال شعبان بنبرة واعية:
- أريد أن أرحل بالفعل.
وكان عليه أن ينتظر قليلاً حتى تصنع جوابها.
- هنا لا أجد عملاً، لا أجده هنا ولا في المدينة، وقد حان الوقت كي أرحل بحثًا عن عمل، أي عمل كان.
رأى كيف تستقبل قراره بغضب، فانحنى فوقها، وضمها بين ذراعيه:
- كان لا بد أن يحصل شيء من هذا، وقد كنت تعرفين.
فتحت فمها، وقالت مؤنبة:
- أعرف الآن لماذا جئت، والحقيقة أنني كنت على درجة كبيرة من الغباء.
انفتلت ناهضة، فاختلس النظر إلى نهديها اللذين طارا حمامتين بيضاوين، ألقت عليها روبها الأزرق، وعقدته حول خصرها. انتظر شعبان حتى جلست على حافة السرير، كانت تريده أن يتابع.
قال شعبان بتهكم ومرارة:
- لقد أعطيتم لنا (( حقوقاً معقولة )) كلصوص أو مجرمين خطرين، وصارت (( المواطنة )) بالنسبة لنا تعني الانتقام من جنسنا بجنسكم.
تساءلت ريتا:
- لماذا تقول لي (( أنا )) هذا؟
ولم تتأخر عن الطلب:
- هون عليك:
نبر شعبان:
- كيف؟ كيف لي أن أنسى نظرات (( روزا ))؟ كيف لي أن أخلص من مطاردتها لي؟ كل هذا لأنني أنا، شيطان ومسلم!
سمعها تعيد بهيئة تنم عن التأمل:
- كل هذا لأنك أنت، شيطان ومسلم!
عاد شعبان ينبر:
- وهل يمكن لك أن تسلخي جلدك، يا ريتا؟ هل يمكن لك أن تصبحي غير يهودية؟
- أنا لا أطلب منك أن تغير جنسك أو دينك؟ أنت عربي ومسلم، أنت ما زلت هذا العربي المسلم. تمامًا كصديقتي أولغا، أنها ستبقى عربية ومسيحية.
هتف شعبان:
- لهذا السبب! لهذا السبب!
وضحك بمشقة، بينما ريتا بعطف تقول:
- يا عزيزي! يا عزيزي!
وهو لم يزل يضحك بمشقة، فسألته مستوضحة:
- ولكن، ماذا تقصد؟ إنني أطلب بعض التفسير!
راح بغضب يردد:
- بعض التفسير! بعض التفسير!
ثم ما لبث أن قال:
- هذا واحد من الحقوق التي تطالبين بها مع كل من تريدين محادثته، أما بالنسبة لي، فإنه لمن المحال!
- أتظن ذلك؟ بالنسبة لك، لك أنت؟
- نعم، بالنسبة لي، لي (( أنا )).
وكز على أسنانه:
- أستطيع أن أشتم الحاكم في وجهه قائلاً: (( أريد بعض التفسير )) لكن تفسيرًا يصاحب كل كلمة، كل حرف، لهو أمر مستحيل. أنا محكوم علي ألا أسأل، أو بالأحرى، أن أتقبل كل شيء كما هو، مرة واحدة أو مئة مرة دون تفسير. إن القانون، في النهاية، لا يصبح لي أو علي، ضدي أو من أجلي، لأنه ملغي من الأساس، على اعتبار أني في قفص، ومن هنا يأتي عجزي.
رمت ريتا يدها، وقالت بصوت متهدج:
- (( نحن )) جميعاً نقع في نفس الخطأ حينما ننظر في المرآة لنرى أنفسنا فقط ولا نرمي النظر من حولنا! لست وحدك الضحية!
فكر فيها، في عينيها، في لون البنفسج الذي هو لون عينيها، في خفق القلب الذي في صدرها: أحقًا هذا أم تقوله فقط لأجلي؟ عندما تركها منذ أكثر من شهر، تركها غاضبًا، وها هو الآن في فراشها يجلس أيضًا غاضبًا. هل هذا بسببها؟ وما شأنها هي؟ كانت ترنو إليه بعطف أكيد، لأنه يبثها همومه (( الحقيقية )) على حقيقتها، وينسى إنما هي، وحدها، هي بالذات دون سائر البشر من يصغى إليه. لذلك، كانت تتعذب، وتكتم ذلك، لذلك، كانت تعجز عن تصديق قوتها بين ذراعيه عندما تفلتها أذرعهم أو تلقي بها، وكانت ترعبها فكرة الانتحار، أما عنه، فهل يعتبر نفسه ((علاقته )) بها؟
أعادت ريتا:
- لست وحدك الضحية!
فهب بها صائحًا:
- إنني أختلف.
ثم راح بألم يهمهم:
- عندما أخلو إلى نفسي، أنظر إليكم عربًا ويهود، فأجدني ضائعًا بينكم.
وابتسم بمرارة:
- أما أنت، يا ريتا، فأنا أعرفك منذ زمن طويل، لقد كبرنا معًا في هذه القرية اللعينة، خبرنا الحياة و(( يهوديتك )) فقط هي تميمتك الوحيدة.
صاحت:
- لا تحاسبني! لا تحاسبني!
- ولكن حذار... إأنهم يطاردونك!
أصغت إليه بتنبه:
- ألم تقولي لي مرة إنهم طلبوك للجندية، فأنت لديك حسب زعمهم مؤهلات حسنة: عزباء، تملكين بعض المال، وفوق كل هذا، تتمتعين بجمال؟ ولولا شهادتك الطبية المزيفة، ووسائل المرأة التي قمت بها، لما زالوا يطاردونك إلى الآن. وفي رأيي أن عدم مطاردتهم لك في الوقت الحاضر لا يعني أنهم أفلتوك، إنهم يتعقبونك، بانتظار أول فرصة ملائمة.
تأوهت ريتا، وهمست لنفسها: أعرف ذلك! هل تقول له: هم يتعقبونني، وأنا أتعقبهم، وإلا ذهب بي الحال إلى الانتحار. كانت ترعبها فكرة الانتحار، أمها المسكينة انتحرت بعد أن قتل النازيون أباها وأخاها. كان أبوها في زيارة أخيها العامل في أحد مصانع برلين، وهو هناك، نشبت الحرب، ولينفذ صاحب المصنع، الذي هو يهودي أيضًا، بجلده، سلمهما من بين سلم للنازيين.
قالت لشعبان:
- اسمع، لم لا تعطيني الوقت الكافي كي أبحث لك عن عمل مناسب؟ مكانك ليس عاملاً في الكيبوتس المجاور، أعرف هذا، فأنت فلاحي المثقف الذي يقرأ ويكتب العبرية بطلاقة!
أراح شعبان رأسه على كتف السرير، وقال:
- تبحثين لي عن عمل مناسب؟ سبق أن قلت لي ذلك ... (( وتطلع في عينيها )) لِمَ جرى خصامنا يا ترى منذ أكثر من شهر؟ أنا لا أصدق أنك ستجدينه، ثم... أي عمل هو هذا الذي يمكنك أن تجديه لي؟
جاءت ووضعت خدها على قلبه:
- إذا قلت لك... إذا قلت... فلن تغضب؟
رفع وجهها بين يديه، وعاد يتطلع في عينيها، تطلع في ليل عينيها البنفسجي طويلاً، فأحس أنه نجمة تائهة هناك، وفي النهاية، سألها:
- ماذا لديك؟
ودون تردد قالت:
- زارني الحاكم في بيتي... (وفي رأسه هذا الصدى الذي يقول (( لا تحاسبني! لا تحاسبني! )) سأطلب إليه أن يساعدك (( سكتت لتلاحظ رد الفعل لديه قبل أن تضيف )): سأحصل لك على اذن عمل موظفًا في دائرته، (( قبلت فمه، أنفه، خده، حاجبه، وبقيت تشم طويلاً جبهته )) أعطني بعض الوقت كي أتدبر الأمر، إنه يريد أن يفعل شيئًا من أجلي... ((أزهرت بسمة مرة على شفتيه، فقالت بسرعة )): أعرف ما يجول في خاطرك، ولكن... (( وأضافت )): ثم... لا داعي للرحيل... إنني... (وترددت، ثم قالت بنبرة جهورة مفعمة بالصدق )): إنني أريدك أن تبقى إلى جانبي، يا شعبان!
وراحت تضمه بقوة.
- يجب علي أن أرحل.
أغمضت عينيها شاحبة، وشعبان يعيد:
- يجب.
وبعد قليل، فتحت عينيها، وقالت كمن وقعت على هذا فجأة:
- وهل فكرت في هذا، إنهم لن يسمحوا بإعطائك تصريحًا للخروج.
قال شعبان:
- بالطبع، لن يعطوني إياه لكني سآخذه عنوة.
فضاعف لها شحوبها.
- ها أنت ترين إذن ما هي (( حقوقي )): علي أن أحصل على تصريح للخروج بالقوة، أما غيري، فسيحصل عليه بدافع الحرص على الأمن الإسرائيلي.
حل سكوت طويل، فنهضت ريتا، واتجهت إلى تواليت الزينة، وهي تطير كالفراشة. نظرت إلى نفسها في المرآة، وأصلحت شعرها. تناولت زجاجة عطر كبيرة، وأدنتها من نهديها، وتركت نهر الأريج يسيل حتى أحست بلهبه أسفل سرتها. كانت تريد أن تخلص - مؤقتًا - من (( همومه )) بأي طريقة، إلى أن يصعد النهار. قال شعبان لنفسه نعم: إلى أن يصعد النهار. لفته ريتا بذراعيها، ولم تزل زجاجة العطر المفتوحة في يدها، وأدنتها من عنقه، فشعر بفم ينفتح عليه، خشي أن تسيطر عليه هموم النهار، إذا ما وضعت ريتا فمها في المكان ذاته. وفجأة، سقطت على ذراعه، وراحت تقبل بشفتيها الكرزيتين (( الخال )) ( ) الذي أخذ يتوهج كالقمر الأسود هناك، في أعلى ذراعه. سمعها تهمهم: (( أعبد قمري! أعبد قمري! )) كان تعباً، فدفعها بهدوء، وهمس:
- إنني تعب، يا ريتا!
ولكنها كانت تريد الصعود مع النهار، ألقت بالزجاجة المفتوحة جانباً، فانسكب العطر مضمخًا الوسادة. وعندما ارتمت تلتصق به، دفعت عنقها في فمه، وطلبت بإلحاح:
- اخلع هذا!
مشيرة إلى سرواله القصير.
كانت قد رفعت قامتها، واستلقت فوقه. سقطت بشفتيها على فمه، وأعادت بلهجة فيها من التوسل الشيء اليسير:
- اخلع هذا! اخلع هذا!
راحت بثغرها الكرزي تزرع صدر شعبان بالقبل، وكانت أكثر ما تُبقى بين شفتيها حلمتيه، دون أن تعي كيف ترعى من هذه الحشائش السود الغازية لصدره. وبدأت خفقات شعبان، خفقات الطائر الغريب الذي لا يريد الاستمرار في العبور صوب اللاشيء، بدأت تصبح ساخنة، سخونة هذا الجسد البض الذي يربض عليه. لم يكن عاجزًا عن قلبها، وزرعها تحته، لكنه انتظر أن تهب عليه الرياح المخصبة لأعضائه. أما عنها، فقد كانت تمارس صعود صباحها بهدوء، درجة درجة، محركة بين فخذيها على دفعات، وحان لها أن تفعل شيئًا، لأنها باتت على وشك أن تحطم العالم بين ذراعيها. انقضت في فمه، وقضمت له لسانه، فأطلق صيحة حادة. ارتفعت أصابعه كالمنجل، وجذب عنها ثوبها، فتمزق ثوبها بين أصابعه، وفزع نهداها. كان عليه كي يوقف هذا الاهتزاز الحار أن يضغطها عاصرًا بكل قواه، والغادة التي فوقه قد بدأت تئن كامرأة على وشك الولادة، إلى أن توقف كل شيء عند حده الأخير، قبل أن يصعد من الموت مشرقًا:
- اخلعه، اخلعه! أيها الحبيب!
قلبها في اللحظة التي سحبت فيها سرواله، فإذا به يلج فيها، وكل جزء من جسدها المشرق ينطق بلذة ماردة. لا بد وأن يضرب سلاحه المخلص، لا بد وأن ينقذ الحيوان البريء الذي يرتع في الغابة العذراء، لا بد وأن يطلق الحيوان البري.
حصلت صيحات لذة، وحركات انبعاث، ووصول، وتواصل، ثم ما لبث أن انفصل كل شيء عن مثيله. تراخى كل منهما، وصارا يقطران عطرًا وعرقًا، وفي اللحظة التي خرج شعبان منها مرميًا إلى جانب، سقط غارقاً في بحر النوم.






3
نهض عمار على صرخات أمه مثل كل صباح، وزوج أمه يسدد رأسها بنعله. كانت أخته التي تصغره عامًا قد انسلت من بين يدي زوج الأم الغاضبتين خفيفة الخطو، وجده الذي يقفل على نفسه الباب بالمفتاح قد سكن دون أن تبدر عنه أدنى حركة. تحمس عمار، فأتى ليرى أمه تحت النعل الغاضبة، وهي تغرق في دمها، ليقذفه زوج أمه بكرسي نصفه محطم، ولينقذف باتجاهه مهددًا بسوط أسود يريد القبض عليه، والفتك به كما يفتك ذئب بدجاجة. لكن عمار قفز بسنوات الثلاث عشرة كالطائر هاربًا من وجهه، وأمه تدعو على العالم بالدمار، وعلى أولادها بالموت، وعلى زوجها بصاعقة تدق عنقه، ثم تأخذ في جمع دمها عن الأرض، وهي لا تكف عن النواح.
وجد عمار نفسه يجري بن سيقان الليمون، كانت أشجار الليمون كثيرة، وكانت شجرة لوز تحاذي أحد الجدران. تسلقها برشاقة، وانتقل منها بخفة إلى ظهر الجدار. وعلى الطرف الآخر، كانت شجرة لوز أخرى غير بعيدة، رفع قدمه ليجرب لمسها، لكنه قرر أن يقفز، فالتربة التي سيسقط عليها قد جرى حرثها منذ زمن قريب، وهو لا يريد أن يمسك به زوج أمه لئلا يقطّعه إربًا. ودون تردد، ألقى عمار بنفسه في احضان الأرض بعيدًا عن العقاب، وقال: سيأتي يوم أدق فيه عنق ذلك الرجل الجبار الذي تزوج أمي! تمنى لو تقوم الحرب، ليقتل فيها كما قتل أبوه، وتمنى لو يكبر بسرعة، فكر أن عليه أن يأكل بكثرة ليكبر بسرعة، وما لبث أن نسي الحادث، وهو يفكر في موعده مع صوفي ابنة سمسار القرية اليهودي. كانت الطيور التي يصطادانها أكلتهما الشهية بعد أن يشوياها، ومع مضي الوقت، أصبحت صوفي تبدو حزينة، يجرفها سيل من الخوف العارم كلما اصطاد عمار عصفورًا أو حجلاً أو فِرًا رغم سرورها بنجاح كمائن الصيد التي يرسمان لها، ويدبرانها. وفي إحدى المرات رجع إليها عمار بحجل تائه، وهو في أقصى نشوة من الفرح، فوجدها تجلس على الحشائش، وهي تعبث بإصبعها في القفص، وقد فتحته مطلقه سراح الطيور التي اصطاداها بعد جهد نهار كامل. لما رأته يقف أمامها مشدوهًا، ليس بمصدق ما فعلت، رمت القفص على طول يدها، وراحت تنتحب بمرارة. أدهشه حينها ذاك التصرف، وبعد أن قرر ضربها تمالك عن غيظه، لكنه لم يمنع نفسه عن أن يغلظ لها في القول. وعندما سمعها تهمهم: (( لا أريدها أن تُقتل! )) ألهبت له عقله، ذعرته الشفتان الصغيرتان اللتان تحولنا لشدة حنو صاحبتهما إلى حرفين ناعمين لم تحتملا الهزات الراعشة فانجرحتا، هزمت إحساسه بنفسه كصائد جدير بالإعجاب، وصار الحجل الرمادي الذي بيده الإثبات الذي تحول ضده. وماذا لو اصطاده أحدهم (( هو ))، وأمرّ على عنقه حرف السكين؟ اهتز عمار، واضطرب، وغضب، كان لا يرغب في أن يقتله أحد. فتح أصابعه، فإذا بصيده يفلت من أسره، وعندما رآه يحلق بعيداً، وهو يطلق صوته الثاقب تحية لاستقباله الحياة من جديد، فكر إنما هو بفعله هذا يعيد له حريته. ولأول مرة، أدرك عمار ما هي الحرية، وما معنى أن يُقتل الكائن. ومنذ ذلك الحين، راح عمار وصوفي يصطادان الطيور طوال النهار لأن هذا غرامهما، ومع الغروب كانا يفتحان لها باب القفص لتعود إلى أعشاشها، وشعور وثيق من التجاذب بين الطيور والطفلين أخذ يكبر كلما غربت الشمس اليوم التالي.
فكر عمار: (( اليوم سأحصي عدد البيض الذي لم يفرخ بعد ))، وراح يغذ خطاه في الطريق الرملي الذي ينحدر منحرفًا. كانت وجهته الحديقة المحيطة بفيلا السمسار، لأن صوفي ستكون مختبئة، بسنواتها العشرة، بين أغصان شجرة (( المجنونة )). كانت صوفي شقراء، جميلة، والوصف الموجز لجمالها يمكن أن يلخصه المرء بكلمة واحدة: رائعة! كانت رائعة! وكان من يراها يظنها في الخامسة عشرة، وهي تتمتع بذكاء عجيب، وتكن صداقة عميقة لعمار.
تسلق عمار سور الحديقة، وهو يثني أصابع يديه وقدميه في الثقوب التي امتلأ بها السور، رغم أن الفيلا كانت جديدة، فأطفال القرية هم الذين عملوها، ليسهل عليهم تسلق السور، وسرقة ثمار الحديقة يوم السبت حيث يقضي السمسار عطلته لتسيير بعض الأملاك في المستعمرة القريبة من (( يازور)) . كان الأولاد يملأون جيوبهم بكثير من حبات الليمون يوم تستوي الحمضيات، وكثير من أعناق الأسكى دنيا يوم تستوي اللوزيات. وسرقتهم هذه التي كانت تطربهم، وترقص لها أفئدتهم، كانوا يتنظرونها على أحر من الجمر من سبت لسبت. إلى أن اشترى السمسار كلبًا صغير السن من فصيلة (( الراعي ))، اعتنى بتربيته، وبنى له وجاراً في قلب الحديقة. وعندما كبر الكلب، امتنع أطفال القرية عن تسلق السور، وأهملوا الفتحات التي نحتوها، ولم يعد سمسار القرية يهدد أو يتوعد، لكنه صار، كلما صادف جماعة من الأولاد تلعب قرب داره، يطرف بعينه، وهو يشير إلى السور، بينما يصل إلى الآذان نباح الكلب الذي لا ينقطع، ويقول بلهجة مهددة:
- الآن من له إلية كبيرة، فليرني قفاه!
وإذا ما سأله أحدهم لماذا لم يرمم الثقوب في سوره كان يقول:
- لم أكحّل السور لأرى اذا ما كانوا يجرؤون على تسلقه!
لكنه كان، في الحقيقة، لا يريد دفع تكاليف ترميم السور، وقد اعتاد على طرد الأولاد الذين يلعبون أمام داره، فهو كلما طردهم عادوا ولعبوا من جديد. لم يكن لديهم إصرار على العناد معه، إلا أن الفيلا، بحجارتها البيضاء الجديدة، كانت تجذبهم، فهي أحدث بناء في القرية.
عمار وحده الذي بقي يتسلق السور، بين وقت وآخر، باتفاق مع صوفي، وكان تسلقه السور لا يتعدى الوقوف على حافته، وإطلاق صفير له نغمة خاصة، تميزه صوفي، فتخرج إثره من بين أغصان شجرة (( المجنونة )). وعندما خرجت إليه في ذلك الصباح، لاحظ أمارات شحوب تكسو وجهها، فسألها بصوت خالٍ من نبرته المرحة المعتادة:
- كل شيء على ما يرام؟
اقتربت صوفي من السور، وجلست عند التقاء حافته بالتربة، متطلعة، بين الحين والآخر بارتياب، إلى النوافذ المغلقة.
- أبي هنا، وأنا أخشى أن يكتشف أمر خروجي.
- أخبرتني أنه مسافر اليوم.
- أظن أنه بدل رأيه.
أطرق عمار رأسه، ثم قال بإلحاح:
- وبعدين، ألن تأتي؟
- ثم ... هناك الكلب.
- أليس مربوطًا؟
- لا، ليس مربوطًا.
- اذن، لن تأتي. رأيت بعض العصافير الجميلة، إن اسمها الزرزور، وسنجمع باقة ورد.
- آه كم أحب ذلك!
- اذن، هيا، لن يعرف أبوك.
- سيعرف.
- أقول لك إنه لن يعرف.
- إذا عرف أنني أخرج معك ذبحني.
- لماذا؟
- قال لي لا تلعبي إلا مع (( جولدا )) من اليهود.
- ومن العرب؟
- قال لي لا تلعبي مع أحد من العرب.
أطلق عمار صوتًا ممطوطًا ينم عن سخرية، وسأل:
- ولماذا؟
- قال لي إنكم مجرمون.
- لو لم يكن أباك لفتحت رأسه بحجر.
رددت هاتفة:
- لا، لا، إياك أن تفعل، إياك أن تفعل!
- سأفعل عندما تأذنين لي.
- طيب، عندما أقول لك افتح رأس أبي، افتحه، ولكن لا تؤلمه، أرجوك!
- حسنًا.
نام عمار على بطنه، وقدماه الحافيتان تتدليان من طرفي الجدار، وقال:
- أنا ذاهب إذن، سأذهب وحدي.
- أنت غاضب؟
- لا، لست غاضبًا، سنذهب معًا غدًا.
- ربما... ربما لحقت بك.
- لن تجديني، فسأدخل الغابة.
أخذ قلبها يخفق بعنف:
- إياك أن تدخل الغابة، إياك!
- ولماذا؟ سأعد هناك بيض العصافير الذي لم يفرخ بعد.
- لا، لا تدخل الغابة، قال لي أبي إن هناك عربًا يقتلون الأطفال.
أرسل عمار ضحكة مدوية:
- هذه المرة سأفتح رأس أبيك دون أن أنتظر منك إذنًا، وستقول له إنهم عرب الغابة.
أضافت صوفي، وهي تخبط خبط عشواء في خيالها:
- قلت له وعمار؟ أليس ابن عرب؟ ولكنه قال إن أولئك عرب آخرون، يحملون الخناجر.
- لا تصدقي.
- وكيف لا أصدق، أراني أبي بعض الصور، وهم يشبهون الغيلان.
صاح عمار محتدًا:
- لا تصدقيه، فهو يكذب عليك، إنه يقصد العرب الذين في الضفة، أليس كذلك؟ وأنا أقول لك إنهم كالأرانب لا يؤذون أحدًا.
كانت الطفلة في حاجة إلى إفراغ ما في صدرها:
- قال لي سأعلمك عندما تكبرين كيف تضربين الخنجر، وأنا لهذا خائفة.
- ماذا تريدين كي أثبت لك أن ما يقوله ليس صحيحًا؟
سألته كمن يريد إراحة نفسه:
- وهل يكذب علي؟
- إنه يزيف عليك! هذه الكلمة علمني إياها جدي، يعني يبدل الحقيقة.
بعد برهة قال:
- أنا ذاهب، سأدخل الغابة، وعندما سأعود اليك في الغد سالمًا، فسيزول خوفك.
قالت لهفى:
- اسمع...
لكنه لم ينتظر، هبط كالقط كما صعد.

* * *

كانت الفلاحات العربيات الذاهبات إلى العمل في مزارع الكيبوتس المجاور يسرن بخطوات قصيرة، سريعة، بينما يرفعن على رؤوسهن أو بين أذرعهن سلال القش، وكانت فلاحة شابة تقول:
- لا دخل لنا بهم! طوال عمرهم، وهم يطالبون برفع أجورهم هم، وكأننا لا نعمل ضعف ما يعملون، ونأخذ نصف ما يأخذون!
رفعت ثوبها الطويل بيدها الطليقة، لتتابع السير بسهولة، ثم أضافت:
- لن تزحزحنا قوة قيد أنملة أو تمنعنا من إتمام أعمالنا اذا ما أضربوا اليوم، فاهمات؟
أكدت فلاحة في عقدها الرابع:
- طبعًا، طبعًا، والا ستقع العاقبة على عاتقنا، وعلى عاتقنا هموم أفواه ومصائب بالدزينة! سيستغلون أقل سبب لطردنا!
- لن يأتينا منهم شيء نافع، سواء أكانوا مضربين أو غير مضربين. وإذا ما علقت بينهم، فهي كلاب تأكل بعضها!
لم يعد عمار يسمع باقي الحوار، كن قد غبن في الطريق المؤدي إلى مركز التجمع. التفت إليهن لآخر مرة، وملأ جبينه صدى آخر الكلمات: (( كلاب تأكل بعضها! )) نفض رأسه عدة مرات، وتابع طريقه، ثم أخذ يصفر مع المنحدر، بدأ يهرول، وما لبث أن جرى بأقصى قواه، وسعادة ساخنة تندف في عينيه.
اقترب عمار من حقل (( العجوز )): كان يدعو حقل أم شعبان بحقل العجوز، وكثيرًا ما ردد ذلك في أحاديثه مع أولاد القرية، حتى أنهم صاروا يدعونه مثله. وفي أحد المواسم، زرعت أم شعبان بعض الذرة، فقال أولاد القرية: تعالوا نسرق حقل العجوز، فهناك ذرة لها أسنان صفراء كالذهب! لكنه منعهم، واضطره ذلك إلى أن يستعمل بعض التهديد، ليس لأنه يحب العجوز، فقد كانت دميمة، ولسانها قذر كلسان السمسار، لكن لأجل شعبان الذي كثيرًا ما شاركه اللعب بالكرة، كان يحب شعبان، وكان يتمنى إذا ما كبر أن يصبح مثله قوياً ذا عضلات، وأيضًا، لأجل أمينة.
تقدم من سياج الحقل، ولم يهدأ بعد خفقُ قلبِهِ الشديد. رأى أمينة تجلس تحت شجرة التوت، وهي تفتح ساقيها حول طشت الغسيل، ورأى فخذيها الجميلتين، كانتا مبللتين، وهما، لهذا، كانتا أشد جمالاً. بقي يحدق طويلاً في فخذيها اللتين أسكتتا لهثاته، وزادتا من حدة التماس الرجولة في عروقه. كان قلبه يخفق، والشعر الأسود الطويل الذي يصل إلى الأرض مع انحناء أمينة يجعله متردداً بين أن يعلن عن وجوده أو أن يبقى مختفيًا. رأى قطعة الثياب القاتمة كيف تتلوى بين يديها، وكيف تجمعت قطرات من العرق على جبينها. اشتهى رؤية عينيها، وراحت شهوته الصغيرة تكبر، ولكن أمينة لم ترفع عينيها إليه. ورغم أن ذلك الجمال الذي سلب له عقله لا يوجد جمالاً مثله على وجه الأرض، إلا أنه بدا في نظره، وهو على حاله تلك جمالاً مهملاً، يلزمه الكثير من العطف والرعاية. وما لبث أن تحول شعور الرجل الغريب في قلبه من شهوة إلى شفقة، فتناول حجرًا، وألقاه على مقربة منها، فإذا بها تنتفض كأنها تسقط من جوف حلم مزعج. عندما رأته يبتسم لها ابتسامته العريضة الواسعة، خلعت ثوب الخوف، ولمع في عينيها ضوء أسود، قبل أن تقول مشيرة له بيدها:
- تعال.
لكنه لم يحرك ساكنًا.
- لِمَ لا تأتي؟
بقي عمار لا يحرك ساكنًا دون أن يحيد النظر عن شفتيها، كان يرغب في أن يطبع عليهما شفتيه، فقط لنصف لحظة، ثم يهرب.
- لقد خرجت العجوز.
باعد عمار بين سلكي السياج، ودخل. كانت جيب سرواله الخلفية قد شبكت بعود شوكي، فضحكت عليه أمينة بملء شدقيها، وحاولت أن تمنع الهديل بأصابعها دون أن تنجح. أثار غيظه الضحك الرقراق كالنهر الصغير، وهو، لهذا، جذب نفسه بقوة، فتمزق سرواله.
- يلعن...
إلا أنه عدل عن إتمام الشتيمة، راح يستمع إلى ضحكها، وقد ازداد رنة، كان له رنين ووهج يدغدغ قلبه.
قال لها:
- لقد كان ذاك العود الملعون!
بان لحمه، إذ لم يكن من عادته أن يلبس سرواله القصير، فأصابه الخجل. اقترب منها، وهو يحاول تغطية نفسه، وأمينة لا تتوقف عن الضحك. وقف مرتبكًا بين يديها، وقد احمرت وجنتاه، وراحت عيناه تستقران من جديد على فخذيها الجميلتين، كان لا بد لها أن تحس بالحركة التي تنطلق كالسهم من عينيه، لتستقر على فخذيها، بعد أن تحفر النور، فمدت يدها، وأمسكت بثوبها، وسحبته. وكان ثوبها من الطول، بحيث وصل الأرض، وبدأ يشرب الماء المتجمع حول الطشت. ولكي تزيل سوء الظن من رأس الطفل، تصنعت الضحك هذه المرة، ثم قالت:
- أنت ولد شيطان!
وما لبثت أن نهضت.
وهي تعطيه ظهرها، على عتبة الكوخ، قال لها:
- أنا لا أرى البنت.
أجابته دون أن تلتفت:
- أخذتها العجوز إلى المصحة (( ثم أضافت، وهي تثني رأسها في اتجاهه )): من أجل أن تعمل لقاحًا.
دخلت الكوخ، وعمار يتبعها، وهي في وسطه، قال لها:
- إن الأمراض تنتشر بسرعة هذه الأيام، ولا بد من العناية.
رفعت غطاء الوعاء الذي يضعون فيه الخبر قبل أن يسألها عمار:
- لقاح ضد ماذا؟
- السل.
لم يتمالك نفسه من الضحك:
- لكنها صغيرة بما فيه الكفاية!
استدارت، وفي يدها رغيف ثقيل أسود على شكل الأسفنجة الكبيرة، وأوضحت:
- قالت جدتها إنها تخشى أن يقع للطفلة سوء رغم ما تكنه من كره لها.
فرك عمار جبينه على منظر رغيف الخبز الذي بقدر رأسه مرتين، ولكنه قال:
- إنني أفكر في العجوز، وأتساءل إذا ما كانت مسلولة.
شدته أمينة من أذنه، وقالت:
- لا تشغل بالك بها، فهي قوية كالبقرة!
- أنت لا تعرفين ما يجول في خاطر العجوز، ومن الواجب عليك أن تراقبيها إذا ما كانت تسعل، وأن تفحصي منديلها إذا ما كان لها منديل.
بعث الخوف في قلبها، فقالت، وهي تفكر في عمل التلصص الذي أوحى به إليها:
- لسوف أفعل.
- وإذا كان الأمر كذلك، فاحرصي على نفسك.
امتقع وجهها، وهتفت:
- أي شيطان ذكي هو أنت!
- لا بد من الحذر (( وبعد أن سكت لحظة قال بلهجة فخورة عارفة )): هذا بعض ما علمني إياه جدي.
- لك جد عاقل! خذ (( ناولته الرغيف )) هذا لك، خبأته من أجلك، آخر ما تبقى لدينا من القمح الأسود.
حمله عمار بيده، وهو يهتز من شدة السعادة، اقترب منها، وقد عاد قلبه إلى الخفق الشديد، لم يُحوجْهُ ذلك إلى أن يقف على أصابع قدميه، لف بذراعه كتفيها، وقبلها من خدها.
قال لها:
- كم أنت طيبة، يا أمينة!
شعّثت له شعره، وهتفت:
- اذهب والعب الآن، هيا، اذهب!
لم يغب عنه ما تحمله كلماتها من ازدراء ليس بمقصود، كان يرفض أن يخاطبه أحد بوصفه طفلاً، فأجابها، وهو يثني رأسه إلى جانب:
- أنا لا ألعب كباقي أولاد القرية.
ابتسمت أمينة:
- إن لك ألعابك، يا عمار!
تأوه، وهو يشد رغيف الخبز إلى صدره:
- نعم، إن لي ألعابي!
رأت كيف تومض عيناه في عتمة الكوخ، ولأول مرة، شعرت بطعم قبلته على خدها.
سمعته يقول:
- أصطاد العصافير ثم أطلقها.
ضحكت من أعماق قلبها، وقالت ساخرة:
- يا لك من مجنون! ولماذا تطلقها؟
أعمل عمار فكره:
- لأني لا أريدها أن تُقتل.
أعادت أمينة الغطاء على وعاء الخبز، وعمار يقول:
- سأجلب للصغيرة بعضها إذا ما وعدتني أن تقدمي لها بعض الطعام، وأن تطلقيها في النهاية.
قالت أمينة، وهي تقطع الكوخ خارجة:
- أعدك.
وقبل أن تعود إلى الطشت ثانية، نظرت إليه، فوجدته ما زال يقف خلفها، وهو يرميها بنظرات طويلة مبهمة:
- ألست ذاهبًا؟ (شاهدت في عينيه ذات الوميض السابق، فتضاعف خفق قلبها، وفكرت: (( لم يزل عمار صغيراً كي يصبح عاشقاً! )) قالت آمرة): اذهب! هيا، اذهب!
قطع عمار قطعة خبز، ووضعها في فمه:
- كم أنت كريمة، يا أمينة!
ثم أخذ يجري صوب السياج، فرأت طرفًا من إليته التي كشف عنها سرواله الممزق. أقلقها الطفل الذي في جسده، فصاحت به:
- انتبه على نفسك جيدًا!
كان قد أصبح وراء السياج.
- سأحضر للصغيرة بعض الطيور، ولك بعض الورد.
رفع لها يده محييًا، ومشى، وهو يطلق صفيرًا مرحًا.
كانت أمينة قد تبعته بعينيها حتى اختفى، وبقيت لفترة تنظر إلى الناحية التي ذهب منها. فكرت: (( من الممكن أن يلتقي بشعبان! )) وتساءلت كيف لم تحمله شيئاً إليه. كانت قد رأت في الأفق طائرًا أسود، فانقبض قلبها.

* * *

قالت المرأة:
- إنهم سيعرون لك فخذك في الأخير، فهم يرفضون أن يخدشوها على الذراع.
سألتها جارتها، وهي تقترب برأسها الملتف بحائك أبيض:
- وهل هو يهودي، الطبيب؟ هل هو يهودي؟
- نعم، يهودي، وهو يهودي بارع حسبما قيل لي!
رفعت المرأة الملاءة عن رأسها، وهي تتابع:
- لكنه صاحب أهواء.
أعادت الأخرى بدهشة:
- صاحب أهواء!
- إنه مغرم بالنساء إلى درجة فعل المنكر.
ولم تسمع آهة التعجب التي أطلقتها المرأة، إذ نشب صراخ أم شعبان الحاد شاتمة الممرض:
- سأشكوك إلى طبيب المصحة، يا ابن الكلب!
كان الرجل من النحافة بحيث تقوس كالوتر غيظًا، فراح يحلف الأيمان تلو الأيمان، بأنها لن تدخل عند الطبيب حتى ولو جاء دورها.
- ولكنه دوري، ولكنه دوري! وأنت قدمت الأخرى علي، لأنها قحبة!
زعزعت له الكِيان، فلم يتمالك نفسه عن القول:
- إنها امرأة أشرف منك!
مما دعا أم شعبان إلى أن تضرب على صدرها غير مصدقة ما سمعته، تركت الطفلة تسقط من يدها، وأنشبت مخالبها في عنقه:
- أنا أشرف منك، يا ابن العاهرة! يا ماسح أحذية اليهود! يا خنزير!
رمته أرضًا، وعم الضجيج القاعة. كانت بعض النساء المنتظرات قد رحن يصرخن:
- الحقوا الرجل! ستقتله إن لم تلحقوه!
بدا الممرض بين يديها عاجزًا لا يستطيع أمام هذه القوة الضاربة التي جثمت على صدره شيئًا:
- خذ، يا ابن الدابة، يا ابن الدابة!
الى أن تدخل بعض الرجال الذين كانوا بانتظار دورهم في الحجرة المجاورة، وما أن وجد الممرض نفسه حرًّا من جديد حتى استثارته نخوته على أم شعبان، فراح يصفق نعليه صائحًا:
- أخرجوا ابنة الحرام من هنا! أخرجوها من هنا!
دون أن يجرأ على التقدم خطوة واحدة باتجاهها.
وأم شعبان التي ما زالت تشدها أيادي الرجال قد ضربت بقدمها الأرض، وهي تقول له بشماتة:
- امسك بيضاتك الآن، كيف لما كنت كالمرأة تحت فخذي!
وسمعوها ترغي وتزبد:
- القواد! كدت أقصف له عنقه، فليجرؤ مرة أخرى على لمس مؤخرتي!
كانت بعض النساء على إثر سماعهن للكلمات الرذيلة التي تتقاذف تباعًا من فم أم شعبان يطلقن صيحات الخجل والاستحياء، والبعض الآخر منهن قد فزعن هاربات، ولم يجرؤ رجال القرية على ردعها، ولكن بعضهم قال لها متجنبًا الدخول معها في معركة:
- أنت امرأة ذات شرف! وهو قد أخطأ في حقك!
وقالوا له:
- كان من اللازم أن تدخلها طالما هو دورها.
ويقسم الرجل:
- أقسم بالله العظيم أنه لم يحن دورها بعد، فهناك ثلاث نساء قبلها!
- كان من اللازم أن تدخلها على أي حال.
- أقسم بالله العظيم أنه...
- لا تقسم! كان من اللازم ألا تثير المشاكل!
في الأخير، والطفلة تنبح كالكلبة، فتح الطبيب الباب: أبيض الشعر والحاجب، وفي الحال فكرت أم شعبان: (( هيئته هيئة طبيب حقيقي! ))
- ماذا هناك؟
والطبيب يلتفت إلى مخدومه.
أراد بعضهم أن يتكلم، لكن أم شعبان سبقت الجميع، وقد برز صوتها (( الحيوي )) يلعلع:
- إن هذا مخدومك، يا سيدي، قد حقرني، وأنا المرأة!
فحدج الطبيب ممرضه.
- تطاول علي بلسانه، وأهانني، حتى أنه تجرأ على ضربي!
كان الرجل الهزيل يقف قميئًا إلى أبعد درجة، والذي فعله، في النهاية، أنه استطاع التنحنح. ظن البعض أنه سيغمى عليه، فاقتربوا لإمساكه في الوقت المناسب، وكانت العجوز لم تفرغ بعد كل ما في جعبتها:
- إنه جبان كما ترى، وقد قدم إحداهن علي، فهو يختار أحسنهن شكلاً!
استدار الطبيب استدارة صغيرة، كان له وجه طبيب (( حقيقي ))، بحيث تحير بعضهم من أين له تلك الشفاه، ولما لم يسمع من الحضور ما يمكن أن يعارض قول المرأة، قال لها:
- ادخلي، يا سيدتي، من فضلك طالما هو دورك.
رفعت الطفلة بحبور الغالب مخاطبة إياها: تعالي، يا صغيرتي! دورنا الآن، يا لعبتي! وقبل أن تدخل، التفتت إلى الممرض، وقالت مهددة:
- عندما انتهي من البنت، سأحرر شكوى، وسيكون لدي بعض الشهود.
عندما سمع الطبيب ذلك راح يحثها على الدخول بلطف زائد، وبلهجة من التوعد ضد مخدومه:
- ما عليك، يا سيدتي، سوى أن تتفضلي، وأنا سأقوم باللازم، ومن واجبي أن أعلمك أنه حديث عهد في المهنة.
أحس الطبيب أنه يرد لها الاعتبار الذي يستطيع عليه، فلم يكن يملك تبريرًا آخر. قالت أم شعبان قبل أن يقفل الطبيب الباب، وهي تطلق ابتسامة معسولة:
- أما إذا كان الأمر كذلك، فسأفكر في الشكوى فيما بعد! أنت تبدو، يا طبيب، صاحب قلب!
وعندما خرجت أم شعبان من عند الطبيب، كانت الطفلة بين ذراعيها تبكي، وفخذها الصغيرة قد أصابها انتفاخ دامٍ في وسطه. مرت بالممرض، ودفعت في وجهه لسانًا متآكلاً، ثم بصقت دون أن يقوم الرجل بأدنى حركة: حنى هامته، وأعطاها ظهره.
وهي في طريقها إلى السوق، راحت تهدهد الطفلة التي لم تكف عن البكاء:
- إن الضبع مات... إن الضبع مات... اسكتي أيتها الأميرة... اسكتي أيتها الشريرة... إن الضبع مات!
دون أن تكف الطفلة دومًا عن البكاء، وفجأة، راحت الجدة تؤنب نفسها بصوتها (( العادي المجلجل )):
- ما الذي ركبني كي أفكر في أخذك؟ هذا لأني فعلت فيكِ الخير لا تتوقفين عن البكاء!
وقرصتها من إليتها، ثم رمتها على الرصيف:
- اجلسي هنا، وابكي ما شئت!
خطت مبتعدة بضع خطوات، ونحيب البنت قد تضاعف، بينما وقف بعض المارة يتفرجون عليها. وقبل أن تعود إليها، صاحت ملء فمها:
- عندما نصل البيت سأجز لك فخذك هذه طالما هي تؤلمك!
وجذبتها من ذراعها، فاضطرت الصغيرة إلى الهرولة من ورائها.
وقبل أن تدور مع الطريق لتدخل سوق القرية، رأت محمود، وهو يفغر فمه، ويجلس إلى جانب قاسم في سيارته الحمراء الرياضية، ففكرت:
(( يا للفم الوقح! )) أرادت أن توقفه لتسأله عن ولدها، لكنها قالت لنفسها بعزاء: (( سيعود في النهاية! )) كان محمود قد رآها، عند اللحظة الأخيرة، وهي تقطع الطريق إلى الرصيف الآخر، فطلب من قاسم العودة، فعاد، وسار بسيارته الحمراء ببطء إلى جانبها.
ناداها محمود:
- يا خالة، يا خالة!
التفتت أم شعبان لترى محمود، وهو يخرج رأسه من النافذة:
- صباح الخير، يا خالة!
- صبا ... خر ... (بعد أن أكلت نصف الحروف).
سألها محمود متصنعًا بسمة كبيرة:
- أما زال شعبان في البيت، يا خالة؟ لم يأت المقهى كالعادة!
قالت بوجه مخيف، وبكلمات حاقدة:
- لا شأن لي بشعبان! أنا لست أمه، وهو ليس ابني!
سارع محمود إلى إدخال رأسه مخيبًا، وراحت سيارة قاسم تعدو، وهي تسعل بحدة، وأم شعبان تفكر في محمود، وتهمهم: الخائن... القذر الخائن! إلى أن وصلها هذا الصوت:
- أخيراً، أمسكت بك!
ردها إلى نفسها هارون، مصلح الأحذية الجوال، فقالت له بلهجة كدرة:
- أهذا أنت، أيها السفاراد الخائب؟! أهذا أنت، أيها النعل القديم؟!
قهقه الإسكافي، وسار إلى جانبها، وهو يحمل على كتفه صندوقه، وبيده عصاه الحديدية المعقوفة التي يضرب عليها النعال:
- لا تنسي أنني أيضًا عبقري قديم! يا ليتك رأيتني وأنا أدير مصنعًا كاملاً لعجلات السيارات بنفسي!
- يا ليتني رأيتك وأنت تدير مصنعًا لحتفك! أحالك هذه هي ثمن العبقرية التي جنيتها؟
انحنت أم شعبان على حفيدتها، وحملتها، بعدما أصبحت من فرط البكاء كالحمل الوديع، ثم قالت للإسكافي بلسان جاف محاولة التخلص منه:
- هات ما عندك، وارحل، فأنا لا أريد أن تسير برفقتي.
فغر هارون فاه:
- أنت لست جادة، يا أم شعبان، وهأنذا أسمع ضربات قلبك كيف تزداد حدة (أدنى أذنه قليلاً من قلبها): تتمنين لو أظل طوال العمر إلى جانبك.
كشرت أم شعبان عن أنيابها، وصاحت:
- أأنا من تتمنى أن تظل إلى جانبها طوال العمر؟ أأنا يا آكل النعال؟ لا تقل لي إنهم لم يطعموك نعالهم قبل أن يتركوك صفرًا على اليسار! أما أهل هذه القرية الملعونة، فأنا ألعنهم لأنهم قبلوك فيها! وتأتي وتقول لي تتمنين لو أظل طوال العمر إلى جانبك!
لم تؤثر فيه كلماتها اللاذعة، فقد كان معتادًا عليها:
- أي نعم! أي نعم!
وقبل أن تنفجر في وجهه كالرعد، سارع إلى القول:
- إنها آخر الأيام! أنا لا أخفي عنك سرًّا، آخر الأيام! (خفض صوته، وهو يحيط فمه بيده): فالحرب واقعة هذا الصيف، اياك أن تقولي لأحد أنني من قاله لك، فهو سر حربي، وصلني من صديق جنرال.
هبت به صائحة:
- ماذا؟
- أؤكد لك، من صديق جنرال! وأنا أخشى إذا ما ذاع سر الحرب القادمة أن يلحقه ضرر.
دفعته في كتفه:
- ابعد عني، يا مجنون!
وأعطته ظهرها، وهارون يريد أن يستوقفها:
- انتظري، انتظري، يا أم شعبان!
أخذت تصيح بأعلى صوتها، وهو يهرول من ورائها:
- إذا لحقت بي، فسأقول إن هناك حربًا ستقع في الصيف.
كانت تمر ببعض الدكاكين، والناس يسمعون، وكانت تمر بها عربات تجرها الحمير، بعضها يعدو، وبعضها الآخر يسير الهوينا، وكان صاحب إحدى العربات قد راح يصرخ بأعلى صوته، وهو يسوط حماره، حا! إلى الجحيم! وضع هارون أصابعه على فمها:
- اسكتي! اسكتي، أيتها الفتاة الكبيرة!
ولكنها لم تستجب:
- وهذا هو (توقفت فجأة مشيرة بإصبعها إلى هارون، فصدمت رأس أنفه): الذي يقول (صاحت بأعلى صوتها): الحرب واقعة هذا الصيف!
انتظرها حتى أنزلت إصبعها، وهدأت، فسألها:
- وبعد ذلك؟
- ماذا تريد أيضًا بعد ذلك؟ الجميع الآن عرف سر جنرالك.
قال هارون متلعثمًا:
- سأكون سعيداً لو... (خطا مبتعدًا، وصاح من بعيد): سأكون سعيداً لو تقبلين.
فسألت منكمشة على نفسها:
- أقبل ماذا؟
وهو يرجع إلى الوراء حتى ابتعد عنها تمامًا:
- سأكلم شعبان في الأمر... (أخذ يردد بصوت عال:) الحرب ستقع... ستقع الحرب... الحرب واقعة لا محالة!
فكرت أم شعبان: (( ماذا لو وقعت الحرب؟ ستكون ذات الأنقاض، وذات الضحايا! )) أما الأمر الذي سيكلم شعبان عنه، فهي قد أدركته، وأخفته بخبث في صدرها. وعندما فكرت في زوجها، أصابتها غصة. كانت تعتبر موته خيانة، وفي ذات الوقت، حياتها من بعده خيانة، وازدادت تجعدًا وانكماشا.
وصلت أم شعبان إلى دكان السمسار، وعندما رأته، فكرت أنها تعرفه قبل 48 وبعد 48 دون أن يتغير فيه شيء. جمجمت: (( آه يا لهذا اليهودي الذي كبر دون أن تشيب له شعره واحدة! )) كان يرفع إصبعًا مهددة، وهو يقول لبنت تقف كالصنم أمامه، بنبرة رخوة ملأى بالتأفف:
- إذا لم تدفع أمك حسابها غداً ذهبت إلى المحكمة، ستة شهور لم تدفع أمك (( متليكًا )) واحداً! (رأى أم شعبان، فهز لها رأسه، وأضاف بسرعة): قولي لها إنني لم ألتزم معها بعهد زواج، فأنا لي امرأة، ولم أزوج بعد أولادي! فاهمة؟
وصرف البنت والبنت لا تنبس بكلمة.
قال السمسار لأم شعبان بذات النبرة الرخوة الملأى بالتأفف:
- أهذه أنت؟
- نعم، أيها اليهودي!
- لقد شاهدت بأم عينك وسمعت بأم أذنك! جميع من في هذه القرية لا يريدون العمل، وهم يظنون أنني أدينهم أو أرهن لهم بقاياهم لأجل الخلاص! إنهم لا يفكرون في الدفع إلا إذا عصروا!
- ولماذا لا تبدل؟
- أبدل ماذا؟
- قرية الموتى هذه!
أخرج من جرار طاولته الصغيرة حزمة من الليرات، وقال:
- لن أبدل، فليست للدكان أقدام!
مما جعلها تضحك ساخرة:
- إنه يعجبك أن تبقى، أيها اليهودي! يعجبك أن تفحش بالمال على ظهورنا!
كان قد رفع حزمة النقود كي يعطيها إياها، ولما سمع ما قالته، ارتجفت يده، وبدا مترددًا، لكنها كانت من السرعة بحيث اختطفتها منه.
سألت أم شعبان:
- هل هي الألف ليرة التي طلبت؟
تململ السمسار، وهو يغلق صوته، مختلقًا بعض الأعذار:
- لم أستطع أن أجمع لك سوى نصف ما طلبت.
تركها تعد المبلغ:
- فكما ترين إنه الحال! (ثم أردف بمرارة): حال الموتى! هؤلاء الموتى الذين لا يدفعون إلا بعد زهُوق الروح! والسمسرة تحتاج دومًا إلى الدفع في الأجل المحدد!
- لكنهم يدفعون في النهاية، أو تشفطهم هم ومتاعهم!
رمى بيده ماطًا صوته، وهو يعيد بتهكم:
- نعم، لكنهم يدفعون في النهاية!
دفعت المبلغ في صدرها، وتحركت تريد الذهاب:
- إلى موسم الحصاد القادم إذن.
إلا أنه قدم لها ورقة وعلبة حبر للأختام:
- بقيت هذه.
- آه! نسيت البصمة!
لوثت إبهامها بالحبر، وطبعته على الورقة محاولة إنجاز شكليات السمسار (( القانونية )) بسرعة.
- إنه المبلغ المتفق عليه دومًا.
- أعرف أيها اللص الماكر! أعرف أنك ستشفط الضعف!
طوى السمسار الورقة، ثم رماها في الجرار، وأقفله بالمفتاح. استدار ليصطحبها، وهو يثرثر:
- ... وكما تعرفين، الجبايات علينا كثيرة، وكبيرة، لأننا سماسرة، مع هذا، نحاول أن نرضي الناس التي تدفع، والناس التي تؤجل الدفع، ونحن من يتكبد الخسائر.
- لتجن كسبك، يا سمسار، اجنه قبل أن يفلت منك، ويهرب!
مرت أم شعبان بدكان المختار عمران في الوجه المقابل، وعلى الباب، كان يعرض بضاعته، وكانت رؤوس من البصل في أكياس صغيرة فوق بعضها البعض على شكل تلة صغيرة. تناولت كيسين منها، وصاحت بالمختار، وهو غارق في عتمة الدكان.
- سجل هذا على الحساب.
جاءها المختار يجري، لكنها ابتعدت بخفة، فقال لنفسه: (( هذه المرأة تملك يد لص! )) عندما التفتت أم شعبان إلى الوراء، رأت يعقوب، حارس الحاكم، يخرج من عنده، ويذهب إلى دكان السمسار بخطوات سريعة. وللعودة إلى كوخها، أخذت أم شعبان الطريق الترابي الذي جاءت منه، وقد ضاعفت الخطو، وعلى كتفها، كانت الطفلة تغفو.

* * *

كانت الثياب ترفرف كالأعلام في كل مكان، ثياب ذات ألوان وأحجام مختلفة، نشرتها أمينة على حبل الغسيل، أو ألقتها على السياج. وفي سلة القصب، كان بعضها لم يزل متلويًا بعد العصر كالحيات. عندما رأت أمينة أم زوجها آتية، وهي تحمل ابنتها على كتفها، شبه عادية، جمدت أصابعها على حبل الغسيل، ثم تركت العلم المغتال يسقط من يدها، وهرعت صوب الصغيرة. مدت ذراعيها لاحتضانها، لكن الجدة بقيت تشدها، وهي تسير بخطوات مصممة إلى داخل الكوخ. تبعتها أمينة، وهي تحني قامتها، حائرةً، من تحت رأس الصغيرة الذي يهتز من جانب إلى جانب. ثم مدت أصابعها، ومسحت من حول عينيها آثار الدموع، ووجدت نفسها تسأل لهفى:
- هل هي بخير؟
لكن العجوز لم تجبها، جاءت جبل الفراش الصغير الذي يقيمونه في زاوية الكوخ كل صباح، هناك وقفت، وهي تحدجها بعينين مرعبتين، عرفت أمينة قصدها، فسارعت تنزع الغطاء، وفي اللحظة التي سحبت فيها فرشة، ألقت أم شعبان حملها عليها، وأطلقت نفسًا عميقًا.
قالت أم شعبان، من فوق رأس أمينة التي ارتمت تحتضن ابنتها النائمة:
- هناك جرعة ثانية، بعد سبعة أيام، لكنهم سيقررون إذا ما كانت تلزم.
ألقت البصل في صحارة، ونزعت عنها ثوبها الأسود:
- ستأخذينها أنت في المرة القادمة، فلم أعد على استعداد لأخذها أنا.
عرت ساقها الجرداء لتخلع عنها الجورب، وفي نفس اللحظة، رفعت أمينة رأسها، فرأت الساق التي مات لحمها، أغلقت عينيها عاجزة عن المتابعة، وازدادت التصاقًا بالجسد الساخن.
قالت أم شعبان:
- لو تعلمين كم هي ابنتك هذه نَكْدَة!
وأحاطت رأسها بكلتا يديها.
- لم تنقطع عن النباح لحظة واحدة! وهي بين يدي الطبيب عملت زفة! وكأنه الحكم عليها بالقتل!
نظرت إلى أمينة، وأمينة تضع خدها لصق خد ابنتها، فلم يرق لها ذلك:
- أما أنت... فأنت أول من يفسدها!
ذهبت إلى زاوية يستعملونها مطبخًا، وهبطت تجلس على الأرض. رفعت أكمامها، فبان ذراعاها الموشومان بوجه ثعبان لسانه ذو ثلاث شعب. تناولت السكين عن لوح، ودفعته في بطن الكيسين، فانشقا، وتدحرجت رؤوس البصل الصغيرة في حضنها. أمسكت إحداها، وجستها في كفها، ثم قسمتها نصفين.
طلبت بلهجة صارمة:
- احضري لي قليلاً من الماء.
وهي تدفع لأمينة طنجرة تناولتها عن رف، لكن أمينة الغائبة مع أنفاس ابنتها المريضة لم تفطن لمطلبها، مما أثار ثائرة أم شعبان التي راحت تصيح:
- أنت يا هذه، أحضري لي قليلاً من الماء! كم مرة تريدينني أن أعيد حتى تسمعي! أيمكن أن تكوني طرشاء؟!
أتبعت كلماتها بحبة بصل قذفت بها رأسها، فظنت أمينة أن مطرقة هوت، وكان رأسها الهدف، انتفضت، وهي ترمق العجوز بعينين عاصفتين، والأرض قد دارت بها. كانت العجوز تعرف الوقت المناسب للهجوم، وإذا ما بدأت، فهي لا تعطي لخصمها فرصة المواجهة:
- ها أنت تنظرين إلي في النهاية بهاتين العينين الوقحتين!
وتوجهت بالسكين الوحشيّ إلى أمينة:
- لا تنظري إلي هكذا! لا تنظري إلي هكذا!
احترق عصب العجوز، فلم تزل أمينة ترمقها بعينيها العاصفتين: هناك كان الحقد، والليل الأسود.
- لا تنظري إلي هكذا! لا تنظري إلي هكذا!
وراح ليل العينين يلاحقها كالقدر، فغطت بيدها التي تقبض على السكين وجهها المتغضن، وراحت تهمهم:
- آه كم أرغب في سبلهما! وكم أنتظر هذا منذ زمن بعيد!
قذفت السكين في اللوح، فانغرز، وراح يهتز. انتاب أمينة خوف عارم، قبضت على صدرها، ونظرت إلى طفلتها الغائبة عن الوعي. تناولت الوعاء، وراحت تجرى صوب البئر.
لم تتوقف العجوز عن الهمهمة لحظة واحدة، وأمارات الشر تغزو وجهها. كانت أم شعبان قد عادت بذاكرتها إلى الوراء، إلى اليوم الذي أراد فيه ولدها أن يتزوج من أمينة. لقد جن جنونها وقتها، إذ كانت على عداء دائم مع أم أمينة. كانت تطلق عليها اسم (( الداية ))، لأنها كلما جاءها المخاض، قامت بعملية الولادة بنفسها. استعادت حديثها مع شعبان عندما قالت له مستنكرة:
- إنها (( الداية )) إذن، وستصبح نسيبها!
- أنا أتزوج من أمينة، وليس من أمها.
- ولكنها ابنة الداية!
- أريدها، وقد قر قراري.
لحظتذاك، شدت أم شعبان شعرها بغية اقتلاعه، وراحت تولول:
- لا أقدر أن أرى البنت، لا أستطيع، فأنا أتذكر الأم، ولن أقبل بملاحقة شبحها لي طوال الوقت.
- إن كنت لا تقبلين حقًّا، فأنا ذاهب، ولن تري وجهي أبدًا بعد اليوم.
كانت لا تخضع للتهديد، ففي الداخل يستيقظ كل الشياطين:
- ليأخذك الشيطان! فلتذهب إلى الجحيم، يا عاق!
ورغم إصرارها على عدم إتمام ذلك الزواج، فإنها في النهاية، طلبت يد البنت بنفسها، إلا أنها لم تحضر العرس. وفي الليلة التي أدخل فيها شعبان عروسه إلى البيت ضربته، وهي تولول، وتقول:
- أيها الولد الشرير! كيف تخرج عن إرادتي! كيف تأتيني بقحبة! أيها الولد الشرير! قل لي كيف!؟
ومنذ ذلك الحين، وقلبها يمتلئ حقدًا على أمينة، وقعدت طوال الوقت تعد الأيام منتظرة الفرصة المؤاتية لتفجر الحقد، وتشفي الغليل.
وفي مرة، عندما عاد شعبان من المدينة في إجازة لعدة أيام، حاولت أم شعبان أن تطلقه من امرأته الحامل متهمة إياها بأنها على علاقة بمحمود: ((إن محمود الأعزب، إنه، لو تدري، قذ اتخذ خليله )). ويستوضح شعبان أمه عن صديقه: (( كيف عرفت؟ فمن عادته أن يقول لي كل ما في قلبه، ابن الجن! )) ويقهقه للخبر: (( أنا أعرف أن باستطاعته أن يفعل ما يشاء! )) تضربه أمه، وهي تعيره بزوجه، إذ تشير إليها، وهي تنام على مقربة منه، وتنبر: (( إنها هذه الجيفة القذرة، أيها المغفل! ))
أطلق شعبان على صديقه رصاص الخرطوش القاتل، ولحسن الحظ، لم يسقط الباز الشقي. وتنكشف الحقيقة بعدها، فيجمجم شعبان، وهو يكاد يفقد صوابه: (( يا لها من لعينة! لسوف أقطع لسانها ذات يوم! لسوف أدق عنقها بيديّ هاتين! ))
ومرة أخرى، حاولت الإيقاع بينهما، كان ذلك بعد ثلاث سنوات، لكنها لم تنجح، فشعبان الذي قرصته الحية مرة، لم يترك نفسه لأنيابها مرة ثانية.
أحضرت أمينة لها الماء، ويدها ترتعش، فتساقطت على الأرض بعض القطرات، وهي لهذا، هرعت تنقل الممسحة، لتجففها، دون أن تنقطع العجوز عن حدجها بعينيها، وملاحقتها، وبالسكين دون أن تنقطع عن ذبح رؤوس البصل، وفرمها.
وعندما تسرب أثير البصل إلى عيني أمينة مسيلاً لها الدمع، زمجرت أم شعبان، وقهقهت:
- انظروا إلى عينيها كيف تدمعان! إنها تنعي الميت العزيز! الميت الغالي!
مسحت أمينة عينيها بطرف كمها، وعادت تجلس إلى جوار ابنتها. رأت دموعًا تسيل من بين جفني ابنتها المقفلين، فكاد يصيبها الجنون.
عادت أم شعبان تقهقه. فكرت أمينة: (( هذه الضحكات الشريرة لن تنتهي على خير! )) رفعت طرف ثوبها، وراحت تمسح دموع ابنتها، وتطبع شفتيها على وجنتها. في تلك اللحظة، صاحت أم شعبان، وكأنها فقدت عقلها:
- هذا شيء لا يتصور! ابتعدي عن البنت، يا امرأة! انهضي! هيا انهضي!
وأكملت بقسوة:
- لست أول أم، وهذه ليست آخر ابنة!
وقفت متحفزة للوثوب عليها، شعثاء الشعر.
ضرب خافق أمينة على دفعات، وراعها كيف فكرت: (( ستلتهمني بعد أن تحيلني بسكينها إلى أقمار تمامًا كما فعلت برؤوس البصل الصغيرة! )) شدت ابنتها إلى صدرها، صوب الباب، لكن العجوز دفعت قبضتها في وجهها كالسد، فمزقت السكين ثوب أمينة:
- ليس هناك من ينقذك! لقد سرقتني شعبان، ولكن... أين هو شعبان؟
وقفت أم شعبان في الباب، ثم ما لبث أن تقدمت منها، وعنق السكين المسحور يتلوى في قبضتها:
- أعطني البنت.
عقدت أمينة ذراعيها حول البنت، لكنها انتزعتها منها، وألقتها أرضًا، فدبت البنت على أطرافها فزعة، كالحشرة، وراحت تنادي:
- أما! أما!
سقطت أمينة في (( النول )) دون فائدة من الإفلات منه، فخيوط المغزل قد لفتها محاصرة إياها. وقبل أن تهوي عليها العجوز بالسكين المسحور أطلقت صرخة الموت، فانزلق السكين بين النهدين، وصنع خطا مستقيمًا نضرًا مشربًا بحمرة، وما لبث أن جرفها السيل الأحمر. دخلت خطوة في العدم، ثم أرجعتها إلى الوجود كف عظمية انهالت على وجهها تلطمه، فراحت تتصاعد في عروقها قوة جبارة لها فعل العكس مع القوى الشيطانية التي تسحب جسدها إلى النهاية، وأخذت هذه الصيحات الحاقدة أيضا تبث في صدرها قوتين:
- ها! اليوم المشؤوم! اليوم المشؤوم! أخيرًا... اليوم المشؤوم!
الى أن انفجرت أم شعبان تبكي:
- قلت له ناصحة هذه ستكون شؤمًا عليك، لكنه لم يسمع للنصيحة! وها هو يتركنا جميعًا، ويذهب!
راحت ترجمها بكل أداة في الكوخ، حتى أنها حملت إناء الماء، وأفرغته على رأسها، وعندما نظرت إلى رؤوس البصل، حسبتها رؤوسًا بشرية صغيرة قطعتها بالسكين، فامتلأت عيناها رعبًا، واقتربت من أمينة، وأمينة تخبط كعنكبوت تائهة، جذبتها إلى خارج الشبكة، فهوت، وهي تطلق أنفاسها القصيرة المتلاحقة، جرتها، جرتها، فتحت الباب، وألقتها على العتبة، ثم عادت لتأتي بالطفلة، جرتها، جرتها، وألقتها فوق أمها. وقبل أن تغلق أم شعبان الباب، نبرت بقسوة:
- ابحثي عن واحدة غيري تسترك، فلست مسؤولة عنك بعد اليوم، وسأكون وفية للشيطان إذا ما أقدمت على إيوائك من جديد.
ضربت الباب بعنف، فتشقق، وانهار طرف من الجدار. وبعد قليل، علا صوت نحيب آتيًا من داخل الكوخ، مفرط القسوة، وفي نفس الوقت فيه توسل مفيض:
- يا ولدي؟ أين أنت، يا ولدي؟
كانت أمينة وصغيرتها قد سارتا في الحقول كدابتين مهلكتين، والنحيب الآتي من الكوخ لا يتوقف، يسعى في طلب ضمير طيب. وأم شعبان ما انفكت تقول: أين أنت، يا ولدي؟ أيها الولد العاق تعال إلي! إن حفيدة الشيطان بانتظارك!




























4
هتف الجندي المكلف بإعلان استقبالات الحاكم العسكري بحماس، وهو يصفق كعبيه:
- الآنسة ريتا بنيامين!
عندما نهضت ريتا، وهي تسوي ياقتها، تبعها بعينيه حتى وصلت إليه، فابتسم لها ابتسامة المهنة، وقال:
- إن الحاكم بانتظارك، يا آنستي.
رفعت ريتا محفظة يدها ذات الجلد اللمَّاع حتى المرفق، وتبعته، وهي تشعر بالراحة لخروجها من حجرة الانتظار، إذ كان يفسد هواءها دخان المنتظرين ونظراتهم.
وقبل أن تدخل حجرة الحاكم، كان عليها أن تمر بالمكتب الصغير الخاص بحارسه يعقوب. رافقها الجندي إلى هناك، وأقفل الباب، بعد أن تبادل مع يعقوب نظرة غير روتينية هذه المرة. وقف يعقوب بلباسه الرسمي، دافعًا كرشه الضخمة إلى الأمام، وعندما اقتربت منه ريتا، ابتسم لها بابتهال، فهو يعرفها جيدًا، ولم يقل لها كلمة واحدة. فتح الباب، ودخل على الحاكم:
- الآنسة ريتا، يا سيدي.
ثم خطا إلى الخارج خطوتين عسكريتين، ووجهه يخفق من شدة الانفعال:
- فلتتفضل الآنسة.
وقبل أن يقفل يعقوب الباب، رأى الحاكم، وهو يقف مادًّا لها يده، ثم وهو يأتي من وراء مكتبه، ويطلب من ريتا:
- لتخترْ الآنسة المقعد الذي يناسبها، ولتتصرف، وكأنها في بيتها.
وهو لم يزل يمسك بيدها، بعد أن جعلتها ريتا ترتخي بين أصابعه.
- هذا عطف كبير من السيد الحاكم! سأجلس هنا.
وجلست على مقعد مريح مزدوج، فأخذ الحاكم مجلسًا مجاورًا لها، ثم قال، وهو يفتح كثيرًا فمه، فيظهر له ضرس فضي:
- كنَّا ننتظر هذه الزيارة منذ وقت طويل، وها هي ذي تتحقق اليوم، في الأخير!
خفقت رموش ريتا المستعارة، وقالت:
- إن قول السيد الحاكم يشعرني بذنب صغير، لهذا، من الواجب أن أقدم لك اعتذاراتي، فلدي بعض الأشغال، وأنت لا تملك وقتك.
أطلق الحاكم ضحكة قوية، وهو يحاول، في نفس الوقت، ألا يخرج عن مهابته:
- هذه حيلة بارعة نتقبلها باغتباط، فالوقت إن لم يكن لأمثالك، فلمن يكون؟
وسمعته يضيف بصوت معسول:
- عندما يحظى امرؤ بإعجابنا، يا آنسة ريتا، ما عليه سوى أن يأتي، فهذا البيت مفتوح دومًا للأصدقاء، وهو كما ترينه، بيت متواضع لحاكم متواضع!
رفعت عينيها إلى الجدار المقابل: لوحة زيتية كبيرة مؤطرة تمثل منظرًا في الجنة لفاتنة عارية تحيط بها ملائكة صغار. وكانت بين النافذتين المرخاة عليهما ستائر من الأطلس الأزرق: ساعة عتيقة من خشب الجوز المحفور ذات ذراع طويلة تأخذ شكل المغرفة الكبيرة تتحرك بتوأدة يمنة ويسرة. وحينما استقرت عيناها على خريطة منحوتة من الجبس وراء المكتب، قال لها الحاكم، وظهره يغرق في وسادة حريرية:
- هذه هي إسرائيل!
وأضاف مأخوذًا بعبارته:
- من الفرات إلى النيل!
حدقت لمدة لحظة في (( إسرائيل الحلم ))، وهي تفكر: (( لن أصيب الهدف الذي جئت من أجله )). تراءى لها شعبان، وهو يربض بقدميه على اللوحة بعد أن حطمها، وهدم الطريق مانعًا الحاكم في السير بالحلم إلى تحقيقه.
- خريطة رائعة!
- إنها من الجبس البارز، والألوان حقيقية، وقد قضى فنان بولوني من أقربائي في نحتها مدة تزيد عن العام.
- رائعة! رائعة!
نهض الحاكم، اقترب من الخريطة، وأشار بإصبعه إلى نقطة في دائرة:
- أنت الآن، يا آنسة ريتا، تجلسين هنا.
أطلقت ريتا ضحكة صغيرة:
- يعني في القلب؟
- تمامًا.
استدار الحاكم بهدوء عائدًا إلى مكانه:
- سأكون سعيدًا، يا آنسة ريتا، لو نلتقي، في المستقبل، هناك، في الوسط الحقيقي، في القلب، ونتخذ، أنا وأنت، مجلسنا على التراب، بدلاً من هذه الوسائل الدنيوية.
وأشار بحركة تدل على النفور إلى ما في الحجرة من أثاث فخم.
قالت ريتا، وهي تثني ساقًا على ساق:
- إنه لأمل عزيز غالٍ، يا سيدي الحاكم!
نظر الحاكم بالطرف إلى الفخذين البضين بعد أن انحسرت عنهما دائرة الفستان، وقال بمرارة:
- لا أدري كم سيحتاج هذا من الوقت، ولكن، لربما يحصل فجأة، كزيارتك اليوم لي (أخذه صهيل الضحك): وهكذا دون توقع!
وهو يمدد صهيله الأبح المفتون حتى مسامع يعقوب الذي كان يسترق السمع من وراء الباب. بعد قليل، قالت ريتا بغنج مقصود:
- لكن السيد الحاكم لم يسأل عمَّا إذا ما كانت لريتا (وترددت) أقصد إذا ما كانت لريتا غاية ما من وراء زيارتها هذه.
زمَّت شفتيها كالطفل منتظرة رد فعله، فعقد الحاكم بين حاجبيه، وعاد يلبس هيئته الإدارية عندما سمعها تتابع:
- سيكون طمعي في رؤيتك السبب ما في شك، فأنا لم أسمع خبرًا منك منذ زيارتك لي في منزلي.
نقل قدمه من مكان إلى آخر، وسأل بكلمات سريعة:
- ما السبب الحقيقي الذي جاءت من أجله الآنسة؟
أجابت في الحال، وبدفء لا يخلو من الإلحاح:
- إنها لن تتعدى أسباب امرئ حظي بالإعجاب.
ابتسم الحاكم بدهاء، وهو يرمي بين الآونة والأخرى نظرة مختلسة على انفراج ساقيها:
- ستحسن الآنسة صنعًا لو تتفضل بقول هذه الأسباب، ولا يكن لديها ظن، فهي ستحظى من طرفنا بالعناية الأكيدة، ونحن على يقين دومًا مما نقدر عليه.
اتجه نحو خزانة صغيرة على بابها مرآة، وأخرج زجاجة كونياك وقدحين.
- سنشرب نخب ما تودين قوله.
تناولت من يده الكأس، وهي تحاول أن تضاعف في عينيه من اشتعال شهوته.
- أنا مسرورة لأن الحاكم لن يرفض لريتا طلبًا واحدًا.
صبَّ لها بعض الكونياك... وهو يصب لنفسه، قال بلهجة إطراء عميقة:
- أنت يهودية حجة في جمالك، يا آنسة ريتا! يهودية حجة!
فكرت ريتا أنه الوقت المناسب، فقالت بلهجة مفعمة بالبساطة:
- الحقيقة... إنه عمل أريدك أن تجده لبائس من معارفي.
غاب غيبة قصيرة، وضع الزجاجة على مكتبه، وسأل بنطق مركز:
- يهودي؟
- عربي، عربي بائس!
فكر لبعض الوقت، ثم قال:
- حسنًا!
رفع كأسه، وقال شبه صائح:
- إنني أشرب نخبك، يا آنسة ريتا، فليس لي خيار!
وجرع كأسه دفعة واحدة، بينما لامست ريتا بشفتيها الحافة الرقيقة لكأسها، وقالت:
- أريده أن يكون في دائرتك، فهو يحسن العبرية تمامًا.
- نحن نوافق على إيجاد العمل المناسب له من أجلك، ولكن، لتتركي لنا حرية اختيار المكان.
فكرت في أولغا، صديقتها المسيحية، ماذا لو تطلب منه التوسط لها للدخول في كلية الصحافة؟ إنه يبدو رائق المزاج! لكنها عدلت عن ذلك في اللحظة الأخيرة، لئلا يبدل رأيه، فتسيء إلى شعبان من حيث لا تشاء. وضعت كأسها على الطاولة، ونهضت، وهي تغوص في هذه الحقيقة المرعبة: كل هذه الأمور المعقدة لأن شعبان عربي، ولأن أولغا مسيحية! نبرت:
- ومتى أراك؟
وقد خلعت عنها ثوب التكلف، فخفض صوته:
- أين؟
أجابت كصاحبة الأمر وسيدة الموقف:
- يا ترى أين؟ عندي. سأكون بانتظارك ليلة السبت القادم.
وضع الحاكم يده في جيبه مرتبكًا:
- السبت القادم لا أستطيع، سيجري حفل في تل أبيب.
- إذن متى؟
- الاثنين على الحادية عشرة ليلاً.
- اتفقنا.
- إلى اللقاء، يا آنسة ريتا.
- ولكن عزيزي الحاكم لم يقل متى سيبعث لي بإذن العمل... إذن عمل ذاك البائس.
أعطاها ورقة وقلمًا:
- اكتبي لي اسمه وعمره وحالته المدنية وإذا ما كان له نشاط سياسي.
أطلقت ريتا ضحكة:
- عن أي نشاط سياسي يا ترى يتكلم السيد الحاكم؟ إنه رجل بائس، كما قلت لك، وهو لا يفكر إلا في كيفية الحصول على الرزق. أما اذا أردتني أن أقول شيئًا، فسأقول... سأقول إنه مناصر للصهيونية.
- الآن فهمت المقصود.
دفعت له الورقة دون أن يلقي الحاكم نظرة واحدة على ما كتبته، وضعها على مكتبه، ورمي فوقها القلم.
قالت ريتا، وهي تضع يدها الساخنة بين كفيه:
- أنا على ثقة من إحضاركم إذن العمل ليلة موعدنا.
أجابها بخيلاء:
- إن الآنسة لا يخالجها أدنى شك في مدى قدراتنا! سيكون لك ما أردت، هل أنت مسرورة؟
وهو يلاصقها سائرًا معها صوب الباب.
- سأظل مسرورة طالما أحظى بالإعجاب.
فتح لها الباب، وعلى منظر يعقوب، لبس وجهه سمات الجد، وأفلت يدها:
- مع السلامة، يا آنسة ريتا!
- لقد أزعج سيدي الحاكم نفسه بمرافقتي حتى هنا!
لكنه أنهى آخر عمل من (( بروتوكولاته )) إذ أعاد:
- مع السلامة، يا آنسة ريتا، مع السلامة!
- مع السلامة، يا سيدي الحاكم!
أغلق الحاكم الباب، ويعقوب يقف متسمرًا في مكانه إلى أن توقفت اليد العاجية عن الدروان، بعدها، تحرك ليقوم بفروضه هو الآخر. قال لريتا، وهو يتصنع بعض الحركات:
- مع السلامة، يا آنسة ريتا!
فتح لها الباب الخارجي لمكتبه، وهو ينخطف سريعًا من أمامها. تنهد، وتمنى لو يحتضنها، لكنها لم تعره أدنى اهتمام. وقبل أن تغادر ريتا مقر الحاكم، دخل جندي الاستقبال، وهو يندفع بحماس. افتعل نحنحة طويلة، ورفع يده المنحنية الأصابع لمدة وجيزة في الفضاء، قبل أن يطرق باب الحاكم.

* * *

بعدما وجدت أمينة نفسها مطرودة هي وابنتها رفعت رأسها إلى السماء، كانت السماء صافية، لكنها عالية، جد عالية. وكانت أشعة الشمس شديدة، فخفضت عينيها المنتفختين دون أن تستطيع احتمالها. ضمت ابنتها إلى صدرها الدامي، وسارت، ثم ما لبثت أن ابتعدت في الحقول.
عبرت القنوات، وسقطت في الوحل، وتشبثت بسيقان الشجر، وقواها تخونها كلما خانت الشمس النهار.
فكرت أمينة:
(( لا بد من المضي، لا بد من الاستمرار لا بد من الذهاب إلى مكان
ما! ))
أصبحت بعيدة عن القرية، تتيه في وادي العقاب. إلى أين؟ لم تكن تعرف. أمَّا عن وجهتها، فهي المكان الذي ستسقط فيه، في الأخير.
جرفها سيل عارم، وإذا بالطفلة تفلت من بين ذراعيها: اختطفتها الأمواج القصيرة المسرعة، وابتعدت، ولم تصمد الصغيرة طويلاً على سطح الماء، بدأت تغطس، وتطفو، وترفع يديها كعلم مستسلم. والأم تندفع في أعقابها، تدفع الماء، تتدافع، كريح عاجزة. غابت الطفلة عن بصرها، فأطلقت آهة: (( يا طفلتي البائسة! )) وأخذت تضرب في السيل الجامح كالعمياء، وهي برعب تهمهم: أنا القتيل الذي يستأهل الموت! أنا الغريق الذي عليه أن يستقر في جوف حيتان البحر... !
راحت تحطم بيديها دوامات الماء كأوزة ذبيحة، وكادت تسقط في البحيرة العميقة، لكنها اصطدمت بجسد الطفلة الصغيرة، وقد شبكه غصن اعترض طريقه. التقطتها أمينة بسرعة، وألقت بنفسها، وهي بين ذراعيها، خارج غضب الماء. بدت الطفلة منتفخة كطابة كبيرة، قلبتها أمينة على بطنها، وعلى يديها اللوزيتين مرغت شفتيها المذبوحتين بالقبل. كان ذلك آخر عمل قامت به: فقدت وعيها، وسقطت دون حركة.

* * *

عادت ريتا من عند الحاكم، وقبل أن تصعد الدرجات إلى شرفة دارها، ألقت نظرها على نوافذ حجرة النوم، فرأت أن مصاريعها ما زالت مقفلة. سحبت عن كتفيها شالها، وهي تنفخ لشدة الحرارة، ولاحظت أن غيومًا بدأت تزحف قادمة من الغرب. انحنت على الباب الخارجي تريد فتحه، فسمعت من ورائها همهمة استعطاف وتوسل، وعندما التفتت إلى الناحية التي فيها قفص الدجاج، رأت القطة ريري قربه، وهي ترنو إليها بهيبة، وتنبش بقدمها الأمامية.
تركت ريتا الباب مفتوحًا، واتجهت نحو ريري، وبإشارة صغيرة منها، قفزت القطة بين ذراعيها، وراحت تلحس عنقها مهمهمة، وريتا تدغدغ لها حلمة ثديها.
أشارت إلى ريري ألا تحدث همهمة عالية، إذ كانت تريد أن تفاجئ شعبان الذي لم يزل ينام، والساعة تقترب من الرابعة بعد الظهر. فتحت باب الحجرة بهدوء، فرأت شعبان، وهو يسحب الغطاء على وجهه، بحيث ظهرت قامته العملاقة تحت الغطاء الأبيض كجبل ندف الثلج عليه وكساه.
بدت جَذِلة، فتحت إحدى النوافذ، وضربت خشبها بقوة، فتحرك شعبان في نومه قليلاً، ثم ذهب في سبات عميق. وبنفس الطريقة، فتحت النافذة الثانية، فهمهم شعبان، وانقلب على بطنه، دون أن يؤثر فيه الضوء ولا الجلبة التي أحدثتها ريتا. ودون أن تتوقع ريتا، قفزت ريري من ذراعها إلى رأسه، وهي تطلق مواء حسبه شعبان زئيرًا، فقفز من نومه صائحًا، وريتا تصهل من شدة الضحك. عادت القطة، واستقرت بين ذراعي ريتا، فأوقفت ريتا ضحكها، وراحت تؤنبها، بينما أخذ شعبان يحكُّ رأسه من كل ناحية، وهو يتأوه، ويطلق التنهدات.
سألها شعبان:
- ألهذه الدرجة تحسدينني على النوم؟ أقول لك الصدق، كأنني لم أنم منذ سنوات!
تركت ريتا القطة على الأرض، فأعطت القطة شعبان ظهرها، وقفزت صوب المطبخ، بينما تقدمت ريتا منه، ورفعته من قدميه، ثم عادت، وألقتهما:
- أيها الخامل! أيها الكسول!
لكنه استلقى من جديد:
- دعيني أنم حتى الغروب.
- لن أدعك تنام ثانية.
جذبت عنه الغطاء بعيدًا، فمد إليها ذراعيه. أسرعت، وألقت بنفسها على صدره:
- فكِّر من أين أنا آتية؟
كان شعبان يعرف طريقتها في التمهيد لما تريد قوله:
- وما يدريني! (ثم أضاف): سأقول إنك آتية من عند (( أولغا )) صديقتك المسيحية.
قرصته من خده:
- أنا آتية من المدينة.
وراح فيض ابتهالها يغرقه:
- وأنا أحمل لك مفاجأة سارة.
فهم أنها قابلت الحاكم، وأنها حصلت له على إذن عمل، أو هي في طريق الحصول عليه. نهض، تناول سرواله الملقى على كرسي، وضع فيه رجلاً، ثم الأخرى، ورفعه، ثم أخذ يزرره.
قالت ريتا:
- عجبًا! كيف لا يبدو عليك الابتهاج؟!
- ولكنك لم تقولي بعد.
- قلت أحمل لك مفاجأة سارة، وها أنت تتركني، وتذهب.
- أردت أن ألبس سروالي.
وعاد يجلس قربها:
- ما هي مفاجأتك السارة؟ هيا، قولي!
وهو يربت على خدها.
أعاد إليها ابتهالها من جديد، ثم نزع إلى الصمت، وراح ينتظر.
- حصلت لك على عمل، وسيأتيني الحاكم بالإذن مساء الاثنين.
لم يفغر فمه دهشة كما توقعت، قال شعبان دون اهتمام:
- هذا خبر رائع!
أردفت متجاهلة رد فعله البارد، وهي تحيطه بذراعيها:
- إنه في الأخير يأتيك هذا العمل الأناني ليأخذك مني!
وقبلته بعجلة:
- آه لو تدري كم كان الأمر سهلاً، وهو على استعداد لينفذ بلا تردد كل ما أطلب منه (سكتت لتضيف): وأنت، مع هذا، كئيب، بدل أن يزغرد قلبك فرحًا.
نهضت، ثم استدارت، وهي ترمي نحوه نظرات مضطربة، وتحس أن رأسها يثقل، ويصبح له وزن الحديد:
- هناك شيء تخفيه.
التفت شعبان إليها بنفس ضائق:
- أنا لا أخفي شيئًا.
- بلى.
قال شعبان دون تريث:
- إنه أمر الرحيل الذي حدثتك عنه.
أخذت ريتا تخلع ثياب السفر بعصبية:
- عن أي رحيل تتحدث؟ أفكر أحيانًا أن لك عقل صبي! يجب أن تعتبر أمر رحيلك منتهيًا، نعم منتهيًا، فأنت قد حصلت على العمل الذي قعدت زمنًا طويلاً بانتظاره.
فكر شعبان في الرحيل المنتهي، وقال لنفسه: (( لقد قررت أن يكون رحيلي منتهيًا دون أن تأخذ رأيي، وقد قررت أن يكون لي عمل دون أن تأخذ رأيي، وها هي ذي تقرر على (( هواها ))، وكيفما (( شاءت ))، كيف يكون مصيري لحظة لحظة دون أن تأخذ رأيي. )) ولم يشأ التفكير في كونها ستقرر أيضًا، دون أن تأخذ رأيه، وفي اليوم الذي تريد، كيف ستهدمه لحظة لحظة، مثلما ستبنيه طوبة طوبة.
- أخشى أن أخيب ظنك، يا ريتا.
- أن تخيب ظني في ماذا؟
- ألا أكون صاحب جدارة، ألا أكون عند حسن ظن صاحب العمل، ألا أكون قادرًا على شيء، إنها كل هذه الأمور التي يمكن أن تحصل.
ارتدت ريتا فستانًا حريريًّا بنفسجي اللون ذا وردة سوداء كبيرة على الصدر، وتمتمت:
- إنني أفهمك، يا شعبان!
وكان شعبان يفكر: (( فستان من حرير كإهاب ريتا الحريري! ))، لكنه نبر:
- حتى الآن لم تحاولي فهمي كما أريد أنا أن تحاولي فهمي! (أضاف، وهو يسحب نفسًا): مما يدفعني إلى الرفض.
صاحت ريتا:
- رفض ماذا؟
- العمل المقترح.
تركها فاغرة الفم، إلى أن سمعها تتمتم من جديد:
- أنا أفهمك... أنا أفهمك، فأنت لا تستطيع أن تتصور أحدهم يقدم لك الحساء بالمغرفة.
أغلق شعبان النافذة قبل أن يقول:
- هناك غيوم.
قالت، وهي تسوي السرير، وترتبه:
- لم نكمل بعد الموضوع.
رمى على كتفيه سترة الجلد، وجلس على كرسي، ولم تزل ريتا تقول:
- أنت تعرف أن موضوعًا كهذا يهمني، ربما كان يهمني أكثر منك، أما عنك...
قاطعها:
- ما قلته هناك غيوم، هذا كل ما هنالك!
قالت بلا صبر:
- أكمل الموضوع... تقبل أم لا تقبل؟
- دعيني، يا ريتا، أفكر في الأمر.
- على كل حال، إن الأمر عائد إليك، وها أنت تغلق أبواب السماء في وجهك، بعد أن انفتحت لك على مصراعيها!
نهض شعبان بخفة، قبض على ذراعها، وراح يهزها، ويقول:
- (( يهوديتك ))، يا ريتا، قوية، هي إرادتك وجمالك، وما تنوين فعله أو القيام به يتحقق لك في رمش عين! يكفي أن تشيري إلى أحدهم بطرف الإصبع، فيصدع بأمرك طائعًا.
تخلصت بهدوء من قبضته، وقالت بغرور ورّد وجنتيها:
- ومع هذا، فليس الأمر كما تقول، فأنا أكون بعدها دهشة كيف استطعت ذلك (ثم قالت بتمهل): إنها أشبه بالمعارك، وعلى المرء أن يحاول ألا يكون مهزومًا.
- ولهذا السبب أخشاك أحيانًا.
- تخشاني؟ أنت مجنون لو فكرت هكذا!
- وفي ذات الوقت، أتساءل، إن كنتِ حقًّا بحاجة إلي.
- وما جوابك؟
نظرت في عينيه، فلاحظت اغترابه، عادت تنهي ترتيب السرير، وشعبان يقول بصوت عاشق:
- لو لم تكوني، يا ريتا، يهودية، لاتخذت منك زوجة ثانية.
رمت نفسها في حضنه، وراحت تقبله:
- إنني، يا شعبان، أحبك، وهذا يكفي!
- لا، لا يكفي، فأنا... (رأى في عينيها ضبابًا أو دخانًا) لا أريد أن أعتبرك قرصًا مهدئًا أو متعة زائدة!
- هذا لا يهم، الذي (( أريده )) أنني لا (( أريد )) أن أفقدك!
فكر: (( ما يؤرقها أن تفقد رجولتي )). وبعد قليل، سمعها تقول بتأنٍ:
- أنت صاحب تصرفات، إنني مغرمة بتصرفاتك!
كان يتوقع أن تقول له أنت صاحب (( أهداف ))، صاحب (( أفكار ))، صاحب (( قذارات ))، إلا هذا! ومع ذلك، فقد التفت إليها مأخوذًا، لأنه لم يخطر على باله قط أن تكون له تصرفات خاصة به:
- ولكنها أحيانًا تصرفات هزيلة توحي بعجزي وضيق أفقي.
- أنت لا تشعر كيف تكون تصرفاتك وقتها على أي حال (ثم أضافت بدهشة): إنها تسحرني!
نهضت من حضنه إلى تواليت الزينة، وراحت تسحب شعرها بمشط كبير:
- وهل رحيلك جاد إلى هذه الدرجة؟
خفض شعبان رأسه بين قدميه، وراح يدفعهما في صندل جف عليه الطين:
- ليس بالجاد تمامًا طالما تجدينني هنا، لكنه منظور.
التفتت إليه، ويدها تجر شعرها الذهبي:
- أتساءل إذا ما كانت وجهتك البرازيل أو كاليفورنيا.
كان يربط صندله، وعندما سمع كلماتها، أحس بالشق الهائل الذي استطاع الحاكم حفره بين طموحه وطموحها. أراد أن يكشف لها الحقيقة، فيقول: سأدخل الضفة، وصار على وشك أن يقول لها، لكنه عدل عن ذلك في اللحظة الأخيرة.
- لم أقرر بعد.
- وهل ستذهب وحدك أم ستصطحب زوجك وابنتك؟
- سأذهب وحدي.
أنهى ربط صندله، رفع رأسه، وتك يديه، فطار بعض الغبار. راح يقول لنفسه: (( تريد أن تعرف لتسألني أن آخذها معي )). انتظر أن تقول له: وإذا ما حصلتُ لك على تصريح بالخروج لشخصين، فهل تأخذني معك؟ انتظر بفارغ الصبر، وألحت عليه رغبته، لكنها أطلقت آهة، وقالت:
- إنه عالم عجيب!
فتنهد:
- ما هو هذا العالم العجيب؟
- كل واحد يعمل على هواه، أو لنقل، يحلم بليلاه، أنت تريد الرحيل لأنك عاطل عن العمل منذ عام، لكن رغبتك تتحول إلى مجرد حجة واهية، لا أساس لها من الصحة، عندما تحصل على عمل، وترفضه، لماذا؟ لأنك عزمت على الرحيل قبل ذلك بكثير، وقس على هذا العديد من الأمثلة.
- لم تعطيني إلا مثلاً واحدًا فقط.
- هناك أمثلة كثيرة، وما عليك سوى أن تفتش.
بدأت تمرر قلم الحمرة على شفتيها الكرزيتين، فانتظرها إلى أن انتهت، وعبرت بعينيها المرآة إليه:
- إن الحاكم يحلم، لو نلتقي، أنا وهو، في المستقبل، وسط إسرائيل الحقيقي، إسرائيل الكبرى، ونتخذ، أنا وهو، مجلسنا على التراب، بدلاً من مقاعده الوثيرة! وفي ذات الوقت، يفكر في عطف السلطات عليه للحصول على ترقية. وإذا ما حصل على ذلك، سيستنكف، وسيهمهم أنه من اللازم أن يكون المكان الذي سنتخذ عليه مجلسنا من التبر لا التراب! (ثم أردفت): وقس على هذا أمثلة لا تعد ولا تحصى.
- أتصوره كان يحمل مظهر القناعة.
- كان ذلك قناعه، فهو في حضرة امرأة! وسيكون له نفس القناع، وهو في حضرة وزيره.
مد شعبان قدميه إلى الأمام، ودفع يديه في جيبيه، ثم ثنى ظهره على الكرسي، وهو يزفر، نتيجة للضغط الذي يبذله. وبعد أن استسلم قليلاً لأفكاره، قال:
- وفي أيار، سيتحدث لنا الحاكم عن الأخوّة، وحتى لا تتساقط دموعه من شدة اللوعة، نصفق له، عربًا ويهود، ونحن نهتف إعرابًا عن مشاعرنا. وامرأة هناك لا بد أنها ستهتف: (( تحيا العروبة! )) هذا لأنها يهودية. وسيرد عليها عربي من طرف آخر: (( يهودية مشرقة! )) وستنطلق هتافات أخرى تقول: (( السلام، الأخوّة! العدل! ))، ليس لأنها تناصر العروبة، ولا لأنه يريد السلام، فهو سيان لديه أن تكون يهودية مشرقة أو غيره، فلن يفطن إلى ذلك، في الليل، وقت النكاح، أو عندما يقرأ في جريدة: (( صفقة جديدة من طائرات (( الميراج )) تصل قريبًا إلى مطار اللد ))، فالهدف هو دموع الحاكم، دفعها إلى السقوط على الخدين الحليقين، وحركة اليد التي تنفض المنديل الأبيض، وتمسح الخد الأول، فالثاني، ثم تنفضه من جديد، قبل أن تطويه، وتريحه في الجيب. إن كل هذا يفجر الضحك من الخواصر، وتجدين الشفاه المزمومة تهتز في محاولة لئلا تفلت الضحكات من حصارها، فتنفجر هنا وهناك بحرية. وأنا، بيني وبين نفسي، أدعو دومًا، من كل قلبي، أن تفلت أوتار الشفاه، وتنفجر الضحكات، لنرى إذا ما كان الحاكم سيستمر في البكاء على الأخوّة والسلام واليهودية المشرقة.
أخذ شعبان نفسًا عميقًا، ثم أضاف، وهو يحرك رأسه حركات بطيئة:
- إنها (( المفسدة )) التي تعمل في الرأس!
نهض، لمس عنقها، وقال:
- أظنني بحاجة إلى فنجان قهوة (أرادت القيام إلى المطبخ، فطلب إليها): ابقي هنا، أكملي العناية بمحاسنك، سأقوم بتحضيرها بنفسي.
سار قليلاً، دون أن يلتفت إليها، سألها:
- الأدوات في الخزانة الصغيرة؟
- نعم.
لاحقته بعينيها إلى أن دخل المطبخ، نقلت قطعة من القطن، غمستها في علبة الضُمنة، وأمرّتها على خديها. كانت تنظر في المرآة، تتابع يدها، دون أن تحس عمل يدها. كانت تفكر في إسرائيل الكبرى التي تحدث عنها الحاكم، وفي طائرات الميراج التي أُعلن عنها في جريدة، وفي انتحار أمها بعد أن قتل صاحب المصنع أباها وأخاها، في يهودي يقتل اليهود، ويهود يقتلون الآخرين، وقالت: نعم، ننتقم من جنسنا بجنسنا! صارت غير دهشة آنذاك من رفض شعبان العمل المقترح عليه. أعادت قطعة القطن في العلبة، والتفتت ناحية المطبخ، وهي تعبر بعينيها الممر القصير. سألت بصوت عالٍ، يتخلله بعض الاضطراب، ولهجته المتأملة جلية واضحة:
- هل تسمعني، يا شعبان؟
بدا منشغلاً:
- نعم، أنا أسمعك.
وأصغى لما عساها تريد قوله، لكنها غابت في الصمت طويلاً.
أعاد شعبان:
- قلت لك أنا أسمعك.
همهمت ريتا:
- أريد أن أسأل إذا ما...
ولم تستطع البقاء في مكانها، نهضت تقطع الممر إليه، استندت على الباب، وقالت:
- أريد أن أسأل إذا ما كانت صفقة الميراج التي تكلمت عنها صحيحة أم غير صحيحة.

* * *

تساقطت زخات من المطر، وهبت ريح حركت الأغصان، ثم ما لبث المطر أن راح يهطل بغزارة. أخذ اليهودي العجوز، إسحق، يهمهم لنفسه، وهو يجمع خرافه بعصاه الطويلة: (( أمطار آذار الأخيرة! )) لم يمسح شاربيه اللذين بللهما المطر. كان يمد لسانه، بين الحين والآخر، ليشرب ماء السماء. على سطح بيته المصنوع من التبن والتراب، والواقع في أعلى الرابية، كان إسحق يترك نصف برميل طوال الليل، طوال الليالي الممطرة، ليجده في الصباح، وقد امتلأ بالماء إلى حافته. وقبل أن يذهب في جولة مع خرافه، كان إسحق يعمل بنصف برميل من ماء المطر (( حمامه المبارك )). وكانت زوجته تصيح بأعلى صوتها ظانة أنه أصيب بمس، دون أن تجرؤ على الخروج لجذبه، إذ كان المطر يهطل بغزارة، وكان إسحق يغني.
رفع إسحق رأسه ليستقبل المطر المثلج الصدر، وهو يعتمد على عصاه. وكان شعره الطويل بأسلاك شيبه الشائكة يحب ماء المطر في الشتاء، وفي الصيف، أشعة الشمس المحرقة. لم يشعر إسحق كيف كان يضرب نعليه في الطين، ولو نظر إلى الوراء لوجد أن نعليه يصنعان حفرًا صغيرة لا تلبث أن تمتلئ بالمطر، وتغدو بحيراتٍ على مد النظر. وكانت أصوات الجلاجل والأجراس، وأصوات الأغصان والأوراق، وأصوات الريح وموسيقى المطر، كلها، ترق ونبض الأرض. ومن عام لعام، كان إسحق يعتصم بالصبر في انتظار الربيع، وقد كان يدعوه ولدي، فهو لم يرزق الولد.
وعلى حين غرة، انطلق نباح الكلب، وهو يركض مضطربًا صوب الراعي، ملامسًا أذيال (( قمبازه ))، عاديًا مسافة كان يختفي بعدها، ليعود عند أذيال الراعي من جديد، محاولاً شدها. عرف إسحق أن كلبه الأمين قد وقع على أمر يحتاج إلى عون صاحبه، ولحركات الكلب الفزعة، قال:
(( يمكن أن يكون الأمر خطيرًا! )) حث خطاه، والخراف تعدو في إثر الكلب. ولما وصل، كانت الخراف تصنع دائرة، وكان الكلب يربض في الوسط، جالسًا على مؤخرته، بعد أن وقف على قدميه الأماميتين، ورفع رأسه إلى أعلى لاهثًا، بينما لسانه وذيله لا ينفكان يتحركان. وعندما توقف الراعي، وهو يبذل مع آخر خطوة له أنفاسه المتلاحقة، شاهد أمينة وابنتها جسدين هامدين دون أدنى حركة.
لم يدرِ إسحق ماذا يفعل، أبعد الخراف ظنًّا منه أنه بذلك يعطيهما بعض الهواء، وانحنى من فوق الأم. أحس نبضها، ولم يطمئن، دفع أذنه لصق قلبها، فسمعه يضرب برتابة. صاح إسحق فجأة مشيرًا بيده لتمضي الخراف إلى حيث تبيت، وقد أوكل الكلب نفسه بقيادتها، بعد أن أخذت الراعي أشغال مهمة صعبة.
حمل إسحق الطفلة، وراح يجري، وهو الشيخ. صعد التل، وقبل أن يصل إلى باب كوخه، نادى بأعلى صوته:
- تعالي، يا امرأة!
ومن داخل الكوخ، كانت تنبعث خيوط الشموع، وإسحق لم يزل ينادي:
- تعالي، يا امرأة، تعالي!
والمطر لم يزل يتساقط بغزارة.
نظرت زوجه من خلف زجاج النافذة، وهي ترفع يدها فوق عينيها لتجمع الرؤية، وعندما شاهدته ينقل (( شيئًا )) بين ذراعيه، خفت إلى فتح الباب، لتعرف ما هو ذاك الشيء.
- افتحي بسرعة!
فتحت امرأة إسحق الباب بسرعة، فدفعها لاهثاً، وهو يقطر مطرًا، ونعلاه مثقلتان بالطين. وضع الصغيرة قرب مدفأة الحطب، فاعترى امرأة إسحق الخوف، وبدا عليه الارتباك.
- ما هذه؟... طفلة صغيرة!
وفي اللحظة التي رفع فيها إسحق رأسه، انحنت امرأته، وراحت تخلع عن الجسد الناحل ثيابه الرطبة. قال إسحق بشفتي إمام روع، تشحن صوته لهفة الرهبان:
- كانت ملقاة قرب السيل، الحمد لله أنها ليست ميتة!
أضاف، وهو يعجل في الخروج:
- هناك الأم.
ثنت امرأة إسحق رأسها، بشعرها الأبيض كالليف، وهتفت:
- ولكن عجل، يا هذا، عجل بإحضارها!
تعثر إسحق، وهو يلقي على الطفلة نظرات العطف، ثم قال ليبث في قلبه الحماس:
- نعم، نعم، فلأعجل بإحضارها.
وخف يجري خارجًا.
كانت إلى جانب بيت الطوب زاوية مغطاة بطبقة من التنك، تحيط بها بعض الأشجار في دائرة، وقد أغلقها إسحق بألواح الخشب من كل جانب، وفي الداخل ألقى بالقش، وبحوض طويل يضع فيه الماء للدواب، وكانت هناك كومة تبن كبيرة، وهذه هي حظيرة إسحق.
ولإسحق بغل عجوز يكلفه الكثير من الشعير، وهو عاطل عن العمل، لا يستخدمه في شيء منذ فترة طويلة. ولم يقبل إسحق أن يطلقه في الوادي، أو يذبحه، فهو لا يمكنه التخلي عن رفيق صباه.
دخل إسحق الحظيرة، وهو يفكر: (( الآن يجيء دورك أيها الصديق! )) جسَّ عنق البغل، وقال له:
- من الواجب أن تقدم خدمة، فهي شبه ميتة، إنها امرأة، وأنت لديك قوتي مرتين، والمرأة هناك قرب السيل ليس بعيدًا، إنها تغرق في الطين، وأنا صديقك الطيب!
حل لجامه، ودفعه، فسار بطواعية من أمامه.
- لسوف نتعاون على حملها، أنا وأنت، أيها الصديق، لسوف نتعاون على حملها.
راح البغل يدب، وهو يهبط الرابية، بينما الخراف تصعد خلف الكلب.
خاطب إسحق الكلب، وهو يبتعد:
- أسرع بأخذها إلى الحظيرة خوفًا عليها من الزكام.
على مقربة من أمينة، أعطاه البغل ظهره، وقد ملكه حزن شديد. ألقاها إسحق على ظهره، وقال له:
- إنها كما ترى امرأة بائسة!
وراحا يصعدان التل من جديد، وأمينة تتدلى برأسها وذراعيها من طرف، وبساقيها من طرف، دون أن يتوقف المطر عن السقوط لحظة واحدة.

* * *

كانت الأمطار عندما تسقط، يمتلئ مقهى (( فلسطين )) برواده، وتصبح سماء المقهى مليئة بالدخان، وبأصوات النرد، والنراجيل، وبالضحكات. وفي زاوية ثابتة، لا يبدلها أصحابها، وحول طاولة حمراء من الفورمايكا، جلس محمود وقاسم، ومعهما هارون مصلح الأحذية، وكان جليسهم الرابع الفتي الأشقر الذي لم تنبت لحيته بعد، والمدعو بـ (( المسلم ))، لأنه لا يقطع فرضًا واحدًا. كان في أيديهم ورق اللعب، والمسلم وقاسم في فم كل واحد خرطوم نرجيلة، وهما ينفثان الدخان دون توقف.
قال محمود:
- هذه ثلاثة آس، وثلاثة ملوك.
وضعها بيد خبيرة، وهو يمنع ضحكة انتصار مسبقة.
أنزل هارون بعض الأوراق، ونفخ قاسم دخانه بغيظ، سحب ورقة، وقبل أن يرفعها أطلق تجديفًا:
- يلعن دين!
وهو يرجو الورق، ثم طرف بعينه إلى الرقم بسرعة، لكنه ألقى الورقة على طاولة اللعب بكل قوة، فسمعوا صوتًا أشبه بصفعة فاترة.
علق قاسم:
- كنت أعرف، فأنا أفتقد إلى الحظ اليوم.
قلبها، فكانت خمسة بستوني.
عمل هارون قعقعة بلسانه، وقاسم أحمر كالدم.
قال هارون:
- إنه دور المسلم.
كان المسلم يرتعش.
سحب ورقة، وهو يجرها جرًّا متواصلاً حتى حافة الطاولة، جعلها تقف في الهواء، ثم أنزل رأسه دونها، ورفعها بسرعة، وهو يصيح:
- إنها تأتي في الأخير!
انتظر الجميع أن ينهي المسلم اللعب، سلطوا عيونهم المترقبة عليه، وهو ينقل الأوراق التي بيده من مكان إلى آخر، وعلامات الارتياح تبدو على محياه. وفي الأخير، حمل بإصبعيه ورقة، وألقاها فوق الورقات الأخرى (( المحترقة ))، وابتسم لهم ابتسامة الملاك!
سبَّه قاسم:
- يا ابن الكلب!
قال له المسلم:
- لقد أسقطت بيضاتك!
سحب هارون ورقته بأصابع رشيقة، وبدأت قهقهة صغيرة لها طعم الفلفل الحار تتصاعد من حلقه آخذة في الضخامة. انقبض قلب محمود، وأخذ يخفق أصابعه على ظهر الطاولة بعصبية:
- أنت لن تنهيها؟
- بلى.
وضع الجميع أوراقهم على وجهها بأياد منقلبة، بينما أنزل هارون تسع ورقات دفعة واحدة: ثلاثة أزواج، ثلاث ورقات درج ذات قلب أحمر، وأحد، اثنان، ثلاث. ثلاث عشرات... وصفق، بعد أن ألقى ورقة في الحريق.
سحب محمود نفسًا قويًّا، ورفع أوراقه أمام عينيه:
- ما زالت معك ورقات ثلاث.
شبك هارون ساقيه تحت الطاولة، وقال مزهوًّا بنفسه:
- هذا هو اللعب!
- ما زالت معك ثلاث ورقات.
- وأنا أقول هذا هو اللعب! خبطة أخرى، وتنتهي على يدي.
عندما أصبحت الورقة في يد محمود أخفاها بسرعة بين باقي أوراقه، ثم وضع ثلاثة ملوك، فاهتزت شفتا قاسم:
- يبدو أنك سعيد الحظ مع ملوكك.
قال محمود في زهو وخيلاء:
- إنها لا تسقط إلا في يدي، وأنا لا أفعل سوى أن ألقيها!
سحب قاسم ورقة، وهارون يقول له:
- إنه ملك، وستحرقه.
تبدل لون قاسم، وراح يعبث بأوراقه، ثم ألقى ثلاث بنات كمن يلقي أحدهم بنفسه في النهر بقصد الانتحار:
- هذه هي، يلعن دين...
وصلب نظره على أوراقه، فدفعه محمود من كتفه:
- هل تستصغرنا، يا ترى؟ أنت لست بجادٍّ على التأكيد!
انتفض، وهو ينظر إلى أوراقه:
- ماذا هنالك؟
- إن مجموع هذه ثلاثون، ومن اللازم أن يكون واحدًا وخمسين.
- آه! لقد نسيت! ولكني سأزيد ما ينقص في الدورة التالية.
وانفجر يقهقه.
وبينما كان قاسم على وشك أن يعيد إلى يده البنات الثلاث، سرق المسلم ورقة من (( الحريق ))، وأخفاها، فدعس هارون على قدمه، وغمزه غمزة قوية، قبل أن يبتسم كلاهما للآخر بسمة متفاهمة. قال محمود حانقًا دون أن يفطن إلى السارق:
- من اللازم أن ترميها دفعة واحدة.
نظر إليه قاسم بخيبة، وقال:
- (( من اللازم )) هذه... آه لن تتصور كم تزعجني (( من اللازم )) هذه! وهي تحرق هنا بعض الأعصاب! (مشيراً إلى رأسه).
بدا المسلم مرتبكًا، وقد برزت عيناه من شدة الاحمرار.
طلب قاسم:
- اسحب!
مخاطبًا هارون.
قال هارون:
- لم يلق المسلم ورقته بعد.
كان من عادته أن يتباطأ، فصاح به محمود مستعجلاً دوره:
- ارم!
ولم يبد على المسلم أنه سمع محمود، فقلب قاسم على ظهره ضاحكًا:
- يظن أنه سيربحها! انظروا إليه: كأنه على وشك الولادة!
ضغط هارون قدم المسلم، لئلا ينهي اللعب، لكن المسلم قال:
- إذا أراد قاسم أن أنهي اللعب أنهيته.
دق قلب هارون خوفًا، وعاد يضغط قدم المسلم حتى أوجعه.
قال قاسم بتحدٍ:
- أنت لن تنهيها.
كان المسلم على وشك أن يضع كل أوراقه على الطاولة عندما صاح هارون منبهًا، وفي نفس الوقت، محذرًا، ألا ينهي اللعب ريثما يتخلص من بعض الأوراق، ثم وهو يصرف أسنانه:
- هيا، يا المسلم!
قال محمود حانقًا:
- هذه ممحنة! (ورمى بأوراقه مقلوبة على الطاولة) إما أن تلعب بسرعة أو أن يتوقف اللعب.
ابتسم المسلم، وعيناه العسليتان تومضان:
- لن أنهي اللعب من أجل الإسكافي.
وراح يسوي من أمامهم أوراقه ثلاثًا ثلاثًا، وفي النهاية، بعد أن أبقى في يده ثلاث ورقات فقط، رمى واحدة في الحريق، فتنهد محمود:
- الدور لك.
انتفض هارون، وقرأ فوق كومة الورق المصفوف بعض التمائم، ثم سحب ورقة، لكنه رماها بعنف، وهو ينزل فوقها كفه. وتحت الطاولة، راحت ساقاه القصيرتان تتأرجحان بتوتر.
انتشى محمود، فقال له قاسم:
- إنه دورك الآن!
مد يده، وسحب الورقة باطمئنان، كانت ملكًا، فلمعت أسنانه، وأرى الورقة لقاسم، فقال قاسم مندحرًا:
- قلت في نفسي إنه ملك، فهو ممحون ملوك!
لم يفطن كلاهما إلى يد المسلم، وهي تناول الآس الأسود لهارون من تحت الطاولة، أتبع هارون قول قاسم بضحكة كأنها ثغاء نعجة، ومحمود يقول مهتزًّا:
- وهل قلت لنفسك إنه سيكسب ممحون الملوك هذا؟
أنهى محمود اللعبة.
وقبل أن يبعثروا أوراقهم، بقوا لمدة لحظة ذاهلين، لكن صيحاته المنتصرة محت ذهولهم. حدق المسلم فيه، وهو عاجز عن التفكير... لقد خسر المسلم!
- أنت تربح دائمًا، يا ابن الكلب!
أسرع محمود إلى حساب الأرقام، فسجل على قاسم (( 200 هاند ))، وصيحاته المنتشية، صيحات الانتصار، تجلجل في أركان المقهى. خاطبه صاحب المقهى من وراء المنصة:
- هل أبعث بمشروب؟
وفي المقهى صيحات أخرى تصل من كل جانب، ودخان، وصهيل، وأحجار نرد. وكانت الصيحات على نوعين: التي تصيح لربح، والتي تصيح لخسارة، أما صيحة محمود، فكانت الأقوى:
- أحضر لنا أغلى ما لديك، فهو صاحب السيارة الحمراء!
كان قاسم قد ترك نرجيلته، وأشعل سيجارة، ومحمود لا ينفك يصهل، والمسلم يكاد يلتهمه بعينيه. أشار محمود إلى المسلم، وطلب اليهم:
- انظروا، لتنظروا إلى المسلم، انظروا إلى وجهه، ها هو يشبعني في صدره شتمًا، ها هو ذا يطبخ كفره!
قال هارون مندحرًا:
- كنت أتمنى أن يكسبها غيرك، فأرى كيف سيكون سرورك.
قال قاسم، وهو يتراخى على ظهر كرسي القش القصير:
- عند ذلك سيصفق قفاه من شدة الضحك!
أحضر النادل على صينية مذهبة أربع كؤوس وزجاجة نبيذ وإبريقًا من القهوة وأربع فناجين، وفي صحن تلاً من السكر، على حافته أربع ملاعق.
وبينما كان النادل يزيح ورق اللعب واضعًا بحركة بهلوانية ما يحمله أمامهم، جاء صوت أنيس من ورائه يقول:
- احضر لي فنجانًا فارغًا لأشرب القهوة على حساب قاسم أنا الآخر.
التفتوا جميعًا، فرأوا شعبان.
هتف قاسم:
- إنه المثقف العاطل عن العمل أخيرًا!
أدنى محمود له كرسيًّا ليجلس:
- كنا نعتقد أنهم رموك في السجن.
أخذ شعبان مجلسًا بين محمود وهارون، وقال:
- حقًّا، هذا أول شيء يجب التفكير فيه.
سعل هارون سعلة خفيفة:
- الحقيقة أنني سألت عنك، لكن الإخوان سبوك!
نظر شعبان إلى المسلم، والمسلم يبتسم له بود، وقال:
- إن المسلم لا يسب.
وقبل أن يفتح المسلم فمه ليقول ما على لسانه، سارع قاسم إلى التهكم:
- إن المسلم لم يصبح بعد رجلاً ليسب كالرجال، فلحيته لم تطلع بعد!
رفسه المسلم، وقد اشتعل غضبًا، وراح ينبر:
- سأبول على رأس أمك عندها ستطلع لحيتي!
غشي على قاسم من الضحك، ثم قدم لشعبان سيجارة، فعلق هارون:
- هذه أخيرًا هي تقواه.
مادًّا أصابعه إلى علبة الدخان.
قال محمود، وهو يشعل عود كبريت:
- لكنه يسمى صاحب حق، فهو درزي أولاً، وغني ثانياً، وثالثاً أبوه نائب في البرلمان.
قال المسلم:
- كان أبوه يشحذ في القدس القديمة عام 48، وها هو الآن ينسى ذلك.
أجابه قاسم محمر الوجه:
- إن أبي غني حرب، وهذه تعد شجاعة يحسد عليها صاحبها، أما أبوك، فهو لم يزل يفرش على الأرض عندما ينام.
ضحك هارون فجأة، وأنهى ضحكه فجأة:
- كان بالإمكان أن أصبح غني حرب، أنا الآخر، لكن حظي لم يكن ليستمر حتى النهاية، تمامًا كلعبة الورق (سكت قبل أن يضيف): وكما تعرفون، إن مهنتي (( الكاوتشوك )).
رد عليه قاسم دامعًا بسبب خيط دخان دخل عينيه:
- وهل تجرؤ على أن تسمي نفسك تاجر (( كاوتشوك ))، يا جرذ النعول؟ أما أبي، فقد كان تاجرًا لها.
فرقع هارون كرسيه من تحته، ونبر:
- أبوك سارق العجلات، يا ابن السارق؟! اسألوني أنا، كان مصنع لعجلات السيارات تحت تصرفي، مصنع بأكمله، وأبوه السارق صار تاجرًا للكاوتشوك الآن!
علق المسلم:
- إنه يعرف أصلك جيدًا على ما أرى!
لكن قاسم لم يرد ببنت شفة، بقيت بسمة سائبة تسيل من فمه.
قال محمود:
- استمروا، يا أصدقائي، استمروا، فهذه هي كأسي الثانية.
وجرع كأس النبيذ، وهو يخفق كلهب المشعل. نظروا إليه بإبهام، وكأنهم يرونه لأول مرة. صب لنفسه للمرة الثالثة، ودار على فوهات الكؤوس الباقية، وراح يملأها بالنبيذ.
أشار قاسم إلى شعبان:
- وهذا، أين كأسه؟
قال شعبان:
- أنت تعرف أنني لم أعد أشرب الخمر منذ عودتي من المدينة.
أحضر النادل لشعبان الفنجان الفارغ كما طلب، فصبَّ محمود له القهوة:
- هذه خمرته! (وخاطب شعبان): ضع ما يناسك من السكر.
حمل شعبان الملعقة، وملأ نصفها، ثم رماها في الفنجان، وراح يحركه.
كان المسلم يفكر: (( كم أحب شعبان! )) كان يتأمله بعين الإعجاب والمودة، ووجد نفسه يقول، كمن يقول ذلك لصاحب فضل:
- إنه فلاح حقيقي!
فضرط هارون:
- طز في الحقيقي!
ثم انفجر هو ومحمود وقاسم بالضحك.
أحس شعبان بعزلته بينهم، وبدا قزمًا أمام ضحكاتهم التي امتزجت، فبانت كأنها ضحكة واحدة قذفها فم العملاق: غريم (( عوليس ))! كان لا يمكن له أن يميز بينها، ضحكاتهم المفتونة تلك، لا ولا بين الخمر والخل... وبعد أن حرك قهوته، قال بهدوء:
- لم أعد فلاحًا، كان ذلك في الماضي، أما اليوم، فلم أعد فلاحًا.
أربت محمود على كتفه منبهًا:
- لو قال المسلم هذا لصدقته، فهو جميل كالأنثى، وأشقر كاليهود الروس.
تأمل شعبان محمود، وفي صدره بحر بلا أعماق، كانت في قلبه لوعة تقول: لم أعد فلاحًا! ومع ذلك، فهي تؤجج له النار في رأسه. جرع المسلم كأس النبيذ، ونهض مستأذنًا الذهاب إلى الصلاة، وقبل أن يغادر المكان، قال محمود:
- ربما التقينا في المخفر اليوم.
- لا، لقد استدعوني غدًا.
أخذ شعبان يهمهم:
- لم أعد فلاحًا، لم أعد فلاحًا!
فصاح هارون بعد أن شرب كأسه دفعة واحدة:
- ومن أنت، يا شعبان؟ أسرع القول، فأنا على شوق إلى معرفة من أنت.
فكّر شعبان، وهو يلتفت حوله، في أولئك الذين يسقطون في الدخان: إن واحدًا منهم لم يخطر على باله أن يوجه إلى نفسه سؤالاً كالسؤال الذي وجهه إليه هارون. إنهم يسقطون في الدخان، ويشربون الخمر، ويلعبون النرد والورق. كان هذا عملهم، وكانت هذه حياتهم، وكانت هذه (( هم )): شرب الخمر والدخان ولعب النرد والورق. وأخذ شعور كبير يشد شعبان من غائر الأعماق، شعور يجعله يحس، في الداخل، أنه، إنما هو يختلف، رغم أنه يقع في وسطهم كالغارق في قلب البحر. وكان يحس أيضًا، من الداخل، من غائر الأعماق، أن هؤلاء لا يفكرون عندما يخرجون من دخان المقهى ألا ليعودوا إليه من جديد. أما هو، فقد كان كلما خرج من الدخان، عول النفس على ألا يعود ثانية، فلربما، في اليوم التالي، يقصد مكاناً آخر، مكانًا لا يصل إليه الدخان. وكان المكان الذي لا يصل إليه الدخان، في رأيه، لا بد وأن يكون الموقع المثالي، ولا بد أن يكون هناك، في جهة ما عبر الأسلاك، في جهة ما، هناك، في الضفة.
رشف شعبان قهوته، وجميعهم ينظرون إليه بعيون يبست، وقد زحف على وجوههم قلق رهيب. كانوا ينتظرون جوابه، وهم على أحر من جمر الغضى، يريدون أن يعرفوا من هو. وبعد أن تركهم يفكرون فيمن عساه يكون، قال، والرؤية في عينيه تطوف، والرؤية في عينيه تميد:
- أنا يهودي، مثلك تمامًا، يا هارون!
فعقد كل منهم بين حاجبيه ليس بمصدق ما سمعه.

* * *

ذهب المسلم إلى المخفر، فأخبروه أن ضابط المخفر الجديد لا يستطيع استقباله، طالما بقي جديدًا، لأنه يعيد ترتيب الأمور. وعندما سأل المسلم أحد مساعديه:
- وأنا ماذا عن (( أمري ))؟
نبر الشرطي:
- اعتبر (( أمرك )) ملغى، وإذا ما قمت بشكوى أخرى، رميناك في السجن، وهدمنا بيتك، وشردنا أمك. لسنا السبب! أمك أجرت الأرض، وأمضت ورقة عند السمسار، ورقة رسمية صدقها الحاكم، إذن، ستبقى الأرض مؤجرة.
لم يتمالك المسلم:
- كنت صغيرًا، وأمي لو لم تكن مريضة لما أجرت الأرض، الآن كبرتُ، وأريد أن أسترجع أرضي كي أحرثها، أنا عاطل عن العمل منذ زمن طويل.
- أرضك مؤجرة كما قلت لك، ولا فائدة من الصياح، وإلا رميناك في السجن، وهدمنا بيتك، وشردنا أمك! هل فهمت!
- لكنها لم تؤجرها إلى الأبد.
- هذا ليس شأننا، اذهب إلى السمسار، وتفاهم معه.
- ذهبت، وقال لي اذهب إلى الشرطة، وتفاهم معها.
- أرأيت؟ لا فائدة!
ضرب المسلم جبينه، واستدار يائسًا، والشرطي يلح من ورائه:
- لا تكرر شكواك، أسامع أنت؟ وإذا ما كررتها رميناك في الحبس، وهدمنا بيتك، وشردنا أمك. لا تكرر شكواك!
غادر المسلم المخفر، وهو يصيح:
- سأكرر شكواي! سأكرر شكواي!
ذهب إلى الجامع يصلي، ويبكي، ويدعو على اليهود بالدمار، والمطر لم يزل يهطل بغزارة.

* * *

انطلقت الصيحات غاضبة بعد أن انقسم عمال الكيبوتس اليهود إلى قسمين: الذين مع الإضراب، والذين ضده. لكن كليهما اتفق على زيادة الأجور والانتقام من العاملات والعمال العرب (( المحايدين )). بدأوا بالاستفزاز الشفوي، ثم الفعلي، وانجرف الجميع في معركة حامية الوطيس، والمطر لم يزل يهطل بغزارة.

* * *

اقترب عمار من كوخ أم شعبان، وقد توقف المطر، لكنه كان مبللاً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وشعره الرطب يتساقط على جبينه، ويغطي إحدى عينيه. كانت في حاجبه العريض الأسود بعض أثلام، وهناك بعض حبات قمح. وكان عمار قد أقفل القميص على صدره جيدًا، وضغط بذراعيه، على جانبيه، بينما قبض على ياقته بإحدى يديه، وبالأخرى على باقة ورد.
وقبل أن يطرق عمار باب الكوخ، لتخرج له أمينة، فكر أنه سيسرها أن تشكل رأسها بوردة، وأن تستقبل زوجها برائحة الحقل. شده سكون الكوخ، ونمت في صدره بذرة خوف، تحولت في لحظة واحدة إلى شتلة، ثم إلى شجرة رعب هائل. مع ذلك، اقترب عمار من الباب، أحنى هامته، ووضع سمعه على الصدر الخشبي، وراح يصغي. في النهاية، صمم عمار أن يخفق الباب بأصابعه، رفع يده التي تضم الورد، فلم يتمكن من خفق الباب، إذ كانت أصابعه تحيط بسيقان الورد من كل ناحية. أما عن يده الأخرى، فلم يكن بالإمكان أن يبعدها لحظة واحدة عن الإحاطة بياقته، فكر لو أنه يرى نفسه في المرآة، وهو يقبض على خناقه بتلك الطريقة، لأضحكته هيئته طوال الليل حتى الصباح.
لم يجد عمار من طريقة أخرى سوى أن يرفع قدمه الحافية المكسوة بإهاب قهوي اللون، وأن يخفق الباب بأصابعه الصغيرة ذات الأظافر النابتة كمخالب الديك. خفق الباب بأصابعه ذات الأظافر النابتة، وهو يرسم على ثغره ابتسامة، وكانت أكباس الورد ترسم، هي الأخرى، على ثغرها ابتسامة، فتفوح في الأرجاء رائحة عبقة.
أنارت كل شيء الابتسامات التي كانت تتفتح العتمة قليلاً، ثم سقطت فيها، وكأن يدًا وحشية أطفأتها. بدأ الهم الصغير في قلب عمار يكبر، فقال لنفسه: (( لربما لم تسمعني أمينة! )) أعاد الكرة من جديد، وخفق الباب بأصابعه ذات الأظافر النابتة. وفي هذه المرة، استعمل أظافر قدميه الاثنتين، وتمردت الابتسامات على العتمة، وقد عادت تضيء في الليل، رغم الليل، إلى أن انفتح الباب، ورأى الطفل أنياب العجوز، فانسحقت ابتساماته، وصدمت أنفاسه رائحة الموت.
لم يستطع عمار أن يحرك قدميه من شدة الخوف، بقي يقف كعمود السياج المزروع في التراب، وراح قلبه يخفق بشدة، رغم برودة الليل. بقي الطفل مشدود القدمين على العتبة، إلى أن تحركت يده التي تحمل باقة الورد، ورفعها في وجه أم شعبان، وهو يحاول الابتسام. أحس أن ثغره ليس ثغره، وابتسامته ليست ابتسامته، فهي لم تضو في الليل، ولأن باقة الورد في يده كانت تهتز.
في النهاية، حرك عمار شفتيه، وقال للعجوز التي ترقى كعود:
- هذا الورود لأمينة.
وبقيت يده في الفضاء مشدودة.
انتزعت أم شعبان من يده الباقة، وألقتها في الوحل، فقال لنفسه، وقد تسرب الرعب إلى كل جزء من جسده: (( لم أعرف أن لشعبان أمًا وحشة! )) أراد أن يصيح بها: (( لماذا فعلت هذا، يا ابنة الحرام! )) ويصوب إلى فخذها قبضته، ويهرب، لكنه خشي أن تلحق به، فتمسكه، وتأكله.
انحنى عمار يلم الباقة عرقًا عرقًا، ويمسح الأزرار زرًّا زرًّا، وينفخ بفمه على الأوراق ورقة ورقة، ولما رأته أم شعبان يجمع وروده على مثل تلك الطريقة، فكرت أن هذا ولد شقي، وها هو ذا يحفر في الطين، ليجمع بعض الجثث القتيلة. جرت نحوه، ورفسته بقدمها، ومن عينيها تطايرت زخات شرر:
- إذا بقيت لحظة واحدة أخرى قتلتك، أيها الولد الشرير! اذهب... هيا اذهب!
تطلع عمار إلى وجهها، فظنه، لبشاعته، قناع حيوان غريب منقرض.
عادت ودقت رأس حذائها في خصره، فصرخ من شدة الألم. كان يشد بيده قلبه وأعناق الورد، وأم شعبان تردد بعنف:
- انهض... هيا انهض!
قبضت بيدها العظمية على ذراعه، فأحدثت له الجروح، وراح يصرخ بأعلى صوته، لأنها كانت تؤلمه، وهي تضغط بكل قواها عليه. ثم ما لبث أن فكت يده التي ظلت معقودة حول ياقته طوال الوقت، فانفتح القميص، وطارت ثلاثة عصافير.
ظنت العجوز أن هذا الولد جني، فانزاحت عنه مبتعدة، وهي تطلق الحشرجات المتتالية، وصدرها يعلو ويهبط من الهلع. بدا لحاجبيها شكل المصلوب في الليل: ثار الضباب الأسود، وانطلقت الطيور هاربة من صدر الطفل، وكأن يد شيطان مست الصدر، وانتزعتها من أحضان الدفء.
بعد مضي بعض الوقت، تمكنت من إلقاء نظرة على الطفل، وقد صارت لعمار عينان تشتعلان، كل عين بمثابة نجم. كان ذلك كافيًا ليجعل الدردريس تضرب بقدميها هاربة، بعدما ظنت أن تلك عينا عقاب، تريد، في تلك اللحظة، أن تأخذ بثأر أمينة وابنتها الصغيرة.
استطاع عمار بعد ذلك أن يخمن: (( أمينة غائبة عن البيت ))، فأصابه الأسف الشديد، لأن أمينة لم تأخذ من يده باقة الورد، ولأنها لن تزين شعرها من أجل زوجها بوردة. جمع الباقة الملوثة، وقبل أن يعود إلى داره، بقي طويلاً ينظر إلى الجهة التي اختفت منها الطيور، قال: (( إنها الآن مثلي في طريقها إلى بيتها! )) سره ذلك كثيرًا، رغم أنه كان يصبو إلى تقديمها هدية للصغيرة، ابنة أمينة.
مر بالعين، نزل الدرجات بخفة، وهو يفكر: (( تأخرت عن الرجوع إلى البيت! )) غسل الباقة، واقترب يتفحصها أسفل مصباح باهت معلق على عمود. ومن جديد، فكر: (( ورود جميلة! )) مد إصبعه إلى وسط الباقة، وأزاح وردة مكسورة، ألقاها في حوض العين، وما لبث، وهو في منتصف الطريق إلى البيت، أن تذكر أن مغامرة كبيرة كانت له، قال: سأقص على صوفي كل شيء، فهو لم يصادف الغيلان العرب الذين حدثها عنهم أبوها. كان قد اكتشف في الغابة (( سرًّا ))، وقال: (( في الغد ستعرف صوفي السر بعد أن تراه بأم عينها. )) ولم ينس أنه قد خبأ لصوفي في ساق شجرة الصنوبر بعض الزجاج الملون، وبعض الأرياش، وبيضة عصفور واحدة لم تفرخ بعد.
كانت له مغامرة في ذلك اليوم، أو بالأحرى، كان ذلك اليوم له مغامرة! وها هو في طريقه إلى البيت. كان يعلم تمامًا أنه قد تأخر، وهو يرى كل ذلك الليل الكبير. قال في الأخير: (( إذا ما ضربني زوج أمي، فلن أصرخ، ولن أبكي، ولن أنادي جدي ليعمل على إنقاذي، لكني سأقذف قبضتي بين فخذيه، وأنتقم لأمي، أمي المسكينة سأنتقم لها من ذاك الزوج الجبار! وراح يكرر على نفسه: سأنتقم لها من ذاك الزوج الجبار! سأنتقم لها من ذاك الزوج الجبار! لكي يبث في قلبه الشجاعة.
وجد عمار باب دارهم نصف مفتوح، فدخل دون إبداء أقلها ضجة، سمع كلامًا مختلطًا، وهو في حضن البيت، وما لبث أن تبين صوت زوج أمه المهدد المخمور:
- لا بد أنك سحرتني، أيتها اللعينة، لهذا، لا أستطيع أن أصنع طفلاً واحدًا، طفلاً يكون مني!
والأم تلهج:
- لم أسحرك، يا ابن العم، لا بد أنهم اليهود، نعم، اليهود من سحرك!
لطمها:
- اليهود أشرف منك، أيتها الساحرة! لكن انتظري، سأقتلهم أبناءك، سأريك أي فحل هو أنا!
عب الخمر من فوهة الزجاجة، وتفجرت عيناه زبدًا ونارًا:
- تعالي، سأصنع طفلي الآن، سأبول على سحرك بفرجي، سأبول فيك، فأصنعه رجلاً في الحال!
ابتعدت عنه مرتعدة:
- لا، يا ابن العم، لا، ليس بهذه الطريقة.
لطمها من جديد، فراحت تولول، لكنه ضغط على فمها، صعد فوقها، وأخذ يفك أزرار سرواله، وعندما اختطف عمار نفسه من أمام الباب المفتوح، لمحه زوج أمه، فذهب إليه مزمجرًا:
- تعال، أيها المتسكع!
وهو ينقل السوط الأسود جاريًا في أعقابه:
- تعال، يا ابن الكلبة!
وجد عمار باب حجرة جده مغلقًا، فصرخ طالبًا منه الخروج لنجدته، لكن السوط المسحور هوى على كتفه كالبرق، فسقط عمار منشطر الروح، مولولاً للضربة الثانية، وقد تناثرت من حوله الورود. عاد السوط الأسود يلسع اللحم الطري كالعقرب المتوترة نضارة وشبابًا، وزوج الأم يصيح:
- تظن نفسك رجلاً، وتأتيني ما بعد العشاء! أيها الولد الفاسد! سأحطم رأسك!
عند ذلك، خرج الجد متعكزًا على عصاه، فارتمى عمار في حضنه متهتهًا، وهو يردد، ويذرف الدمع:
- لقد ضربني... لقد ضربني...
عاد زوج الأم إلى حجرته مترنحًا، بينما مالت الأم بجزع على العتبة، بعد أن شاهدت ولدها كيف يُجلد دون أن تفعل شيئًا غير الدعاء والبكاء. وأخت عمار كانت لا تعرف هي أيضًا ماذا تفعل، فأخذت تذرف الدمع السخين، ثم انحنت على الأرض، وجمعت باقة الورد.
راح عمار يهمهم لجده، وهو يحس لحيته البيضاء:
- إنها باقة الورد، وقد قطفتها من أجلك.
فيدغدغه الجد، وهو يهمس في أذنه: (( هناك ما أخفيه لك تحت المخدة!)) فيرفع عمار المخدة، وهو يمسح عن خده الدموع.








5
التفت شعبان إلى هارون، وفي عينيه ليلان يضجان بعتمة باهرة، فسأله هارون:
- ألم تفهم بعد؟
كانا يسيران في طريق ضيق، وهما يحدثان صوتًا مسموعًا كلما تماست خطواتهما والحجارة. وكان شعبان يردد لنفسه: (( إن الأمر لا يهم!إن الأمر لا يهم! ))
علق شعبان:
- وماذا يعني ذلك، أن تقع في هذا الصيف أو في صيف آخر؟
قال هارون مرتبكًا، وهو يلعب بيده في جيبه:
- ولكنها واقعة هذا الصيف بالتأكيد.
تابع وهو يحك بيده عضوه:
- إنه جنرال الذي قال، حتى ولو لم يقله، إنه حدسي.
كانا قد وصلا عند طرف بيارة برتقال، وهناك بضع شجرات لم تزل تحمل بها. رغب شعبان في عصر حبة برتقال في فمه، ليروي ظمأه. مد يده داخل السياج، وهو لا يتوقف عن السير. كانت الشجرة من البعد بحيث كان يحتاج ذلك إلى الدخول إلى البيارة. أراد أن يرفع بيده السياج، ويدخل، ليقطف فقط حبة برتقال واحدة، ولم يعد يسمع ما يقوله هارون، غدت رغبته الصغيرة تلك كل شيء، ولكنه عدل عن ذلك في اللحظة الأخيرة.
كان هارون قد حقن كلماته، في الأخير، كل صوته، فخرجت فخمة ترن في الليل:
- ها أنت ترى إذن أنها واقعة لا محالة.
قال شعبان:
- وماذا يهمك أنت؟ فقد تجاوزت السن، وهم لن يطلبوك للجندية!
صاح هارون، وقد جرح شعبان كبرياءه:
- كيف لا يهمني أنا؟ أنا لا يهمني كيف؟ هذه الحرب تهمني أنا مثلما تهمك أنت!
فكر شعبان بعض الشيء، ثم نفى:
- إنها لا تهمني على الاطلاق.
قهقه هارون، وقال ساخرًا:
- أخرج منها!
فكرر شعبان، وقد مات شيء في رأسه:
- إنها لا تهمني على الاطلاق، إنها ستبقى حربكم.
تضاعفت التجعدات حول فم هارون، فقال، وهو يجمع جرأته:
- ولكنك بحاجة إلى نصير، أنت، إن في رأسك من الأفكار ما يمكنه تغيير وجه العالم.
- وماذا يمكنني أن أفعل وهذا هو أنا؟
- آه! يمكنك أن تفعل العجب العجاب لو كنت يهوديًّا!
ابتسم ابتسامة طفيفة:
- أعرف هذا... لو كنت يهوديًّا!
سارع هارون إلى القول، وهو يحاول أن يقطع آخر دورة من سباقه معه بخطوة واحدة:
- أو لو كان لك نصير يهودي.
دفع يدًا نافرة العروق في وجهه:
- إنني لن أقدر على شيء، لن أقدر على فعل أي شيء، إذا ما وقعت، حتى ولو كنت يهوديًّا.
ضحك هارون، وهو يقفز من فوق غصن يعترض الطريق:
- إذا ما وقعت، فلن يقدر أحد على فعل شيء.
أخذت أنفاسه تتلاحق بسرعة مع خطوات شعبان الواسعة، فقال لاهثًا:
- أنت تعرف أن الحرب تعني لكم الشيء الكثير أنتم كعرب قلة.
احتدت نبرة شعبان:
- إنها لا تعنيني حربكم هذه، لا بقليل ولا بكثير، لربما كانت تعنيني لو كنت في الطرف الآخر، لو كنت ضدكم.
ابتسم هارون، وهو يقول:
- أعرف أنك لست جنديًا، يا شعبان، حتى ولو كنت ضدنا.
توقف شعبان، وراح يحدق في الظلام:
- إنني ضد نفسي، إنني أدعى لأقوم بفعل العكس معي، وهذا أمر لا يمكنك تصوره.
ضرب هارون بظاهر يده على كتفه:
- كم أنت متشدد، يا أخ!
أردف بسرعة:
- يبدو أنني سأحتاج إلى عونك، أنا، إذا ما نشبت الحرب.
سلط عليه نظراته السود العميقة، ونبر:
- لا بد أنك معتوه!
وسار.
بعد قليل، سمع هارون يصيح بلهجة صافية تمامًا من ورائه:
- إنني أطلب الزواج من أمك.
وعلى التو، أحس شعبان كمن أهوى أحدهم بعصا من نحاس، وبكل قواه، على أذنه، فدارت به الأرض.
- إنها، كما ترى، ستحتاج حتماً إلى نصير، وليس مثلك، على اعتبار أنها امرأة ذات أملاك.
فكر شعبان في الحقل الذي لأمه، فلم يتمالك عن غيظه، انحنى على الأرض، تناول حجرًا ضخمًا، رفعه بيده إلى أقصى ما يكون، وصاح من فوق رأسه:
- إذا بقيت حطمت عظمك، اذهب، هيا، اذهب!
فرَّ هارون من بين يديه، وهو يصيح:
- ولكنني سأحميها أنا، إنني سأحميها، وستكون بحاجة إلي، أما أنت، فشأنك.
رماه شعبان بالحجر المتدحرج قربه:
- قلت لك اذهب، وإلا شججت رأسك.
كان هارون قد اندفع إلى الطرف الأيمن متحاشيًا الضربة، ووجهه صوب شعبان، وسمع شعبان صيحاته الثاقبة:
- إنها الحرب... الحرب الكبيرة، وسيأكلك الندم!
وبقي كلاهما يرمق الآخر عن بعد، إلى أن دنا شعبان منه، فتقهقر هارون بضع خطوات، وهو يقول محذرًا:
- إنك رجل عاقل! وها أنت، في الأخير، تقدم على فعل ما ليس في صالحك!
توقف شعبان برهة، وهو يفكر في أمه، وفي هارون، وفي الحرب، وفي عروبته، وفي خلاصه، وفي الليل وفي النيام... في كل هذا دفعة واحدة. كانت في سماء رأسه أسهم نارية تفرقع، وتصنع الأشكال الميتافيزيقية. ناداه:
- تعال، أنا لا أقصد أن ألحق بك الأذى.
- ولكنك أعطيتني جوابك.
تقدم شعبان منه، وهارون دون حراك، أمسك بذراعه، وجذبه:
- ذلك لا يعني شيئًا.
قذف شعبان حجرًا بقدمه، وأضاف:
- أما اذا كنت مهتمًّا بالأمر إلى هذه الدرجة، فأنا لا أهتم به على الإطلاق، لأني ... لأني لم أعد أحب أمي.
ردد هارون بصوت وجل:
- ولكنها الحرب، ولكنها الحرب، وأنا أحمل لأمك في صدري بعض العطف، إن لم يكن لكليكما.
أفلت شعبان ذراعه، وحرك أصابع يده، وهو يفكر في (( كليكما )). كان يحاول بكل ما استطاع من جهد أن يمتنع عن صفعه، دوت في رأس شعبان هذه الكلمات: (( إن الحقل لأمي، إن الحقل والشيطان لأمي! )) وسمعه يقول:
- ثم، بإمكاني أيضًا أن أقدم لها ساعدي، الساعد الذي منعته أنت، وسنجني الثمار وأكاليل الغار. أنت ترى اذن، أن لي نية صافية.
قال شعبان:
- أرى أن لك نية صافية.
- لماذا ترفض إذن؟
- لم أرفض بعد.
وبعد أن سكت قليلاً، فتح فمًا منحوتًا، وقال بلسان متصلب:
- إنني أزوجك أمي.
ضرب هارون بقدمه الأرض، وهو يرقص، ويهزج، صائحًا بأعلى صوته:
- أنت رجل مقدس!
انحنى لفرط فرحه، يريد تقبيل يده، لكن شعبان قبض عليه من خناقه، وجذبه إليه:
- ها أنت ترقص قبل الأوان، يا هارون!
جفل هارون، فتخلص منه، وسوّى ياقته:
- قلت إنك رجل مقدس، هذا كل ما في الأمر.
- إنه قول يسحرني كما ترى!
شُدِهَ هارون:
- وماذا يمكن لي أن أقول غير ذلك؟ فهي، كما ترى، مناسبة سعيدة!
- مناسبة سعيدة بالفعل! وأنا أجرؤ معك على أن أقول ذلك.
مضت لحظات بدت طويلة، وبعد قليل، سأل هارون بصوت متهيب:
- ومتى سيتم الأمر؟
أجابه شعبان:
- لقد تم الأمر.
لم يتمالك هارون ذاته، عاد يرقص، ويهزج، لكنه أوقف ذلك فجأة.
- ماذا تقول؟
- أقول لقد تم الأمر، وما عليك سوى أن تنقل النبأ إليها.
همهم هارون لنفسه، وهو يشمر عن رجولته: (( إذا ما أظهرت ممانعة، فسأعرف كيف أتصرف! ))
وخاطبه:
- سأنقل لها موافقتك، ولكن... ولكن دورك لم ينته بعد، هناك شكليات من الواجب إنجازها.
قال له:
- متى احتجت إليّ أنا حاضر.
كان شعبان يفكر في أمه، وفي هارون، وفي الليل، وفي العروبة، وفي سبع سنين خسرها من عمره، وفي اللحظة التي يرسمها محمود، وفي الضفة، وفي نسمة المساء الباردة، وفي يهودية موفقة من أجله، وفي الحرب، ومرة أخرى في الحرب وفي الديدان التي تختفي عن الظهور داخل أكواخهم الطينية أيام الشتاء، وقال: (( لا أريد أن أخسر كل شيء! ))
صعد صوت شعبان:
- إنك يا هارون لن تبقى هارون الإسكافي.
ابتلع هارون الإهانة التي تبطنها كلمات شعبان بصعوبة، وتردد، ثم قال شاردًا:
- لا، فأنا، بعد اليوم، لن أزاول المهنة، سأكون فلاحًا صحيحًا.
سكت قليلاً، ثم أردف بهمة:
- لنترك ذلك للأيام، نعم، لنترك ذلك للأيام.
مرر بلهجة متماسكة:
- فلنترك ذلك للأيام.
قال شعبان:
- إنني أترك للأيام كل شيء، حتى حربكم.
قفز هارون كمن دقه أحدهم في قلبه:
- آه! لقد ذكرتني بها!
وكان في قلبه جبل جليد أخذت تذيبه نار الحرب، فسالت من فمه الكلمات التالية:
- إنها حرب ملعونة قادمة!
- لا بد من الصمود!
رفع هارون رأسه إلى السماء، كانت حالكة تمامًا، تململ في وقفته، كان يريد أن يذهب بأية طريقة:
- نعم، نعم، لا بد من الصمود، لكن لا تخشَ شيئًا، اياك أن تخشى شيئًا، فأنا منذ الآن أسمى زوج أمك الذي هو بمثابة أبيك.
أعطاه شعبان ظهره، ومضى في سبيله.
عبر الحقل، ومشى في الليل، ثم وقف تحت شجرة تين، وعاد يمشي في الليل. فكر، مرة أخرى، في الحرب، وفي أمه، وفي هارون الذي زوجه إياها، في عروبته وفي كونه مسلمًا في البطاقة، وفي شجرة التين والقمر الغائب وراء دغام الغيم، وفي الليل، وفي محمود الذي يصنع له هروبه، وفي ريتا، في روزا، في طائر الليل... في طائر الليل، وفي الليل، في الليل الكبير الأسود الكبير، وفي الجحيم، وقال: (( سيأتون بالجحيم إليكم جميعًا! ))
أخذ شعبان يحرق الأرم على مصيره، واجتاح صدره غضب اليائس ويأس الغاضب.
على باب كوخ محمود وقف شعبان، وهو لم يزل يفكر: (( سيأتون بالجحيم إليكم جميعا! )) طرق الباب، فخرج إليه محمود، ووقف مواجهًا إياه، بدا كالتمثال، إلى أن نطق شعبان:
- إنني قادم إليك من طرف الشيطان، فاستقبلني باسمه!
تنحى محمود جانبًا، وهو يطعم الحامض في كلماته، وهتف باحترام متصنع لا يخلو من الدعابة:
- ليحي الشيطان!
ومحمود يقفل الباب راح يقول:
- إنني أعتبرك الآن واحدًا من السفراء، ومن الواجب علي تكريمك.
أجاب شعبان يابس الشفتين، وهو يجلس:
- وهكذا سأبقى على ضلال إلى ما لا نهاية...
رمى محمود ضحكة، وقال له باهتمام وتلهف باديين:
- أعرف أنك تتوجع، لكن كل هذا لن يلبث أن ينتهي عما قريب.
بادله ضحكة بضحكة:
- إنها (( متى )) هذه هي التي أريد أن أعرف.
انحنى محمود فوق الطاولة، ونفسه الحار يلفح جبين صديقه:
- أتظن الأمر سهلاً إلى هذه الدرجة؟ أتظنه لعبة ورق؟ إن الأمر يحتاج إلى وقت، لا بد من ذلك، ولم يبق لنا سوى بعضه، بعض الوقت، ليس أكثر، نحصل على المال، وعلى تصريح بالخروج من القرية، ثم (ضرب ظاهر يده في باطنها، وعمل حركة بإصبعه مشيرًا إلى الشرق)... المسار!
جذب محمود كرسيًا إلى جانب شعبان، ومد يده إلى قنديل الكاز، أوطأ الفتيل، ثم ألقى بنظرة فاحصة على مصراعي النافذة الموصدين.
قال شعبان:
- أنا لا أملك مليمًا واحدًا.
- أعرف.
وأضاف:
- وأنا مثلك، لكن هناك يعقوب، وهو محشو بها.
شرح له مشروعه بخصوص زجاجات العرق المهربة، ثم قال له:
- إذا ما حصلنا اليوم على المال، نشرع في التنفيذ مساء اليوم التالي.
اهتز لهب القنديل، فنبتت على وجه شعبان وردة صفراء مرتعشة.
- أما عن التصريح بالخروج من القرية، فهو أيضًا متوقف على يعقوب، بعد أن رفض والد قاسم مساعدتنا، أفهمت الآن لماذا كان احتفائي به ليلة أمس، أيها الذكي!
- والأرض؟
- سأتركها في عهدة المسلم، وقد اتصلت بالمحامي إياد كي أضع حدًّا لمطاردتهم.
عاد إلى فكرته الأولى:
- بالتصريح لن يثير غيابنا أدنى شك، ولن يفطن أحد إلى ذهابنا إلا بعد أن نكون قد عبرنا الحدود.
كان شعبان ينصت إليه مشدود الحواس، قال محمود، وهو يقترب منه بهيئة كساها الجد:
- من اللازم أن أشرح لك.
مد يده إلى الجرار، وسحبه. أخرج ورقة وقلم رصاص، وضع الورقة أمام شعبان، وأشعل سيجارة، وكلاهما يقترب برأسه من رأس الآخر. كانا يستندان إلى الطاولة، وهما ينحنيان قرب القنديل. وكان لهما صوت أقرب إلى الهمس، ولكل منهما عينان تتسعان أو تضيقان بين آونة وأخرى. رسم محمود خطًّا طويلاً يقسم الورقة من وسطها، ما انفك يحك عليه رأس القلم حتى ظهر خط عريض أسود.
قال:
- هذه هي الأسلاك.
حرك الورقة بحيث اتجه نصفها إلى الغرب ونصفها الآخر إلى الشرق، رسم مربعًا في جهة الغرب، وقال:
- نحن هنا.
كان شعبان يتابع بعينيه القلم الذي يتحرك بخفة بين أصابع محمود الخشنة، وقد غدا له وجه قاس:
تابع محمود:
- تفصلنا عن الضفة مسافة تسعة كيلومترات، ولكن هناك ما يحول بيننا وبين قطع الكيلومترات التسعة في خط عمودي مباشر.
حرك قلمه، ورسم دوائر صغيرة على طول الخط العريض الأسود:
- هذه ثكنات مراقبة.
وصل بين أربع دوائر أمام المربع الذي هم فيه، وسد المنافذ:
- هذه معسكرات ثابتة لحرس الحدود، وهي على طول عشرين كيلومترًا عرضًا، ونحن نقعد هنا.
ضرب القلم في المربع، فترك أثرًا في قلبه. فكر شعبان: (( إنه يصيب الهدف! )) راح يتابع حركة القلم إلى أن أنامه بين راحتيه، وتطلع إليه، كان ضوء القنديل الأصفر يتسلق بهدوء ثنيات وجهه، وكان شعبان يركز ذقنه في كفه، وهو يثني حاجبه. قال يحثه على المتابعة:
- إنها تقف في وجهنا كالحائط.
- لهذا سنعمل دورة.
وابتداء من الخط الموصول أشار محمود إلى دوائر ثلاث تصعد نحو الشمال:
- هذه منافذ وعرة.
وصل الدائرتين الرابعة والخامسة بجسر يقطع الخط العريض الأسود، وينتهي في الشرق:
- من هذ الجسر سنشق الأسلاك.
سحب شعبان نفسًا عميقًا، وزفر، ومحمود لم ينته بعد.
رسم مثلثًا متساوي الأضلاع يوغل قليلاً ناحية الشمال الغربي، ووصل بينه وبين رأس الجسر، ثم بينه وبين المربع، وقال، وهو يشير إلى الخطين اللذين يصنعان زاوية منفرجة:
- قبل أن نعبر الجسر، علينا أن نسلك هذه الطريق.
ورضب بلسانه شفتيه.
سأله شعبان:
- لماذا نعمل زاوية؟ إنها تطيل المسافة.
- هناك بعض الكيبوتسات التي سنتجنب المرور بها أو الاقتراب منها، فليس من صالحنا ذلك.
أطرق شعبان رأسه مفكرًا، ومحمود لم يزل يتابع خطته:
- عندما يسقط الليل، سنغادر القرية باتجاه الشمال، وبعد ذلك، سنوغل باتجاه الغرب، سنقطع الحقول، وندخل البيارات متحاشين السير في الطرق المعبدة، ستصادفنا مشقات لا محالة، لكننا قبل أن نصل المثلث، سنأخذ طريق يافا جنين القديم، فهو مغلق، وعديم الحركة تمامًا.
ألقى نظرة سريعة على الخريطة قبل أن يضيف:
- سنتوقف في المثلث، بعد أن نكون قد قطعنا تسع ساعات من المشي السريع، وسنقضي الطرف الباقي من الليل ونهار اليوم التالي في مزرعة واحد من أخوالي، ومع غروب الشمس، سنواصل سيرنا عبر طريق ينحرف إلى الشرق حيث الجسر.
أشار بقلمه إلى الجسر المرسوم على الخريطة، فانفرجت شفتا شعبان، ظن محمود أنه يريد استفساره عن أمر ما، فرفع حاجبيه ليهيئ له جوابًا، لكن شعبان فضل السكوت، كان يصبو إلى المتابعة.
أوجز محمود:
- وفي الطرف الآخر: قلقيلية .
ثم أنهى:
- الضفة.
اعتدل شعبان في جلسته ورفع كتفيه إلى أعلى، إلى أعلى ما يكون، وأنفاسه تتلاحق، ثم استند على كرسيه بكل ثقله، وهو يتجبد بأقصى قوة، وابتسامة العاشق الذاهل تزين فمه. راح شعبان ومحمود يتبادلان نظرة نجاح مسبق، كانت في عينيهما نظرة أماني، نظرة حلم، نظرة عمل مشترك يبدأ منذ تلك اللحظة، نظرة ما بينهما مستحيلة، نظرة تنطبق، لا يمكن لها أن تنطبق، بأي حال من الأحوال، إلا مع تلك اللحظة، تلك الانفلاتة، كانت نظرة مستحيلة بقدر ما فيها من عبور حار مندفع يتدفق بالمستقبل، بقدر المستقبل الذي يبدأ بها آنذاك، ويتدفق.
نهض محمود ملاصقًا حافة الطاولة، وهو يفكر في صديقه: (( إن هذا ما يسكره! )) كان، بينه وبين نفسه، مغتبطًا، بل مفتونًا، وهو يراه في منتهى السعادة.
قال محمود:
- آه لو تعلم كم أنت جميل!
مسح شعبان وجهه منتشيًا من قمة الرأس حتى أخمص القدم:
- وأنت تشرح ذهبت معك، إن هذا الذي تراه يجلس أمامك ليس أنا، لقد تركتني هناك، في قلقيلية .
ضحك محمود ملء شدقيه.
أضاف شعبان، وهو يدفع رأسه إلى أعلى دفعات متتالية والضوء الأصفر يلتحم مع الضوء الأسود في عينيه.
- أتعلم في ماذا فكرت؟
ثنى محمود وسطه على حافة الطاولة، تناول الورقة التي رسم عليها الخطة، وبدأ يمزقها طولاً وعرضًا.
- في ماذا؟
أجابه شارد الذهن:
- في أنك (( موسى )).
قال محمود دهشًا، وهو يشعل أطراف الورق الممزق، وسيجارة:
- تجعلني أشك، رغم صداقتنا منذ كنا أطفالاً صغارًا، في أنني أعرفك تمام المعرفة، فهأنذا أكتشف فجأة أن لك موهبة الفنان غير الموجود بيننا، والذي سيكتب تراثنا البربري يومًا.
لم يكن شعبان يصغي إليه، كان دخان سيجارة محمود يملأ وجهه، وكان يجلس كالمغامر الذي ركب الأهوال:
- إنها نفس الطريق التي شقها موسى بعصاه بعد أن ضرب البحر فارًّا من وجه فرعون، أنت هو الذي يملك عصاه!
كانت حافة الطاولة تحك له حوضه، وقد تسرب إليه خدر لذيذ. اتحد بالمعجزة، وغاب بعض الشيء، وبعد قليل، قال محمود، وهو يركز عينيه في الطريق الطويل:
- إن الأمر ليس على مثل هذه السهولة، إنه شاق!
غادر شعبان شروده:
- ماذا يعني ذلك، أن الأمر شاق؟
رماه محمود بنظرة متأملة:
- يعني أن الأمر ليس سهلاً.
- شاق أم غيره، إذا ما بدأنا أكملنا!
رمى محمود بنفسه على السرير، فرأى شعبان أن له أكثر من ظل، تركه حتى تراخى في سريره، ثم أوضح:
- لأننا لا يمكننا التراجع. سأتصور أنني سألتقي بمن يوقفني على بعد خطوات من البدء، بمن يشهر سلاحه في وجهي مهددًا كي أقف، لكني سأستمر، رغم معرفتي الأكيدة، والتي لا تحمل أدنى شك، من أنه سيطلق، لكني سأستمر، سيطلق، وسأسقط، لكني سأسقط، وأنا أنقل معي معنى استمراري. (أصاب عنقه بعض التشنج، فشد عليه، وأضاف): لا بد إذن من حادث، ولا بد من أن ينتهي الأمر إذا ما بدأ، أيًّا كانت النتائج.
قال محمود، وهو يصلب نظره في فراغ الكوخ:
- إنني أدرك ما تراه بكل وضوح، وأنا مثلك أريده من أعماق كياني، وأحسب له حسابًا كبيرًا، فلم تعد لي انتظارات غيره.

* * *

مع شروق الشمس، كانت أم شعبان تسير في الطريق الترابي المؤدي إلى الفلاة، وهي تخطو خطوات واسعة رغم تعثرها بحجر بين الحين والحين. وكانت قد التفتت عدة مرات إلى الوراء، وهي تضع على رأسها حجابًا أسود يخفي معظم وجهها. قرب المقبرة، التفتت إلى الوراء للمرة الأخيرة، واجتازت سورها القصير المهدم في بعض أطرافه. كان للمقبرة باب عريض ذو درفة واحدة تركته أم شعبان خلفها، فظهرت لها بعض القبور المتناثرة. كان معظمها عبارة عن أكوام من الطين فوقها حجر لوثوا عليه بخط أسود فاحم اسم الراحل، ولم يكن في المقبرة سوى أربعة أو خمسة قبور مبنية من الحجر المنقوش.
وقبل أن تلج أم شعبان حجرة الحارس، وقفت أمام قبر زوجة القاضي، أحدث قبور المقبرة وأجملها، ولمست بإصبعها هلاله الأخضر.
كان حارس المقبرة، عندما رآها من النافذة، قد خرج، وعلى صدره صدار طويل من الجلد، وفي يده إزميل ومطرقة قصيرة، وقد تعفر شعر رأسه وحاجبيه ورمشيه بغبار النقش.
صاح حارس المقبرة، وهو يرفع أكمامه:
- هناك ترقد زوجة القاضي.
كانت أم شعبان تقرأ الفاتحة على روحها، وعندما انتهت، استدارت برأسها اليه، فقال لها:
- إنه أجمل القبور!
جاءته أم شعبان مهرولة، وقالت للحارس قبل أن تصله:
- أريد مثله.
أعطاها الحارس ظهره، ودخل، وأم شعبان تقول من ورائه:
- إن زوجة القاضي ترقد الآن مرتاحة، فأنت لا تدري، ربما رمى اليهود جثتك للكلاب!
وقف حارس المقبرة أمام حجر طويل رفعه على عارضة من خشب، ودق إزميله في حرف الميم، اذ كان ينحت (( البسملة )). دارت أم شعبان به، وهي تنظر بإعجاب إليه، فقال حارس المقبرة، والمطرقة مستمرة في هبوطها وصعودها على رأس الإزميل:
- إن قبرك سيكون أصغر حجمًا بالطبع، فأنت امرأة ضامرة القد!
- ولكنك نحات حاذق باذق، كيف قالوا لي إنك لا تتقن إلا حفر القبور، أما النقش، فهو مهنة غريبة عنك.
تكلم بحدة وغضب:
- ها أنت تشاهدين بأم عينك، وترين أن هذا لا يسمى باللعب!
أزعجها صوت المطرقة فجأة، فصاحت:
- إن هذا لا يسمى باللعب، لكن صوت مطرقتك قاتل!
أمرته:
- كف عن الطرق ما بقيت في (( ضيافتك ))، لأن هذا يكاد يصرعني ويحيلني إلى كلبة!
طرق الحارس إزميله للمرة الأخيرة، والتفت إليها دون رضاء، وهو ينفض عن صدره الغبار:
- عليك أن تعتادي ذلك، فأنت إن عاجلاً أم آجلاً سيكون مرقدك عندي، وأنا أطرق الحجارة في الليل، حتى ولو أنها تأخذ جزءًا من وقت الحراسة.
أرادت أن تسخر منه كحارس (( شهير )) للقبور، وأن تقلل من غروره:
- يا حفار القبور، ها أنت تطلق على نفسك لقب حارس المقبرة بمعنى أو بآخر!
وضع إبريق الشاي على البابور، محاولاً إخفاء حنقه:
- أنا حارس المقبرة منذ عشرين سنة، وما عليك سوى أن تعملي جولة هناك (مشيرًا إلى القبور) جولة قصيرة، لتجدي على كل قبر آثار السهر الذي أنفقته إلى جانب آثار بصماتي!
ضحكت أم شعبان بملء شدقيها، وهي تفكر: (( لسوف أمزق غرور هذا الأحمق المدعي! )) وراحت تهمهم:
- هو حارس والكلاب حراس! هو حارس الموتى والموتى جِيَف!
أفقدته صوابه، لكنه كتم غيظه، إذ (( مع أم شعبان ليس هناك من فائدة))!
قال حفار القبور:
- هذا جزائي لأني في الأخير أغطيكم بالتراب، وأبني عليكم قبرًا لا يبارح عيني.
دست يدها في صدرها لتخرج حزمة النقود:
- لا تقل لي: أبني عليكم قبرًا، فأنت تبول علينا عندما تأتي حاجتك، إذ ليس لديك بيت ماء.
كتم الرجل مرة أخرى غيظه، وراح يصب شايًا أسود في قدح صغير:
- يمكنني أن أفعل ذلك في المستقبل، نعم، يمكنني أن أفعل ذلك في المستقبل، لكنني رجل دين!
ناولته حزمة النقود:
- رجل دين، أم رجل عفريت، لا يهمني أن أعرف من تكون!
وضع الحارس نظارة بيضاء، وبدأ في عد حزمة النقود:
- لا يعرف الجميع قيمتي إلا عندما ينقلون على نعش، عند ذلك، أصبح وحدي المقرب! وأنت، يا أم شعبان، أكثر من سيحتاج لي (غلط في عد النقود، فأعاد الحساب من جديد) لأنك امرأة ذات دلال!
أخذت قدح الشاي، ووضعت فيه معلقة سكر، وبعد تردد ملعقة أخرى، وراحت تحركه بسرعة.
أضاف الرجل:
- وستبتهج العفاريت بمقدمك!
توقفت جرعة الشاي في حلقها، وقالت باشمئزاز:
- يا له من شاي مر كالعلقم، كل سكر الدنيا لا ينفع معه!
عندما أنهى عد النقود، رفع نظارته البيضاء عن أنفه، وقال بصوت متسائل:
- هذه خمسمئة ليرة!
قالت أم شعبان بعجلة:
- سآتيك بالخمسمئة الأخرى فيما بعد، أجعلها عُرْبونًا لتبدأ بنقش قبري.
- ولكنها لا تكفي، فالحجارة هذه الأيام تكلف غاليًا، وجلبها ليس على مثل تلك السهولة حسبما تتصورين.
شفطت أم شعبان قدح الشاي دفعة واحدة، وقالت مشددة على أواخر كلماتها:
- لا تكن يهوديًّا! إنها تكفي مؤقتًا، لتبدأ بنقش الحجارة، فقد قلت لي سيحتاجك ذلك إلى ستة شهور، وسأكون قد دفعت لك الباقي قبل انتهاء هذا الوقت بكثير. أريد أن تنقش اسمي بحرف كبير، وأن ترفعه عن الأرض أكثر بقدم واحد من قبر زوجة القاضي، أريده يكون الأعلى، فأنا، لو لم يمت زوجي شابًا، لكنت اليوم زوجة قائد.
قال حفار القبور بلا حماس:
- سيكون أجملها بلا شك.
وضع قدحه فارغًا، وسألها:
- وأين تريدين أن أدفنك: هناك في الوسط، أم هنا، على مقربة مني؟
نبرت أم شعبان، وهي تغطي رأسها بالحجاب:
- هنا! على مقربة منك، يا حفار القبور! لكي تبول على رأسي!
حمل الرجل إزميله بيد مثقلة، واستدار إلى حجر القبر المنصوب على العارضة:
- إنني، يا أم شعبان، رجل صالح!
فلم تغير أم شعبان من نبرتها:
- أريده أن يكون أول قبر في صدر الباب، لأرى كل داخل، وأريدك أن تعمل لي هلالاً كبيرًا، وأن تطليه كل ثلاثة أشهر باللون الأخضر.
طرق الحفار إزميله، وقال بكسل:
- سيكون لك كل ما أردت.
أرادت الذهاب، لكنه أوقفها:
- وهل أنت على عجلة من أمرك إلى هذه الدرجة؟
قذفته بكلمات حادة كأسنان المنشار:
- يا لك من ملعون! يا لك من حفار قذر خبيث النوايا!
مما جعله يلهث كالكلب متراجعًا عما قاله:
- أقصد... لست على عجلة من أمرك، فالحياة ما زالت طويلة من أمامك.
أحست في نفسها بدبيب الموت، وصار لها وجه حطبي:
- واليهود هنا، فأنت لا تدري، كل الذي أريده أن يكون قبرًا جميلاً لا كسائر القبور، وأن أشعر ببعض الدفء عندما يتركني الناس وحيدة (أنصتت لتسمع صدى كلماتها): إنني أحتاج إلى الدفء، نعم، هذا كل ما أحتاج إليه.
أخذ الحارس يفكر في كلماتها، وهو يحك بطرف الإزميل حاجبه:
- ولكنك ستذهبين إلى الجنة، فيما بعد.
قالت بتوكل رجل الدين:
- أنا وحظي.
سألها دون أن يداري دهشته:
- وهل هناك حظ في هذه الأمور؟
- إذا ما طلبوا إليك أن تسير على الحبل لتقطع جهنم، فلن يكون لديك الخيار، وعند ذلك أنت وحظك. أما إن زلت بك القدم يمنة أو يسرة، هويت في النار، وإن سرت حتى النهاية، حملتك على أجنحتها الملائكة، وطارت بك إلى الجنة.
قهقه حارس المقبرة بملء فمه، فبانت أضراسه المخلوعة، لكن أم شعبان نبرت مستاءة:
- سأتركك لتضحك متى ينشوي عظمك!
وخرجت مسرعة، فلحق بها، ووقف في الباب، وهي تحث الخطى شبه عادية:
- ولكنها تأتي عندي، ملائكة الجنة تلك، ونحن نلعب الورق معًا كل ليلة!
وعاد يضحك بقوة.
التفتت أم شعبان إليه بوجه مفزع حفرته سكة التجاعيد، وصاحت بصوت ناقم:
- سألعب على قبرك، يا سارق جثث الموتى!
وقفت قرب قبر زوجة القاضي، وتمتمت بضع كلمات سريعة. أخفت نفسها جيدًا في ثوبها الأسود، وتركت المقبرة بقدم خفيفة. عندما شاهدها الحارس، وهي تذهب خارجة، دخل حجرته، ثم تصادت بين القبور طرقات أنيسة على رأس الإزميل.

* * *

قطع محمود ساحة القرية بخطوات واسعة، والشمس تبحر قوية في ظهره. وقبل أن يدلف إلى الناحية التي فيها حانوت عمران، سمع نفير سيارة قاسم، ورأى المسلم يجلس إلى جانبه، وبين الاثنين كانت تجلس أولغا المسيحية.
أراد قاسم أن يداعبه قليلاً، فجرى بسيارته في اتجاهه، وتوقف فجأة على مسافة قريبة منه، والعجلات تطلق أنينًا حادًّا.
صاح به المسلم:
- أهو وقت نزهتك؟
اقترب محمود منهم، وسلم عليهم، حيا أولغا بالانكليزية، ثم قال:
- أنا ذاهب إلى السوق، وسنلتقي على الساعة العاشرة في (( فلسطين )).
سبَّه قاسم بالعبرية، وانطلق بسيارته، والمسلم يصيح مخرجًا رأسه من النافذة:
- كم أنت عظيم وفاسد! إنها الصحفية الكبيرة التي تقول عنك هذا!
وغمزه غمزة كبيرة، كان يقصد أولغا بالطبع. نظر محمود إلى الطريق التي ذهبت منها السيارة، وغاب قليلاً مع أفكاره. رده إلى نفسه صوت حاقد يلعلع، فإذا بسيارة جيب عسكرية تمر بأقصى سرعة، وتقذفه عجلاتها بالوحل، بعد أن سقطت في حفرة. رفع يديه إلى أعلى علامة الاستسلام، وصوت أم شعبان الملعلع لم يزل يتفجر بالسباب:
- افتح عينيك جيدًا، يا ابن العاهرة!
ركضت في أعقاب السيارة العسكرية، وهي ترفع قبضتها إلى أعلى مهددة:
- سأفتح مؤخرتك ذات يوم، يا ابن العاهرة!
وكان الجنود الذين يجلسون في الخلف يقهقهون، ويثنون لها إصبعهم الوسطى.
وجدت نفسها تقف قرب محمود لاهثة، ومحمود يمسح الماء الوسخ عن وجهه:
- لقد عملوها فيك أنت أيضًا.
نظر اليها، فرآها تغرق في الطين من قمة الرأس إلى أخمص القدم:
- دعيني أساعدك، يا خالة.
وراح بمنديله يمسح ثوبها، وهي لا تتوقف عن التحدث إلى نفسها:
- هؤلاء اليهود الحمقى ها هم يرمونك، يا أم شعبان، بقذاراتهم في النهاية!
أصبحت نظيفة نوعًا ما، فقال لها محمود:
- أنت الآن نظيفة كالبرق!
استدار يريد الذهاب، لكنها أمسكته من ذراعه. نظر في عينيها، فظن أنه يرى صورًا مشوهة لأناس مقتولين. ولأول مرة، لاحظ عليها الذهول، وسمعها تقول راجية:
- إذا رأيته، قل له أن يعود إلى البيت، فأنا أريد محادثته.
أشكل على محمود الأمر، فسألها:
- إذا رأيت من؟
جمعت يدها على صدرها، وتهدلت زوايا فمها، صارت على وشك البكاء:
- أليس في علمك أنه هجرنا؟
مما أثار استنكاره:
- شعبان الذي تتكلمين عنه؟
تركته يلوك دهشته، وسارت. وهي على بعد أمتار منه، التفتت إليه بحزن يثقل هامتها، وقالت:
- لقد ترك البيت منذ عدة أيام.
وتابعت سيرها كمحراث موهن، سمعها تهمهم: (( إلى الشيطان! لتذهبوا جميعًا إلى الشيطان! ))
فكر أن شعبان لم يخبره بشيء من هذا، وتساءل: (( لماذا لم يحدثني عن الموضوع؟ )) رفع قدمه من بركة الحيرة، وتابع طريقه. وقبل أن يدخل دكان المختار عمران، ألقى بنظرة إلى ثوبه، ثم رفع رأسه إلى السماء، فرأى مركب الشمس المبحر دومًا.
قال المختار لمحمود، وهو ينهض عن كرسيه تاركًا السمسار في الزاوية:
- أنت تأتي في وقتك.
وأتبع ذلك بتأوهة مهمومة، فأخفى السمسار في جيبه حزمة من النقود. وقبل أن يترك الدكان مغادرًا، التفت إلى المختار، وقال له بكلمات متفاهم عليها:
- لنقل (( إنها )) في يازور الآن، وسأوافيك بكل ما تحتاج إليه، هذا المساء، بعد عودتي مباشرة.
قال المختار، وهو يضغط بارتخاء على يده:
- أتمنى لك التوفيق.
وقبل أن يذهب السمسار، حدج محمود دون محبة، وتمتم:
- إن السيارة في انتظاري.
وعلى الباب، حيا المختار بحرارة:
- إلى هذا المساء.
عندما عاد المختار، رأى محمود يقف وسط الدكان مكفهر الوجه.
- ماذا بك؟
أشار محمود إلى الناحية التي ذهب منها السمسار، وأفضى بمكنونات فكره:
- هذا السمسار يكرهني!
وصله صوت المختار متراخيًا:
- وماذا عملت له كي يكرهك؟ (ثم أضاف بعد أن أعطى لنفسه حق الدفاع عنه): إنه رجل صالح!
لكن محمود راح يردد مشددًا على أواخر كلماته:
- إنه يكرهني! إنه يكرهني!
زفر المختار:
- إيه! أنت أدرى مني بذلك، فالأمر يخصك وحدك!
سأله محمود:
- أكنت تحتاج إلي؟
قال المختار، وهو يجسه جسًّا خفيفًا على كتفه، دافعًا إياه من أمامه:
- نعم، ويمكننا أن ندخل إلى البيت، من هنا.
كان من وراء ستار في الدكان باب يؤدي إلى البيت، دخلا منه، وصارا في ردهة فسيحة، تنحنح المختار، ونادى:
- يا سارة.
وما لبثت سارة أن خرجت: امرأة سمينة وقصيرة لها صدر ضخم مندفع إلى الأمام.
قال لها:
- اذهبي إلى الدكان قليلاً، يا امرأة ريثما أحادث محمود.
كانت سارة تعرف محمودًا جيدًا، فسلمت عليه:
- أهو الفلاح الأعزب؟
سألها محمود:
- كيف حالك، يا سارة؟
أجابته، وهي تضرب بذقتها لحم عنقها المتهدل:
- بخير دومًا أنا و(( مختاري ))! وأنت، هل أنت بخير؟ (لم تدعه يجيب) هل ستبقى الفلاح الأعزب إلى الأبد؟ أحقًّا أنت مضرب عن الزواج؟ ها أنت تضيع حياتك باطلاً!
قال محمود، وهو يبتسم لها بود:
- لم يحن الوقت بعد.
صاحت سارة، وهي تضرب بيدها على صدرها:
- أأنت أيها الشيخ الفاتن من يقول هذا؟!
وقالت قبل أن تجتاز الستار إلى الدكان:
- قل لي فقط، وسأختار لك يهودية جميلة.
كان المختار يقف مشدود التعابير، ومحمود لم يزل يبتسم لسارة بود، ويقول:
- كم أنت طيبة، يا سارة!
عندما ذهبت سارة، قال المختار:
- لسنا بحاجة إلى الجلوس، بضع دقائق تكفينا.
واستند بظهره إلى الحائط:
- إنه أمر الصفقة التي حدثتني عنها.
فتح محمود عينيه على سعتهما، لم يكن ينتظر أن يبادر المختار بتنفيذ الصفقة رغم استعجال محمود للأمر:
- تجعلني أفكر أنك تضرب أهدافك بسرعة الريح، يا مختار عمران!
تضاعف ارتخاء صوت المختار، وماعت نبرته:
- لا تقل أهدافًا، لا تسمها أهدافًا، هذه ليست بالأهداف، فأنا أقصد منفعتك.
شبك محمود ذراعيه، والآخر يقول:
- أما إذا بدلت رأيك، فهذا شيء آخر.
قال محمود:
- أتعرف ما الذي أصبو إليه الآن، بل لنقل، هذه اللحظة على الخصوص؟
همهم المختار متعمدًا تجاهل ما يصبو إليه محمود:
- وما يدريني!
نبر محمود:
- أن أتعلم عنك الحكمة.
انتفخت أوداج المختار، وقال متململاً في وقفته:
- الحكمة... الحكمة... أية حكمة؟ الحكمة كلام فارغ في عصرنا!
- ومع هذا، فالحكمة لا تعني شيئًا لديك، وأنا عاجز عن التصديق.
ابتعد المختار عمران عن الحائط، وبدا قصيرًا إلى جانب محمود. قال متقوسًا، مقوسًا حاجبيه:
- على المرء لا يصدق سوى ما يلمسه بيديه، أما الحكمة، فهي تظل بعيدة المنال دون المال!
سكت قليلاً، وذهب بعيدًا، ومحمود لا يكف عن ملاحقته بعينيه. أراد أن يدمي بأصابعه على جبينه، أن يضغطه على صدره، ويلوك كبده بأسنانه. ارتعش المختار، وراح يرقص كالشمعة:
- إن مشروعك نافذ في الوقت الذي تدفع فيه، تسلمني المبلغ بيد، أسلمك الصناديق بيد (قبل أن يكشف): هناك عينة جديدة ستصلني هذا المساء.
فكر محمود أن شريكه السمسار، فقال مباعدًا بين كلماته:
- وهل هو السمسار... ؟
حرك المختار يدًا متوترة قرب أنفه:
- هذا أمر لا يعنيك، وستبقى القضية بيني وبينك.
واستحثه:
- ها! ماذا قلت؟
عاد محمود من حيث أتى:
- سأعلمك غدًا.
استفسر المختار من ورائه:
- والمال؟
كرر محمود، وهو يعجل خطاه خارجًا:
- سأعلمك غدًا، سأعلمك في الغد كل ما يتوجب علينا القيام به.
- إذا تعذر عليك الأمر، فبإمكاني أن أتوسط لك لدى السمسار من أجل رهن الأرض (واستدرك بعجلة): رهن الأرض لا بيعها... إلى أن يحلها الحلّال.
- قلت لك سأعلمك في الغد كل ما يتوجب علينا القيام به.
وهو يرفع الستارة، استدار، وقال:
- كدت أنسى، لقد جئت أيضًا من أجل زجاجة لهذا المساء.
تلعثم المختار، ثم ولج بابًا مواجهًا. أطل محمود من وراء الستارة، فرأته سارة التي توجهت إليه بوجه يخفق بالود:
- ماذا كان يتآمر معك ذاك التاجر؟
قال محمود:
- إن زوجك تاجر حقيقي!
راحت سارة تسعل، وهي تضحك:
- إنه يحمل لك في صدره الكثير من التقدير.
- لأنه يصر على أن نتعامل على أساس تاجر مع تاجر وأنا الفلاح الحقير.
- وإن زوجتك بيهودية ماذا ستقدم لي؟
تأملها عبر السؤال، وقال لنفسه: ما زالت سارة الطيبة تعيش زمن ما قبل 48.
حثته على الجواب:
- قل، ماذا ستقدم لي إن زوجتك بيهودية؟
أحس محمود فجأة بالشيخوخة تسري في عروقه، رغم طيبة سارة وزمنها القديم، فقال:
- أنا لن أتزوج يا سارة، هأنذا أقولها لك.
وضعت يدها على فمها، وصاحت:
- آه، يا لك من غبي!
ظهر المختار من وراء الستارة، وفي يده زجاجة عرق ملفوفة بورق قهوي اللون. دفعها لمحمود، وهو يلتفت ناحية الباب:
- ضعها في جيبك بسرعة لئلا يراها أحد.
وضعها محمود في جيب معطفه بسرعة، والتفت باسمًا إلى سارة:
- ألم أقل لك يريدنا أن نتعامل كالند للند؟
وهو على عتبة الدكان، صاحت مشيرة إلى زوجها:
- هذا لأنه لا يشعر بنفسه كأيام زمان!
ضحك المختار، وقال:
- ليس هذا أبدًا شعوري.
احتدت سارة، ورددت بغضب:
- ولكنه شعوري! إنه شعوري!
صاح المختار بمحمود الذي ذهب:
- إلى الغد إذن!
فهزَّ محمود رأسه دون أن يلتفت اليه.

* * *

أرادت سارة أن تنهض، لتخلي لزوجها مكانه. كان يحتاج منها ذلك إلى كبير الجهد، فقال لها المختار عمران:
- أعطيني يدك.
ومد لها يده، لكنها دفعته عنها بعيدًا، وقالت:
- إنني لا أحتاج إلى عون.
راح يتأمل قامتها الضخمة بعين إشفاق، وعندما استقامت، رجاها:
- يجب أن تقللي من أكل الزبدة على الفطور.
ضغطت بيدها على ذراعه، وقالت:
- ما يؤلمك حقًّا مقدار ما أستهلكه من الزبدة وليس ما تفعله الزبدة فيّ!
لامس المختار يدها، ودموع كاذبة تكاد تنبجس من عينيه:
- بعد كل هذا العمر الطويل أتسيئين الظن فيّ؟
انزاحت سارة إلى جانب، وقالت:
- ومع هذا، فسأقلل منها، ولك أن لا تحضرها بتاتًا، فأنا أطبخ بالسيرج على الغداء.
- حسنًا!
بعد قليل، سألته سارة:
- هل ستذهب إلى الصلاة؟ اليوم الجمعة.
لكنه أخرج دفتر حسابه من الجرار، وراح يقلب صفحاته:
- لا، لن أذهب:
عمقت نظرة سارة:
- أنت لم تذهب إلى الصلاة منذ ستة شهور!
قال المختار بعصبية، وهو يريد أن ينهي الموضوع بأية طريقة:
- لدي بعض الأعمال، لا بد من إنجاز بعض الأعمال، هل فهمت؟ ثم، ها أنت تقومين عني بكل هذه الفروض.
رفعت سارة الستارة، وقالت، وهي تفكر في الآخرة:
- لن يقبل الله إلا ما تقوم به أنت بنفسك.
ثنت رأسها تريد الذهاب، إلا أن الجلبة التي أثارها هارون مع حضوره أوقفتها:
- إنني أنقل النبأ إلى كل الناس، والآن يجيء دوركما، يا صديقيّ.
هتفت سارة:
- أي نبأ؟
كان المختار قد رفع رأسه بشيء من حب الاستطلاع، وهارون يقول:
- لقد زوجني شعبان أمه.
راح المختار يضحك ضحكًا خافتًا، بينما هللت سارة فرحًا:
- يا لك من رجل سعيد الحظ!
لكن المختار همهم:
- يا لك من رجل تعيس الحظ!
أخذ هارون يخاطب سارة:
- هأنذا أشق لي طريقًا في الحياة، ولقد أحرقت صندوق الأحذية، أنت ترين إذن كيف أنني بدأت، بعد كل العمر الرديء الذي عشته، بشق طريقي في الحياة.
انحنى على الطاولة القصيرة، من فوق أنف المختار الضخم، وقال بتروٍ كبير:
- لقد تم ذلك خلال بضع دقائق، فهذه واحدة من معجزات الحرب.
انتبه المختار، وهارون يتوجه بقوله إلى سارة:
- إنها الحرب القادمة، وهذه واحدة من معجزاتها.
سألته سارة، وقد شدها الشعور بالقلق:
- عن أي حرب تتكلم؟
احتج هارون:
- يدهشني أن تكوني يهودية لا تعي ما هي حربها القادمة!
ومرة أخرى، سألت سارة دون أن تحس بحركة يدها على فخذها:
- هل تعني الحرب مع العرب؟
لحّن هارون عبارة التعجب:
- وأيُّ حرب... وأيُّ حرب... وأي... ي... ي... حرب!
انتهرته سارة:
- أسكت! يا لك من أحمق! فلتسكت!
سكت هارون، وهو يضرب على صدره:
- أتدعوني أنا بالأحمق، يا سارة؟ أنا الذي ينقل إليكم نذير الحرب لتأخذوا حذركم!
خيم في الدكان صمت ثقيل، قطعته سارة قائلة:
- إنه نذير شؤم! وأنا لا أريدها حربك هذه!
صاح هارون:
- أما أنا، فأريدها تمامًا.
فتح المختار عمران فمه، وسأله:
- لماذا تريدها؟
قال هارون، وهو يجذب شبكة أحلامه:
- إذا ربحت اسرائيل، فهذا يعني فتحًا للأرض الجديدة، وسيعود علي ذلك بقطعة. وإذا ربحت العرب، فإن زوجتي منهم، ولن أكون خاسرًا في كلتا الحالين. في كلتا الحالين، سأكون الكاسب، هكذا أضمن حياتي.
قال المختار:
- من الضروري أن يضمن المرء حياته: عربي مع العرب، ويهودي مع اليهود، وشيطان مع الشياطين، وملاك مع الملائكة، هكذا يضمن المرء حياته.
صفق هارون، وهتف كالمسحور:
- كروم أورشليم! وحقول شكيم! وروابي هبرون وبيت لخم، أيها الأصدقاء!
لعب الحلم بالرؤوس، وحلقوا جميعًا على أجنحة سحرية. ولكن شبح الحرب القاتلة عاد يخيم، والبنادق أخذت تسفح لسارة الدم في خيالها، فتمتمت خائفة:
- لكني أخشى الحرب، وأنا لا أريدها!
جمد هارون كالصنم، وحدق بين قدميه:
- إذا ما رفع امرؤ قدمه، لا بد أن ينزلها، وإسرائيل ترفع قدمها الآن (حرك يده، وعمل أمواجًا): إن بانتظارك، يا سارة، عشرة مخازن في شيكم، في شارعها الرئيسي. إن إسرائيل تحتاج إليك، يا سارة، وأنت من واجبك كلما ذهبت إلى الكنيس للصلاة أن تدعي لقيام الحرب، هكذا تقومين بفروضك على أكمل وجه، أنت، يا أيتها اليهودية المؤمنة!
ثم قال، وهو يرفع إلى خصره سرواله:
- فكري في عشرة مخازن في شيكم، فكري فيها ليل نهار لتصبح جزءًا منك، وعندما تأتي الحرب، سيهون كل شيء، لأن الحلم الذي يشدك تريدين تحقيقه.
وقبل أن يغادر الدكان، طلب إلى المختار:
- سأحتاج إلى إمضائك عند القاضي، يا مختار عمران.
أجابه المختار موافقًا بعد أن أدخله في الحلم والموت:
- سأكون تحت أمرك وقتما تشاء.
التفت هارون إلى سارة، كانت ترتعد من الخوف، وهي غائبة عن نفسها، مما جعله ينادي عليها بصوت مرتفع:
- يا سارة!
سقطت سارة من جوف الخوف والحلم، وقالت بتعابير ضائعة:
- ستبقى في كل الأحوال حربًا قاسية، وأنا لهذا أمقتها!
قهقه هارون، وخرج.
وهو على بعد وجيز، سمعاه يصيح بأعلى صوته:
- الحرب! الحرب!
وقد تجمع أولاد القرية مرددين من ورائه:
- الحرب! الحرب! الحرب!

* * *

طلب ضابط المخفر الجديد، وهو شاب في الرابعة والعشرين، إلى محمود:
- خذ مكانًا.
تقدم محمود من كرسي قرب المكتب، وجلس. تأمل الضابط، كانت على كل من كتفيه نجمة واحدة، وكان له شارب كبير أحمر.
سأل الضابط، وهو يمسح شاربه:
- أنت محمود عبد النبي حسين؟
وخفض عينيه على ملف أمامه.
- نعم.
أضاف، وهو لم يزل يمسح شاربه:
- جميل!
وراح يقلب أوراق الملف، ومحمود يتابعه حذرًا. قال الضابط، وعيناه تقرآن في الأوراق:
- إنني حديث العهد هنا، كما ترى، وبودي لو نتعارف.
رفع محمود صوته:
- لقد جئت، يا سيدي، من أجل قضيتي التي...
لكن الضابط قاطعه:
- فيما بعد، فيما بعد، أترك هذا فيما بعد.
ثم سأل بلهجة عسكرية:
- ماذا عن القرية؟
عقد محمود بين حاجبيه، وتساءل:
- ماذا عن القرية؟!
مد الضابط يده على المكتب، وأوضح:
- أقصد، كيف الحال هنا؟
تململ محمود في جلسته:
- كيف تريده أن يكون، يا سيدي؟
قال الضابط ببرود:
- جميل!
ثم طوى الملف، وأردف منفعلاً:
- دميم، دميم جداً!
بقي محمود ينظر إليه بصمت.
أضاف الضابط، وهو يحاول التواضع:
- بل لنقل إن الحال هنا ليس بجيد على الإطلاق، وأنت (رفع سبابته في وجهه) بينك وبين نفسك أول من يرفض ذلك.
أراد محمود أن يتكلم، إلا أن الضابط لم يترك له المجال:
- إنه فساد وضع! (ثم عاد وصحح نفسه): بل لنقل فساد تطبيق!
راح يسحب، ويطلق، بعجلةٍ، أنفاسه، ثم استند إلى كرسيه، ووضع في فمه غليونًا له رأس ضخم، فظهر شاربه الأحمر كثيفًا ناعمًا فوق شفته العليا.
قال الضابط، وهو يشمخ بأنفه عاليًا:
- أما عن سائر الأمور، فأنا أعدك بتغييرها جميعًا (ثم همس كمن يفشي سرًّا): سأقلب الوضع.
أشعل غليونه، وخصلة حمراء من شعره الغزير قد سقطت على جبينه:
- وسأحتاج على التأكيد إلى بعض السواعد الفتية أمثالك.
كان محمود يستمع، كان محمود يستمع إلى ما لا نهاية، وكان محمود في جلسته ساكنًا، كان محمود في جلسته ساكنًا إلى ما لا نهاية، لا يستطيع بذل حركة واحدة.
قال الضابط:
- وكيف إذن ندعى برجال نظام وأمن؟ ليلفت انتباهك: نظام وأمن وليس أمنًا ونظامًا! إننا نعمل حتى في يوم السبت، حتى في اليوم المخصص للعبادة، وأنا رجل ثورة قبل أن أكون عسكريًّا!
فتح محمود فمه، وقال:
- إن ضابط المخفر الذي قبلك لم يكن يسمح حتى بـ ...
قاطعه الضابط بحركة من يده، مطمط شفتيه، ثم فتح فمه على سعته، ونفث الدخان، فصنع سدًّا دخانيًّا بينه وبين محمود، وما لبث أن قال متصنعًا الزهو:
- إنني ضابط المخفر الجديد!
وسقطت خصلة شعر أخرى على جبينه:
- كانوا يعطوننا دروسًا عن الديمقراطية في لندن.
نظر محمود إلى حذائه، وأحسه مشقوقًا في نعله. فطن الضابط إلى أنه يلبس زيه العسكري، فاعتدل في جلسته، وسأل بلهجة رسمية:
- يبدو لي أنك تحمل شهادة.
- الشهادة الابتدائية. كان لا بد لي من أن أعين أبي في هموم الأرض.
حك الضابط شاربه، وقال:
- جميل!
وكان غليونه قد انطفأ، فأشعله من جديد:
- وما هي مهنتك الحالية؟
قال محمود، وباطن قدمه يخرج من النعل:
- فلاح.
- الفلاحة ليست مهنة ثابتة في هذه الأيام.
ونفث الضابط غليونه:
- أنت تتقن الفلاحة إذن؟
- نعم.
- جميل!
- إنها مهنة أبي وجدي وجد جدي...
- وكم هو عمرك؟
وانحنى يفتش في الأوراق، فقال محمود:
- واحد وثلاثون.
- متزوج؟
- لا.
ألقى الضابط نظرة فاحصة في عيني محمود الفاحمتين، وراح يردد ببطء:
- جميل! جميل!
وفجأة، هتف:
- بودي لو نتعارف، نعم، أن نتعارف جيدًا.
وخفض صوته:
- أن نتعاون جيدًا أنا وأنت.
فتح محمود عينيه على سعتهما، وغرق منخذلاً في مقعده.
قال الضابط:
- إن هدفي هو تغيير الحال، تغيير الحال من سيء إلى أحسن، هذا كل ما هنالك.
قال محمود، وهو يزفر ضائقًا:
- سأخيب ظنك، يا سيدي.
فضرب الضابط المكتب بقبضته، وصاح:
- أنا من سيخيب ظنك، سأذبحك كالأرنب الأجرب، إن لم تتعاون معي، وهذا بعد أن أنتف شاربيك النسويين.
قال محمود:
- لقد جئت، يا سيدي، من أجل القضية المتعلقة بأرضي.
لكن الضابط ظل مشتعلاً بالغضب:
- أرضي! أرضي! ما لها أرضك؟ أبوك كان مديونًا لحكومة الانتداب، وأنت لا يمكنك تسديد ديونه، والحل الوحيد هو أن (( نسحب )) منك الأرض.
اكفهر وجه محمود، وأبيض جفناه، وفي الأخير نطق:
- أبي لم يكن مديونًا لحكومة الانتداب، ما هذا سوى اختراع من طرفكم، وهأنذا أخبركم، لقد أوقفت محاميًا، المحامي إياد سيرد لي حقوقي.
طقطق الضابط بلسانه، وقال بعد أن أطلق ضحكة متهكمة:
- المحامي أياد سيرد لك حقوقك من مؤخرتي!
وقف محمود محتجًّا:
- ولكن... سيدي الضابط...
والضابط لا يتوقف عن التهكم:
- نعم، سيرد لك حقوقك من مؤخرتي! قل له ليذهب إلى الإنكليز، إن استطاع، كي يحاسبهم.
فسارع محمود إلى باب الخروج.
وهو في ردهة المخفر، رأى الجنود الإسرائيليين، وهم يضربون المسلم ضربًا مبرحًا، وأحدهم يهدد:
- لن نقبل شكواك، لن نقبلها، وأنا ما سأفعله، سأمسح بها قفاي!
خلصه محمود من تحت عصيهم، وانطلق به إلى الأرض.

* * *

جرت صوفي من وراء فراشة، وتسلق عمار شجرة لوز، وراح يتأمل في أحد الأعشاش البيض الذي لم يفرخ بعد. راحت الفراشة تهرب من صوفي إلى ثغور الشقائق، وصوفي جذلة، تطلق صيحاتها العذاب، وعمار، في الأعلى، يحس بإصبعه أجنحة فرخ مزغب. تعثرت صوفي بالتربة الحمراء، وسقطت على طرف مملوء بالعشب. كان عمار قد رآها من الأعلى، وهو ينام على الغصن، فصاح بها:
- إياك أن تكسري ساقك!
رفعت صوفي إليه وجهًا مشرقًا، وقالت له، وهي تجمع قامتها، وتنهض:
- إنني أحب الربيع!
عادت تجري من وراء الفراشة، والفراشة ترفرف، وترفرف. بعد ذلك، اقتربت صوفي من شجرة اللوز، ورفعت رأسها إلى عمار، وشعرها الذهبي يتساقط كالشلال:
- لقد طال بقاؤك، هناك حتمًا ما يسرك!
كان عمار يكتف يديه من حول الغصن، ورأسه ينام قرب العش، وعيناه تلاحقان فرخًا جديدًا:
- هناك فرخ جديد، وأنا ألاحقه بعينيّ.
قالت صوفي:
- أهبط الآن، فالغابة لم تزل بعيدة.
لم تسمع من عمار جوابًا، فصاحت صوفي، وهي ترفع رأسها، وتهزه على دفعات، وشعرها الذهبي كالشمس ينثر الشعاع:
- إن لم تهبط صعدت إليك.
وراحت تمسك بيديها الصغيرتين أطراف الجذع، فرمى إليها نظرة حذرة، وطلب محذرًا:
- لا تفعلي، أنت مازلت صغيرة، وستنزلق قدمك!
لكنها قالت بعناد:
- أنا لست صغيرة كما تتصور!
رفعت قدمها إلى شق داخل القشرة، واندفعت إلى أعلى، فإذا بها تقف على الساق، فصاح عمار لهفًا:
- لا تصعدي، لا تصعدي!
وأم العصافير قد بدأت تحوم فوق رأسه.
قالت صوفي:
- أنت لا تريد الهبوط، وأنا أرغب مثلك في المشاهدة.
أخذ عمار يهبط الأغصان برشاقة، وعلى مقربة منها، قال:
- لا أريدك أن تعرضي نفسك للخطر، فالصعود ليس بالسهل.
قفز في لحظة واحدة، فإذا به يقف على الأرض، وعلى الساق، كانت صوفي.
- عليك أن تهبطي الآن.
انحنت صوفي، وتدلت بصعوبة. كان فستانها الوردي قد شبك بالغصن، وانكشف ساقها الأبيض الجميل. تطلع عمار إليها، فرأى كلسونها الأحمر. صاح بها:
- سآتي لأساعدك.
كانت صوفي تبحث بأصابع قدميها عن الشق في القشرة، وقبل أن يصل عمار إليها، احتضنت الجذع العريض، ثم أنزلت ساقها، ووطئت الأرض. راحت تنظر إلى عمار متباهية بما فعلت، وهي تضحك بطفولة. تأمل عمار ثغرها المفتر عن در منضد، لف كتفيها بذراعه، ومشى بها إلى قلب الغابة.
قال لها:
- أنت فتاة جريئة!
أخذت صوفي تضحك بعذوبة، ثم أفلتت منه، وراحت تجري من وراء فراشة. قفز عمار أمامها، وقال لها:
- عليك أن تمسكي بي، إنني طائر الربيع!
وراح يجري فوق العشب الأخضر، ويمضي بأشجار الورد، وصوفي تعدو من ورائه حتى دخلا حقل قمح، فصاحت به متسائلة:
- أين أنت؟
كانت سيقان القمح من الطول بحيث أخفت قامة عمار، وجرفت صوفي بين موج الذهب والضوء. عادت تصيح:
- أخرج أيها الأرنب!
وأخذت تبحث عنه، ثم قالت، وهي تجلس في النهاية:
- لقد تعبت! أخرج!
نامت على ظهرها، فصنعت من القمح مركبًا. برز صدرها الصغير، وبانت عيناها الزرقاوان كالسماء الصافية.
أقفلت صوفي عينيها، لتدفأ الشمس فيهما، وسبحت مع أحلامها. بعد لحظات، أحست بأصابع عمار تلمس جفنيها، وشفتيها، ففتحت عينيها، وقالت:
- أنت طائر شقي!
كان عمار يبتسم، وهو يتأمل وجهها المشتعل بالأنوثة المفاجئة، وكان عمار لا يعرف شيئًا عن الحب، فهو صغير بما فيه الكفاية، كان لا يعرف أنه يحب صوفي، وأن هذا إنما هو حب الرجال. انجذب اليها، وصارت أنوثتها من الشدة بحيث فجرت في جسده بعض البراعم، نام على ظهره قربها، وهو يلاطفها في خاصرتها، فقالت صوفي لعمار:
- يا له من نهار رائع!
لكن عمار لم يكن يفكر في هذا، كان يجري من وراء رجولته يريد أن يقبض عليها من العنق. قال عمار، وهو يحترق نارًا:
- عندما أكبر، يا صوفي، سأتزوج بك.
مالت صوفي برأسها ناحيته، والحرارة تنبثق من خاصرتها ومن خاصرته، مدت يدها، ومسحت له شعره، وقالت:
- وأنا أيضًا، عندما أكبر، يا عمار، سأتزوج بك.
اعتدلت جالسة، وعمار ينظر إلى شعرها، فيرى بعض التراب وبعض الحشائش.
قالت صوفي:
- سيكون أبي قد مات.
انتصب عمار على ركبتيه، وراح يعجن أصابعه في شعرها، وأصابعه ترق وتنعم وتصبح لها شفافية الشعاع.
- إن مات أبوك، أو لم يمت، فسأتزوجك عندما أكبر، وسنرزق بالأولاد.
ترقرقت على فمها الضحكات.
قال لها مشغوفًا بها:
- يا لها ضحكات نقية كماء النبع!
وجلس قبالتها، فقالت له صوفي:
- إنني أحب الفراشات كثيرًا، وأنا أحبك كما أحب الفراشات!
ارتمى عليها، وطبع على خدها شفتيه، وابتعد بسرعة، كان خائفًا، وقلبه يدق بعنف. وكانت صوفي تجلس قبالته، متفتحة على غير العادة، يانعة على غير العادة، وقد تفجر في عروقها شيء، وكان ذاك الشيء يجعلها تنبض وتنبض.
فجأة، سقطت صوفي في حيرة شديدة، وصارت لها أمائر النساء اللواتي مات أزواجهن في الحرب، اندفعت نحوه، وقبلته من شفتيه، لم يدم ذلك سوى بضع ثوان، خلته، وراحت تجري، وقد صنعته رجلاً بلحظة.
نهض عمار، وهو يحس أنه عمار آخر، جرى من ورائها بضع خطوات، لكنه توقف، وصاح بها:
- لا تبتعدي عني.
أتاها، وابتسامتها تشع وتشع، وقامتها الصغيرة يشتهي المرء قضمها كحبة التفاح. قالت صوفي، وهي تثني رأسها إلى جانب:
- هيا نذهب إلى الغابة!
لم يمسك عمار بالكلمات، كان يقاوم ألا ينتزع عنه ثوب رجولته، لكنه لم يفلح، عادت طفولتها تقفز كالفراشة بين يديه، فجذبها من يدها، وراحا يجريان.

* * *

وهما في قلب الغابة، توقف عمار، واقترب من شجرة صنوبر ضخمة. كانت أشجار الصنوبر كثيرة، وكذلك أشجار السنديان. وكانت السيقان متقاربة، تقف كالأعمدة، متساوية البعد. وفي ساق شجرة الصنوبر تلك كان كهف صغير، وقبل أن يمد عمار يده في جوفه، تطلع إلى صوفي، فقالت له متسائلة:
- ماذا هناك؟
كانت تخاف من الثعابين، وكان عمار قد مد يده في جوف الكهف، وأخرج كيسًا من الورق، فصاحت صوفي:
- ما هذا؟
جلس عمار على الأرض، وفتحه. أخرج منه ثلاث أرياش ملونة، ورفعها أمام عينيها.
سارعت صوفي إلى الارتماء قربه، وهي تطلق آهة التعجب والدهشة. حملت الأرياش الملونة إلى أنفها، وشمتها:
- آه، ما أعبقها! لم تزل فيها رائحة!
أخرج عمار بيضة صغيرة بقدر رأس العصفور، وقدمها لها، فتناولتها، وهي تنظر إليها بإعجاب، وتضم يد عمار بمودة. شقَّ عمار الكيس، فظهرت قطع صغيرة من الورق الملون، وأشكال هندسية من الزجاج الأصفر راحت تلمع مع خيط الضوء.
تناولت صوفي منه كل هداياه إليها، وقبل أن يمضيا في طريقهما من جديد، قالت له، والنور يشع من عينيها:
- سأحتفظ بها قرب سريري، وسأتأملها كل ليلة قبلما أنام.
وهما في الطريق، كانت صوفي تجس البيضة الصغيرة، وقد راودها سؤال حولها:
- وإذا ما كان فيها فرخ؟
أجابها عمار، وهو يضاعف خطاه:
- عليك أن تضعيها في مكان دافىء، فإذا ما كان فيها فرخ، خرج منها، وراح يغني.
حركت رأسها موافقة.
بعد قليل، قال لها عمار، وهو يسير بخطى حثيثة:
- نحن على وشك الوصول إلى السر.
كانا قد توغلا في الغابة، وأصبحا على مقربة من أطرافها ناحية الشمال. لم تجبه صوفي، كانت تضم إلى صدرها قطع الورق الملون والزجاج الأصفر والبيضة التي بقدر رأس العصفور والأرياش التي تفتح في وسطها عينٌ بديعة الألوان، وكانت تحاول أن تسير كعمار بكل ما أوتيت من عزم، تريد أن تسبق بخيالها نفسها، لتقف على السر. كانت صورة العرب الأشرار قد انتهت هناك، في رأسها، ولم يعد لها وجود. كانت لا تريد إلا السير الحثيث، والتوغل في الغابة حتى طرفها الآخر لينكشف لها السر.
سألت صوفي عمار، وأنفاسها تتلاحق بصعوبة من شدة التعب:
- أما زلنا بعيدين؟
- لم يبق إلا القليل.
أخذ عمار يلامس بيده أثناء عبوره سيقان الأشجار.
- إذا تعبت توقفنا بعض الوقت.
- تعبت، وأنا جائعة، لكنني لن أتوقف.
وشيئًا فشيئًا أخذ السير الحثيث للطفلين يضعف، ويتحول إلى تقدم أقرب إلى زحف السلاحف. تساقط العرق من جبينهما، وتساقطت ذراعاهما، فقالت صوفي:
- بدأت هذه تثقل.
وهي تشير إلى الأرياش والورق الملون والبيضة. سقطت منها قطعة زجاج أصفر، فانحنى عمار، وتناولها، ثم ما لبث أن طلب اليها:
- أعطني إياها.
حمل عنها كنزها، وبعد عدة خطوات، توقف، وسألها:
- ما لك؟
أجابته، وسطور تحزز جبينها:
- أنا خائفة!
ضحك عمار، وقال:
- لا تخافي، كوني شجاعة!
وسار، لكنها لم تلحق به. بقيت واقفة دون حراك، أخذت ترتعش من قمة الرأس إلى أخمص القدم، فقال عمار:
- إذا كنت لا تريدين أن تعرفي السر عدنا من حيث أتينا.
لم تجبه صوفي.
- ماذا قلت؟
وضع من يده كنزها، وجاء يمسح العرق عن جبينها، أحسها باردة، فعزم على الرجوع من حيث أتى.
- سنرجع من حيث أتينا.
حمل الكنز من جديد، وسار في طريق العودة، لكن صوفي بقيت واقفة في مكانها دون حراك. عاد والتفت إليها، وقد حيره أمرها، فقالت صوفي مصممة:
- أريد أن أعرف السر.
افتر ثغر عمار، وشدها سعيدًا من كتفيها، ثم قال، وهو يدفعها بلطف:
- هيا بنا إذن!
عادا إلى متابعة طريقهما، وهما يوغلان في الغابة، ناحية الشمال.

* * *

عندما ظهرت لعمار الدار المهجورة، جرى مندفعًا بقوة. توقف قبلها للحظات متبادلاً مع صوفي النظر، وعند الباب الموصد، وقف، وأدار بوجهه إليها، ثم صاح، وهي لم تزل تقف غير بعيد منه:
- إن السر في الداخل!
ضرب بيده عدة مرات على الباب، فأحدث في الداخل صدى. جرت صوفي إليه، ثم وقفت قبالته لاهثة، وهي تضم بيديها الأشياء. رفعت عينيها إلى أعلى الباب، باب ذهب دهانه، وفحصت النوافذ المغلقة. استدار عمار، وذهب من وراء الدار. كان من وراء الدار واد عميق، وطريق تصعد مع الجبل.
تبعته صوفي عن كثب، دون أن تجرؤ على التفوه ببنت شفة. كانت دهشة، متسائلة، تصبو بعفوية إلى المتابعة، وفي قلبها تحفز الطفل للمزيد. رأته يعمل قبضته على قبضان نافذة قريبة من الأرض، وطويلة تصل السقف، ورأته يطلع. كان ينقل يده وقدمه برشاقة، وهو يطلع، إلى أن صار على السطح. نظر إليها من فوق، فوجدها كشتلة الصنوبر تقف معقودة على الأرض. طلب إليها قبل أن يغيب في الأعلى:
- اذهبي وانتظريني قرب الباب ريثما أفتحه لك من الداخل.
لكنها وضعت الأشياء قرب الحائط، وقلبها يدق. رفعت قدمها لتضعها في مربع الحديد، وتسلقت مثله قضبان النافذة إلى منتصفها، وراحت تصيح:
- أنا لا أقدر، يا عمار، ساعدني!
نزل عمار إلى منتصف القضبان، ومد لها يده:
- الصعود من هنا صعب، لماذا لا تريدين انتظاري عند الباب، إنه لا يفتح إلا من الداخل.
وقبل أن تواصل الصعود ترددت بعض الشيء، كان قلبها يدق بقوة، أعطته يدها، فجذبها، وراح يرفع قدمه، وهي تتبعه حتى صارا في الأعلى. عندما وضعت صوفي قدمها على السطح، ارتمت على أرضه، وشدت بذراعيها من حولها، وهي تنحني لألم شديد في خاصرتها. كان عمار قد جرى حتى وسط السطح، وتوقف قرب طاقة من زجاج. التفت إلى صوفي، فرآها تلقي نظرة على المكان الذي صعدت منه، وبينها وبين نفسها ليست مصدقة: (( أصعدت كل هذا العلو؟! )) ومع ذلك، لم يكن بالعلو الشاهق! صفَّر عمار لها، وهو يضع إصبعين في فمه، فجرت اليه، وسألته عن الطاقة المزججة: ما هذه؟ أجاب، وروح المغامرة تجرفه من أعماق قلبه:
- من هنا سنهبط.
صاحت صوفي بخشية وخوف:
- أنا لن أهبط من هنا! أنا خائفة وضعيفة!
جرَّ عمار زجاج الطاقة، فانفتح، وتدلى برأسه، غاب برأسه قليلاً، وصوفي إلى جانبه حزمة ارتباك وحيرة، ثم رفع رأسه، وقال بعد أن قطع قراره:
- سأنزل، وسأجلب ما يساعدك على النزول.
وبثانية واحدة، تدلى عمار، وسمعت صوفي صوت السقطة، فقف شعر رأسها، وعاد قلبها يدق بقوة، ويدق. عندما ألقت نظرة من الطاقة، تساقط شعرها على وجهها، ودخل في عينيها، ولم تر شيئًا.
بعد مضي بعض الوقت، رأت رأس عمار يطل من الطاقة، وهو يقف على سلم ذي ساقين، فصاحت من الخوف.
ابتسم لها عمار، ومد لها يده قائلاً:
- لا تخافي، تعالي!
ملأت ابتسامته قلبها بالثقة، لكنه لم يتوقف عن الدق بقوة. حثها على الاقتراب منه، فوضعت قدمها على رأس السلم ذي الساقين، وما زال قلبها يدق بقوة، ويدق، وعندما رفعت قدمها عن أول درجة من السلم إلى الأرض، فتحت عينيها على سعتهما، وقد ذهب عنها خوفها، وحط في قلبها اطمئنان كبير. دارت صوفي بعينيها في المكان، وعمار يراقب حركاتها، وعندما اصطدم نظرها بنظره، صاح بها:
- كل هذا لك!
كانت على الجدران رفوف، وفي الأرض أكوام، وعلى مد النظر، في الممر الطويل، المفتوح عليه باب، وفي كل جانب، معلبات أغذية محفوظة. وكانت صناديق مملوءة بزجاجات النبيذ، وفي ناحية خبز يابس كالحجر. ضرب عمار بيده عليه، فتفتت إلى مليون قطعة صغيرة. وجد في جرار الطاولة القصيرة مفتاح العلب، تناول واحدة، وفتحها، بينما اقتربت صوفي تنظر إلى يده التي تتحرك بسرعة مع المفتاح إلى أن أزاح الغطاء، فبانت أعناق فاصوليا بالحساء وقطعة لحم كبيرة، مما جعلها تسارع بحمل علبة أخرى فتحها لها عمار بكل سرور. جلسا في زاوية، كوّم كل واحد رأسه في فتحة العلبة الصغيرة، وراحا بنهم يأكلان.
أنهى عمار علبته، ولم يزل يشعر بالجوع. نهض، واختفى من وراء جبل من العلب. طال غيابه، حتى أن صوفي قد توقفت عن الأكل مفتقدة إياه. لكن عمار ما لبث أن عاد، وهو يحمل على صدره عددًا من العلب، وبعض الخبز اليابس، وتحت ذقنه زجاجة كوكا كولا كبيرة. وضع ما جلبه عند قدمي صوفي، وهي تأخذ من تحت ذقنه الزجاجة، وبدأ يفتح العلب: فتح علبة لحم، وناولها إياها:
- هذا لحم خنزير، وهو فاخر، لقد أكلت منه المرة الماضية، كلي.
فتح علبة أخرى، وهو يتابع:
- إنه محرم علينا، ولكن لا بأس في ذلك، فهو لذيذ الطعم!
مدت أصابعها، تناولت قطعة، ووضعتها في فمها.
- أهو لذيذ؟ إنه لذيذ ما في شك!
هزت رأسها، وهي تمضغ بشهية.
وضع أمامها علبة سمك من نوع (( الفيليت ))، فبانت في العلبة شرائح بيضاء عريضة. قبل أن يفتح علبة أخرى، رفع علبة السمك إلى أنفه، وشمها بقوة، وهو يذكر اسم الله.
فتح علبة ملأى بسلطة الرز، فكمش منه بيده، ووضع في فمه. تناول قطعة سمك، ودفعها في طرف من فمه، وفي الطرف الآخر دفع قطعة لحم، أتبعها بقطعة خبز يابسة، راح يكسرها بأسنانه القوية.
كانت العلبة الرابعة الخامسة والسادسة التي فتحها كلها ملأى بالفواكه المنقوعة بالسكر، فأخذا يلتهمانها ويشربان الكوكا كولا، وصوفي ترمي عمار بالضحكات، وعمار يرمي صوفي بالضحكات. عندما امتلأت كرشاهما، مدت صوفي يدها إلى علبة من العلب الموجودة، فتناول عمار المفتاح كي يفتحها لكنه قرأ على الورقة الملصوقة ما جعله يمتنع عن فتحها:
- ما زلت تجهلين القراءة والكتابة!
سألته:
- لماذا؟
قال، وهو يعيد العلبة إلى مكانها:
- هذه بيرة!
وتابع:
- شراب يفقد العقل!
نهض، وراح يجمع البقايا والعلب الفارغة. كانت صوفي قد اعتادت على المكان، ولم تعد تفكر في الخروج:
- من أين تريد أن تلقيها؟
- من بيت الماء.
واتجه إلى الباب المؤدي إلى المعبر:
- تعالي اذا أردت أن تلقي نظرة.
كانت على طرفي المعبر بعض الأبواب المفتوحة، وهناك حجرات فارغة، تقف جدرانها في الهواء. وكانت صوفي تنظر، وهي لا تنبس ببنت شقة، وقد عاودها القلق من جديد. وفي نهاية المعبر، كانت حجرة صغيرة مربعة، في وسطها يقعد المرحاض. وقف عمار عليه، وفتح نافذة صغيرة، ألقى منها بالبقايا، فسمعا صوت العلب الفارغة، وهي تتدحرج في الوادي. أقفل عمار النافذة الصغيرة، فطلبت منه صوفي أن يذهب، وعندما ذهب، أقفلت عليها باب بيت الماء، وسمع عمار، وهو يبتعد، صوت سيل صغير، فابتسم.
اكتشف عمار بابًا ضيقًا في الحجرة التي كانوا يستعملونها مطبخًا، كان الباب الضيق يقبع من وراء المدخنة، اقترب منه، وفتحه، ولكنه عاد وأغلقه بسرعة، فقد رأى مجموعة من العناكب وأنسجة ودغامًا. كانت هناك ظلمة شديدة، ورائحة نافذة، وأحطاب.
وهو يخرج من باب المطبخ، كانت صوفي قد انتهت، فقال لها:
- هل سكرت الباب؟
- نعم.
كان صوت الماء يجري في طرادة الماء.
عاد وسألها:
- هل نذهب؟
قالت:
- بعد قليل، فأنا لم أتجول بعد.
تجول معها في الدار غرفة غرفة، وفي النهاية، قال لها:
- لقد نسوا أن يأخذوا المؤونة.
- حسناً فعلوا! لنأتي هنا من وقت إلى آخر (وسألته): هل سنأتي هنا من وقت إلى آخر؟
لم يجبها في الحال، صعد على السلم ذي الساقين، أغلق الطاقة المزججة، وهبط. قال لها، وهو يحاول إزاحة السلم:
- نعم، سنأتي. سيمضي وقت طويل قبل أن ينتهي كل هذا.
أزاح السلم، وأسنده على رف كما كان في السابق.
سألت صوفي:
- وكيف سنخرج؟
فأشار عمار إلى الباب.
- من هنا.
قالت بدهشة:
- من هنا! كيف؟
وراحت تدفع الباب بيدها:
- إنه موصد!
وضع عمار في سترته بعض العلب:
- انتظري قليلاً، وسأفتحه لك بكل سهولة.
قالت موبخة:
- ولماذا جعلتنا ندخل من السطح؟
أجابها، وقد انتفخ بطنه بالعلب، وغدا كالحامل في شهرها التاسع:
- إنه يفتح فقط من الداخل. طلبت إليك الانتظار ريثما أفتحه لك، لكنك لم تستمعي إلي.
وبينما كان يقف على رؤوس أصابعه، يقاوم القفل الصدئ، وصلهما صوت سيارة تقف على مقربة من الدار، فارتعدت فرائصهما، والتفت عمار إلى صوفي مشدوهًا:
- هناك من هو قادم!
حط عمار عينه في فجوة القفل، فرأى جنديًا يحمل السلاح قد هبط من سيارة نصف شحن عسكرية متجهاً نحوهما.
رمى عمار العلب من سترته، وهب بصوفي طالبًا:
- هيا نختبىء!
وسارعا بالذهاب إلى المطبخ، دخلا في حجرة الأحطاب الشديدة السواد، فهربت العناكب فزعة، ضمت صوفي نفسها على ذراعه، وهي تلاصق خدها بصدره، وفرائصها ترتعد من شدة الخوف، ومن عينيها يسيل الدمع. حط الجندي سلاحه فوق هرم من العلب، وبدأ ينقل بعض الصناديق، ويضعها في نصف الشاحنة.
بعد مضي بعض الوقت، قال له السائق:
- هذا يكفي!
فحدجه الجندي، والعرق يتصبب من جبينه. عاد يحضر صندوقًا آخر، وآخر، وهو يهم بجلب المزيد. صاح به السائق متأففًا:
- هذا يكفي، يا عسكري، هذا يكفي!
كانت على كتف السائق (( شريطة ))، ومع ذلك، لم يستمع الجندي إليه، استدار معطيًا إياه ظهره، وذهب لإحضار صندوق آخر. أشعل السائق محرك السيارة، وصاح:
- قلت هذا يكفي، هذا يكفي، وإذا لا تريد الانصياع لأمري، فأنا ذاهب، وسأشكوك للضابط!
التفت الجندي إليه، وقال ببرود:
- أريد أن أبول.
أطفأ السائق محرك السيارة، وقال بلا سعادة:
- اضرط بسرعة، ولا تنس أن تحضر سلاحك!
والجندي يمر بالزاوية التي كان عمار وصوفي يجلسان فيها، رأى على الأرض مفتاح العلب، فتناوله بيده. كان ذراع المفتاح مزيتًا، حتى أنه زلق بين أصابعه. رفعه إلى أنفه، وشمه. تلفت من حوله متفحصًا، وهو يلامس عن غير قصد شعر رأسه، ثم ما لبث أن تناول علبة بيرة، شقها من طرفها، وصبها في فمه. مسح شفتيه بكمه، وعاد يتأمل المفتاح من جديد، وفي النهاية، ألقاه وهو يرفع كتفيه دون اهتمام. كان عمار وصوفي قد تركا المخبأ بعد أن طال انتظارهما هناك، وبينما هما على وشك الخروج، سمعا خطوات الجندي تقترب، فذهبا إلى الاختفاء بسرعة من وراء الباب. رأياه من الشق، وهو يدخل المرحاض، وصوفي تتعلق بذراع عمار، وقد سوّد الدغام وجهها الجميل وخيوط العناكب.
همست في أذن عمار، وقد عادت دموعها تجري على خديها:
- أريد أن أخرج من هنا، أريد أن أخرج.
كانت دموعها تجري، وتصنع على خديها دروبًا معتمة، وكانا يصغيان بكل ما أوتيا من صبر على الإصغاء، كانا ينصتان بكل جارحة، والواحد يعد على الآخر أنفاسه واحدًا واحدًا. وما لبثا أن استمعا إلى صوت مختنق وغليظ ينفجر في المرحاض محدثا فقعة غير متوقعة، تلتها تنهدات متلاحقة. توقفت دموع الطفلة، وأخذت تضحك. كتم عمار بأصابعه فمها، وهو يمنع نفسه عن الصياح، وكان يبتسم لها وعيناه قد تلونتا، وصوفي بقيت تضحك، وتضحك، وصوفي أخذت تضحك، وتبكي.
جرى الماء في الطرادة، وانفتح الباب، ثم انقفل، واستمعا إلى خطوات مسرعة، ومخطة في منديل. وبعد ذلك، وصل إليهما ارتطام الباب الخارجي، وحركة المفتاح العجلة، فرفع عمار عن فمها يده بينما سقطت صوفي على الأرض، وهي تضحك، وتضحك. جرى عمار في المعبر، وتطلع من فجوة القفل، فشاهد السيارة العسكرية، وهي تذهب. ناداها، بعد أن عاد إليه اطمئنانه، فهرولت، وهي ما زالت تضحك، وتضحك. رددت:
- لن أنسى ذلك! لن أنسى ذلك!
انحنت على المغسلة، وراحت تغسل وجهها، وعمار يسأل:
- ألن تأتي إلى هنا مرة أخرى؟
مسحت صوفي الماء عن وجهها بطرف فستانها، وقالت:
- لن آتي.
قال عمار:
- وأنا أيضًا، لن أتي، لقد وضح لي السر تمامًا.
قالت له، وهي تمد يدها إلى شعره، مزيلة بعض الأنسجة:
- إنه مكان خطر، دعنا نذهب بسرعة!
عاد عمار يضع بعض العلب في صدره، حملها اثنتين، اقترب من الباب، وعرك القفل، فانفتح. في الخارج، صاحت صوفي:
- الآن أشم الهواء من جديد.
كان عمار يفكر في الحرية.

* * *

من فوق الجبل المقابل، دوت طلقة رصاص، فانتبه الطفلان، وصلبا رأسيهما باتجاهها. كان هناك في الخندق المحفور جندي يضع على عينيه منظارًا، وهو يتابع، في ناحية الشرق، طائر الحجل الذي راح يصفق جناحيه بعجز، والذي جمد جناحاه في الأخير، وسقط على الأسلاك. أنزل الجندي عن عينيه المنظار، وتطلع إلى زميله، وهو يبتسم بنشوة، فقال له هذا الأخير:
- يبقى أن تذهب وتحضره باعتبارك الصائد.
وكان للجندي حامل المنظار رأس مدور لم يمض وقت طويل على حلاقته، وله وجه عريض أحمر يتدفق فيه الدم. قال له:
- إنني أتسلى، هذا كل ما هنالك!
وضع منظاره جانبًا، ورفع بندقيته نافخًا على فوهتها والدخان لم يزل يتصاعد منها.
قال له زميله:
- تدفعني إلى التفكير في أنك صياد ليس له معنى.
التفت إليه بوجهه العريض النابت اللحية، دون أن تمحي عن فمه بسمته المائعة المنتشاة. وهو على الرغم من وجوده في خندق، ومن تعفر ثيابه وذقنه وحاجبيه بالتراب، كان يبدو شديد البأس، ذا طاقة لا تنفد... ولم يتوقف الآخر عن حدجه بعينيه:
- فليس في صيدها شجاعة.
عاد الجندي إلى القول، وهو يعلق على كتفه السلاح:
- قلت لك إنني فقط أتسلى.
جلس زميله، استند إلى جدار الخندق، ووضع يديه خلف رأسه.
- أنت تخشى أن يصطادك العرب إذا ما ذهبت لإحضاره.
كانت بسمة الجندي صائد الطائر لا تتأثر بالشمس، وعندما رفع رأسه إليها، رآها تميل متجهة نحو الغرب.
- ليس في الطرف الآخر أحد.
رغب الجندي الآخر في استفزازه، فمد قدميه حتى لامستا ركبتيه، وقال بتهكم:
- لا حاجة بي إلى التكرار، أنت لست بالصياد والشجاع، وصياد لا معنى له.
اختفت بسمة الجندي، وراح ينبر:
- لو كان في الطرف الآخر أحد لما أضعتها سدى رصاصاتي!
أشار إلى الأرض الحجرية، والسهل المجدب، ثم أضاف بحماس:
- العرب القذرون يختبئون في بيوتهم!
انبثق فجأة العرق من جبينه، وراح يمسحه بيده، وهو يرمق قرص الشمس، وقرص الشمس لا يتوقف لحظة واحدة عن التراجع المحرق.
وضع زميله خوذته فوق عينيه، وأغفى، فحط سكون ثقيل في المنطقة. حمل الجندي منظاره، وراح ينظر بين أغصان الشجر وفوق أعناقها. وفجأة، حط طائر أسود على إحداها، فصوب نحوه بندقيته بسرعة، وإذا به ينفتل محلقًا، وهو ينعق، في علو شاهق، والجندي يتابعه، ويثني رأسه.
ضربه بقدمه، ففتح عينيه. قال له بازدراء:
- هذا الغراب لك!
لكنه لم يبال به، عاد وأغمض عينيه من جديد، وهو ينفخ لشدة الحرارة. حمل الجندي بندقيته بأناقة، وصوفي وعمار في الوادي يقطفان زهرة (( الكلب ))، ويصنعان منها باقة. كانت صوفي قد قطفت قبل ذلك باقة أقحوان وضعتها قرب ريشها وورقها وزجاجها الملون، وغطت بها البيضة التي لم تفرخ. وكان الجندي يفغر فمه عن ابتسامة واسعة، وهو يصوب بندقيته إلى قلب الغراب الذي يحلق، ويحلق. نظر عمار إلى قمة الجبل، وهو يفكر: (( لقد خرجت الطلقة من هناك! )) ثم التفت إلى الشمس، وهو يقفل عينيه. واستمر الطائر يحلق، ويصنع دوائر في الجو، والجندي يتابعه من العين السحرية مصوبًا السلاح إلى قلبه، وصوفي قد نسيت أنها سمعت طلقة رصاص منذ قليل، وأن هذا المكان خطر بما فيه الكفاية. كانت قد أسرت قلبها زهرات الكلب ولون الحشيش ونثار الشمس والهواء النقي ومنظر الجبل الشامخ القابع في الخلف. وكانت هناك عصافير صغيرة ترفرف من حولها، وهي تشدو. شدها ولع غريب بالأرض، وفكرت أنها تعبد الطبيعة، فراحت تجري فوق الحشائش كأنها طير غرد. سحرت عمار، فراح يتأملها والعصافير من حولها ترفرف، وتغني على سجيتها بسعادة. راحت صوفي تغني هي الأخرى على سجيتها بسعادة، فالتفت عمار إليها لما سمع صوتها العذب، والجندي لم يزل يسعى إلى قلب الطائر الأسود. رفعت صوفي رأسها إلى السماء، وراحت ترفع من غنائها ليسمعها الله. كانت صوفي ملاكًا وعمار غزالاً، والجندي عدسة تلاحق قلب الطائر، وكانت أغنية صوفي تقول:
(( غدًا عندما تولد الأفراخ... ))
والجندي يتابع الطائر المحلق في الأعالي، وعمار يصغي إلى الغناء الشجي، وصوفي تضم الباقة إلى قلبها، وتغني:
(( وتخضرّ الروابي ومراعي الأنبياء... ))
وصوفي تقبل الباقة في يدها، وقد مال عليها عمار، وشكّل شعرها بزهرة، ثم قعد على الأرض، وهو يتأملها بغبطة، وقلبه يخفق، ويخفق، وقلب الجندي يخفق، ويخفق، وجناح الطائر يخفق، ويخفق، وكلمات الأغنية التي تقول:
(( سيبحر الأطفال على مراكب الضوء، وسأصنع للفراشات من قلبي بحيرة... ))
وقلب صوفي يخفق، ويخفق، والزهيرات افي يدها تتفتق، وتتفتق.
(( ومن شعري الخمائل، ومن شعري ملاعب للمساء... ))
(( غداً عندما أغدو طفلة كبيرة... ))
وراحت صوفي تردد: (( غدًا عندما أغدو طفلة كبيرة... ))، فنهض عمار، وأملس بيده وجنتها، فابتسمت له بمحبة، وعاد يقطف الزهيرات الصفر التي لها وجه الشمس، وقد بدأت الشمس تصلي له جبينه. سال العرق في عينيه، فرفع يده، ومسحه بعصبية، والطائر يقترب من فوقه، والطائر يحلق مبتغيًا حتفه، وصوفي تصدح صداحًا متصاديًا بين الروابي، والزغزغة في كل مكان، وفي القلب: أطلق! فدوى الرصاص في الفضاء، وسقط الزهر من يد صوفي منتثرًا، اندفعت مرتعدة، وارتمت على صدر عمار، فضمها عمار بقوة، وهو ينظر بحقد إلى القمة. كان الغراب قد نعق، وتهاوى، والجندي الآخر قد قفز راميًا خوذته من فوق عينيه:
- أيها الشيطان الأكبر!
وقاتل الطائر قد انفجر مقهقهًا:
- لا تقل لي صياد لا معنى له!
والطائر قد سقط في ناحية الغرب، فأقعدها عمار، وراح يجري بين الأشجار التي على السفح المقابل:
سأله الجندي:
- هل هو الغراب؟
قال:
- نعم.
وأوضح:
- هناك الكثير منه في الفيتنام، وأنا أحذق إصابته في القلب.
حدجه الجندي الآخر، وهو يلقي عليه نظرات الاستصغار.
رفع قاتل الطائر منظاره، وقال:
- أيجدر بي أن أذكرك؟ إنني يهودي أمريكي، وقد جئت لأسند ظهركم بقضيبي!
أخذ عمار يبحث عن الطائر، والجندي عاد بمنظاره يبحث هو أيضًا عن الطائر. عند تلك اللحظة وقفت عربة عسكرية، فوضع الجندي منظاره، بينما راح الآخر يهمهم:
- ستقول أسند ظهركم بقضيبي لما يتوقفون عن إطعامك!
أحضر لهما جندي، من العربة العسكرية، صينية ملأى بالطعام، بوجه مقطب، وشفتين متراخيتين. وهو يذهب، صاح به قاتل الطائر:
- هيه! يا عسكري؟
التفت الجندي إليه.
- لماذا لم تلق التحية على الدواب؟
لكنه لم يعره التفاتًا، ركب خلف العربة، وأغلق ظهرها. طلب إليه الآخر:
- دعه، وشأنه.
- إنهم يسمنون لهم أفخاذهم، بينما من الواجب أن يعلموهم بعض اللياقة.
سمعا السيارة، وهي تبتعد.
- يمكن أن يكون أخرس!
عاد قاتل الطائر ينظر من منظاره، وقد انحنى باهتمام إلى الأمام، ثم ما لبث أن أرخى شفته السفلى، ورسم ابتسامته المائعة المستفزة. كان قد رأى عمار، وهو يحمل الطائر، ويعود مخترقًا الأشجار، بينما الجندي الآخر يفحص وجبة الطعام:
- هناك حساء ولحم وعلبتا بيرة وخبز.
انتظر تعليقًا منه دون فائدة، فصاح به حانقًا، وهو يهز إصبعًا مهددةً في وجهه:
- يجدر بي أن أحطمه لك! هذا المنظار!
- إنني أتابع الطائر (ثم أضاف دون أن تنتهي بسمته المائعة): يخيل إلي أني لم أصرعه تمامًا.
ضحك الجندي الآخر:
- لقد شمرت عن عضلاتك منذ قليل!
توتر قاتل الطائر، وضبط قلبه لا كما العادة. كان على وشك أن يفلت من يديه: (( الأرنب البري! )) وقد نفد صبر الجندي الآخر:
- أجبني، هيا أجبني!
زجره قاتل الطائر:
- اخرس، يا لك من قذر! قلت لك اخرس!
- إذا بقيت مع منظارك، راحت عليك حصتك، وسأشرب علبة البيرة التي لك، فأنا لا تكفيني علبة واحدة على الأكل، خصوصًا، والطقس حار.
كان عمار قد وصل إلى صوفي، وأعطاها الطائر القتيل، فحملته، ومسحت جرحه. اهتز المنظار بين الأصابع الفولاذية على منظرهما طربًا:
- أنا أيضًا بحاجة إلى العلبتين، علبتي وعلبتك (ثم أردف بسرعة): سأشتريها منك، نعم، إنني أشتريها.
وضع زميله حرف الصحن على فمه، وراح يكرع الحساء دون توقف، ثم حط الصحن فارغًا:
- أنتم الأمريكيين منفوخون غرورًا، ويومًا ما، سأنفّسكم بيدي هاتين!
وقبل أن تصل يده إلى علبتي البيرة، اختطفهما قاتل الطائر، وشدهما إلى صدره:
- قلت لك سأشتري علبتك، أو، أبيعك علبتي إذا كنت مصممًا على شرائها.
سأله بتحدٍ:
- كم تريد؟
مد له المنظار.
قال، وفي عينيه غيم قاتم:
- انظر في الوادي.
والجندي الآخر يأخذ من يده المنظار راح يقول:
- لكنه وادينا؟
بينما أخذ قاتل الطائر بإلحاح يكرر:
- انظر جيدًا، انظر جيدًا!
رأى الجندي الآخر الطفلين: عمار يفتح جناحي الطائر، ويرفعه إلى أعلى، وصوفي تجمع الزهيرات المتناثرة، وتعيد تشكيل الباقة.
قال بحذر: ولكن هذين طفلان!
تناول قاتل الطائر من يده المنظار، وقد تفجر البرق الأسود في عينيه:
- إنهما الثمن!
وراح يقهقه، فانقبضت عروق صاحبه.
- لنر إذا كنت أنت صيادًا ذا معنى!
دون أن يحيد عنه النظر.
- أما اذا كنت عاجزًا، فسأهبك علبتي هكذا... مجانًا بكل سرور.
جعله أعمى بالتحدي، صار يحقد على اليهودي الأمريكي من أعماق قلبه، دفع بندقيته على كتفه، وأراد أن يتوجه بفوهتها إلى صدره، لكنه عدل عن ذلك، فلم ينته بعد تحديه له! هبط ملاصقًا حافة الخندق، كان يفكر: (( إنه يكن الكره للأمريكيين كلهم على حد سواء! )) رأى في العدسة الصغيرة الطفلين كحشرتين. أراد أن يظهر له براعته، أن يعرّفه بأنه ليس جندياً سهلاً. قال: (( أريد أن أصطادهما معًا وبطلقة واحدة )). لكن عمار كان في جانب يلعب بالطائر، وصوفي في جانب تجمع الأزهار. أخيرًا، قرر أن يرميهما برصاصتين متتاليتين. وضع إصبعه على الزناد، دون أن يتحدد هدفه بعد في وسط عدسة العين تمامًا. جمع اليهودي الأمريكي علبتي البيرة على صدره، وامتدت بسمته المائعة إلى أقصاها، والآخر يركز هدفه دون أن يحس بالخفق في صدره. كان في رأسه هذا الترداد: (( رشقة عاجلة، رشقة حاسمة، وينتهي الأمر! )) عادت صوفي إلى الغناء بعد أن جمعت أزهارها، وقبّلتها، وعمار لم يزل يلعب بالطائر، وهو يفرد جناحيه، ظانًّا منه أنه بذلك يعيد له الحياة، والجندي يفكر: (( رشقة عاجلة، رشقة حاسمة، وتسيل بيضاته من القهر! رشقة متتالية مرتين! )) وأطلق، فطارت بعض الطيور، وأطلق من جديد، فصرخت بعض الطيور. رفع رأسًا مشعثًا إلى قاتل الطائر، وهو يلهث. مد يده، وانتزع منه علبتي البيرة.
كان قد رأى بمنظاره عمار، وقد قفز في الهواء، قبل أن يسقط غارسًا رأسه في الأرض، والطائر مشدود على صدره، وكان قد رأى صوفي، وهي تنكسر على نفسها كساق زهرة، وكيف انتثرت باقتها في كل مكان. لقد تابع سقوط الطائرين، وهما يغيبان من وراء التل، ثم ما لبث أن وضع المنظار جانبًا، دون أن تتلاشى بسمته المائعة. رأى كيف كان الجفاف يحفر شفتيه، وكيف كانت صحراء من الظمأ تئن بين أسنانه، رغم أن الشراب قد تدفق في فمه.

















6
توقف بعض الخارجين من المقهى حذرين، وهم يخلون الطريق للسيارة العسكرية المسرعة. كانت أضواؤها في الليل تمر على الوجوه، فيبدو بعضها مشدودًا، والآخر متهدلاً. وما لبث بعضهم أن راح يعدو من ورائها، فقد رأوها تبطئ في الساحة العامة، وكانت بعض النسوة قد وقفن على الشبابيك، ولم يعد مذياع المقهى يسمع من هناك.
كانت السيارة العسكرية قد توقفت بضع لحظات، الوقت الذي ألقى فيه أحد الجنود بالطفلين القتيلين، ثم تابعت طريقها، وهي تسابق الريح، حتى ذهب زئيرها.
صوتت امرأة على مرأى الدم الذي انفجر ملوثًا وجه عمار، لكن وجه عمار كان يبتسم تحت مصباح العمود، وكانت صوفي قد انقلبت على بطنها، ولم تر المرأة جروحها، كانت ساقها قد ثُنيت، وأصابعها قد فُتحت على عمار.
بدأت الساحة العامة تتحول شيئًا فشيئًا إلى خلية نحل، وقد توارد أهل القرية من كل أرجائها، وهم يصنعون دائرة حول الطفلين. كانت وجوههم رغم الليل تجلو بنقمتها، وأسراب النحل تعلو بطنينها، وكلما ألقى أحدهم نظرة على المجزرة شُلت حركاته، وتضاعفت في نفسه مشاعر الغضب والأسى على الطفلين.
هذا ولم يكن أحدهم يجرؤ على لمسمهما، فكل واحد منهم راح يحسب على نفسه أقل فعل، وعلى الخصوص، في أمر خطر مثل ذاك. كان الجميع متآزرين ضمنًا ضد مرتكب الجرم، ودون أن يدعوهم أحد إلى ذلك. كانت تشدهم النقمة، وكانت هذه وحدها هي التي توحدهم دون أقل جهد. بعثوا برسول إلى والدي الطفلين، وبمن يبلغ ضابط المخفر الخبر، وها هم الآن في انتظار حضورهما للقيام بما يمكن فعله. أحضر بعضهم مصابيح الكاز، وعلقها على عصى طويلة، وبعضهم الآخر لم يكتف بذلك، فأوقد المشاعل. أخذت جذواتها تتلاعب فوق الرؤوس، وكأن الوقت عيد، إلا أن نجمة واحدة لم تنزل عتبة السماء، وكان الليل شديدًا.
من قلب الصمت والذهول، صعد صوت حانق يقول:
- وماذا ترانا ننتظر؟
كان الصوت لأم شعبان التي هرعت في ثوب الدار، وانفجر الصوت الجاف القاسي يستحثهم على عمل شيء:
- إنني أرى الوقت وقت نساء، فهذه الرجال جيف موتى!
أحدثت كلماتها ضجة، فصاح إميل من طرف:
- الحمد لله الذي ثبت ذلك على الجميع!
إذ لما قتلوا ابنته، ولم يفعل إميل ما يرد عليه شرفه وكرامته، أطلقوا عليه اسم الجيفة!
قالت له أم شعبان محتدة:
- إذن افعل شيئًا أيها الضرغام!
سارع إميل إلى الإمساك برسن حمار يجر من ورائه عربة، واقترب من الطفلين السابحين في بركة الدم. قال، والعرق يتفصد من جبينه، وعظمة خده الهزيل تضوي تحت المشاعل:
- سآخذ الطفلة إلى ذويها، أما الطفل، فلتروا ما يمكن فعله من أجله.
صاح هارون:
- اتركوا الطفل لي.
انحنى على عمار، وحمله، فتساقط بين ذراعيه كالعجين.
نبرت سارة:
- أحدكم لا يعرف من فعل هذا؟
التفت بعضهم إليها بوجه مكفهر دون أن يفوه بكلمة، فضربت على كتف أقربهم منها:
- مَنْ الذي قتل الطفلين؟
أجابها الرجل بعصبية:
- كأنك لا تعرفين مَنْ!
صاحت سارة:
- يا لهم من أنذال!
قالت أم شعبان لإميل الذي ملأت وجهه الهموم والتجاعيد:
- رد بالك على رأس الطفلة!
لحقت بهارون بعض المشاعل، وهارون يشعر بنفسه مثل بطل خارج من الأسطورة، ولم يكن لينتهي صدى الحرب المطن في رأسه!
صاحت سارة من وراء هارون:
- ها هي حربك، يا هارون!
وراحت تضحك كالمجنونة، والبعض على مقربة منها يقفون، وهم يتطلعون إليها بعيونهم المرتابة.
أخذت سارة تدمدم:
- إنهم يقتلون العرب واليهود! إنهم يقتلوننا جميعًا!
وسمعوها تبكي.
صاح إميل في الجمع الذي يقف حول العربة:
- افتحوا لنا الطريق.
كانت أم شعبان تجلس في العربة، ورأس الطفلة في حضنها، وقد بان لحم بطنها المتمزق. وما أن ساط إميل الدابة حتى سمعوا ضجة في الجهة التي ذهب منها هارون، فأوقف إميل العربة، وهو يشد الرسن، وشاهد أم عمار جاثمة على الأرض، وهي تحتضن ابنها، وتذبح شفتيها على عنقه، وسمعوها تبكي.
همهمت أم شعبان:
- إنه يوم القيامة!
جاء شرطيان، وكل منهما يحمل سلاحًا، فأخذت أم شعبان ترمق السلاح بحقد، وهي تضغط أسنانها:
- هؤلاء يجب سحقهم!
دون أن يسمعها أحد.
أطلق إميل صيحة، وساط الدابة، فراحت العربة تشق طريقًا بين الجمع حتى اختفت مع اختفاء الطريق. كان الشرطيان قد أبعدا الناس من حول الأم، والأم تضم ابنها، وتشم قطرات دمه. وحينما أحست بوجود الشرطيين، رفعت إليهما رأسًا تثقله الفاجعة، ولم تنبس بكلمة واحدة، لكنها استمرت ترميهما بنظراتها الزائغة.
أوضح أحد الشرطيين:
- عبر الطفلان المنطقة المحرمة، ووقع الأمر على اعتبارهما عدوين.
كانت أم عمار لم تزل ترمي الشرطيين بنظراتها الزائغة، فشد الشرطي الثاني يده على سلاحه قبل أن يقول لها:
- هناك تقرير لدى ضابط المخفر، يمكنك الاطلاع عليه.
أطلقت النظرات الزائغة شرارات الدمع، فصاح الشرطيان بالناس:
- هيا! إلى بيوتكم!
أراد هارون أن يأخذ الطفل من بين ذراعي أمه، لكنها بقيت تشده إلى صدرها، وما لبثوا أن سمعوا وقع عصا متعثرة، وصياح الجد الذي ينادي:
- عمار... يا عمار...
سقط الجد على عمار، فارتوت لحيته البيضاء بدم الطفل، وراح الشيخ يتأوه بألم، وراح يبكي، ثم سمعوه يهمهم كمن ذبحوه في كبده:
- عمار... أيها الولد العاق، يا عمار... لماذا ذهبت، وتركتنا؟
راح البعض يبكي، وراح البعض الآخر يشتم الدولة، والشرطيان يضربانهم بعقب البندقية، ومن بين الذين كانوا يضربون زوج أم عمار الجبار الذي جاء آخر الناس دون أن يجرؤ على رفع إصبع واحدة.

* * *

وقفت العربة أمام فيلا السمسار، كانت النوافذ مغلقة، ولم يكن هناك ضوء. وكان صوت طائر الليل يملأ الكون، ونسمة الهواء تصنع رفيفًا مع اهتزاز أغصان الشجر. التفت إميل إلى أم شعبان، ولم ينبث بكلمة. وضع سوطه جانبًا، ونزل من العربة. طرق الباب الحديدي بحجر، وهو ينادي، والكلب بنباحه يرد عليه. صاح إميل بأعلى صوته:
- يا أهل الدار!
وبقي الكلب فقط بنباحه يرد عليه. قال لأم شعبان:
- ليس في الدار أحد.
احتقن وجه أم شعبان:
- أين ذهب هذا اليهودي اللعين يا تُرى؟!
عاد إميل ينادي، فانفتح مصراع إحدى النوافذ، وبان رأس امرأة كاهل:
- ماذا تريد؟
رد عليها إميل بلهجة آمرة:
- افتحي! تنامون كالدجاج أم ماذا؟
لم تذعن المرأة للأمر. عادت تسأل:
- ماذا تريد؟
أفقدته صوابه:
- قلت لك افتحي الباب، يا الله!
صاحت أم شعبان من العربة، وبيدها تصنع قوسًا:
- افتحي وخذي البنت، يا ابنة الدواب!
لما سمعت المرأة بالبنت، انكفأت، واختفت بضع لحظات، بقي إميل يحدق خلالها في الباب الداخلي إلى أن فتحته المرأة. اتجه إميل نحو أم شعبان، تناول صوفي من بين يديها، وجرى باتجاه الباب، وأم شعبان تخف مهرولة من ورائه. والعجوز تفتح الباب الحديدي، كانت ترمي الطفلة بنظرة حذرة، وقد راح صدرها كالموج يعلو، ويهبط. دفعها إميل بعيدًا عن طريقه، وجرى إلى الداخل، فصرخت به العجوز:
- ماذا فعلتم في البنت؟
أجابتها أم شعبان، وقد أزعجها أن تسيء الظن بها:
- هذا جزاؤنا لأننا قمنا بخدمة!
فقدت العجوز صوابها:
- ماذا فعلتم في البنت؟ ماذا فعلتم في البنت؟
دخل إميل الدار، وأم شعبان تتبع من ورائه، التفتت أم شعبان إليها، واكتفت بقول:
- يا لها من شمطاء ملحاح تلك المرأة!
ولم تزد على ذلك كلمة واحدة.
وضع إميل الطفلة على مقعد عريض، واستدار ناحية العجوز المحدقة في صمت متفجر، وهي تضغط يدها على فمها المفتوح، ذاهلة، لا تدري ماذا تفعل.
أوضح لها إميل:
- ألقاها بعض الجنود في الساحة العامة هي والعربي عمار قبل أن يهربوا بسيارتهم العسكرية (سكت قليلاً ثم أردف متأثرًا): أتمنى لكم الصبر!
خرج، وأم شعبان تتبع دومًا من ورائه، وقبل أن يغلقا الباب، رأيا العجوز، وقد سقطت على الطفلة لتبقى جامدة دون حراك، ثم سمعا نواحًا مرًّا طويلاً.
وهما في طريق العودة، كانت أم شعبان تجلس إلى جانب إميل، وكان إميل يسوط الدابة بقوة. بعد مضي بعض الوقت، قالت له، وهي تقعر صوتها:
- لن ينتهي الأمر على خير.
ودون أن تتوقع منه ذلك، سمعته يقول:
- هذه المرة نهكوا عرضهم!
كان يقصد اليهود، فقالت له أم شعبان:
- يبدو أن ذلك يسرك، يا وجه القط!
هز رأسه مؤكدًا، وراح يضحك بقوة، وهو لا يتوقف عن سوط الدابة مضاعفًا من تقدمها في الطريق الطويل.
أخذت أم شعبان تردد بحنق:
- بل إن ذلك يسرك، إنه يسرك!
توقف إميل عن الضحك، وقال:
- أنا أضحك لأني لم أضحك منذ زمن طويل.
وعاد يضحك من جديد، فانتهرته:
- أوقف هذا! أوقفه!
لم يعد إميل يضحك، واكتسحته الكآبة. رأت أم شعبان بين ثنايا وجهه آثار فجيعة لا تمحى:
- إنني أضحك من أجل ابنتي نرجسة.
نبرت:
- ليس هذا وقته الآن.
ثم ما لبثت أن قالت:
- لن يقف الأمر عند هذا الحد هذه المرة.
وضعت يدها على كتفه، وللمرة الأولى، أحست أم شعبان بخفق مارد بين جنبيها. راح إميل يسوط الدابة بأقصى قوة، وعجلات العربة تدور بأقصى سرعة.

* * *

صاح ضابط في الجمع الذي احتشد أمام بناية المخفر:
- جميل! جميل!
طالب أحدهم:
- بإمكانك، يا سيدي الضابط أن تفعل شيئًا.
أجابه، وهو يدفع إلى الأمام عصاه:
- ماذا (( يمكنني )) أن أفعل؟ وماذا (( يمكنك )) أن تقترح أنت ما
(( يمكنني )) أن أفعل؟
همس أحد الواقفين:
- كم هو مغرور!
رد عليه:
- مك... مك... مك... !
قال الضابط:
- ما أمكنني أن أفعله أنني تلوت عليكم التقرير، فماذا يمكنني أن أفعل أكثر؟ وماذا يمكنكم أن...
صاح الرجل:
- مك... مك... مكمك... !
علق الضابط:
- جميل!
وصلت العربة بإميل وأم شعبان، وهي تصنع جلبة. قفز إميل متجهًا صوب الجمع، وهو يصيح بالضابط:
- إذا لم تضعوا حدًّا للمجازر، فسنعرف كيف نتصرف، إنها الآن ليست قضية عرب وحدهم، ولا قضية يهود وحدهم، إنها الآن قضية الجميع!
كان الجمع قد التف بإميل، فقال الضابط لإميل بهدوء:
- بسبب قدومك المتأخر سأعيد تلاوة التقرير.
صاح المسلم ساخرًا:
- أعطني إياه، وسأقرأه في الجامع!
ابتسم الضابط، والمسلم يرفع قبضته إلى أعلى:
- تقتلوننا وتعملون تقريرًا! هاه!
خاطب إميل الجمع، وهو يأخذ من يد أحدهم مشعلاً:
- هذه الليلة ليلتكم يا إخوان، فمن يرى...
قاطعه الضابط:
- لاحظوا أنني استطعت أن أتمالك أعصابي إلى حد الآن!
صاح بعضهم من طرف:
- لنذهب غدًا إلى الحاكم.
وردد آخرون:
- نعم، نعم، فهذا عين الصواب.
لكن إميل أسكتهم جميعًا:
- الحاكم آخر من يجدر التفكير في اللجوء إليه.
كشف عن صدره وأسنانه:
- فالأمر لديه سواء.
تذكر الناس قصة نرجسة، فتحمس المسلم، وهتف:
- الموت لجنود الموت!
ردد البعض:
- الموت لجنود الموت!
ثم الكل:
- الموت لجنود الموت!
راح الضابط يصرخ:
- انتظروا... انتظروا... (حتى أسكتهم).
عندما اشرأبت الأعناق إليه، قال:
- جميل!
فبصق أحدهم:
- يلعن دين!
كرر الضابط:
- جميل!
قبل أن يضيف:
- لا تضطروني إلى اتخاذ مواقف صارمة ضدكم، إنكم تستغلون صبري (تجمع عدد من رجال الشرطة حوله ملوحين بأسلحتهم)، أما إذا تماديتم مع عنادكم الطفولي هذا، فلدي الكثير من طرق الإخضاع. وأنا، إلى حد الآن، فتحت قلبي للجميع (اهتز فجأة): لا تنسوا أنني ضابطكم قبل كل شيء، وعصا السلطة في يميني، سأضرب بيد من حديد...
إذا برصاصة تنفجر: سقط على إثرها الضابط، ودوى الضجيج! أخذت أفراد الشرطة الحركة القاتلة، وعندما ارتد الناس إلى الوراء، رأوا السمسار يتقدم بثبات شاهرًا بندقيته. بقي يصوب سلاحه إلى الجسد المتخبط كالديك الذبيح على الأرض، وأطلق رصاصة أخرى، فاضطرب الجسد إلى أن انشلت عضلاته كلها، وسكن هامدًا تمامًا. كان السمسار يلهث، ويبتسم، ويقول كلمات غير مفهومة، وفجأة، أخذ يقهقه كمن أصابه مس. ارتمى عليه شابان وثلاثة من رجال الشرطة، وقيدوه، بينما خلصه المسلم سلاحه. راح السمسار يصيح بأعلى صوته:
- أخذت بثأري! أخذت بثأري!
وهم يدخلونه سجن المخفر، أعطى إميل للجميع ظهره، بعد أن أطفأ المشعل، وسار محني الظهر. كان الجمع يقف على باب المخفر مبهوتًا، والسمسار لم يزل يردد صائحًا:
- أخذت بثأري! أخذت بثأري!
سمعوا السمسار، وهو ينشج، وهو يضرب على صدره، وسمعوه، وهو يقول في النهاية:
- لكنهم قتلوا ابنتي! لكنهم قتلوا ابنتي!
لفوا جثة الضابط بحائك امرأة أسود، وحملوها إلى الداخل. كانت بندقية السمسار لم تزل في يد المسلم، فاقترب بفوهتها من أنفه، وشم رائحة البارود الرهيب لأول مرة في حياته.
أفاق المسلم على صوت أم شعبان المهمهمة بشقاء من ورائه:
- هذه ليلة دموية!
وما لبثت أن صاحت به مرتعبة على مرأى البندقية:
- ارمها من يدك! ارمها من يدك!
لكنه ضمها إلى صدره، وراح يجري مبتعدًا.

* * *

أدنى يعقوب أذنه من باب ريتا، فقد كانت تنبعث من الداخل موسيقى، وكانت جين مانسفيلد تغني: قبلني مرة أخرى! دق الباب، وهو يقف مستعيدًا هيئته الجادة. عاد يدق الباب ثانية، فانقطعت الموسيقى، وفكر: ((لقد أقفلت ريتا الفونوغراف )). وما هي سوى بضع لحظات حتى برزت ريتا من وراء الباب، فحياها يعقوب، وهو يرخي ابتسامته الدبقة، وينحني مبالغًا التحية:
- أسعد مساؤك، يا ريتا!
عقدت ريتا بين حاجبيها، وقالت بجفاف:
- أسعد مساؤك!
طوَّح بها التفكير: (( ما الذي جاء به؟ ما الذي جاء من أجله؟)) قال لها، وهو يدفع كرشه الضخمة إلى الأمام:
- أيمكن ليعقوب الطيب أن يحظى باستقبال ريتا؟
وعندما رأى علامات الاهتمام والتنبه تتزاحم في محياها، أضاف بسرعة:
- بعض الوقت ليس إلا.
سألته ريتا بلهجة حازمة، تستعملها دومًا مع يعقوب عندما يركبه الغموض:
- ماذا تريد؟ قل سرعة!
نظر يعقوب بنهم إلى صدر ريتا العاري، تقدم منها، ودخل، وهو يقول:
- أجد نفسي مضطرًا إلى التصرف هكذا، فاعذريني.
وأبدى ضحكة، فأغلقت ريتا الباب، وسألته:
- هل جئت من طرف الحاكم؟
- هذا شيء، وهناك شيء آخر.
أعطته ظهرها، وعبرت فسحة الدخول إلى الصالون. كان الفونوغراف يدور دون أسطوانة، ويعقوب يدور بعينيه الفضوليتين على ظهرها العاري.
- لتقلْ بسرعة، فأنا أريد الذهاب إلى النوم.
رفع يعقوب ذراعه، وكاد يلامسها، ثم قال مهتابًا بعض الشيء:
- ولكنك تعطينني ظهرك!
نقلت كمية من الأسطوانات إلى يدها، وراحت تقلبها. تابع يعقوب متصنعًا المسكنة:
- لا أعرف ما الذي فعلته أنا لأجد منك مثل هذه المعاملة.
التفتت ريتا إليه، وهي تفتح عينيها على سعتهما:
- أية معاملة؟
أجابها، وهو يحني رأسه برجاء إلى الأمام:
- هذا الصد!
رمت ريتا الأسطوانات على الطاولة، ويعقوب يراقب بنهم اهتزازات أعلى نهديها:
- ليس لدي ما أقوله لك.
لكن هيئة يعقوب الراجية المستكينة لم تتبدل:
- رغم أنني أعرفك منذ زمن طويل.
عند تلك اللحظة، خرجت ريتا عن طورها:
- إذا كان هذا ما جئت من أجله، فأنا أسمح لك بالانصراف.
رغب يعقوب في عصر ريتا بين يديه، وكسر عنقها لو امتنعت عن التجاوب معه، لكنه رفع رأسه، وقال بصوت محتقن:
- هذه إهانة منك، يا ريتا، أنا أعتبرها إهانة!
نبرت ريتا، بعد أن أعياها ثقل يعقوب:
- اعتبرها كما شئت (وذهبت بسرعة إلى الباب): أرجو أن تسمح (مشيرة إليه بالخروج).
أطلق يعقوب تنهدة، ثم أخرج مغلفًا من جيبه، وتقدم به إليها.
- في الداخل إذن العمل الذي طلبته، والحاكم يعتذر عن عدم تمكنه من زيارتك مساء الإثنين، لتراكم بعض الأعمال عليه و... ولأنهم طلبوه في أورشليم.
اختطفت ريتا المغلف من يده دون أن تفكر إلا فيما بعد: (( لم كل هذا التسرع ))؟ فضته بعجلة، ويعقوب يتابع على وجهها دلائل الابتهاج. رآها منتشية كالجذوة، راح يفكر: (( لأنه يعرف كيف يدخل فيها جيدًا! )) كان يقصد شعبان، وفي لحظات قليلة، ودَّ لو يفتك بشعبان. راح يقول لنفسه:
(( هو من يمنعها عني! )) وعزم على أن يزيحه من طريقه بأية وسيلة. ابتسم له المستقبل، فقال: (( بعد ذلك ستجثو على قدمي! ))
رفعت ريتا رأسًا ألقًا، ولما وقعت على يعقوب، عاد إليها جحودها. كان يعتبر جحودها ترفعًا، وكان ذلك ما يهلكه. سمعها تقول:
- أشكرك! مع السلامة!
لكن يعقوب لم يتحرك من مكانه: بدأت تنبثق هناك، تحت دماغه من الوراء، هستيرية غريبة، تكاد تعميه. راقبته عن كثب، فحط في قلبها خوف شديد. رفعت يدها الحاملة للغلاف إلى صدرها، وقد انتفخت أوداج يعقوب، حتى أنها رأت على طرفي فمه لطخات بيضاء! بدأ صدر يعقوب ينتفخ كالكير، وكرشه الضخمة تضرب على دفعات كالسمك المختنق، والفونوغراف لم يزل يدور دون أسطوانة.
سألته ريتا بخشية، وهي تتراجع إلى قلب الحجرة: - ما لك، يا يعقوب؟ وهو يتقدم منها كالمصروع.
رأت عينيه تنفجران، وحاجبه الكث يهتز دون توقف. كانت لا تريد أن يغمى عليها، فيفترسها الضبع. وكان الفونوغراف يدور دون أسطوانة، ويعقوب يتقدم نحوها دون تراجع. كان يفكر: (( هو من يمنعها! ولكن أينه الآن؟ )) أخذ لا يرى سوى هذا الجسد الذي يمتنع عن الارتماء في أحضانه، بينما يفعل ذلك لشعبان عن طيب خاطر. (( هو من يمنعها! هو من يمنعها! )) وها هو، يعقوب، يتقدم منها، ليبطش بها، وبعد ذلك سيصفي معه حسابه. (( هذا الجسد سيركع، يجب عليه أن يركع! )) سقطت ريتا على مقعد منجد، والغلاف طار، والفونوغراف سقط هو أيضًا في الدوامة. وعند لحظة الحسم، سقط يعقوب فوقها بكل ثقله، وبكل حماقته، وحاول أن يلثم جسد ريتا الجميل، ولكن ريتا كانت من الغضب بحيث استطاعت منعه. بقي يتساقط عليها بثقله الطام، بكل تلك العضلات المهولة، استطاع أن يلثمها على صدرها مرات، وأن يمزق قميص نومها، فانهارت ريتا إلى أن أمسكت به، في الأخير، من بين فخذيه، وجعلته يصرخ متوجعًا. انبطح على الأرض كأخطبوط أعمى، بينما هرعت ريتا صوب الباب، وهي تصيح مرتعبة:
- اخرج! هيا، اخرج!
جمع بعض قواه، ونهض، وهو لم يزل يمسك بين فخذيه. اقترب بكرشه منها متأرجحًا، فنبرت ريتا، وهي ترفع نحوه إصبعًا مهددة:
- قلت لك اخرج، أحسن لك!
انزاح يعقوب من أمامها، وقد بان عليه الذل، وقال:
- ما هذه المعاملة، يا ريتا!
عادت تنبر! ونهدها الجميل يندفع مفعمًا بالتحدي:
- اخرج! اخرج!
وقبل أن يعطيها يعقوب ظهره، قال:
- إنني، يا ريتا، رجل مثل سائر الرجال.
لكنها طردته.
* * *
وقف محمود قرب إبريق الشاي، وهو ينتظر أن يغلي. استلقى شعبان على السرير من ورائه، وهو يقلب صفحات مجلة إباحية. تناول محمود من الخزانة علبة الشاي، ووضع في كفه حفنة منه، ثم أعادها إلى مكانها بعد أن أغلقها، فانقلبت، فرفعها، فانقلبت، فعاد يرفعها. وهو يرمي بحفنة الشاي في الإبريق، ثار البخار في وجهه، فأزاح رأسه، وهو يستدير إلى الخلف، وحط بنظره على شعبان:
- هل أعجبتك المجلة؟
كانت في كل صفحة امرأة عارية في وضع خاص. رفع شعبان إليه رأسه ثم أنزله دون أن يعلق، وسمع محمود يضيف:
- أعارني إياها قاسم.
استمر شعبان يقلب الصفحات، فأطفأ محمود النار من تحت إبريق الشاي، ووضعه على الطاولة.
- لم أتصفحها سوى مرة واحدة.
رماها شعبان على السرير، ونهض. جلس على كرسي، وراح يحرك فنجان الشاي بوجوم، فسأله محمود:
- ما لك؟
قال شعبان، وهو يكشف عن يد محمود:
- كم هي الساعة الآن؟
أجاب شعبان نفسه:
- تناهز العاشرة.
وتأوه.
قال محمود:
- هذا هو موعده.
غاب كل منهما مع أفكاره، ولولا صوت الرشفات التي كانت تعلن وجودهما، لظن العابر أن الحجرة مهجورة.
أنهى شعبان فنجانه، وعاد يكشف عن يد محمود. رأى أن الساعة تقترب من العاشرة والنصف، فسأله محمود:
- أين ساعتك؟
- رهنتها لدى السمسار.
قال محمود:
- آه!
وسكت.
نظر إلى خدي شعبان الغائرتين، وقرأ على جبينه القلق:
- لست على طبيعتك الليلة!
رفع شعبان يده، وأملس جبهته:
- لدي بعض الدوار، أحسُّ (( روزا )) في دماغي!
تأمله محمود بعطف، وقال:
- لم يبق عندي من حبوب الأسبرين حبة واحدة، وإلا كان ذلك نافعًا مع فنجان الشاي (سكت قبل أن يضيف): هل ترغب في آخر؟
قال شعبان:
- هذا يكلف بعض السكر.
ضحك محمود، وهو يصب له كأسًا ثانية:
- اشرب، اشرب، لا تقلق!
لكن شعبان سأله فجأة:
- وإذا ما حصلنا على المال الليلة، هلا نشرع في التنفيذ غدًا؟
أجاب محمود، وهو يحرك كأس الشاي بعد أن رمى فيها ملعقتي سكر:
- يلزمنا بعض التروي.
ردد شعبان:
- أقول فيما لو أحضر لك يعقوب المال الليلة.
قال محمود مفكرًا:
- انتظر حتى أقبض على المال بيدي.
أطلق شعبان نفسًا ضائقًا، وقال:
- يا للصداع الملعون!
وراح يشد رأسه بين يديه. فجأة، سمع محمود يقول:
- عبد الناصر يهدد بالمجيء إلينا، الكل في المقهى يتحدثون عن الأمر، هل سمعت شيئًا من هذا؟
انتبه شعبان جيدًا:
- لا، لم أسمع شيئًا.
- يبدو أن الأمر جاد.
أحس محمود بأحدهم يقترب من النافذة، فنهض على رؤوس أصابعه، واتجه بخفة نحو الباب. أخذ شعبان يتابعه، وقد ذهب عنه صداعه. فتح محمود الباب بسرعة خاطفة، فإذا به وجهًا لوجه مع يعقوب. قال محمود، وهو يخفي انفعاله:
- إلى متى تبقى على هذه العادة؟
أجابه يعقوب داخلاً:
- يجب التلصص على الأبواب قبل الدخول منها.
قال محمود من ورائه:
- خذ حذرك، يا يعقوب!
سلم يعقوب على شعبان، وراح يصب لنفسه شايًا في كوب فارغ على الطاولة.
قال شعبان ليعقوب:
- وجهك متورد، فهل البرد شديد في الخارج؟
صاح يعقوب محدثًا جلبته المعهودة:
- اسمع ما يقوله الصاحب!
وهو يرمي شعبان بنظرات غريبة لم يرتح لها. خبط كفًّا بكف، وصاح بمحمود:
- ولكن أين هو عرقك؟
وأنهى فنجان الشاي بشفطتين.
انفتل محمود على عقبيه، وصاح على طريقته:
- إنه في الجيب، يا يهوديّ!
حرك يعقوب أصابع يده حاثًّا إياه:
- اسقني، اسقني، فأنا على عجلة من أمري.
- ليس فينا واحد على عجلة من أمره.
قال يعقوب:
- يمكن أن يكون هذا (أشار إلى شعبان) على غير عجلة من أمره، أما أنا، فهناك ما ينتظرني.
كان شعبان ينصت إلى يعقوب، دون أن تكون لديه النية على الحديث، رغم أنه نسي صداعه.
صب محمود ليعقوب عرقًا أبيض شربه دفعة واحدة دون أن يمزجه بالماء، وهو يصيح بنحنحة ثقيلة:
- يا رب الموتي!
هز أمام فوهة الزجاجة كأسه، فعاد محمود يصب له من جديد، إلى أن قال يعقوب فجأة:
- رجال الدرك يحتلون القرية، فقد قتلوا الضابط.
قوّس كل من محمود وشعبان حاجبيه، وسألا دهشين:
- ماذا؟. قتلوا ضابط المخفر!
- وأنا لم أستطع المجيء إلا بعد جهد جهيد، فلست في الزي الرسمي كما تريان، ومن عادتي أن أحمل البطاقة، ولكني لست أدري كيف نسيتها هذه المرة (فكر فجأة أنها لربما سقطت من جيبه عند ريتا، لكنه أضاف): ولولا أنني أعرف واحدًا دركيًّا لما استطعت الإفلات من سلسلة الأسئلة والأجوبة.
جلس محمود متفاجئًا للخبر، صب لنفسه كأس عرق كسره بقليل الماء، وسأل:
- وكيف حصل ذلك؟
استند يعقوب على كرسيه، وقال:
- إنها حكاية طويلة، القاتل هو السمسار، والسبب ابنته التي قتلها حرس الحدود هي والصبي عمار.
كان كلاهما ينصت مذهولاً لما يسمع، محمود يهمهم دون توقف، وشعبان ليس بمصدق. وفي الأخير، فجر يعقوب ضحكه المعهود:
- وأنتما كجرذين في جحر! كآخر من يعلم!
مد شعبان ساقيه تحت الطاولة، ولامس بقدمه كرسي يعقوب، كانت قد انكشفت له كل القصة.
- ولكن ما ذنب الطفلين؟
- حسبما سمعت، كانا هذا النهار في المنطقة المحرمة. آه! يا لهذا الجيل الذي يلعب بالنار!
سأل شعبان:
- وماذا فعلوا لقاتل الطفلين؟
هز يعقوب كتفيه:
- وماذا تريدهم أن يفعلوا؟ لم يعروا له مؤخرته كما تظن، فقد اعتبروهما عدوين.
نبر محمود:
- إنهم يخترعونها، وأنا لا أصدق!
وشرب عرقًا، بينما رفع يعقوب كأسه إلى أعلى، وهتف:
- بصحة جنود الدرك!
فكر شعبان إثر سماعه للنخب أن في جعبة يعقوب ما يحوكه ضدهما، راح ينظر إليه مرتابًا، ليس بمطمئن. أمسك يعقوب زجاجة العرق بيده، وصب لنفسه كأسًا جديدة، وبعد أن تركهما يغيبان للخبر قليلاً، أعادهما قوله إلى الحجرة من جديد:
- لقد أحضرت المال.
التهبت وجنتا شعبان احمرارًا، بينما أطرق محمود برأسه، وحاول أن يجيب دون حماس:
- هذا حسن!
ولم يستطع محمود أن يكبح جماح دقات قلبه، راح قلبه يخفق بعنف، رفع الزجاجة، صب لنفسه من جديد، ويعقوب يقول:
- لكن هذا يتوقف...
فكر محمود على التو في عمران:
- يتوقف على ماذا؟
استند بيديه على الطاولة، وقال:
- على مدى استجابتك لما أريد شرحه.
اعتدل محمود، وقد شوشه قوله:
- ما عليك سوى أن تشرح.
- إذا ما دفعت أنا، سمي المشروع مشروعي، فأنت لم تشارك فعلاً كي نقسم الحصص، ومساهمتك لا تتعدى طرح المشروع، كفكرة، ونقل مالي إلى يد التاجر.
كان محمود طوال الوقت يفكر: (( هذا اليهودي ليس بالهين، وها هو يصنع العقد! )) لم يطرف بعينه نحو شعبان الذي انزاحت يده بعصبية. حث محمود يعقوب على الكلام، وهو يحاول البقاء على طبيعته:
- أكمل.
كرر يعقوب، وابتسامته الدبقة لا تمحى:
- إن ذلك يتوقف...
فزجره محمود بهدوء:
- خلينا من لفك ودورانك، وهات ما عندك!
قال يعقوب بصوت حاسم:
- إن ذلك يتوقف على بيعك الأرض.
امحت ابتسامة يعقوب الدبقة، وحلت محلها عقدة شديدة بين الحاجبين. كانت الابتسامة ذاتها قد انطبعت على فم محمود الذي راح الآن يمثل دور يعقوب، ويقول:
- لقد كلفك ذلك جهدًا كبيرًا حتى قلته.
أراد يعقوب أن يتكلم، لكنه أوقفه:
- كم تدفع؟
أدهشه أن يكون الأمر سهلاً معه على مثل تلك الدرجة، راح محمود يكرر، وبسمته تسيل، وتسيل:
- قلت لك كم تدفع؟
أجاب يعقوب، وهو يرسل نفسًا سريعًا:
- بقدر حصتي، ألف دولار.
مال محمود إلى الأمام، وقال:
- ولكنها مسجلة في وزارة الزراعة بعشرة أضعاف هذا المبلغ، وأنا أدفع ضريبة على هذا الثمن.
قال يعقوب متململاً في مقعده:
- إنها تسمى ما بيننا (وعاد يؤكد): إنها تسمى ما بيننا، وما ذلك إلا، نعم، ما ذلك إلا لحذف الشك. نعم هو هذا: حذف الشك، (سكت قبل أن يردف): تمامًا.
نبر محمود:
- إنني أبيعك، هات النقود.
وبخفة أخرج يعقوب من جيبه ورقه وقلمًا، وقال له، وهو يمدهما اليه:
- وقِّع هنا.
ووضع المال على الطاولة.
تناول محمود من يده الورقة والقلم، ووقَّع.
قال يعقوب:
- خذ المال.
أخذ محمود المال، وراح يعده.
التفت يعقوب إلى شعبان متصنعًا الابتسام، وشعبان يحدث نفسه قائلاً: (( هذه الابتسامة أعرف مغزاها، أعرف مغزاها! ))
قال له يعقوب:
- يسعدني أن توقع شاهدًا.
تردد شعبان قليلاً، كان ينتظر الأمر من صديقه. لاحظ محمود ذلك، وهو منهمك في عد المال:
- وقِّعْ، وقِّعْ، ولا تخش شيئًا!
وقَّع شعبان، وبسرعة طوى يعقوب الورقة، ودسها في جيبه، ثم نهض:
قال له محمود:
- لقد أنجزت مهمتك إذن، وها أنت ذاهب.
ضحك يعقوب محرجًا:
- قلت لك إنني على عجلة من أمري، ولكني سأشرب أيضًا بعض العرق.
كان من الارتباك بحيث صب فوق قليل العرق في كأسه بعض الشاي، وشرب دون أن يفطن لذلك.
- يا له من عرق قذر عرقك الليلة!
وكلاهما يتابعه دون حراك. كان من اللازم أن يقوما بفعل ما، منعه من الخروج مثلاً، لكنهما قعدا كل في مكانه، دون حراك، لا يستطيعان حتى رفع إصبع واحدة.
على الباب، قال لهما:
- طابت ليلتكما، أيها الجرذان!
وانصرف.
ومع ضربة الباب، أحس محمود أنه أخذ قطعة من كبده، فنهض مندفعًا صوبه، وصاح مناديًا، فلم يجبه سوى الصدى.
قال له شعبان بأسى:
- تعال! لقد ذهب!
دخل محمود، وشعره يتساقط على وجهه، وشعبان يتمتم بألم:
- ماذا فعلت؟ لا بد أنك معتوه!
أجابه، وجبينه يتفصد عرقًا، وعيناه تزوغان، وظلال الحجرة لا تتوقف لحظة واحدة عن التحرك:
- كان من اللازم أن أفعل هذا، وإلا لما حصلنا على المال.
لكن شعبان شده من ذراعه، وأقعده:
- والأرض؟
رأى احمرارًا دمويًّا يذبح عينيه، وسمعه يهمس كالضائع:
- سنعود إلى الأرض بعدها، أليس كذلك؟
نهض، وتمدد على السرير المعتم الغطاء، ثم ما لبث شعبان أن سمع صوت محمود يأتيه من عالم الغيب: سنعود إلى الأرض بعدها، أليس كذلك؟ كان يريد أن يقول له: لم لا وعبد الناصر يهدد بالمجيء إلينا، هو الذي حدثه عن ذلك منذ قليل، وجعل الحلم ينبت فجأة في جبينه. لكنه لم يكن يحمل اليقين الكافي، تمنى لو يستطيع البكاء، بكاء صغير بقدر بضع دمعات فقط تسيل على الخد: أنا بحاجة إلى بضع دمعات فقط، لكنه لم يكن يستطيع البكاء، قال: (( أريد بضع دمعات، بضع دمعات فقط من أجل محمود، صديقي المسكين، ولتذهب الأرض إلى الشيطان! )) كان محمود يجلس وحيدًا بين الظلال، لا يفكر في الأرض، ولا في نفسه، ولا في أبيه الذي أورثه الأرض وأورثه نفسه، كان محمود يعصر في جيبه حزمة الورق، وقد انفتح أمامه طريق طويل، طريق طويل طويل، أطول من الطريق الذي شقه موسى في البحر، وكان يفكر: (( لا بد من أن يحمل المرء حياته في النهاية، أو يلقيها، وهأنذا ألقي حياتي! ))
دوى صوت محمود في الحجرة:
- سنبدأ خطتنا غدًا بعد غروب الشمس.
ولم يزل شعبان يفكر أن صوت محمود يأتيه من عالم الغيب.

* * *

سمعا طرقات سريعة على الباب، فانتفضا. نهض محمود ليفتح، وقام شعبان على قدميه. ومحمود يمد يده إلى القفل، تبادلا نظرات متسائلة. تلاحقت الطرقات، وصوت هياب، قد جاء من الخارج، يحث على الإسراع في فتح الباب:
- افتح، يا محمود، أنا المسلم!
وبواحدة من أنصاف الثواني كان المسلم في الداخل، وقد غرق في ماء المطر، وعلى كتفه البندقية. أقعداه على كرسي، وأحاطا به. كان المسلم جميلاً كفتاة، والماء يبلل ثيابه، وثيابه تلتصق ببدنه. سأله شعبان مرتابًا هامسًا:
- ماذا هناك؟
شبك محمود قول شعبان مؤكدًا هامسًا هو الآخر:
- نعم، قل، ماذا هناك؟
وضع المسلم البندقية على الطاولة، وقال بصوت واطئ، ووجه خائف:
- جئت من أجل البندقية، أريد أن أخفيها.
زم شعبان فمه، وجلس، وهو ينظر إلى المسلم محتارًا:
- ومن أين جئت بها؟
أجاب بلهجة متوترة:
- سرقتها من السمسار!
أعاد محمود مرتبكًا:
- من السمسار؟ (وأضاف): كيف تمَّ ذلك؟
جر محمود كرسيًّا، ولفَّ يده على ظهر الكرسي الجالس عليه المسلم.
قال المسلم:
- بعد أن قتل الضابط مباشرة.
نهض محمود، وأحضر له بشكيرًا:
- امسح وجهك!
راح المسلم يمسح وجهه، ويقول:
- هناك مطر.
سأله محمود:
- وما معنى أن تخفيها عندي؟
- لأنهم سيفتشون المنازل، وأنا لا أستطيع الاحتفاظ بها، أمَّا أنت، فستتدبر أمرك.
رفع محمود يده، ووضعها على كتف السلاح، ثم رفع السلاح بين أصابعه، وابتسم:
- إنها بندقية جميلة!
مد شعبان يده، وتناولها منه، واقترب بإصبعه من الزناد، فسارع المسلم إلى القول محذرًا:
- احترس، فهي محشوة!
سأل شعبان:
- وإذا شك فيك أحد.
رمى المسلم البشكير، وقال:
- لم يفطن لي أحد، ما عدا أمك.
ساد الصمت، وضع شعبان السلاح على الطاولة، وراحوا جميعًا يتأملونه.
توجه المسلم بالسؤال إلى شعبان:
- أتظن أن أمك ستقول؟
قال شعبان:
- لا أدري، فأنا لم أعد أذهب إلى الدار.
رفع محمود إليه عينيه:
- ولكنك وعدتني أن تذهب إلى الدار في الصباح.
قال شعبان للمسلم:
- سأطلب منها أن تكتم الأمر.
ابتسم المسلم مطمئنًا، ونهض:
- هأنذا أترك لكما الوديعة.
ألح عليه محمود:
- اجلس، لا تذهب في الحال، ستشرب بعض الشاي.
وحمل إبريق الشاي، لكن المسلم أوقفه:
- هربت من النافذة، وأخشى أن يكتشفوا أمري.
صاح محمود، ولأول مرة منذ جاء المسلم، يعلو صوته خارج دائرة الهمس:
- أتخشى أن يضربك زوج أمك؟
قال المسلم بابتسامة ساخرة:
- طز في المذكور!
كانا يعرفان أنه يريد الذهاب فقط لهذا، لئلا يضربه زوج أمه، وهو قرب الباب، قال له محمود:
- اسمع. (توقف، والتفت إليه) ولكن، أين تريدني أن أخفيها؟
عادت أسارير المسلم الخائفة تملأ وجهه:
- إنها الآن في حوزتك، تصرف!
وفتح الباب، فعاجله شعبان بالسؤال:
- وكيف أَفْلَتَّ من رجال الدرك؟ حسبما قيل لنا إنهم منتشرون في كل النواحي.
قال المسلم:
- قطعت بعض البيارات، وتسلقت بعض الأسوار.
وقبل أن يقفل من ورائه الباب، ألقى بتحية.
مضت عدة لحظات قبل أن يسأل شعبان:
- ماذا ستفعل بهذا الضيف؟
قال محمود، وقد فكَّر في ذلك منذ وقت:
- ستأخذه أنت لينام عند ريتا.
- لينام عند ريتا! وفي مثل هذه الساعة!
قال محمود:
- لأنهم سيقومون بالتفتيش عندي مئة بالمئة، سيفتشون عندي بدقة حتى أنهم سيبحثون في قفل الباب، أما عند ريتا، فيمكن ألا يحصل ذلك. وإذا حصل، فستمنعهم أنوثة ريتا من اكتشاف المكان الذي تخبئ فيه السلاح، لا تنس أنها من اليهود، مثلهم.
تقدم محمود من الخزانة، وفتح درفتيها، ومن وراء بعض الأكياس، أخرج علبة كرتون مستطيلة، قدمها له:
- افتحها.
فتحها شعبان، وصاح:
- هذا رصاص!
تناول محمود رصاصة من العلبة، وفك كشح البندقية، أخرج حبة رصاص منها، وقارن بينهما:
- من نفس العيار.
أفرغ البندقية، وطلب إليه:
- خذ الطريق التي جاء منها المسلم، واحترس، وأنت تقفز من فوق الأسوار (أعطاه البشكير): لفها بهذا، وانتبه جيدًا!
نهض شعبان، وحمل السلاح، بعد أن وضع علبة الرصاص في صدره.
- وكيف سنلتقي غدًا؟
أجابه محمود:
- من الأحسن ألا نلتقي خلال النهار، سأذهب بعد الظهر إلى المقهى، لألعب مع الأصدقاء كالعادة، وعند الغروب، احضر هنا، ولا تنسَ أن تأتي بهذه.
وأشار إلى البندقية.














7
صاح الدركي:
- قف!
وأشعل على وجه يعقوب مصباح اليد، فقال يعقوب بتماسك:
- هذا أنا، يا أخ.
لكن الدركي لم يستمع إليه.
- ما الذي تفعله في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
تقدم يعقوب منه، وهو يحاول الابتسام دون كلفة:
- لا يمكن أن تكون قد نسيتني على مثل هذه السرعة، فهذا أنا، يا أخ.
جاء دركي آخر، ولما رأى يعقوب قال لزميله:
- إنه حارس الحاكم، دعه يمر.
أراد يعقوب أن يشكره، فتقدم خطوة في اتجاهه. وضع في يده حزمة من النقود، وأسال بسمته الدبقة، إلا أن الدركي سارع إلى القول:
- يجدر بك أن تكون في فراشك، فليس هذا وقت التجوال.
عاد يعقوب على أعقابه، وراح يهرول. سأل الدركي الأول:
- وكم حارسًا يوجد للحاكم؟
أجابه الدركي الثاني:
- ليس لديه سوى هذا البغل، وهو نفسه الذي مر من هنا منذ ساعة.
تنحنح الدركي الأول، ثم بصق، ومجموعة من الفلاحين كانت تقترب، بقوة السلاح، كالدواب الفزعة. كانوا يوقفون (( المشتبه )) فيهم، بعد تفتيش البيوت، وقد صادروا بعض الحيوانات، وبعض الأراضي.
على باب الخان، وقف يعقوب ينتظر الحاج ياسين ليفتح له. كان الخان يسقط في الظلام والصمت، ومن وراء يعقوب ليل كالفحم، حتى أنه عندما التفت إلى الوراء، عرك قلبه الخوف، ولكي يقتل خوفه شج رأس قطة بيضاء بلون الثلج جاءت تمسح جسدها بساقه. استدار غاضبًا، وعاد يطرق الباب بإلحاح، إلى أن انشق، وبانت يد الحاج ياسين الحاملة للقنديل. دفعه يعقوب، ودخل بسرعة، وهو يسأل:
- أليس عندكم كهرباء؟
رفع الحاج ياسين نظارته البيضاء السلكية، دون أن يستطيع رفع حدبته الصغيرة، واقترب بالقنديل من وجه يعقوب:
- إنني أقفل العداد مع آذان العشاء، فنحن لا نحتاج إليه بعد الصلاة، وليس لدي الليلة نزلاء غيرك.
ذهب الحاج إلى صندوق مدقوق في الحائط، علقت عليه بعض المفاتيح، فقال يعقوب:
- ولكني أحتاج إلى الضوء.
ناوله الحاج ياسين مفتاحًا، وهو يعقد بين حاجبيه:
- كان بالأحرى أن تكون هنا قبل آذان العشاء.
بدر عن يعقوب بعض الغضب، ولهب القنديل يراوح يمنة ويسرة:
- لكنها ليست المرة الأولى التي أحجز فيها غرفة.
رد عليه صاحب الخان، وقد أعياه إلحاحه:
- نعم، أنت زبون، لكن الحال يختلف من يوم إلى آخر، لقد رفعوا ثمن الكهرباء.
أراد الحاج ياسين أن يذهب، ولكنه أوقفه:
- أعطني هذا، وسأدفع ثمن المحروق.
توقف الرجل الكهل مفكرًا بعض الشيء، ثم دفع له القنديل:
- إياك أن تنساه مشتعلاً، وتنام.
أخذ يعقوب منه القنديل، وصعد سلمًا خشبيًا:
- كن مطمئنًا.
وقبل أن يدخل حجرته، ناداه صاحب الخان:
- هل ما زالوا في الخارج؟
قال يعقوب:
- نعم، نعم، وهم يوقفون الجميع.
سمع يعقوب الرجل يقول، وهو يقفل عليه الباب:
- احفظنا، يا الله! يا رب سترك!
خلع يعقوب سترته، ثم قميصه، كانت لقميصه الداخلي أكمام طويلة. حل الأزرار عن صدره، فبان شعره الكث، ولحمه السمين. وضع على الطاولة القصيرة بعض الأوراق، وراح يفتش في جيبه عن القلم، ولم يتذكر أنه نسيه عند محمود. أخذ يتحسس جيوبه كلها، كان حافي القدمين، فعاد يدس قدميه في نعليه. فتح باب الحجرة، وهبط الدرج على رؤوس أصابعه. كان الظلام من الشدة بحيث أنه تعثر بكرسي، ومن على رف يستعمله صاحب الخان مكتبًا راح يبحث عن قلم، فأسقط دواة الحبر، وسقطت معها أعضاؤه، وإذا بصوت صاحب الخان الهرم يصل من الحجرة متسائلاً:
- هل هذا أنت؟
تلعثم يعقوب، ولم يدر ماذا يقول. فتح الحاج ياسين باب حجرته، ولما وقع نظره على يعقوب، قال:
- ألم تلجأ بعد إلى فراشك؟
تقدم منه يعقوب، فرأى ضوءًا عنده، ويعقوب قد راح يفكر: يا للعربي القذر، لديه كهرباء! زم شفتيه، وقال:
- أريد قلمًا.
تركه الحاج، وغاب في حجرته بضع لحظات، ثم ما لبث أن عاد، وقدم له قلم حبر ناشف:
- أرجو ألا تكون وصيتك.
- ليست وصيتي، اطمئن! فلم تزل أمامي أعوام كثيرة على العكس منك، (وأنهى): لا تبتئس، يا حاج!
رفع صاحب الخان صوته وعنقه، إذ صار يعقوب في أعلى الدرج:
- اكتب ما هو نافع، يا يعقوب، وإياك أن تؤذي أحدًا، فنحن لا نبحث إلا عن الستر واللقمة الحلال.
جلجلت ضحكة يعقوب في الليل، وراح يكرر:
- لا تبتئس، يا حاج، إياك أن تبتئس!
فانقبض قلب الحاج عند سماعه باب يعقوب، وهو ينغلق.
عاد يعقوب إلى أوراقه، وجلس يفكر طويلاً قبل أن يبدأ الكتابة، ثم اقترب منه بالقنديل، ورفع فتيله، فسقط في الجذوة الصفراء. بدأ يرسم امرأة، بدأ بنهديها، وهو يفكر: أوقعت الاثنين! نعم، الاثنين! كان يقصد شعبان ومحمود. رسم الكتفين، كانت تغزو وجهه سيماء المنتصر، منتصر يكسب كأسه دومًا، وقال: (( رميت عصفورين بحجر واحد! )) ردد لنفسه: (( عصفوران جميلان لهما عضلات! )) رسم العنق، وقال مثلج الصدر: (( كل شيء على ما يرام! )) أنهى رسم الشفتين، والعينين، أطلق الشعر، وأراد أن يرسم الخصر. تردد، وهو يحفر السرة. كان قلمه قد استقر هناك، وراح يدور بقلمه هناك حتى عمل فتحة. قال: (( هذه هي السرة، ومن الوراء الأحشاء! )) كان في رأيه أن شعبان قد انتهى، أما محمود، فقد حصل على أرضه، حصل على الأرض، أرض محمود الذي صار لا يسوى دونها بصلة، لقد أصبحت الأرض ملكه، أخذ يحفر داخل الصرة، وهو يظن أنه يمزق الأحشاء، كان يقول: (( الآن أُصْبِحُ سيدًا! )) توقف عن قتل الأحشاء، فرسم الحوض، وأتقن صنع الفرج، الساقين، لوث الفرج بالمداد، وراح يفكر في ريتا. تحول أسفل خافق القنديل إلى خنزير صغير، ارتخت أوداجه، وتهدلت وجنتاه، وصارت له عينان غائرتان. تبدى له شعبان، وهو يقف متحديًا إياه، فكر: سأحذفه، وبعدها ستركع لي، نعم، ستركع! فجأة، شنج أصابعه على الرسم، أتى على رسم عاهرة، ولم يكن يسره ذلك على الإطلاق. مزق الرسم، وألقاه. رأى كيف تساقطت في حضنه بعض الأعضاء، فزمجرت في حلقه رغبة قاتلة، في داخله، القتل في الداخل، في الداخل، هكذا كان يفكر: (( القتل في الداخل!)) اكتشف على الطاقة قفصًا فيه طائر لا ينام، يضرب بجناحيه دون توقف. مد أصابعه المشعرة، وألقى القبض عليه. ضغط بكل قواه حتى سحقه، وتركه جثة هامدة. أمسك بورقة أخرى، وكتب في رأسها الأعلى: شكوى، ورسم حولها قوسين، ثم أردف أول السطر: سيدي، ووضع نقطتين فوق بعضهما، ترك سطرًا، ثم أخذ يصوغ النص التالي:
أنا الموقع أدناه، يعقوب إيبان، يهودي مخلص، أرفع شكواي إلى السيد حاكم المنطقة ضد المدعو محمود عبد النبي حسين وشريكه المدعو شعبان الحاج داود اللذين تجرآ على مهاجمتي في بيت المدعو الأول وسرقتي ألفي دولار، هذا وبوصفي صاحب حق، ومعتدى عليه، أطلب من السيد الحاكم أن يصدر أمره بما يعيد إليّ مالي وحقي، ويضمن استمراري على العيش كمواطن صالح دون عنف وبأمان. إنني، يا سيدي الحاكم، أعتبره عملاً إجراميًّا بشعًا ضد شخصي، وأنا أنتظر الإجراءات الرادعة والسريعة التي ترد لي كرامتي وشرفي المهان.
ولكم مني سيدي الحاكم أسمى آيات الولاء
المخلص: يعقوب إيبان
رمى يعقوب قلمه، واستلقى على السرير، فانزلقت كرشه على الجانبين. بعد قليل، راح يفكر: (( سأسلم الشكوى غدًا صباحًا في الساعة الثامنة، سيوقعها الحاكم في الساعة التاسعة، وسيكون الأمر بالتوقيف قد مشى من دائرة الحاكم في الساعة العاشرة ليصل إلى هنا في الساعة الحادية عشرة، وفي منتصف النهار، يتم القبض على المتهمين.

* * *

منذ الصباح الباكر، أحاط رجال الدرك بعمال الكيبوتس اليهود المضربين، وفي ساعات الصبيحة الأولى، طلب رجال الدرك إلى العمال العودة إلى أعمالهم، والعودة عن مطالبهم. وقبل منتصف النهار، حطموا حلقاتهم بأعقاب البنادق، وأوقفوا الرؤوس (( المخربة )) منهم.

* * *

- وكيف هذا؟
قال أحد الفلاحين، وهو يقترب من فلاح آخر برأسه:
- لقد سبق أن قلت لك، لا بد أن يحصل أمر من هذا، طرد الأهل، ومصادرة الأرض، رغم أن السمسار هو القاتل! (سكت قليلاً متلفتًا، ثم أردف): وما هذه سوى البداية، وسيلحقك الدور.
مال الفلاح الآخر، وهو يتنفس كمن يعوم في وجهه:
- أنا تنقصني الثقة، الثقة فقط ما ينقصني، أما الشجاعة، فموجودة.
نفر من كلماته وأنفاسه، فلوح بذراعه، وقال، وهو يطحن أسنانه:
- لا تقل لي (( الثقة ))، فلدي تأكيدات.
انحنى بحركة يقين، والمسلم إلى جانب قاسم يتابع الحوار، ومحمود يخلط مجموعة كاملة من أوراق العنب، وهو يفكر أن المال بيده، أن المال بيده.
قال الرجل بصوت نصف منفعل:
- (( المنظمة )) بحاجة اليك، وأرضك بحاجة إلى (( المنظمة ))، انخرط، والمحامي إياد يضمن لك (( الثقة )) هذه، ألا تثق بالمحامي إياد؟ وإلا ضاعت الأرض.
بدا على الآخر أنه مرتبك تمامًا، وعندما رفع عينيه رأى المسلم ينظر إليهما، فشد زميله من يده، وهو يحدج المسلم، وقال له:
- تعال.
ونهضا ليجلسا في زاوية من المقهى بعيدة.
أسند محمود ظهره إلى الحائط، وهو يخلط أوراق اللعب دومًا، بينما بدأ قاسم والمسلم يلعبان البوكر. عادت ترن في رأس المسلم كلمة
(( انخرط )) كجرس الكنيسة، فرمى بنظرة إلى الشابين الفلاحين، ووجدهما يشكلان توأمًا متنافرًا لم يعط بعد معنى الانخراط. سمع قاسم يقول لمحمود:
- استدعاني قائد الدرك، ألم أقل لك؟ فبعد مقتل ضابط المخفر يريدون بعض المتعاونين. قال لي (( أبوك من جماعتنا، وعليك أن تعمل معنا! )) وقبل أن أطرق الباب في وجهه، قال لي: (( إن الدروز شعب اختاره الله في المرتبة الثانية بعد شعبنا، وطلب منهما التعاون معًا لبناء أرض الميعاد! )).
ابتسم محمود بمرارة، كان يشغل باله ما ينوي القيام به بعد عدة ساعات، راح يلعب الورق وحده، وهو يفكر: لربما لا أجد الحظ!
أخذ المسلم يصيح كالطفل لأدنى سبب، وقاسم يسبه دون أن يقهقه كعادته. كانت هناك طاولات قصيرة مستطيلة، فرشوا عليها حجارة الدومينو، وطاولة نرد واحدة يلعب عليها شيخان في مقهى فلسطين. تعلق محمود بحاجبيهما، وفكر: (( هذان شاهدا الحرب سنة 48، وربما شاركا فيها... ))
رمى المسلم الأوراق، ووجهه يتوهج كالجمر:
- إنني أوقف اللعب!
التفت إلى محمود، ورفع صوته المحتقن:
- يسرق، وأنا أراه، وهذه تسمى البوكر... البوكر!
جمع له قاسم أوراقه، وقال معتذرًا:
- لن أعاود!
لكن المسلم ظل حانقًا.
قال قاسم:
- هذا لأني على وشك أن أهزمك!
استعاد المسلم من يده الأوراق بقوة، وهو يدفع كتفيه بتحدٍ:
- اهزمني إذا كان بإمكانك!
عاد محمود إلى أوراقه، فرش بعضها على كرسي القش، فرنا إليه قاسم، وقال للمسلم:
- ما له اليوم؟
رمى المسلم ورقة، وهو يقول:
- آس.
بعثر قاسم الأوراق، فألقى عليه المسلم بنظرات زائغة. كان قاسم على غير عادته، كان يتألم. التفت محمود إلى قاسم، وقاسم يدخن، وينفخ تباعًا:
- لماذا أوقفت اللعب؟
فسب قاسم:
- أنتم كلكم أبناء كلب اليوم!
- ماذا بك؟
- لست أدري، شيء ما يقبض لي قلبي!
قال له المسلم:
- أعطني سيجارة.
أعطاه، وأشعلها له، وبعد دقيقة، تركهما المسلم، وخرج. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر، وقد أخذ المقهى يخلو من الزبائن بعد فنجان قهوة الغداء. مر صبي المقهى بقاسم، فرآه متعكر المزاج مما دعاه إلى سؤال:
- هل تريد شيئًا، يا قاسم؟
نظر قاسم إلى محمود، فرآه يلعب الورق وحده، ووجهه الكيّس لا ينبض بالحياة، أعاد النادل السؤال:
- هل تريد شيئًا، يا قاسم؟
عندما أعطاه النادل ظهره، ناداه:
- أحضر لي كأس ماء.
فابتسم صبي المقهى. رأى محمود الابتسامة، فانقبض قلبه. رفع يده إلى صدره، وراح يجسه من كل النواحي، وهو يضغط قلبه. رمى ورق اللعب في الفراغ، فتناثر كالفراشات. سقطت ورقة عند قدمي قاسم، رفعها، وقال بتأن:
- ملك!
وأراه إياها، فاهتز محمود من أعماقه. رمى قاسم الملك، وجاء صبي المقهى بكأس الماء. وضعها على غير عادته، وضعها ببطء لا بحركة البهلوان التي يعملها دومًا. كان النادل ينظر إلى الاثنين، وهناك كان أب مع طفلته، ففكر في ابنته الصغيرة، واعتصره القلق.
دخل عمران المقهى بعجلة، وطلب قهوة بسرعة، شربها على دفعتين، رمى صاحب المقهى بالثمن، وخرج بعجلة كما دخل، فخبط قلب محمود خبطة سريعة واحدة، ثم عاد يخبط بطيئًا كالماضي.
قال قاسم:
- هيا نعمل دورة بالسيارة.
ومحمود متيبس التقاطيع:
- لا أريد. اذهب وحدك.
لكن قاسم لم يذهب وحده، أشعل سيجارة ثانية، وراح يشعل القداحة، ويطفئها، متأملاً اللهب. راح يشعلها، ويطفئها، يشعلها، ويطفئها، يشعلها، ويطفئها، وصوت القداحة يعمل في رأس محمود طرقة تلو طرقة. لم يعد باستطاعة محمود الاحتمال أكثر، التفت إليه، ورجاه:
- هل لك أن تتوقف؟
استجاب له قاسم، لتكتسح الجو طرقات حجارة النرد المتقاذفة. أحس محمود بفعل الطرقات كالشاكوش على رأسه، ولم يكن بإمكانه إيقافها. ود لو يصرخ بلاعبي النرد: ((أوقفا ذلك، يا أبناء الجن! أوقفا ذلك!)) لكنه لم يكن ليجرؤ، فهو لا يعرف الشيخين، ومقهى فلسطين ليس ملكًا له، كان المقهى لكل من يريد الدخول فيه، بدا الشيخان مبتهجين تمامًا، وهما يرميان بالضحكة تلو الضحكة كطفلين صغيرين يعبثان بقطع الحلوى. صاح أحدهما فجأة بصوت هزم الجميع:
- لقد هزمتك!
إذا بالمسلم يدفع باب المقهى بسرعة البرق، والكلمات تخرج كالطلقات من حلقه:
- هناك سيارة عسكرية، وثلاثة من الدرك قادمون.
نهض محمود قائمًا، وارتد الشابان اللذان في الزاوية بحذر إلى الوراء، كان جنود الدرك قد دفعوا الباب.
نادى أحدهم:
- محمود عبد النبي حسين.
وجس قاسم عنقه، ومحمود يقف كالحطبة:
- أنا هو.
نبر الدركي:
- تعال معنا.
سار محمود دون أن ينبس بكلمة، وعندما وصل قربهم، سأل الدركي، وهو ينظر إلى قاسم:
- أين شعبان الحاج داود؟
أجاب قاسم:
- وما يدريني؟ لم يأت اليوم إلى المقهى!
أخرج الدركي الآخر من حقيبته الكلبشات، فنطق محمود بصعوبة:
- ولكن لماذا؟
- سيقولون لك في المخفر.
ودفعوه من أمامهم، فصاح المسلم بهم:
- من غير المعقول أن تأخذوه هكذا، فهو لم يفعل شيئًا!
التفت الدركي إليه بوجه صنمي، وقال بتروٍ مفتعل:
- اقفل فمك!
جرى المسلم مع قاسم حتى السيارة العسكرية، وقبل أن ينطلق رجال الدرك بمحمود، صاح به قاسم:
- لا تخف، سأذهب إلى أبي على التو، وأخبره بما حصل.
تجمع الناس، وريتا وأولغا تعبران من هناك. كانت ريتا تقول لأولغا: غدًا سأكلم الحاكم العسكري ليعمل على إدخالك في كلية الصحافة. قفزت أولغا هاتفة: يا ليت، يا ريتا، يا ليت! أنت وحدك من يمكنه مساعدتي. لم تشاهدا محمود، وهم يأخذونه. نادت أولغا على قاسم، وهو يجري نحو سيارته، ومن ورائه المسلم، ولما رأياها، اتجها إليها دون أن تتوقف عن الابتسام بعذوبة. عندما لاحظت سحنتي المسلم وقاسم المنسحقتين، انغلقت تعابير وجهها، وسألت:
- ما الذي جرى؟
أشار قاسم إلى الناحية التي عبرت منها السيارة العسكرية، والمسلم يلتصق بكتفه:
- أخذ رجال الدرك محمود إلى الحبس، وهم يبحثون عن شعبان.
سقط قلب ريتا:
- شعبان!
قال المسلم:
- لم يفعلا شيئًا، وها هم يرمون الناس في الحبس بلا أسباب.
لكن ريتا لم تبق لسماع آخر كلماته، تركتهم كمن في رأسها مس من جنون. راحت تجري بكل قواها، حتى إن المسلم قد أوقف الشد على يد قاسم مبهوتًا لرد فعل ريتا. كانت أولغا تسمع لهما مفغورة الفم، وبعد أن تمالكت شعورها صاحت بريتا:
- انتظري، يا ريتا، كي آتي معك.
لكن ريتا استمرت تركض لا تلوي على أحد. أثارت سيارة قاسم الدخان، وعفرت عجلاتها التراب، فصاحت أولغا به:
- وماذا عن الغد؟ هل ستأتي لاصطحابي؟
كان قاسم قد ابتعد، والعجلات على وشك أن تتمزق مع دورة الطريق. اخترقت رأس أولغا صيحة المحرك، فخلف لها ذلك بعض الدوار.

* * *

والقطة تجلس من أمامه ساكنة، كان شعبان يمسح بقطعة قطن ماسورة البندقية بعد أن حشاها بسلك رفيع، وبدأ يداعبها كطفل صغير. راح يفرك زنادها، ويلمح كتفها، وما لبث أن رفعها بين يديه، وهو يروزها، فيتدفق الدم الحار في عروقه، ثم فطن إلى القطة المراقبه له كالضابط من أمامه، اقترب بالبندقية منها، وقال محدثًا إياها:
- هذه قطعة سلاح كما ترين.
لكنها راحت بغضب تهمر، أعطته ظهرها، وذهبت، وشعبان يقول لها:
- نضغط هنا (مشيرًا إلى الزناد) فينتهي كل شيء.
عبأ شعبان البندقية بالرصاص:
- كل حبة من هذه مقابل إنسان.
ضحك شعبان بمشقة، وقال، وهو يضغط أسنانه:
- كم هذا تافه! أليس كذلك؟
سمع الباب الخارجي يفتح ويغلق بطريقة جعلته يخبئ السلاح تحت المخدة، وسارع إلى الطلب ليطمئن أن القادم ريتا:
- أهذه أنت، يا ريتا؟
وصلت ريتا إليه، واستندت إلى باب الغرقة عاجزة عن جمع أنفاسها، أمسكها شعبان من يديها مرتابًا، وسألها قلقًا:
- ماذا حصل؟
أحست ريتا بالعرق يسيل منحدرًا في ظهرها، حملت رأسها بين يديها، وجلست على طرف السرير، ثم رمت شعرها إلى الوراء، وقالت:
- لقد حبسوا محمود، وهم يبحثون عنك.
وكأن أحدهم أمسكه من كتفيه، وخضه كزجاجة الدواء. مال إليها غير مصدق ما سمعه، وسحب من فمه الكلمات سحبًا:
- ماذا تقولين؟
نهضت ريتا، وهي تقذف حذاءها في الهواء. قالت، وهي تعجله الاختفاء:
- يجب أن تختفي فورًا.
أسرع شعبان، لبس سترته، ودار حولها مترددًا، ثم انحنى، ومن تحت المخدة تناول البندقية، لكنها أمسكته من ذراعه، ونبرت متوسلة:
- لا تأخذ هذه معك، لا تأخذها، فلن تحتاج إليها.
رمق شعبان بغضب ذاك الوجه المنهار، أبعدها عنه دون أن يفوه بكلمة، ولف السلاح بعناية، فصاحت ريتا:
- ها أنت تلجأ إلى القوة في الأخير!
أخذ ينظر إلى السلاح وإلى دموع ريتا التي على وشك السقوط، وقد أيقظت صيحتها كل الموتى الذين في صدره. اقترب منها، وقال، وهو يفكر كيف يرد عنها ألمها:
- لا تعذبي نفسك، يا ريتا، فأنا... (كان يفكر: تتألم من أجلي!) فأنا لن ألجأ إليها إلا عند اللحظة التي تصبح فيها حياتي أبخس من طلقة رصاص.
شبكت يديها بلهفة حول ظهره، وشدته اليها:
- وأين ستذهب؟
تردد قليلاً، لكن الدموع المتساقطة من عينيها الجميلتين محت كل توجساته، قال شعبان:
- سأدخل الضفة.
كان شعبان مغتمًّا، لا يحب بطبيعته مشاهدة الدموع. انتظر أن تقول له شيئًا، إلا أنها بقيت ترنو إليه، وكأنها دخلت الضفة معه، فمسح بخلف أصابعه على خدها، وقال:
- يجب أن أذهب، فالوقت ثمين!
تعلقت ريتا على كتفيه، وقبلته، ثم أطلقت آهة حرى:
- ستنسى ريتا هناك، ولن يمضي كثير من الوقت حتى أصبح، في نظرك، واحدة من العدو.
صرف شعبان بأسنانه، وهو يشد السلاح في قبضته، وقال:
- لن أنساك، ولن تصبحي، يا ريتا، واحدة من العدو في نظري.
لكنها فكرت: (( سأفقده إلى الأبد! سأفقده إلى الأبد لا محالة! ))
راحت تجري في الممر:
- سأحملك بعض ما تأكله في الطريق.
كان شعبان قد اتجه نحو الباب:
- لا تكلفي نفسك، فسأتدبر أمري.
ومع ذلك، غابت ريتا في المطبخ قليلاً، وعادت بكيس مثقل بالمؤونة. سألها شعبان:
- هل ما زال رجال الدرك يجوبون القرية؟
أجابت، وهي تتبع من ورائه:
- ليس هناك غير الذين يبحثون عنك (وأردفت): لا تذهب عبر القرية.
قال شعبان:
- سأقفز من فوق جدار الحقل القائم خلف الدار، ومن هناك، أشق طريقي.
نزل الدرجات الخارجية، فسارعت ريتا إلى مناداته:
- شعبان!
كان يريد أن يرحل بأقصى سرعة، قالت ريتا، وفي حلقها حجارة:
- انتبه إلى نفسك جيدًا.
مضت بضع لحظات أحسها تقف على كتفيه بثقل الوقت الذي يعوم العالم فيه، وصار شعبان على وشك الرجوع إليها، والارتماء في أحضانها، طالبًا منها أن تمنعه من الذهاب، وعلى حين غرة، أدركه ثقل السلاح على كتفه، فانتزع نفسه، ونزل باقي الدرجات الخارجية، ثم تسلق الجدار، وارتمى في فضاء الحقل المترامي.
* * *
(( إنني أبدأ مغامرتي! ))
كان شعبان مثلج الصدر، في نشوة عارمة من الفرح، رغم ما تصنعه خفقاته من حكاك عنيد بين قلبه وجدار صدره. عبر بيارة برتقال، وخلال عدوه كسر بعض الأغصان، وترك من ورائه آثارًا على الأرض، إلا أنه لم يكن يفكر أنه يترك من ورائه أثارًا، ولم يكن يفكر أنه يصنع بقدميه حفرًا لها شكل الحافر، لا ولم يكن يفكر أن له هاتين القدمين اللتين تعملان عمل الخيل، ولا ذاك الصدر العريض الذي تتحطم عليه أغصان الشجر، لم يكن يفكر أن غصن برتقال ذا أعراف قد سقط بعد عبوره، وكان ذلك أمرًا حزينًا: ألا يفكر شعبان في غصن أعطاه كل اندفاعه. كانت هناك في رأس شعبان فكرة واحدة فقط ترد عليه كالنهر: إنه يصنع مغامرته! وها هو ذا يعدو في حقل ليمون. راح يفكر:
(( أنا أعدو، أنا أخاطب نفسي بصيغة المتكلم! )) كانت هذه قيمته: لقد فقدها منذ زمن بعيد، وفي اللحظة التي راح فيها يعدو استعاد قيمته، واستطاع أن يمسك بذاته. أحس أنه يبدأ من جديد، وأن فراغًا في صدره قد امتلأ. ولأول مرة فكر شعبان: (( إن قلبي يخفق! )) كان جميلاً أن يخفق القلب على مثل تلك القوة، أن يحس المرء بالخفق، وأن يسحق بيديه الدبيب السابق، أن يفجر في عروقه الحياة من جديد. لقد أصبح بأمره هو يسري دمه في عروقه، خفقة تلو خفقة، من قمة الرأس إلى أخمص القدم.
(( إنني أعبر مغامرتي! ))
راح شعبان يحث خطاه، وهو يوسع بينها صانعًا خط سير طويل عاجل، فهو يريدها مغامرة كبيرة بقدر ثلاثين عامًا. كان ذلك عمره، وهو طوال الوقت بقي متخثرًا أو متوقفًا على الظروف. كان شعبان محنطًا منذ ثلاثين عامًا، وقد بقي محنطًا طوال تلك الأعوام الطويلة في انتظار بعثه، في انتظار لحظة مثل هذه. وفي ذلك اليوم، جاءت لحظته. كانوا هناك، في مكان بعيد المنال، قد وضعوا للطفل لعبة، وقالوا له: اذهب وخذ لعبتك الجميلة أيها الطفل! نظر الطفل إلى اللعبة، فتعلق بها من أول نظرة، ورغب في امتلاكها، لأنها خلبت له لبَّه. أراد أن يذهب إليها، فمنعته بحيرة كبيرة من العبور، وكانت خلف البحيرة أسلاك، وكانت خلف الأسلاك تلال وتلال، وكانوا قد أشعلوا ما بعد التلال حقولاً من النار، ووضعوا بعدها مرآة كبيرة ليضاعفوا التلال والنار والأسلاك والبحيرة. توقف الطفل مغلوبًا على أمره، يائسًا، مندحرًا، أمام كل تلك الصعاب، التي اخترعوها له، بينما راح، يومًا بعد يوم، يزداد تعلقه باللعبة. والذي فعله، في النهاية، أنه قعد ينتظر متى يكبر. بقي الطفل ينتظر الأعوام تلو الأعوام، وهو يزداد باللعبة غرامًا. تحولت اللعبة في خياله إلى عروس، حتى أصبح عمره ثلاثين عامًا. كان قد فكر بعد أن صار رجلاً: (( إن هذا يكفي! )) وعزم على الرحيل من أجلها، أن يمتطي فرس الخطر. وها هو ذا شعبان يمتطي فرس الخطر، عاديًا وسط الأهوال، دون أن يثنيه شيء عما عزم. كانت هناك لعبة جميلة تنتظر شعبان، وهي في الواقع تستحق أن يركب المرء من أجلها الأخطار والأهوال. وكان على شعبان أن يأتي باللعبة، ولكي يأتي بها، كان عليه أن يذهب إلى إحضارها، فللعبة لم تكن أقدام.
وشيئًا فشيئًا خرج شعبان من نفسه القديمة، أو بالأحرى، خرج شعبان من شعبان. كان قد تخلص من نفسه القديمة، وطرحها من ورائه كأثر مثل غصن البرتقال، وكان شعبان يشعر في صميم قلبه بأنه جديد، رغم ثوبه الملوث وقدميه الغائصتين في الطين. فكَّر شعبان فيما كان يغزوه في الماضي من شعور بعدم القدرة، شعور أطعموه إياه، وأسقوه، وجعلوه يسري في عروقه كما يسري في عروقه دمه. كانوا قد طبخوا عجزه في أكله، في شربه، في حديثه، في نظرته، في ثوبه، في ابنته وزوجه، وأسسوا عدم القدرة في مجرد فكرة أنه موجود، في نهاره، في ليله، في صيفه، في شتائه، (( كان الشعور بعدم القدرة في الماضي يغزوه، وكانت به حياته عبدًا، هكذا كانت حياة شعبان في الماضي، أما في تلك اللحظة، فكان يخرج من نفسه إلى نفسه ))، كان يلتقي بنفس أخرى جديدة، وكان يريد أن يبينها بشعور من القدرة على صنع كل ما هو جميل، على صنع ما يرضيه هو على الأقل، إذا ما أنكر عليه الآخرون حقه في ذلك.
اهتز صدر شعبان، وبدأت أنفاسه القصيرة تتسارع أكثر فأكثر، كان يعدو. قال: (( أنا أعدو! )) كان ذلك حقيقة واقعة. وللمرة الأولى، حطت في أعماق شعبان راحة نفسية: إنه يقوم بفعل حقيقي، انه يعدو ليأتي باللعبة! كان ذلك أمرًا واقعيًّا، وفي ذات الوقت، أمرًا حادثًا ومستمرًّا. ردد: (( أنا أعدو! أنا أعدو! )) وكان ذلك كافيًا بالنسبة إليه، على اعتبار أنه يسعى من وراء هدف. كان شعبان يعدو، ويعدو، ولا يفكر في النظر إلى الخلف على الإطلاق. ولو خطر على باله ذلك، لوجد صعوبة في تحقيقه. لقد ترك الماضي، وفي الخلف كان الماضي، وفي الخلف كانت الأعوام الثلاثون، وكهف مظلم تركه في الخلف.
ولكن كان من العبث آنذاك أن يفكر في شيء من هذا، فلقد ملكت عقله المغامرة، أخذت عقله وقلبه، وبقيت وحدها تحدثه، وتهمس له في أذنه، وتصنع له خطاه. وهو حين قرر أن يبدأ، انتهى في ذات الوقت. وها هو يحاول كل جهده أن يحصل على شيء في المقابل، وإلا، فما الفائدة من ذلك؟ وإذا ما كانت النتيجة خاسرة منذ البداية، فقد كان أولى به أن يستسلم. جعله ذلك، طوال الوقت، يصر على أن يحمل رفضه. كان في صدد إعداد، في صدد بناء، خلق، كان في صدد كسب، وكان شعبان يقول في قلبه: (( لم أدرك يومًا أني غامرت منذ ثلاثين عامًا! )) كانت تلك ساعته، لحظته الموعودة. فكر لحظة كيف سحبوه من بين فخذي أمه، وألقوه في الأشواك، فانتابه الذعر، وتضاعفت وثبات قلبه. كان يكره ذكر ساعة مولده، لأنهم أخرجوه، وهم يؤلمونه. وكان وقتها قد راح يبكي، لأنهم كانوا يؤلمونه، ولأنهم كانوا يجهلون أنه سيظل ثلاثين عامًا، وهو يحلم باللعبة. ثم ما لبثوا أن حسبوا عليه حصة، واعتبروه كائنًا، أطلقوا عليه اسم (( الكائن البشري ))، وهو، في الحقيقة، لم يكن حيًّا كالكائن البشري الذي يعنونه، فالكائن البشري، الكائن الحي، كان يجلس بعيدًا عنه في طرف العالم، وكان هو لا يعمل سوى أن يراقب طوال الوقت، وكانوا هم طوال الوقت مطمئنين بعد أن عزلوه عن نفسه وعن العالم، وجعلوه لا شيئًا. فكر شعبان: (( كيف قدروا على ذلك؟)) لكنهم كانوا يسعون خارج المرايا. جسّ جيب سرواله، فلمس وثيقة العمل التي كانت ريتا قد أعطته إياها. أوجعه قلبه، وهو يفكر أنهم أرادوا تسجيله على اعتبار أنه مؤهل، وصاحب قيمة، وذلك بعد أن شيأوه. قال لنفسه: (( لم يكونوا يعطونه ليدوم، وكانوا يعطونه ليأخذوه وقتما أرادوا! )).
لقد بطلت فعالية الوثيقة في اللحظة التي أمضى فيها الحاكم ضده وثيقة الاتهام! فكَّر شعبان في المدة التي تفصل الإمضاء الأول عن الثاني، فأحس، وهو يدق بقدمه الأرض كالحافر، أنه احتفظ بالشعور بالكرامة حين رفضه للعمل المقترح، وكان هذا وحده ما رد إليه اعتباره.
قفز شعبان من فوق أحد جدران الطوب، وشعر بحركة ترد من بين الأشجار، فرفع قامته، وأخفى نفسه من وراء ساق. انتظر أن تتوقف الحركة عن تقدمها باتجاهه. بعد لحظات، لم يعد يسمع احتكاك الأوراق بالجسد. كانت قطع من الغيوم كبيرة تتساقط من كف السماء، ولم تكن هناك نسمة واحدة. رفع شعبان البندقية من وسطها، ودخل بين السيقان الثابتة عابرًا البيارة الكبيرة. بعد مضي بعض الوقت، عادت حركة حثيثة تأتي في أعقابه. نقل شعبان خطواته بخفة، وضاعف من سرعته، فتضاعفت الحركة، وعصفت في أذنه. توقف شعبان في الطرف الآخر من البيارة، بينما بقيت الحركة الآتية في أعقابه حتى مقربة وجيزة منه. حط شعبان البندقية على كتفه، وعلق كيس الطعام في عنقه، وفي لمح البصر، وثب من فوق السور، فإذا به يسقط في بيارة أخرى، كان عليه أن يقطعها، وبأقصى سرعة.
راح يجري بأقصى قواه، وكعبه يكاد يلامس رأسه من الوراء. وبعد أن قطع مسافة طويلة، أراد أن يقف ليلقي من ورائه نظرة تبعث على الاطمئنان، فمد ذراعه، وارتمى محتضنًا إحدى السيقان. وإثر رد الفعل المحتوي على قوة الدفع، عمل شعبان نصف دورة، وارتمى لاهثًا على الأرض. كانت كل عضلة من جسده تهتز، وقد راح يزفر بسرعة، وفي هذه المرة، انفصلت الحركة المطاردة له إلى اثنتين تريدان حصاره، وعلى بعد عشرة أمتار منه توقفتا. فكَّر شعبان بسرعة: (( لقد وقعت! )) شعر أن قلبه قد توقف عن الوجيب، وأحس في فمه طعم الزجاج. وبحركة عصبية، خلع عن البندقية الغطاء، وأشهرها. كان يقول في صدره: (( إذا كانوا يريدون إيقافي، فليأتوا! )) ولم يكن بمصدق أنهم لحقوا به على مثل تلك السرعة. راح يردد لنفسه: (( فليأتوا! فليأتوا! )) وقد عاد قلبه يدق بعنفه الأول: لقد قرر شعبان أن يقطع طريق حياته، فإما أن تكون له أو عليه. فكر: (( لن أستسلم! لن يمنعوني من الاستمرار! )) أخذ يعيد لنفسه: (( لن يمنعوني من الاستمرار! )) كان يدرك، بكل الأحوال، كيف سيكون مصيره.
هبط على الأرض، وراح يزحف بنظره بين السيقان الصامتة. رأى نصفًا أسفل لرجل، ونصفًا أسفل آخر أخذ يقفز في اللحظة ذاتها على رؤوس الأصابع قفزات متباعدة مع الطريق الدائر به. نهض بسرعة، وتلفت حواليه باحثًا عن منفذ. كانت الأشجار في كل ناحية، وعلى مسافة بعيدة، حتى أنه قلل من فتحة عينيه، فهو لم يستطع حصرها. فكر: (( ليس أمامي سوى أن أقطع كل هذا قبل فوات الأوان )). رمى كيس المؤونة، حط قدمه، واندفع. أخذ يتحاشى أثناء عبوره الاصطدام بالأغصان الكبيرة، على الخصوص، لئلا تعيقه عن العبور. راح ينتقل من طرف إلى آخر بلولبة تشبه حركة الأفعى، وفي أثره، كانت المطاردة محتدمة بعد أن تحولت إلى سباق طابعه العنف وبذل المستحيل: الوصول أولاً إلى الشريط الذي يعني الحد الفاصل للبيارة! وكان شعبان يفكر: (( لن أدعهم يسبقونني، فهذا يسمى شوطي! )) كان شوطه الأخير، وها هو يجري بكل قواه، بكل أعصابه، بقوة أحلامه، إلى أن قطع طريقه جدار عالٍ يصعب القفز من فوقه. دفع يديه عليه، واستدار باندفاع وتحفز، وهو ينفخ مشتعلاً لحرارة بدنه. كان يثني قدميه قليلاً، وهو يثبتهما في الأرض، على استعداد لتلقي ضربة من أحدهم، ولم يكن هناك سوى السكون. كانت آخر شجرة مر بها لم تزل تتحرك بأوراقها، فسحب أنفاسه، وأطلقها، وعزم على إتمام طريقه. فكر في كيس الأكل، لكنه، في النهاية، قرر تركه تجنبًا للخطر. همس بسعادة: (( أضعتهم! أضعتهم! )) وفي اللحظة ذاتها، سقطت على كتفيه، من فوق السور، كتلة ضخمة، حسبها شعبان، وهو يعجن تحتها، جسد حيوان مفترس. راح يقاوم مقاومة الحديد للطرق، لئلا يُسحق، ويُفتت. خيل لشعبان أنه بحاجة إلى قوة وجهد حصانين لنزع اليدين الوحشيتين وإبعاد الجسد الضخم الرابض عليه إلى أن استطاع، في الأخير، فك الذراعين اللتين تعصرانه. وبحركة مستميتة نفض كتفيه، وهو يقتلع الرجل من عنقه، قاذفًا إياه إلى الأمام، فإذا بالرجل يطلق صرخة مختنقة، وينلقب على جنبه. ورغم قامة الرجل الضخمة، إلا أنه طار خفيفًا كعصفور، ثم ما لبث أن انقض على شعبان، والتحم في عراك معه.
بعد لحظات، جاء رجل آخر من بين الأشجار، وهو يركض لاهثًا، ولسانه يتدلى لصق ذقنه القصيرة، والعرق يسيل على وجهه من كل ناحية. كان يحمل كيس المؤونة، وهو يبدو من الضخامة الأخ التوأم لمن يتعارك مع شعبان. اقترب منهما، وأحدهما يعتصر الآخر وقوفًا على الجدار، وأنفاسهما تتتابع قصيرة، سريعة، كأنفاس الأسماك المتساقطة في الشبكة. وبعد أن وقف يشاهد قليلاً صاحبه، غرس أصابعه في شعره، وجذبه إلى الوراء، بينما سدَّد له شعبان في منتصف البطن قبضة حديدية، صرخ على إثرها، وهو يقفز متوجعًا. تخلص الرجل منه، وخطا يريد الدخول مع شعبان في معركة جديدة، إلا أن توأمه قد منعه ساحبًا إياه من ذراعه:
- اتركه، فليس هو من نبحث عنه.
رد شعبان شعره إلى الوراء، وتناول بندقيته شاهرًا إياها في صدريهما، ابتعد الرجلان، وجمد كل منهما في مكانه. نظر إلى شكلهما الهزلي، فأنزل البندقية، بعد أن تبين له أنهما فلاحان معدمان. قال الرجل الذي جاء في الأخير:
- لقد أفلت منا الآخر.
وتابع، وهو يتقدم خطوة من شعبان:
- إنه سارق الدجاج، أما ما وقع، فهو خطأ، وسيغضب السيد الكبير منا.
بقيت عضلات شعبان متوترة، دون أن تعود إلى طبيعتها، لمح الرجل، الذي تضارب معه، وهو يقفل على صدره ثوبه الممزق، كان معجونًا بالخيبة. رأى شبعان أن من اللازم عليه أن يقول شيئًا، فرفع رأسه، وقال:
- كان من الممكن أن يقتل أحدنا الآخر لأنه خطأ!
أجاب الرجل بصوت متأثر، وهو يشير إلى صاحبه:
- إنه لا يعرفه، وقد كنت تجري في اللحظة التي أمرنا السيد الصغير فيها بمطاردة الآخر (أردف وهو يعتذر): فلتسمح لنا، نحن لا نقصد أن نلحق بك الأذى.
فكر شعبان في السيد الكبير والسيد الصغير، وهو ينظر إلى مخاطبه، ويقول لنفسه: (( يا لهذا العبد! ))
التفت إلى الآخر، رآه يقف كالعجل:
- وماذا تعملان هنا؟
- نحن فلاحان قديمان.
ثم أضاف:
- إننا نحرس بيارة السيد الكبير.
تكررت كلمة السيد من جديد، وقذفت شعبان كالسهم في رأسه:
- ومن يكون سيدك؟
رآه، وهو يرفع يده، لأول مرة، إلى جبينه، ويسحبها عليه. انتظر أن يجيبه، أحس أن الزمن يجري دون أدنى قيمة، وبدا له أنه يقف بلا وزن، رغم تلك القامة الضخمة التي كانت في الظاهر، له، وفي الحقيقة، للسيد. رأى شعبان أن الرجل الذي سقط على كتفه كالصخرة يقف بوجه مكتئب، وقد بارحته تلك القوة الجبارة التي ظنها ملكه، بان ضعيفًا، موهونًا، وكريهًا، يفتح فمه، كالأبله. رمى الرجل الثاني لشعبان كيس المؤونة، فتلفقه، والرجل يقول:
- لقد سقط منك.
وضرب بظاهر يده على كرش صاحبه:
- علينا أن نعود بسرعة.
فلم ينبس صاحبه بكلمة.
وقبل أن يستديرا، ألقيا على شعبان بعض النظرات المرتابة، وكل منهما يرمق السلاح على كتفه بقلق وتردد. أعطياه ظهرهما، وسارا بضع أمتار، فصاح شعبان بهما:
- هيه!
التفتا إليه، كان شعبان قد سار قليلاً في اتجاههما:
- لم تقولا لي من هو سيدكما.
فرمقاه والبندقية من جديد، وهما يتجردان من قواهما العظيمة ليصبحا كجرذين ضخمين عاريين. أغضبه ذلك، بينما راح الرجلان يجريان كفرخي إوزة، فلم يتمالك نفسه عن الصياح مرة أخرى:
- إياكما أن يفلت من يدكما في المرة القادمة لئلا يغضب سيدكما!
كان غضبه لهما وليس عليهما، وكان غضبه نقيًّا، فهو لا يحقد على الرجلين. اقترب من السور، وراح يتفحصه، ثم دفع أطراف يديه وقدميه في شقوقه، وتسلقه بخفة، ومن فوقه قفز إلى أحضان الأرض. وهو يستقيم واقفًا، جاء من خلفه صوت أبيض يزدحم بالعرفان والتهيب.
- أشكرك!
ارتعدت أوصال شعبان لحظةً إثر سماعه الصوت المفاجئ رغم ما يحتويه من حرارة، وعندما استدار، رأى شابًا في الخامسة عشرة، وجهه جميل، وابتسامته واسعة، يشد إلى صدره دجاجتين. اقترب منه شعبان، وقد عاوده الاطمئنان، وقال:
- إذن، فهو أنت!
خفقت أهداب الشاب، وانزاح عن السور مبتعدًا:
- إنني أسرقها لكي أبيعها، فنحن عشرة، وأنا هو الأكبر، وليس باستطاعة أمي أن تطعمنا جميعًا.
راح شعبان يحدق فيه:
- أنت لك أب، أيها الفتى، أليس لك أب؟
أجابه، ورأسه ينحني كالعود الطري يمنة ويسرة:
- لا أعرف إن كان حيًّا أم ميتًا، لقد تَرَكَنَا سنة 48، وعاد، ليتركنا مرة أخرى.
أخذ شعبان يفكر في السيد من جديد، ألقى نظرة إلى الدجاجتين، وقال لنفسه: (( هذه إذن دجاجات السيد، وهذا هو السارق، سارق الدجاج الصغير! ))
قال له شعبان:
- عليك أن تقلع عن السرقة، فهي مهنة غير شريفة.
خفقت أهداب الصبي من جديد، وصعد الدم إلى وجهه. أراد شعبان أن يقول له: من الواجب أن يبحث المرء عن عمل شريف. لكنه لم يفتح فمه، كان قد عاد إلى قلبه وجعه. رفع يده، وضغط على ورقة الحاكم في جيبه. كان ذلك يسمى عملاً، لكنه عمل كالسرقة، الفرق أنه عمل يؤذن به، وتعطى له وثيقة. عاد يقول لنفسه: (( هذه إذن دجاجات السيد! )) أراد أن يقول له: السرقة مهنة غير شريفة، أما دجاجات السيد، إذا ما حصلت عليها، فهي حلال عليك، فما هي سوى (( سرقة شريفة ))، سرقة يطارد من أجلها رجلان ضخمان كل واحد منهما كالثور! وهذا... كم هو سار لو تعرف! يبعث على الضحك من الخواصر!
قال شعبان محذرًا:
- احترس جيدًا، فهم يريدون أن يوقعوا بك، وإذا أمسكوك قطعوك إِربًا.
ضرب قلب الشاب بعنف، وراح يحدق في البندقية. تركه شعبان، وذهب مهرولاً، مما جعله ينادي:
- اسمع...
التفت إليه، كان الشاب قد وصل قربه:
- خذ واحدة لك، خذ السمينة، وسأكتفي ببيع الأخرى للعشاء.
مد شعبان يده إلى شعره، وأشعثه له:
- لست بحاجة إليها.
لكن الصبي عاد يسأل:
- أليس لك أولاد؟ إن كان لك ولد، فسيفرح بالطائر، وسأكون سعيدًا.
لم يخطر ببال شعبان أن أحدهم سيسأله، وهو على مثل حالته تلك، عن أولاده: تذكر أمينة والبنت، وقال: لم أودعهما. تحرق شوقًا إليهما، ولم يفه للشاب بكلمة. انطوى الشاب على نفسه، وراح يجيل النظر بين شعبان وسلاحه، وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستفهام.
أعطاه شعبان ظهره، وراح يعدو، فصاح الشاب من ورائه:
- أدعو لك بصيد طيب!
رن قول الشاب في أذنه: (( أدعو لك بصيد طيب! )) وقال لنفسه: ((ليس لدي من أعود بصيدي اليه! )) أمينة تركها دون أن يقول لها كلمة! حقًّا لقد انتزع عنه الماضي، ولكنه لم ينتزع أمينة، كانت أمينة والبنت تشكلان بالنسبة له عالمًا خاصًّا، وكان يعز عليه أن يترك ذاك العالم من ورائه.
جاء هضبة معشوشبة، وقف عليها، وألقى نظرة بعيدة، نظرة عميقة تحتوي مرج ابن عامر بأكمله. كان المرج السندسي ينطرح أمامه مفتوحًا كالكف، فعزم على أن يهبط بسرعة متابعًا الطريق صوب غايته. بعد ذلك، سيبعث في طلب أمينة والبنت، سيبعث إليهما طيرًا يحمل ورقة. وإذا لم تستطع أمينة أن تأتي، عاد من نفس الطريق، وأحضرها. لربما لن يحوجه، وقتذاك، إلى عمل مثل تلك الدورة الكبيرة، سيقطع الخط العمودي الذي بقدر الشبر، والذي يصلها به. ستكون الأسلاك قد زالت، فهي تبدو شاذة تمامًا، وهي تغرز أشواكها في الأرض.
أثناء هبوطه الهضبة، شاهد على الطريق الترابية الشاقة للسهل سيارة عسكرية تعبر بسرعة، وهي تترك من ورائها غبارًا. ثارت غيوم الغبار في سماء صدره، وفي آفاق عينيه، فجثا على قدميه، وراح يراقب السيارة العسكرية، وهي تبتعد، حتى اختفت مع الطريق. نظر شعبان إلى الشمس المبحرة نحو الغرب، وفكر: (( ستغيب الشمس عما قريب! )) كان من الجنون أن يبقى في مكانه منتظرًا مغيبها، وأكثر من جنون أن يواصل طريقه بسلاح على كتفه، فلن يفكر أحد إذا ما رآه، أنه ذاهب إلى الصيد كما فكر الشاب الصغير. إن من هم على مثل حاله يعتبرون في نظر الكل (( أناسًا خطرين! )) قال لنفسه، والنظرات المستريبة للفلاحين المملوكين تعاوده، إنهما وشيا به، وهذه السيارة العسكرية ما هي سوى البرهان. بدأ يحث نفسه: (( يجب الاختفاء، الاختفاء... يجب الاختفاء بأية وسيلة! )) كان شعبان على سكونه يلهث، وصدره يدنو من خافق الأرض: (( يجب الاختفاء، الاختفاء... يجب الاختفاء بأية وسيلة! )) ونظر إلى الشمس مرة أخرى.
فجأة، وصله صوت ناي، كان يغني للشمس وللخراف وللكلب المتمدد في الظل، كان يغني للروابي، وكانت أنفاس الراعي اليهودي إسحق النافخها في القصبة ينفخ معها الروح، فترتمي على صفحات الوجود بنغم عذب حزين. شد الناي قلبه، فراح يعدو صوبه، صوب النغم الذي يعرف صاحبه تمام المعرفة. تذكر شعبان الراعي إسحق، وتذكر القصبة العتيقة، والنغم العتيق، تذكر أيام طفولته، وكيف كان يتركه أبوه عند الراعي الطيب ليقضي فصل الربيع. كان الراعي وأبوه قد نشآ معًا، وتربى كل منهما في عراء الأرض، فذاقا خشونتها وحلاوة الكد من أجلها، وقد أحبا بعضهما من خلال حبهما لها، وكثيرًا ما قالا:
(( نحن خلقنا الله وخلق الأرض! )) كان شعبان يتركه أبوه ضيفًا على الراعي، ليكتسب من الأرض الخشونة، ومن جولة الصباح إلى المساء في المراعي الصبر، وحب الحشائس، والحيوان. ازداد حنين الناي انسيابًا، فرقي شعبان صخرة، وإذا به يطل عليه: إنه الراعي الشيخ الطيب إسحق! هذه نايه، وهذه خرافه، وهو كالعادة يجلس على العشب، وإلى جانبه عصاه. ما اختلف عن الشيخ القديم، أن شعر رأسه ولحيته قد طال عن الماضي، وأن اللون الأبيض كان جديدًا. أعوام طويلة مضت لم ير شعبان خلالها الراعي، منذ اليوم الذي منعوا عليه الخروج من القرية إلا بتصريح. كان ذلك مؤلمًا ألا يذهب إليه، فقد علمه الراعي إلى جانب حب الأرض الصبر وبعض الحكمة:
- هكذا إذن، أيها الراعي الطيب، ها نحن نلتقي في الأخير!
أبعد إسحق الناي عن شفتيه، وتطلع إليه بنظرات تعوم فيها الذكرى والأيام القديمة، ولما عرفه، انفرد محياه، وأضاءت وجهه ابتسامة تقوى، وفرح صامت ما لبث أن انقلب إلى تهليل، وهو يقوم مرتكزًا على عصاه:
- مرحبًا بك، يا ولدي!
تقدما من بعضهما بلهفة شديدة، وفي أعماقهما زغردة صائحة لعرس كبير. كان كل منهما ينجذب إلى الآخر بدغدغة غريبة تبدأ في القلب، وتنتهي على الشفتين المهتزتين. تحركت يد الراعي في الهواء، أمسكت كتف شعبان، وجذبته، فانحنى باتجاهه، وفرحه بلقائه كان عارمًا. كان إسحق يضغط الكتف بأصابعه الطويلة كما كان يفعل في الماضي، موجعًا إياه، وقد أخذه ضحك متدفق:
- أيها الابن البار، أيها الولد الطيب... يا أيها الولد الطيب!
غمر شعبان الدفء العميق، وأحس بعظام الصدر الناتئة، وهي تندفع في لحمه. أبعده الراعي عنه، كانت دموعه على وشك السقوط إذ صاح به شعبان متهللاً بالفرح:
- ظننت أنني لن ألتقيك ثانية.
سقطت دموع إسحق، لكنه جذب طرف دثارته بسرعة، ومسحها متداركًا انفعاله. تلألأت أسنانه القوية، وراح يدفع بيده على كتف شعبان دفعات حارة، وهو يهتف:
- لقد كبرت، يا ولدي، لقد عدت رجلاً كاملاً!
ظلا يضحكان بصوت عال ورنة نقية، وهما متماسكان. وبقيا يضحكان لمدة ليست قصيرة، والضحكة المجلجلة تخبو رويدًا رويدًا حتى انطفأت، وسقط كلاهما في البهيم. كست محياهما سحابة من الشعور المسبق بالفاجعة، وأخذ يرنو أحدهما إلى الآخر برجاء وعطف يعتورهما قلق هائل. أنزل شعبان بندقيته عن كتفه، وأطلق تنهدة حرى، ثم قال:
- لقد هربت!
جحظت عينا إسحق، وانثنت لحيته إلى الناحية الأخرى مع انبعاث نسمة هواء قاسية.
قال إسحق:
- أرض الله واسعة، يا ولدي! (ثم أضاف مغتمًّا): لكن ذلك سيلحق بك الأذى.
- لقد وقع الأمر، يا أبت.
- نعم ... لقد وقع الأمر، وأنت قطعت مسافة طويلة!
ماءت نعجة، على مقربة منهما، كان يطاردها كبش، فرفع الراعي عصاه الطويلة، وفصل بينهما قائلاً: ابقيا بسلام!
طلب إسحق من شعبان:
- اصعد التل، وانتظر عودتي مع الغروب، وسيلهمنا الله ما يمكن فعله من أجلك. أقصد الكوخ، وستقدم لك امرأة إسحق بعض الطعام وطاس الماء الذي تعرفه كي تغسل وجهك وقدميك.
لم يفعل شعبان شيئًا آخر غير الابتسام، وقد عادت تفعم وجه الراعي سعادته الأولى بلقائه. خطا شعبان باتجاه الكلب خطوة، فجرى، وقفز على صدره، وهو يثب وثبات حارة متتابعة. ترك الكلب يقبله، والراعي يضحك من أعماق فؤاده، وهو يردد: يا للكلب الأمين! يا للكلب الأمين!
التفت شعبان إلى الراعي الواقف طويلاً بجلبابه وعصاه، وقال: وهو ينزل بالكلب إلى التراب:
- لم ينسني.
- إنه كلب أمين!
نهض شعبان، والكلب يمسح بساقه عنقه، ثم قال لإسحق، وهو يسير، بينما يثني وجهه عليه، والخراف ترعى قرب نعله:
- أنا ذاهب، وسأنتظر قدومك.
رفع له الراعي يده، وضم أصابعه الطويلة، ثم ما لبث أن هتف:
- فليفتح الله لك الطريق!
كان شعبان يمر بالخراف، وهو يلامس فروة رأسها، والكلب يتبعه عن كثب. سمع الراعي يقول بصوت عال:
- لن يخبأ لك إلا ما فيه صالحك وصلاحك إن شاء الله!
اكتفى شعبان بتلويح الذراع، وراح يجري، والكلب الذي توقف بعد أن لحقه مسافة من المرعى قد أخذ ينبح، إلى أن ناداه، إسحق:
- تعال، دعه يعبر طريقه.
أتى الكلب سيده، وراح يلحس له جلبابه. قال إسحق للكلب، وهو يقرفص متكئًا على عصاه:
- إياك أن تعيق امرأ عن المضي في الطريق التي رسمها له الله. أسمعت؟ إياك!
ثم أخذ يشد الكلب من أذنه، والكلب ينحني بطاعة، ويطلق أنينًا متناغمًا ليس فيه شيء من البكاء.

* * *

سمع شعبان هذا الصوت:
- كررررر... كرك! كرك! كررررر... كرك! كرك!
قالت امرأة إسحق للحمائم:
- هيا، اشحذي مناقيرك!
كانت مجموعة من الحمائم تحيط بها، وهي تنقر الفتات التي تلقيها. أفرغت امرأة إسحق صحن القش الصغير، وراحت تضرب بطرف إصبعها بطنه لتزيل عنه آثار الخبز، دون أن تتوقف عن محادثة الطيور:
- اسمني جيدًا، ولتسمني جيدًا عليك أن تأكلي، وتشبعي، وعليك أن تكبري بسرعة، وتأتي بالأولاد.
تردد شعبان قليلاً قبل أن يخرج من وراء شجرة السنديان الواصلة أغصانها الأرض كشعر العذراء المسترسل ما دون الخصر، وفي النهاية، قرر أن يتجه نحوها، فرفعت رأسها، وثبتت وجهًا مربدًا عليه. كان قد برز فجأة، وكانت الحمائم لم تزل تنقر فتات الخبز باطمئنان دون أن يقلقها حضوره. أنزلت امرأة إسحق اليد الناقلة لصحن القش، وبالأخرى أحاطت فمها. كان قد وقف أمامها بهيئته الباعثة على الذعر، وهتف بها:
- مرحبًا، يا امرأة إسحق!
انتزعت امرأة إسحق يدها من حول فمها، ونبرت بعد أن عرفته:
- ليس من عادتي أن أتساءل إذا ما عبر امرؤ من هنا: ما الذي جاء به؟
كان شعبان يقبض على سلاحه من الوسط، ويشد ذراعه في زاوية إلى أسفل.
- يبدو أن وجودي لا يسعدك.
- حتى ولو كان ذلك صحيحًا، فلتغتسل، ولتطعم، وسينتظرك فراش نظيف ودافئ.
ابتسم شعبان، وهي ما زالت تنبر:
- لندخل، فأنا لا أرغب في البقاء هكذا أمامك، أما أنت، فلك شكل مرعب لو تدري!
مشى شعبان خلفها، وهو يرفع بيده الأخرى كيسه. سمعها تقول:
- أخشى أن يجلب لك هذا سوء الحظ.
وأشارت إلى السلاح، وفي نفس اللحظة تطايرت بعض الحمائم.
- لكم تغير ذلك الصبي الخجول الذي كنته!
راحا يسيران جنبًا إلى جنب، وامرأة إسحق لا تتوقف عن الكلام:
- يخيل لي أنك ذاهب لتقتل بشرًا!
كان شعبان طوال الوقت يبتسم إلى أن قال:
- إنني لا أفكر في قتل حتى الصرصور.
نبرت:
- لكنه سلاح لقتل البشر!
كانت الأصوات ترد إلى أمينة من بعيد، وهي تمر بيدها على شعر ابنتها الغائبة عن الوعي من شدة الحمى.
ثارت في صدرها أحاسيس شتى، ولم تقع على سبب مباشر. كانت صفراء كالورق اليابس، وفي ذات الوقت، كان يغلي في عروقها دم ساخن. قالت لنفسها: (( أريد أن أعرف! )) وهي من أجل ذلك، اتجهت نحو الباب بقدم عازمة، وعينين تحلق فيهما طيور البحر. وجدت نفسها، مع الخطوة الأخيرة، وهي تدفع نفسها في عرض الباب. مضت لحظات، وهي تحدق، ذاهلة: (( لا يمكن أن يكون هو! )) كان شعبان قد جمد في مكانه غير مصدق: (( إنها أمينة. . . هذه هي أمينة! ما الذي جاء بها هنا؟ )) وتسأل نفسها: (( من قال له إنني في عهدة الراعي؟ )) وما زال يقف مشدوهًا: (( لا! لا يمكن لي أن أصدق! )) وتساؤلات... تساؤلات... تساؤلات لا تنتهي! تقدم منها متأملاً ثوبها الأسود المغطي كل جسدها حتى أصابع القدم كأنها نحت من فحم، ورأى رموشها السود الطويلة، كيف كانت سهامها تقصد قلبه. كان وحده من يتقدم، وهو ذا ما انفك يقول لنفسه: (( القامة السوداء هذه لي! )) نظر إليها بعينين واسعتين تفيضان حزنًا، وتوسلاً، وحبًّا. راح يفكر: (( لا يمكن لي أن أعرف وحدي ما الذي جرى! )) انطلقت سهام رموشها السود، واصطخبت أمواج ثوبها الأسود، كانت قد أعطته ظهرها، فرأى شعر الليل، وغابت في الداخل، بينما صعد الليل في حلقه، وفي قلبه، وفي عروقه، وفي مسام شفتيه. وهو في وسط الحجرة، نظر إليها، وهي تضم طفلتها إلى صدرها، وتبكي، ثم ما لبث صوتها أن طلع في سماء الصمت، نابضًا قويًّا:
- قُلْتَ أنا ذاهب، ولتذهبوا إلى الشيطان! وها أنت ترى بأم عينك أي شيطان بعثتنا إليه! ولولا أن هناك قلوبًا لم تزل تحمل الرأفة، لما وجدتني والبنت هنا. إنني لا أكن بغضًا لأحد، ولكنني أتعذب لأن بعضهم يحمل الكره للآخرين، بسبب هذا الكره أتعذب، وإذا ما رأيت أحدهم يتألم، إنني أتعذب من أجل البنت، ومن أجلك. أما أنت، فلم تكن في نظري يومًا تقف من وراء تصرفاتك، وكان لا بد أن يحصل ما حصل، طالما أنك لا تعرف موطئ قدميك. لقد كنت أتوقع كل شيء، فلم أغضب منك يومًا، إن لم يكن غضبي لأجلك. حتى ولو حصل، وانتهينا، أنا والبنت، حتى ولو حصل، ولم ينقذنا الراعي الطيب، حتى ولو حصل، وانتهينا، ولم نلتق أبدًا، فلن أغضب منك، لأن الذنب ليس ذنبك، لكن أين أضع قدميّ سأظل أتعذب، لأنك حتى الآن لم تجد أين تضع قدميك. إنني أتعذب من أجلك، ولا أدري إذا ما كان عذابي وحده كافيًا، إذا ما كان سيتوقف يومًا.
جاء شعبان يضم ابنته إلى صدره، كانت تغيب دومًا عن الوعي من شدة الحمى، وكانت أمينة تبكي بصمت، وشفتها السفلى تهتز كالجناح الواهن. رفع رأسًا محطمًا إليها، كانت قد نقلت على كفها أعوامه الثلاثين كلها، وألقتها دفعة واحدة، من فوق هضبة شاهقة. رآها تبكي بسكون من يرفض البكاء، رغم حاجته الماسة إليه. كان شعبان يحتاج هو أيضًا إلى البكاء، وقتذاك، وكان يحتاج إلى البكاء يوم أمس، وقبل عام، وفي كل يوم، منذ ثلاثين عامًا. وراح في صميمه، في أعمق أعماقه، في أقصى فراغ في داخله، يتدفق نهر دم هادر. ابتهل: (( آه! يا إلهي! )) رفع أصابعه الراجفة على مقربة من عينيها، كانت أمينة شاحبة شحوب الموتى، واهتزت أصابعه، ففكرت: (( هذه الأصابع تخرج من الموت! )) مسح بها على خدها، وكأنه يمسح سيل نار. لم تصمد أمام لمساته، ارتمت في أحضانه، وانفجرت تبكي.

* * *

- اخلعي ثيابك!
انصاعت لرغبته، بدأت تفك أزرار ثوبها الأسود، وانحنت تفك آخر زر، ثم ألقت ثوبها على كومة تبن. ترددت في عينيه الثملتين قليلاً، فطرقها الحياء والخجل. كانت لا ترتدي أسفل ثوبها سروالها القصير ولا معلق النهدين، جمعت يديها بين فخذيها، واقتربت منه، ثم ما لبثت أن جلست قربه، وهو يتابع حركاتها بلهفة طفل، وقد استيقظت حواسه كلها رغم انتشائه الساحق. راح يتساقط بعينيه على مفاتنها كالشلال، وبعد أن اعتدل في جلسته، تناول عودًا من أعواد القش، وداعب به رمشيها، فخفقا، وخفضت رأسها بغنج. كان البغل في الحظيرة يراقب عن كثب، وكانت هناك ظلال وعتمة. نظر شعبان، مرة أخرى، إلى نهديها المنتصبين بجرأة في الفضاء. وأمرّ عود القش على حلمتيها الجميلتين، فخدرها ذلك، وأطلقت آهة، آهة خدر لذيذ. فجأة نهضت فزعة، وألقت بنفسها عليه، فمال للوراء، وأزاح البغل عينيه إلى الجهة الأخرى. أخذت تحس مليًا (( الخال )) على ذراعه، وهي تسحب ببطء الشعيرات النابتة فيه. التقم فمها، وثناها من تحته، وراح يلعب بيده على بطنها، أكثر ما كان يثيرها أن يلعب بيده على بطنها، أن يضغط السرة، وأن يؤثر فيها بأصابعه، فيرتفع جزؤها الأسفل، ويتساقط: كالساقية على المنحدر. أمام جرف الساقية له أخذ شعبان يبحث عن ملجأ: ذاك الليل الأسود الذي هو شعرها كان مأواه، وكان يعشق خصرها كواد خصب، وبأصابعه يجس صفحته، ويدعها تنحدر. وبحركة دقيقة، انزلقت قليلاً، فربض فوق هضابها كجذوع الشجر.
أنّت في الأخير، قالت:
- أعبدك، أموت من أجلك!
كان يمانع أن تجف معها آخر بحور نشوته، وهي تشده بقوة،
لا تريد أن تهرب من حبه، ومن قدرته، واستطاعته. ارتخت أمينة في الأخير، وتراخت، ثم انتهت، لقد انتهت. وبعد قليل، أخذ شعبان يداعب نهديها بيد أثقلها خدر الموت، والجسد من تحته صامت، له سخونة رمال الصيف. سقط بشفتيه على عنقها، وراح يرشف من بشرتها آخر قطرات الندى، ثم تركها تنهض، ونهداها يطيران كالحمام.
قال شعبان:
- لك نهدان جميلان!
خفضت عينيها الثملتين، رمت عليها ثوبها، وجلست على القش. ارتدى شعبان ثيابه، رفع قدمه فوق مشرب المواشي، وجاء ليجلس قربها. أحاطها بذراعه، فتثاقل كتف اللوز. رفع أصابعه، وراح يغرقها في شلال الليل. التصقت به، ونامت على كتفه.
قالت أمينة فجأة:
- أنا حامل منذ ثلاثة شهور.
التجم عن الكلام لحظاتٍ، ثم أمسكها برعونة من كتفيها، وأبعدها. لم تقرأ في عينيه ابتهاجه، ومع ذلك، قالت:
- هأنذا أزف الخبر إليك!
عاد يطويها على صدره، وهو يفكر: (( هذه هي نتيجة النكاح! )) أضافت، وهي تلعب بأناملها على شفتيه، وقبلاتها التي بطعم السكر لا تنقطع:
- ماذا سنسميه إذا كان ولداً؟
وما لبثت قبلاتها أن ملحت، وجذلها أن تلاشى. قال شعبان لها، وهو يقبض عليها من ذراعها:
- أنا لا أريده
اتسعت عيناها استنكارًا، وشعبان لم يزل يقول:
- حتى ولو كان ولدًا، فأنا لا أريده.
كان يوجعها، فتمالكت، وقالت:
- إذا كنت تريده أو لا تريده، فهو سيأتي على أي حال، إذ له من العمر ثلاثة شهور.
دفعها عنه، وراح ينبر:
- سأقتله! ورب الكعبة سأقتله!
بقيت لأمينة عينان تتسعان استنكارًا:
- لكنك أردته... أردته أنت، أنت أردته قبل الآن بكثير.
- لم أكن أعنيه.
- لم تكن تعنيه أم لم تكن تقصد أن...
- لم أكن أعنيه (ثم أضاف بلهجة بطيئة مفكرة): لا أريد أن ألقي به في عرض الطريق، أسمعت؟ هناك مسؤولية، وأنا لا أستطيع، أنا لا أستطيع شيئًا مع نفسي، فكيف معه؟
- ها أنت تهرب.
- ربما، وهأنذا أقول لك، تدبري أمرك... أسقطيه.
صاحت:
- أنت مجنون!
كان يفكر: (( هذا صحيح! )) نظر إليها بعين نصف مغلقة، وقال:
- نصف مجنون نصف عاقل (وسكت قبل أن يضيف): ها أنت ترين إذن أنه لا يمكن لي أن أقدم تعليلاً آخر.
فغرت فمها:
- لكنك ترفع يديك من العجين!
إلا أنه نبر من جديد:
- قلت لك لا أريده يعني لا أريده!
كان يفكر، وهو يعطيها ظهره: (( لا أريده أن يصبح مثلي! )) وذهب عنه الشعور بالمغامرة ذو البريق الباهر، عاد يحتله شعور بعدم القدرة على فعل أي شيء، وبالتوقف الكامل على صنم يهوذا البريء. كان عاجزًا أمام نفسه، فكيف أن تتعلق نفسه بأخرى. إن ذلك يحتاج إلى عناء وصبر، يحتاج إلى استماتة. قال لنفسه: (( في وضعي هذا أجد أن ذلك عملاً فظيعًا له قباحة كل السيئات، وأنا لا أستطيع أن أتصوره كمهمة مفروض علي إنجازها! )) لم يعد غاضبًا، كان يتألم.
استدار شعبان، وقد بارحه غضبه، لكنه لم يكن يستطيع التخلص من ألم غامض يعتصر قلبه. بدت له تقاطيع حزينة، وهو يهمس بخفوت:
- في الخارج، الشمس على وشك المغيب.
انساب الشفق في عينيه، فانقبض قلب أمنية.
- وسأرحل ما أن تسقط في شفق المساء.
ارتفعت يداها، أمسكتا به بعنف، ثم سقطتا مستسلمتين.
- لا أريد أن تلبسي ثوب أحزانك، ولا أن تمنعي عني طريقي، أريدك أن تطلبي مني الإسراع في متابعته، ففي نهايته الموقع المثالي الذي ظل بعيدًا دون أن تطأه قدماي.
لقد حدثتني عن ذلك منذ قليل، ودعوت لي أن أجده، وهأنذا أحث الخطى كي أجده.
سأدخل الضفة، سأدخلها عند ابتلاج الفجر، وأي فجر سيتحقق الحلم معه!
قالت أمينة، وقد عصف بها الحزن:
- ليته يبقى حلمًا!
بكت أمينة، فجمعها شعبان على صدره، وسمعها تقول:
- ها أنت تقطع إصبعًا من اليد التي ظننت أنها لن تبتر أبدًا!
- ما هذه الأفكار؟ ظننت أن ذلك سيسعدك.
- كيف سيسعدني ذلك بعد أن تتركني والبنت بلا معين!
- سأبعث في طلبكما أول ما أشعر بالاستقرار.
تضاحكت بمرارة:
- بعد أن تبعث بنا إلى الموت!
انحنى مبتهلاً:
- ولكني... ولكني لا أستطيع حملكما معي، هناك مخاطر.
نهضت، وسارت قرب البغل الذي تحرك قليلاً، فقال شعبان من ورائها:
- إنها مغامرة، أتفهمين؟
قالت بلهجة قاسية:
- هذا لا يعني أن تغامر بنا!
أجاب، وأصابعه لا تني تلعب بالقش، وعيناه تلاحقان ظل زوجه:
- أما إذا بقيت، فمصيري معروف، وهم يطاردونني إذا كنت لا تعرفين.
استدارت أمنية، جرت بضع خطوات، وارتمت في حضنه. راحت تقبله من شفتيه، ومن عينيه، وتمرغت بشفتيها على عنقه، وهي تهمهم برجاء وتوسل:
- لا يمكنك أن تتركني وحدي، لا يمكنك أن تدعني للهلاك! ليكن ذلك من أجل البنت، من أجل الحنين! إنني أحبك، يا شعبان، إنني أحبك، لا ترحل، ابق معي، نحن بحاجة إليك. إذا أردت، تخلصت من الجنين، سأضرب رأسه بيد الهاون، وأسقطه. سأفعل ذلك عن طيب خاطر إذا بقيت، ابق، يا شعبان، ابق، إنني أحبك، يا شعبان!
نفر منها ومن توسلها ومن ضغط الشفتين المفتوحتين على عنقه، دفعها عنه، وهو يجمجم بين أسنانه:
- يا لك من امرأة فاسدة!
سمعته يضيف:
- لكم يفسدك الحب، لكم يجعلك طفلة أنانية!
ووجد نفسه يعتصرها بين ذراعيه، ويهمس لها:
- لقد وقع قراري، وسأغادرك بعد قليل.
سكنت، ووهنت. مضت لحظات صمت طويلة إلى أن سمع نفسه يقول:
- احتفظي بالجنين، أسمعت؟ احتفظي به، وسميه على اسمي إن كان ذكرًا، سأفكر فيه بفخر – أؤكد لك- لأنه سيحمل اسمي. لربما يكون وجوده سببًا في إنقاذي، فمن يدري؟ ومن الممكن أن يحمل مسؤوليتي لما أكبر. أحسني تربيته، ربيه على حب الناس والأرض والطير، وقولي له إن أباك قد هرب من الوطن، لأن الوطن لا يريده، وهو لم يترك الوطن إلا ليعود إليه (توهجت في خياله صورة عبد الناصر كعمر بن الخطاب فاتحًا): سأعود إليك يا أمينة! (وهمس): أمينة! سأعود إليك...
سأتركك بعد قليل، سأذهب صوب تحقيق الأماني، أنسيت، يا أمينة؟ كم مرة حدثتني عن الخلاص، عن السعادة، وعن الحياة الحرة التي يحياها الآخرون في الضفة! عن الاستقرار الذي ينعمون به، رغم أملهم الدائم في المجيء إلى يافا، بفتح يافا، وبالنصر!
إنني، يا أمينة، أحبك!
إنني، يا أمينة، أحبك، أحبك! احتفظي بالجنين، نعم، فلتحتفظي به، وإن كان إنثى، فسميه على اسمك. انني أريد أمينة اثنتين وثلاثًا وأربعين، إنني أريد العالم كله أمينة، فأنا أحتاج إليك. أفهمت، يا أمينة؟ أنا لن أنساك، وكل ما أطلبه منك أن تتركيني أرحل عن طيب خاطر.
إنني، يا أمينة، أحبك!
بكت أمينة على شفتيه، وتأوهت في أحضانه، وفي الأخير، قالت:
- اذهب، ولكن إياك أن تنسانا، لا تنس البنت، ستتعذب من أجلك، لا تنسنا، يا شعبان!
ضمها بقوة، والبغل يرقب بحزن.

* * *

هرع الراعي مع خرافه، وعلى وقع الأظلاف اللامنتظمة، رفعت امرأة إسحق ستار النافذة.
خرج شعبان وأمينة من الحظيرة، فشاهد كيف تعفّر المساء. وعندما رآه الراعي من بعيد، صاح بصوت مضطرب:
- لدي ما أقوله لك.
اختطف شعبان قدمه إليه، وقد قفز الكلب بين ذراعيه مهمهًا. أتى شعبان إسحق، فأمسكه الراعي من كتفه، ودفعه من أمامه، وفي الكوخ، قال له:
- إنهم يبحثون عنك، وهم على مقربة ليست بعيدة من هنا.
أربد وجه أمينة، بينما سألت أمرأة إسحق:
- من هم هؤلاء؟
- رجال الدرك.
جمعت يدها على قلبها، وجلست.
سأل شعبان، وهو ينقل على يده سلاحه:
- كم عددهم؟
- الذين استنطقوني ثلاثة، وكانت هناك سيارتان.
- ومتى جرى ذلك؟
- منذ ساعة! عندما رأيتهم يسيرون باتجاه المعسكر، قلت لنفسي سيحتاجهم ذلك إلى بعض الوقت، فلم أشأ الصعود لأخبرك في الحين، ولكي أبعد عني الشبهات.
سأل شعبان:
- هل المعسكر بعيد؟
- ليس بالبعيد، لقد أقاموه حديثًا، وبإمكانك أن ترى البرج والسارية من الطرف المقابل.
دفع بابًا عند نهاية الكوخ، وشعبان يتبعه، ووقفا في الخارج: كان المعسكر يرتمي وسط الواد ببرجه العالي وعلمه المرفوف، وكان هناك سور خشبي يحيط به من كل جانب. أنّت أمينة، أسندت ظهرها إلى الباب، وضمت ذراعيها على صدرها.
قال إسحق، وهو يشير بعصاه:
- لكي تأمن طريقك، اعمل دورة، وانزل من فوق التل المقابل، هل تراه؟ ذاك الذي فيه أشجار السرو، فمن الممكن أن يكونوا قد عادوا، وإذا ما ذهبت من الطريق ذاته، فستقابلهم.
نظر شعبان إلى سارية المعسكر، وإلى العلم، ثم قال، وهو يتجه إلى الداخل:
- سأنزل من فوق التل المقابل.
- ستجد هناك أراضي مزروعة مسيجة، حاول عدم الدخول فيها، أو حتى التفكير في اجتيازها، فهي كيبوتسات محروسة، وسيعرضك ذلك للخطر... (في الداخل، قال الراعي): سر قليلاً ناحية الجنوب، وبعد مسافة بضعة كيلومترات لن تلبث أن تقوم أمامك الطريق المعبدة، هناك توجد بعض اللافتات، عند ذلك، شق الطريق التي يقع عليها اختيارك.
تبدلت سحنة الراعي، راح يشيخ بسرعة، وقد حنت هامته السنون دفعة واحدة.
أنهى:
- أدعو لك بالتوفيق، يا ولدي!
كانت البنت قد نهضت، وتعلقت بصدر أمها، وامرأة إسحق تراقب عن بعد دون أن يسعدها أمر شعبان، وشعبان لا تسكن حركاته: يربط حزامه، يشد صنداله، يضع إلى جانب بعض ما في الكيس من المؤونة، فتهرع امرأة إسحق، وهي تقول له:
- ماذا أنت بفاعل؟
- هذا كثير، يا خالة، وسيعيقني عن السير بسرعة، من اللازم أن أكون خفيفًا ليسهل علي العدو.
- ولكن الطعام ضروري لك.
وقد أعادت إلى الكيس ما وضعه جانبًا، وهي تهمهم لنفسها:
- كم تغير ذاك الصبي الذي كان عهدي به خجولاً!
خاطبها إسحق:
- دعيه وشأنه.
لكنها صاحت:
- كيف أدعه وشأنه؟! أتظنني أمرأة جاهلة إلى هذا الحد؟ إنني لست بجاهلة، أعرف تمامًا أي طريق سيسلكه الصبي، أعرف تمامًا، ولن يجد هناك من يمد له بعض القوت.
ابتسم شعبان رغم كل ما هو فيه، وأمينة تتابعه بصمت. قالت امرأة إسحق:
- في الداخل فرخ حمام. هل تسمع؟
تناول من يدها الكيس، والتفت إلى زوجته. رأى ابنته ترنو إليه بتهيب، فوضع ما بيده على الأرض، حملها بين ذراعيه، وقبلها. راح يحادثها، قال لها:
- أطيعي أمك، وابرأي بسرعة.
ضحكت الطفلة حتى بانت أسنانها، ولم تشأ الإفلات من بين يدي أبيها. كانت أمينة تفكر: (( ستضيعه، ستضيع أباها، سيذهب، ولن تراه ثانية بعد أن يلتهمه الليل عما قليل! )) وعركها الألم في قبضة. أخذت منه البنت، وساد الحضور صمت مثقل بالتوتر. لاحظ الراعي ذلك، فحرك عصاه، وقال ليخفف قليلاً من زوبعة الصمت:
- سأحتفظ بأمينة والبنت ريثما تعود (أطلق ضحكة قبل أن يضيف): يقولون إن هناك ولدًا جريئًا يركب عجلة الخطر وظيفته أن يبعث برسائل الحب التي يتبادلها الأزواج رغم الأسلاك الشائكة، وهو ولد جميل الصورة، له وجه الملاك، وكلما أتى برسالة أطلق نغمًا شجيًّا، حتى تفاءل الناس بالنغم، واعتبروه بمثابة بشارة خير... آه! ما أجمل ذلك! يخيل لي أن أمينة ستكون سعيدة، إذا ما كتبت لها إلى حين عودتك (والتفت بوجهه الباش إلى أمينة): أليس كذلك، يا أمينة؟
تطلع الجميع إليها: كانت أمينة على وشك الانهيار. أطلقت امرأة إسحق ضحكة متعمدة، وقالت:
- أيها الشيخ الجاحد، لماذا لا ترحل أنت الآخر؟ أم تراني لا أستحق أن يأتيني صبيك الجميل برسالة؟
سارع إسحق إلى القول:
- بلى، بلى، فما زالت لديك مسحة من جمال، وغيرتي عليك كبيرة!
قهقهت امرأة إسحق بصدق هذه المرة، وانفجر الراعي يضحك، وكذلك فعل شعبان، أما أمينة، فقد بقيت لها سحنة متهجمة. قال إسحق:
- أما ما لم تحزريه، فهو أنني لا أتقن كتابة رسائل الهوى، يا امرأة.
ومن جديد ضحكوا، وأمينة دومًا ليست معهم، رغم أنها لا تحيد النظر عن شعبان.
- وأما هذا الصبي الخجول الذي كانه شعبان، فيتقن ذلك، أنا أعرف، إنه يتقن ذلك اتقانه الحراثة.
عاد الراعي يضحك، فقالت زوجه، وهي تدفع بيدها على ذراع أمينة:
- كم هذا يسعد أن يتقن ذلك، يسعد القلب من الأعماق.
لم تتحرك أمينة، سقطوا في زوبعة الصمت من جديد، ولم يبق شعبان طويلاً، أعطاهم ظهره، وذهب.

* * *

بعد مضي ساعة على ذهاب شعبان، حضر رجال الدرك، ولما وجدوا زوجه وابنته، ألقوا القبض عليهما، هما والأغنام. وعندما انتصب الكلب والبغل مدافعين عن سيدهما الطيب، أطلقوا في قلبيهما الرصاص. لم يستمعوا إلى الراعي الصارخ عاديًا من وراء السيارة العسكرية، وهو يقول:
- هذه ابنتي، لقد أخذتم ابنتي، وها أنتم بهذا ترتكبون الخطأ والجناية. إنها ابنتي، لقد أخذتم ابنتي وابنة ابنتي، بماذا أقسم لكم...
وبقي إسحق يجري طوال الليل في الحقول، يخاطب السماء، ويبكي.
































8
كانت أم المسلم تلعب بالراديو الترانزيستور الصغير، ولم تكن تبحث عن محطة معينة. وكان الراديو الترانزيستور جديدًا، وهي لذلك كانت فرحة، وعلى الخصوص، لأنه مهدى لها من زوجها. وفي النهاية، أوقفت العقرب كيفما اتفق، فانبعثت موسيقى مرحة كتلك التي يعزفونها في السيرك.
بدأ يشغل بالها غياب زوجها الذي طال في حجرة النوم، فحملت الترانزيستور، وحركت عقربه، فتلا شيخ آية قرآنية، أبقتها بعض الوقت، ثم أغلقت الترانزيستور، ونادت:
- يا ابن عمي.
صاح زوجها من الداخل مهتزًّا:
- دعي ابن عمك للشيطان، اتركيه مع الرذيلة!
قوست حاجبيها، قامت عن العتبة، وذهبت تقف على الباب:
- ماذا جرى لك؟ منذ مدة، وأنا انتظرك، فرشت لك على الأرض.
قال، وهو يبعثر الدولاب:
- افرشي قبر ابنك!
تقدمت منه، وأمسكت بيده، ركزت عليه نظرة هزيلة كانت تقصد أن تعطيها كل الاحتجاج اللازم والاستنكار:
- لا يمكنني أن أصدق!
لاعب زوج الأم حاجبيه:
- صدقي، أريدك أن تصدقي، أريدك أن تحبلي ثانية لتأتينا بكبش سارق.
- سارق!
- ليرات عشر! (وضرب بيده على الدولاب): خبأتها هنا في رأس الشهر، عشر ليرات، يا أم المسلم!
جلست أم المسلم على طرف السرير باهتة، وطأطأت رأسها:
- أنت لست بجاد، أليس كذلك؟ (وتابعت برجاء): قل إنك لست بجاد، قل من أجل خاطري!
رفع يده حانقًا، وأعاد مقلدًا قولها بتهكم:
- قل من أجل خاطري!
- هل أنت جاد إلى هذه الدرجة؟ أمن أجل ليرات عشر تعمل هذا كله؟
- نعم، من أجل ليرات عشر أعمل هذا كله!
وضع يديه في خاصرتيه، وراح يؤكد (( نعم )) عدة مرات، قبل أن يسأل:
- ألديك ما تقولينه؟ نعم، من أجل عشر ليرات كبيرة، عشر ليرات خبأتها هنا في رأس الشهر من باب الحاجة (أخذت أنفاسه تضيق) ألا يحق لي أن أسأل أين ذهبت؟
- هكذا أستطيع أن أفهمك، لا أن تقول لي ابنك السارق.
- ومن أخذها يا ترى؟ نحن ثلاثة في هذا البيت، وهو يكرهني، ويتربص لي، منذ اليوم الذي تزوجتك فيه. آه، لو تعلمين ابنك هذا كم هو خطر!
- خطر!
ضرب بقدمه الأرض، ونبر مشددًا على أواخر كلماته:
- نعم، خطر!
بدأت بتحريك رأسها على الجانبين بمعنى الاستنكار:
- لا أسمح لك أن تقول عن ابني (( خطر ))، فأنا قد سهرت على تربيته! آه، يا إلهي، لقد عاد لي مرضي!
انتفخت أوداجه، وسالت رغوة بيضاء من طرفي فمه:
- إن ابنك خطر، خطر، خطر!
عاد يضرب بقدمه الأرض، وأتبع :
- هه!
راحت أم المسلم تنشج، نهضت عن طرف السرير، أحضرت الترانزيستور، ورمته له:
- خذ الترنزيستور، خذه، أنا لا أقبل هداياك، بعه، ووفر على نفسك ثمنه، أيكفيك هذا مقابل عشر ليرات؟ أما إذا كان لا يكفيك، فبع الأرض! ما الفائدة التي تعود عليّ منها؟ أم ربما لا يكفيك أيضًا ثمنها؟
رمى بالراديو على السرير، وأغلق الدولاب:
- لا، لا يكفيني.
- ماذا؟! آه، يا إلهي، لقد عاد لي مرضي!
- هناك عشر ليرات اختفت، يجب أن أعرف أين.
استعادت أم المسلم الترانزيستور، وعادت تجلس على العتبة. بعد قليل، فتحت الترانزيستور، وحركت العقرب لا على وجه التحديد، فقال المذيع:
- صوت العرب من القاهرة، أيها الإخوة المواطنون، إليكم تعليق الإذاعة على الأنباء.
صاح زوجها:
- إذن، فأنت تحرضينه ضدي!
جاء ينزرع أمامها بقامة نحيفة مقوسة، فأشاحت عنه بوجهها، وعادت تنشج بصوت مرتفع.
أخذ المذيع يبشر باسترداد الحق المغتصب، بصوت حماسي. قال زوجها، وهو يجلس إلى جانبها مراضيًا:
- إنني لا أقصد، امسحي دموعك.
أمسكت بطرف بيجامته، وراحت تمسح عن خدها الدموع:
- أنت تكرهني... تكرهني! قل إنك تكرهني!
طبطب على كتفيها:
- لا تقولي ذلك.
سكنت تمامًا، والمذيع ما زال يقرأ تعليق الإذاعة على الأنباء بصوت حماسي. نهض زوجها، واتجه إلى حجرة النوم:
- يمكن أن تكون العشر ليرات قد سقطت، فأنا لم أبحث جيدًا.
مدت أم المسلم سبابتها، وحركت العقرب، فقال المذيع بالعربية:
- هنا اسرائيل!
وأخذ يدعو العرب إلى الصلح بصوت متوسل. همهمت أم المسلم:
- ليته يجدها، وننتهي!
وفي اللحظة ذاتها، وصلتها طرقات على الباب. أقفلت أم المسلم الترانزيستور، وصاحت بزوجها قبل أن تفتح للمسلم:
- هل وجدتها؟
لكنه لم يوافها بجواب.
فتحت الباب، فدخل المسلم، وقال لها:
- ألقوا القبض على محمود، وقد قلبوا القرية على شعبان، لكنهم لم يجدوه.
ضربت أم المسلم بيدها على صدرها متزعزعة للخبر:
- قلت لك ألا تخالط من هم أكبر منك سنًّا، فها هو المصير الذي ينتظرهم!
وعلى التو، خرج زوج الأم، وقال للمسلم بتهكم:
- إذن، فهؤلاء هم أصدقائك!
لم يجبه المسلم، سار ناحية البرميل الصغير، فتح الحنفية، وغسل وجهه. قالت أمه متداركة العاقبة:
- إنهم لم يكونوا أصدقاءه تمامًا.
جفف المسلم يديه، ثم وجهه، وسمع زوج أمه يهدد:
- بل هم أصدقاؤه الأحِمّاء، نزلاء الحبس!
التفت إليه المسلم مشتعلاً من شدة الغضب، وتطلع في قلب عينيه محاولاً عصره كحبة الزيتون. كان يحس من أعماق قلبه بحقده عليه:
- إن أصدقائي ليسوا نزلاء حبس!
دخل (( نصف الحجرة )) التي يسكنها، وخبط الباب من ورائه. صاحت أمه:
- إنه لا يقصد ذلك هو، لا يقصد ذلك، يا المسلم! آه، يا إلهي، لقد عاد لي مرضي!
لكن زوجها أكد:
- بلى، أقصد ذلك (وانقصفت قامته باتجاهها) من أوكلك بالدفاع عني؟ قولي، من أوكلك بالدفاع عني؟
همهمت أم المسلم:
- أي شر يحمل لنا الشيطان الليلة؟
أهوى زوجها بيده على باب المسلم، فانفتح على مصراعيه، لكنه ظل يقف بالباب منعقد اللسان، ثم انحلت عقدة لسانه، قال، وفكه الأسفل يكاد ينفصل عن وجهه:
- أخرج، يا أخ، أخرج! لماذا ترمينا بالكلام، وتهرب؟
غلى رأس المسلم، كان يأخذ عقله الفك الأسفل الذي يرتعد في الهواء، وهو يكاد ينفصل، لكنه أشاح عنه بوجهه مستمسكًا.
توسلت أم المسلم، وهي تشد زوجها من ذراعه:
- اتركه، يا ابن العم! من أجل محبة الإله!
انتزع الزوج نفسه من بين يديها (( الحاميتين ))، وعاد إلى التهديد:
- قلت لك أخرج (واتخذ قراره بعد أن وجد جرأته، دخل عليه الحجرة، ووقف وجهًا لوجه معه): أكمل ما تريد قوله، كن شجاعًا، وأكمل ما تريد قوله، أم أنك لا تتقن سوى سرقة نقودي؟
ثار البركان في رأس المسلم: (( سرقة نقود هذا الكلب! هذا الكلب أنا أسرق نقوده! أدنس يدي بنقوده! ها أنا أصبح سارقًا... أصبح سارقًا في الأخير! ))
دفع زوج الأم قبضته على كتف المسلم بسرعة، وتراجع خطوة:
- قلت لك أخرج، أخرج من صمتك، أيها الجبان!
والأم لم تزل تشده:
- دع الولد، دعه! (وتهمهم): أي شيطان يسكن أرواحنا الليلة!
جذبه من خناقه، فانتفض المسلم ناهضًا. كان، حتى آنذاك، يمنع نفسه من أن تتحول إلى قاذفة مدمرة، كان لا يريد أن يدمر حياته (( هو ))، كان طوال الوقت يتمسك بحياته، ولا يريد أن يدمرها، هكذا، في لحظة جنون، لكنه جرحه أكثر من اللازم:
- أخرج من قوقعتك أيها الجبان!
خبط زوج الأم بظاهر كفه على صدر المسلم، فصاحت الأم متوسلة:
- دعه يا ابن العم، دع الولد وحده...!
بينما انفجرت عينا المسلم: (( أنا لن يوصمني أحد، سأصبح رجلاً، وبعد ذلك لا يهمني إذا ما سقطت حياتي في الدمار! سأصبح رجلاً لمدة لحظة، لحظة وجيزة، أمتلك فيها ذاتي وحياتي، وبعد ذلك لا يهمني إذا ما تحطمت! أريد أن أصبح رجلاً، وأن أشعر بذلك! )) بدأ يغلي في صدره صبر قديم، وتحول الصبر القديم إلى غضب ليث لا يقبل الإهانة: (( أيها الجبان! أيها السفاح الصغير! أخرج من صمتك، أيها السفاح الصغير! يا صديق نزلاء الحبس! أخرج من قوقعتك! ))، لقد أكمل عليه رجولته، كان لا يدري أنه يصنعه. تقدم منه، وزوج أمه لم يزل يهمهم: (( أيها الجبان! أخرج من صمتك، تعال إلي! )) والأم تصيح متوسلة، تطنب، وتطنب. أخيرًا، قعدت أم المسلم على الأرض، وراحت تشد شعرها، وتبكي. وزوجها ما انفك يردد: (( أخرج من ثوبك، قل إنك جبان! قل إنك سارق! )) والمسلم ما وني يتقدم منه، في اتجاهه، كان يتقدّم منه، وقد بدأ زوج أمه يتراجع متقهقرًا إلى الوراء. كان قلبه يضرب ضربة تلو ضربة، وقد أصابت صوته رعشة: (( أيها... الجبان... أخرج...! )) دون أن يتوقف عن التقهقر، وقد تقلصت عروقه، وضغطت عليه كالحبال. كان قد جفَّ، وجرفه الفزع، فزع مثالي، فزع يبعث على الجفاف في الحلق. تراخى صوته، وتراخت عضلات بطنه: (( أيها الجبان! يا سارق... نقود... د ...ي! )) صار زوج الأم على وشك السقوط بين فكي الليث الغاضب، وفي تلك اللحظة، صفعه المسلم، ثم سدّد في بطنه قبضته.
صاح الرجل طالبًا النجدة من زوجه:
- تعالي! تعالي إلي! إن ابنك يضربني!
هرعت إليه، رأته وقد ارتمى إلى الوراء، والمسلم يشد قبضته، يرفعها إلى عينيه، يقربها من عينيه، لقد فعل، لقد فعل! هتف:
- إنني فعلت!
وما لبث أن راح يرتجف كورقة في قبضة الريح. راحت القوة التي انبثقت في عروقه تريد سحقه، ولم تتمالك أمه نفسها عن لطمه:
- يا لك من عاق! أتضرب زوج أمك، أيها العاق؟ إنه بمثابة أبيك، أتضرب أباك، أيها العاق؟
أخذت تشده من شعره، وتعضه من أذنه:
- لقد ضربت أباك! لقد ضربت أباك!
دفعها المسلم، فإذا بها تسقط كالكرة على الأرض، وترتج مرتين:
- أنا بريئة منك إلى يوم الدين! أنا لست أمك، وأنت لست ابني! أخرج من داري، يا عاق! أخرج من داري، أخرج!
طوى المسلم كشحه عنها، وسارع إلى باب الخروج. والمسلم يجري في الليل، كان يبكي، وكانت لأنفاسه حرارة المؤمن، كان يبكي لأنه لا يريد أن يصبح رجلاً ضالاً.
* * *
ما أن بزغت شمس الصباح، حتى نهضت أم شعبان من فراشها، وارتدت ثياب الخروج بسرعة، فقد طلبها قائد الدرك، وحدد لها موعدًا على التاسعة، وها هي ذي على وشك الذهاب بكرة، وهي تظن أن في ذلك كسبًا لبعض الوقت. عندما فتحت الباب، ونزلت الدرجات الثلاث الخشبية، وبرز لها هارون المختبىء في ظل شجرة التوت، توقفت، وهي تلم الملاءة السوداء من حولها، ثم نبرت سائلة:
- ما الذي جاء بك في مثل هذه الساعة الباكرة؟ وعلى الرغم من ذلك، أنا، كما ترى، على عجلة من أمري.
- اسمعي، يا أم شعبان (كان جادًّا) جئت هذه المرة كي لا أذهب! اسمعيني جيدًا، وأعطيني الفرصة لأشرح لك. لا أطلب سوى أن تتاح لي الفرصة، فأنت دومًا على عجلة من أمرك، وأنا لا أطلب سوى بعض الوقت.
- قل، لتقل بسرعة، يا لك من أبله! لماذا تدور حول نفسك مثل الديك؟
احتدَّ هاون، وحرك إصبعه قرب أنفها بعصبية:
- أنا لا أدور حول نفسي مثل الديك!
تأففت أم شعبان:
- إذا بقيت هكذا، تركتك، وذهبت، فقائد الدرك بانتظاري.
- لم ينهض قائد الدرك بعد من فراشه، أيتها النبيهة! الساعة مبكرة، وهو ليس معتوهًا مثلك!
بدت أم شعبان هادئة النفس، على غير عادتها، وتقاطيع وجهها باردة، حتى وهي تلفظ هذه الكلمات:
- ليس هناك على وجه الأرض معتوه غيرك، فأنت تتربص خروجي منذ مطلع الفجر، فماذا تريد مني؟ قل، أنا أصغي إليك.
لم يتردد هارون:
- قبل أن يذهب شعبان، أوصاني بك خيرًا، وزوجني إياك.
ركزت عليه عينين تخلوان من الحياة، فارتعب قلبه، لكنه بدل أن يحمل نفسه فارًا من وجهها، اقترب منها، وقبض على ساعدها:
- أين هو شعبان؟ أين هو زوجك الشقي؟ أين هم أحفادك؟ أين هي أم شعبان ذاتها؟ لقد ذهبوا جميعًا، تركوك وحدك للصمت والخراب، لاستقبال الموت رويدًا. تركوك وحدك للخراب وللعناكب، خلوك وحدك مع وحش الكهولة، ليحتل قلبك، ويأخذ بافتراسك رويدًا رويدًا. وأنا، يفزعك أن أكون قربك! لماذا؟ لماذا، يا أم شعبان؟ ألأني أريد أن أملأ عليك باقي العمر؟ العمر القليل الباقي الذي لا يزيد عن بضع سنوات معدودات. أنا كبرت وحدي شقيًّا، أنا والنعال وصندوق أحذيتي، لكني ما زلت أتمتع ببعض القوة. إن هناك في عروقي نبضًا حارًّا، وعزيمة صادقة على انتشالك من بئرك المهجورة. هل يضيرك ذلك، يا أم شعبان؟ من يمنعك عني؟ ليس هناك إلا استشاطتك التي ليس لها مبرر، لجوؤك إلى التوتر المفاجىء، والغضب المفاجىء، لتوهمين الجميع بدعرهم! كلنا داعرون! أليس كذلك؟ لكني، يا أم شعبان لا أعتقد أنني سأتحول في نظرك بعد أن تحملي اسمي إلى داعر، إلا إذا كنت ستطلقينه عليّ على سبيل المزاح. إنني سأحفظك، وسأحفظ عليك قيمتك، أرضك، أيامك الباقية، سأكون قناعتك الوحيدة. لقد أحرقت صندوق أحذيتي، وأحرقت ماضيّ، لأني أريد أن أبدأ من الصفر، وهأنذا أقف بين يديك جديدًا. إنني، يا أم شعبان، رجل كامل، ولا يستطيع امرؤ أن ينكر علي صفاتي. وأنا أحدثك، الحرارة تملأ قلبي، ومع هذا، أحس باليأس من أعماق قلبي. إنني يائس بالفعل، يا أم شعبان، وأنت لك الشجاعة كلها لتقولي لي رأيك، فلتقولي لي رأيك، ولننه الآن كل شيء.
كانت أم شعبان تنصت إليه، تنصت إليه، تنصت إإليه لى ما لا نهاية، سقطت الملاءة عن كتفيها دون أن تشعر بذلك، وبدا شعر رأسها يشع بالكهولة. قالت له:
- إنني امرأة عجوز، امرأة عجوز، أتفهم؟
قال هارون مقتربًا منها خطوة:
- هذا لا يعني أنك لا تحتاجين إلى رجل.
- وأي رجل تحتاجه امرأة عجوز؟
- إذن، فلتأكلك الضباع! سأذهب!
لَهِفت:
- لا تذهب! انتظر، دعني أفكر بعض الوقت!
- وهل بقي هناك وقت؟
- أريد أن أفكر، سأذهب إلى مقابلة الدركي، وبعد ذلك أقول لك، أقول لك بعد ذلك، انتظرني ريثما أعود... (سارت بضع خطوات، ثم ما لبثت أن التفتت إليه): أنت تقامر، وأنا أعرف جيدًا النتيجة.
خفَّ هارون إليها، وجذبها:
- لم يبق لك شيء.
- نعم، لم يبق لي شيء.
- لهذا، يمكنني أن أكون بالنسبة إليك شيئًا، شيئًا ما.
كان ذهب الشمس قد بدأ يرشق الأرض في كل مكان، أما في عينيها فقد كان الليل الدامس يفرش جناحيه الهائلين. راحت أم شعبان تردد بصوت أبح:
- آه، كم أحتاج إلى الدفء! كم أحتاج إلى الدفء!
- وأنا أيضًا أحتاج إلى الدفء.
- إذن، دعني أفكر بعض الوقت.
- لربما يطول ذلك.
- لن يطول ذلك! لن يطول ذلك إلا إذا ماتت أم شعبان فجأة!
تابعت أم شعبان:
- أتعرف يا هارون؟ لقد أوصيت أحدهم أن ينقش لي قبرًا، فلربما أموت فجأة.
أمسك هارون السياج بيديه، وقال:
- سنموت كلنا في الوقت المحدد.
أصابها عجز مفاجىء، فراحت تصيح بشفة متوترة:
- لا، لا، بالنسبة لي الأمر يختلف! (ثم هدأت، وقالت كأنها تودع الحياة): أنا أعرف، لن أموت كسائر البشر.
ذهبت مهرولة، وفي وسط الطريق الضيق، وقفت، وطلبت إليه:
- انتظرني ريثما أعود، أكون قد فكرت في كل شيء، وفي أي الأحوال، سأعهد إليك ببعض الأعمال، هناك بعض الأعمال التي لم أستطع إنجازها.
اختفت مع آخر الطريق، وقعد هارون ينتظر.

* * *

وصلت أم شعبان إلى المخفر، ولما يفتح بعده، أخذت مجلسًا على العتبة، واعتمدت على يدها، بعد أن ثبّتت مرفقها في حضنها، وراحت تنتظر.
في الساعة الثامنة، أشرع المخفر أبوابه، ووقف دركي ليقوم بالحراسة. عند ذلك، دخلت أم شعبان، واتجهت نحو دركي آخر يجلس في صدر القاعة من وراء حاجز:
- لدي موعد مع القائد.
- القائد لم ينزل بعد. ما هو اسمك؟
- أم شعبان.
- اجلسي هناك، فالقائد لم ينزل بعد.
جلست أم شعبان على مقعد طويل، أمام درج خشبي يدور صاعدًا إلى الطابق الثاني. لمست بأصابعها خشب المقعد، وهي تفكر في طلائه الأسود: (( منذ أربع سنوات على الأقل لم يعيدوا طلاء المقعد، فتآكلت حوافه! )) أخذت تنظر إلى رجال الدرك بعين متنبهة، ورجال الدرك قد كفوا عن النظر إليها بين الحين والآخر بعد أن اعتادوا وجودها.
أثار اهتمامها دركي، وهو ينحني من فوق الحاجز على أذن أحد رجال الدرك الثلاثة الذين يأخذون أماكنهم من وراء المكاتب، وسمعته يهمس قائلاً:
- لا يمكنني ذلك، وقد سبق لي أن حدثتك عن السبب.
لم يرفع الآخر رأسه عن أوراقه، بل قال في محاولة لردعه:
- اقفل فمك، فليس هذا وقته الآن!
التفت الدركي إلى أم شعبان، وأنزل سلاحه، ثم عاد يهمس للدركي الجالس من وراء المكتب:
- ولكنك لم تعطني رأيك.
رماه صاحبه بسهم:
- قلت لك ليس هذا وقته الآن!
- لكني أحترق.
- لتحترق، ولتنسحق! قلت لك ليس هذا وقته الآن!
دفع رأسه إلى الوراء، فتساقط شعره الرطب الأسود على جبينه:
- هذا ذنبي لأني أطلب رأيك.
صاح الدركي من وراء مكتبه:
- حل عن ظهري، قلت لك ألف مرة ليس هذا وقته الآن!
اعتدل الدركي، وقال منزعجًا:
- سأحل، لا تغضب!
جلس في الناحية المقابلة، إلى جانب دركي عريض الكتفين، ضخم القامة، له شاربان أسودان طالا، وخشنا، وباتا كمكنسة الشوارع. كانت أم شعبان تفكر في القائد، وتقول: (( إنه فوق! )) قامت، وتوجهت إلى الدركي ذي الشاربين بالكلام:
- ألم ينزل القائد بعد؟
تطلع إليها، وحدجها، وكان ذلك جوابه.
تنهدت أم شعبان، وسقطت ملاءتها عن كتفيها. عاد الدركي يحدجها (( بشاربيه ))، فخفضت عينيها مفكرة: (( يا له من وغد! ))، رفعت رأسها إليه، فانزاح بشاربيه عنها، ونظر إلى قرص الساعة من وراء الحاجز، وأم شعبان قد عادت تفكر بقلق: (( القائد لم ينزل بعد! ))
شدها وقع أقدام على الدرج الخشبي، فتعلقت بعينيها على الفتحات التي تفصل بين الحواف. كانت هناك أكثر من قدمين، ... و... هُبْ... إذا بالقائد في القاعة، فنهضوا جميعًا.
تقدم القائد خطوة تاركًا لمرافقه المجال لينزل، وما أن نزل مرافقه حتى تبينت أم شعبان فيه المختار عمران. كانت وجنتاه قد تجوفتا، ووجهه قد اكفهر، وجبينه ينقط عرقًا. لما وقع على أم شعبان، أشاح بوجهه عنها، والتفت إلى القائد:
- هل أستطيع أن أخرجه الآن؟
ابتسم القائد، وهو يلمس بيده بعض النياشين والأوسمة المعلقة على صدره:
- سنطلق سراحه حال توقيعك الكفالة.
اتجه القائد نحو الحاجز، وأصدر أمره:
- كفالة مالية من نوع (أ) جرائم، من أجل السمسار. اطبعها على الآلة الكاتبة حالاً، وأحضرها لي حال إتمامها. (وقال للمختار): هل لك أن تترك بطاقة التعريف؟ (دفع المختار يده في جيبه بحركة غير طبيعية مذعنًا لطلبه، وأخرج محفظته بطريقة مرتبكة، ثم ناول الدركي بطاقة التعريف، فطلب منه القائد): هل لك أن تتفضل بالذهاب إلى مكتبي والانتظار بعض الوقت؟
سار المختار إلى جانبه، وقد بدأ الدركي المكلف بالأمر الضرب على الآلة الكاتبة. فتح القائد الباب المجاور لأم شعبان دون أن يلتفت إليها، رغم أنها اشرأبت برأسها إليه، وانزاح المختار من ورائه، وهو يخطف نفسه، خشية أن تكلمه.
انقفل الباب، فقامت أم شعبان، وتكلمت من وراء الحاجز:
- حان الوقت كي تخبروا القائد بقدومي.
صاح دركي، وهو يدفع بيده في وجهها:
- عودي إلى مكانك!
استشاطت أم شعبان غضبًا، لكنها تمالكت، وعادت إلى مكانها. كانت تهمهم في صدرها: (( السافل! ابن الجن السافل! )) مالت على نفسها، وهي تهمهم دومًا في صدرها: (( هؤلاء الملاعين! كل واحد أمه عاهرة! هؤلاء الملاعين! ))
سمع الجميع صوت عجلات سيارة وقفت فجأة على باب المخفر، التفت بعضهم، ورأى والد قاسم، وهو يهبط من السيارة بهيئة مهيبة، كان يصنع موكبًا وحده. دخل أنيقًا معطرًا، رائحته وهندامه وحذاؤه الأسود اللماع تفرض احترامه. انحنى له الدركي، وقال بأدب:
- إن القائد، يا سيدي، بانتظارك.
فتح له باب حجرة القائد، فدخل بسرعة، وأقفل الدركي الباب من ورائه.
مضت نصف ساعة، فطلعت روح أم شعبان من الانتظار، وراحت في صدرها تتمتم: (( هؤلاء الملاعين! هؤلاء الكلاب... أبناء الكلاب! يحترمون النعال اللماعة! )) نفضت رأسها، شمرت عن ساعديها، وانحنت من فوق الحاجز:
- قلت لك أخبر القائد أنني هنا منذ طلوع الشمس بانتظاره، وإلا دفعت عليه الباب، ودخلت.
وقبل أن يفتح الدركي فمه، أخذت تصيح:
- أم أنكم لا تعملون للدور اعتبارًا؟ أنا أول من حضر! على الأقل، أعطوا قدرًا لامرأة، ولامرأة شعرها أبيض.
صاح الدركي أكثر من صياحها:
- عودي إلى مكانك وانتظري! ما عليك سوى الانتظار، هنا ليس مستودعًا للدواب!
- طيب، يا دركي! سأنتظر بعض الوقت، بعض الوقت ليس إلا، وبعد ذلك، سأستدعي الشيطان!
صرت أسنانها، ولفت ملاءتها بطريقة غريبة، كان يظهر رأسها كرأس الحيوان الساخط، وعادت إلى مجلسها.
قطع الدركي ضارب الآلة الكاتبة القاعة بخطوات موقعة، وفي يده الأوراق، ودخل على القائد. بعد دقائق قليلة، إذا بالباب ينفتح:
- مع السلامة! (وخاطب القائد الدركي) أطلقوا سراحه في الحين! مع السلامة يا سيد عمران، مع السلامة!
وهو يشد على يده مبالغًا احترامه.
نزل الدركي درجًا حجريًّا من تحت الدرج الخشبي، تبعه المختار، وأم شعبان تحدق: (( خيال أم حقيقة هذا الذي أشاهده؟ خيال... إنه خيال!...)) وبعد قليل، صعد المختار والدركي بصحبته السمسار، وهو يلف بذراعيه كتفيهما، كان يبدو شبه ميت.
مروا جميعًا بأم شعبان، وهي تحملق، وتحدث نفسها: (( خيال هذا أم حقيقة؟ لقد أخلوا سراح القاتل! )) وعلى الباب، ترك الدركي للمختار مسؤولية حمل كل العبء، فرأت أم شعبان، آخر ما رأت، القدم الواهنة، وهي تعلو، وتهبط، بقوة رصاصية تشدها إلى الأرض. بقيت أم شعبان تحدق في الضوء الداخل من فوهة الباب، وغابت: (( ضوء كل شيء يصير! ضوء كل شيء ممكن! ))
أعادها إلى نفسها باب القائد الذي انفتح من جديد، فالتفتت. كان قائد الدرك يمسك بيد والد قاسم، يشد عليها، ويقول:
- كما أخبرتك، القضية صعبة للغاية، وهي ليست بيدي، لو كان الأمر بيدي لقمت بما أستطيع عليه من أجلك، لكن من يتكلف بالقضية الحاكم نفسه، فهي معقدة وخطيرة، وقد طلب الحاكم أن يتابعها بنفسه. لهذا بعثنا بالسجين، كما ذكرت لك، ليلة أمس، إلى المدينة، بناء على إجراءات مشددة (ترك يد مضيفه): أنا جد آسف، ليس الأمر ضمن نطاقي كما ترى.
ابتسم والد قاسم:
- أشكرك على أي حال!
تراجع خطوة، فتابع القائد:
- بإمكانك الاتصال بالحاكم، إذا كان الأمر يهمك إلى هذا الحد.
قال والد قاسم بصيغة نهائية:
- سأرى ما يمكنني فعله.
فهتف القائد بنبرة أقرب إلى التحية العسكرية:
- مع السلامة يا سيدي... أتمنى لك يومًا سعيدًا!
وما أن أعطى والد قاسم ظهره للقائد حتى نبرت به أم شعبان قائلة:
- لقد بعثت بطلبي، وأنا أنتظر مقابلتك، منذ الصباح الباكر، لكن واحدًا لم يسمح لي بذلك.
قال قائد الدرك:
- تفضلي، تفضلي على الفور!
خلال ذلك، خبط والد قاسم باب السيارة، وقال لقاسم، الجالس وراء المقود، بحنق واضح:
- الذي فعلته أنني أسلت ماء الوجه من أجل صديقك، أنت تعرف كم يكلفني ماء الوجه، وعلى الخصوص، عندما يكون ذلك على مستوى رجال الدرك، أتفه فصيلة عسكرية عند سائر الدول. إن صديقك، يا عزيزي قاسم، متهم بالاعتداء والسرقة والتمويه والتخطيط غير المشروع، والمسؤول عنه مباشرة، للاحتياط الأمني، هو الحاكم نفسه، فأية كفالة مالية تريدني أن أمضيها من أجل إطلاق سراحه؟
زمجرت سيارة قاسم... وفي داخل حجرة القائد، تدفقت كلمات أم شعبان:
- رغم أنه تركني قبل أمس بكثير دون أن أعرف أية وجهة أخذ أو إلى أي مكان التجأ، فأنا أدفع عنه بكل ما أوتيت من قوة كل اتهام يوجه ضده، لأنه ولد مسالم، لا يكره أحدًا، ولا يفكر في مثل هذه الأباطيل التي ذكرت. إنها أباطيل زائفة، لن أبصم عليها بإصبع قدمي الصغير، وأنت بدورك لا يمكنك أن تصدق ما يقوله الآخرون دون أن تسمع للأطراف المعنية كلها. إن يعقوب رجل قذر في طباعه وأخلاقه، أنا أعرفه منذ زمن بعيد، وقد نهيت ولدي مرارًا عن معاشرته، لكنه كان يتمسك به دومًا على اعتبار أنه صديقه (وبدأت مخاطبتها الذاتية، معاتبتها الذاتية): هذا هو الصديق، يا شعبان! هذا هو الصديق الذي يشي بك ويتهمك! هذا هو واحد من أصدقائك يتهمك، ويشي بك! هذا هو...
خبط قائد الدرك بيده على مكتبه، وراح يزمجر:
- توقفي... توقفي لحظة واحدة... ابلعي لسانك!
- لماذا؟ طالما يقف في حلقي دعني أقوله.
- لا، لن أدعك تقولينه.
لبسها الأسف، وبدا عليها الحزن:
- إنني، يا قائد، أرثي لك!
لوّح القائد بإصبع مهددة:
- بدلي طريقتك في الكلام معي، وإلا أمرت بما لا يعود عليك بالخير.
فتحت أم شعبان فمها، وهتفت:
- ماذا ينتظرني أكثر مما أنا فيه؟ أنتم تطاردون ابني، يكفيني ذلك!
قال قائد الدرك، وهو يشدد على أواخر كلماته:
- إن ابنك مجرم! هارب! سارق! معتد! خطير على الأمن الإسرائيلي! كل هذا! وهو يستحق الشنق!
نهضت أم شعبان مكشرة عن أنيابها، مشهرة أظافرها:
- إن ولدي أشرف من أمك، أيها السفاح!
وهرعت إلى الباب، لكنه لحق بها، وأمر:
- أودعوا هذه المرأة السجن، أودعوها السجن حالاً، ولا تدعوها تفلت من أيديكم، لقد جرؤت على إهانة القائد!
كانت أظافر أم شعبان وأنيابها أسلحتها (( القديمة )) الوحيدة الباقية:
- أينه ابن العاهرة الذي سيمسني؟
وقفوا حولها أهبين، وأحدهم لا يجرؤ على التقدم منها خطوة. إلى أن باغتها الدركي الضخم ذو الشارب الخشن من الخلف، وطوقها بذراعيه الحديديتين. صارت أم شعبان ثورًا هائجًا، راحت ترفس، وتولول:
- انزع يدك عني، يا ديوس، اتركني، يا ابن العاهرة!
والدركي الضخم قد راح يجرجرها مقهقًا صوب الدرج النازل تحت الأرض:
- اهدأي، وإلا رفعتك على قضيبي!
- اتركني، يا ابن العاهرة، أنت تؤذيني، يا مفترس!
ضحك سائر جنود الدرك عليها، تقدم أحدهم منها، وراح يدغدغها من خاصرتيها، وهو يغمزها، ويقول كمن يدلل طفلاً:
- لا تصيحي هكذا، يا دجاجة، لا تفوهي بالكلام الوسخ، ياحمامة، كوني مؤدبة، يا بطة!
وأم شعبان ما انفكت ترفس، وتصرخ:
- كلكم أبناء عاهرات! أنتم مماحين، وكبيركم قواد!
ثم انفجرت تبكي، وتتوسل:
- اتركوني، يا أبناء الكلاب! اتركوني، يا أبناء العاهرات... يا أبناء الذئاب!

* * *
قفز المسلم إلى داخل حجرته من النافذة بعد أن فتحها من الخارج، وسارع إلى دولابه. أخرج قميص نومه الصوفي، وزوجين من الجوارب، وسرواله القهوي، ووضعها في حقيبة صغيرة. جمع بعض الكتب المصفوفة على الطاولة القصيرة وقلمه ومسطرته، وفتح الجرار فاحصًا ما عساه قد نسي، ثم عاد يغلقه، لكنه ما لبث أن سحبه إلى أقصاه، وجمدت عضلات ذراعه. رأى موساه الصغيرة مطوية دون مبالاة، تناولها، ودفعها في جيبه. وهو يتدلى بقدمه من النافذة، وصل إلى أذنه بعض الكلام لشخص يقترب من الباب، فتدلى بقدمه الأخرى، وقفز، ثم راح يعدو في الزقاق. كان الوقت ظهرًا، ولم تكن الأزقة تحوي غير جمود الحجارة، فالناس في الحقول أو هم يتناولون طعام الغداء. خرج المسلم من زقاق، ودخل في زقاق آخر، وفي وسط الطريق العام، إذا بالمنبه ينطلق من سيارة تجيء من ورائه، لكنه بقي يعدو، ولم يفطن إلى قاسم. دار قاسم ليلحق به من الطرف الآخر، ووقف في فم أحد الأزقة بانتظاره. وما هي سوى لحظات، حتى اندفع المسلم كمن كان في حلبة سباق، وكل جزء من جسده يضرب على حدة. خرج قاسم من سيارته معترضًا طريق المسلم، لكنه دفعه بكتفه، واستمر يعدو.
صاح به قاسم:
- انتظر، من يطاردك؟
توقف المسلم، وهو يلهث إعياء:
- لا أحد.
جذبه قاسم من ذراعه:
- أفقدت عقلك أم ماذا؟
توجه المسلم نحو السيارة، وهو يقول:
- لنذهب، لا أريد البقاء هنا.
ركبا السيارة، والمسلم يلقي بحقيبته الصغيرة على المقعد الخلفي.
- ما هذا؟
- حقيبة.
صاح قاسم، وهو يشغل المحرك:
- أعرف أنها حقيبة!
سارت السيارة، فقال المسلم:
- لقد طرداني ليلة الأمس، أمي وزوجها.
ضاعف قاسم من سرعة السيارة، وأزّ في رأسه الرصاص:
- لست أدري ما الذي أصاب الجميع، انها مهزلة حقيقية، وأنا لا أستطيع أن أجمع كل ذلك في رأسي دفعة واحدة! (ثم سأله): وأين قضيت الليل؟
- في الجامع.
- هذا حسن! على الأقل أنت لم تقضه على الرصيف.
- لولا علاقتي بالإمام، وإلا كنت قد قضيت الليل على الرصيف، فذلك غير مسموح، وقد قال لي، اقض ليلتك، أما في الغد، فتدبر أمرك، إنه مكان للعبادة، وليس مكانًا للنوم.
- ولماذا لم تذهب إلى الخان؟
ابتسم المسلم بسخرية:
- مع الحاج ياسين لا يمشي غير الدفع مقدمًا.
- يا لك من بائس!
ثم ضغط بيده على كتفه:
- لا تقلق، سنتدبر الأمر.
- يحب أن أجد عملاً، أي عمل، مناسبًا كان أم غير مناسب، ليس هناك حل آخر. سأعمل في كيبوتس القرية، أو في أحد مقاهي حيفا أو عكا، ولكن العمل في المدينة يحتاج إلى إذن، وأنت أدرى بالصعوبات التي واجهها شعبان، والتي ستواجهني حتى ولو حصلت على ضمانة (تأوه، ثم قال): لو لم تؤجر أمي الأرض لعملت فيها، كل ذلك من ألاعيب السمسار! ولكني سأرفع شكوى أخرى، وأخرى، وأخرى، ولسوف أقتلهم هذه المرة، إذا ما رفضوا، هل تسمع؟ لسوف أقتلهم هذه المرة، ثم أقتل نفسي!
تطلع المسلم من حوله، وسأل:
- إلى أين أنت ذاهب؟
كان قاسم قد توغل في طريق السفر:
- خرجت إلى الطريق (( المحرم ))، وهذا ممنوع عليّ!
- لا تخف!
- أرجو أن تعود بسرعة.
كان المسلم في أمس الحاجة إلى كرسي يستند بأقدام أربعة على الأرض، فإذا بصديقه يقول:
- أفكر فيما لو نذهب إلى المقهى، كي ينزل عليّ الشيطان، ويلهمني بما يمكن فعله من أجللك.
أسند المسلم ظهره على المقعد، وراح يرسل نظره إلى الطريق السوداء المنسربة رويدًا رويدًا ما دون العجلات، كان قد انزلق بجسده حتى لامست ركبتاه الحافة المواجهة.
قال المسلم بوجه طفل مذنب:
- لن أذهب إلى المقهى بعد كل ما حصل أمس.
قال قاسم:
- لقد رفضوا كفالة أبي، فالحاكم نفسه من يهتم بالقضية، وقد بعثوا بمحمود إلى سجن المدينة كجزء من إجراءات مشددة بخصوصه.
اعتدل المسلم في جلسته، وقال مهتمًّا:
- غير معقول! ها هم يعتبرونه مجرمًا! ماذا فعل؟
- كما أقول لك.
- وشعبان؟
- لم يزل هاربًا.
عاد المسلم ينزلق بجسده، وكلمات قاسم عن شعبان تتصادى في رأسه: (( لم يزل هاربًا... لم يزل هاربًا...! )) قال، وكأنه وقع على ذلك فجأة:
- أريد أن أشرب خمرًا، هلا قدمت لي قدحًا على حسابك؟
ضحك قاسم على طريقته المعتادة:
- ستكون زجاجة كاملة لك (وأضاف): فلم يبق لي غيرك.
وهو يوقف سيارته أمام باب المقهى، قال:
- سنصطحب أولغا على الساعة الرابعة، فأنا أعدها بذلك منذ أيام، وسنقضي بعض الوقت معًا. هل ستأتي أيها المشرد؟
- سأخبرك بعد أن أرى ما يمكن أن يفعله فيّ قدح الخمر.
وهما يدخلان مقهى فلسطين، كان قاسم يدفعه من أمامه، ويقول:
- خمر معتق! أعرف مسبقًا كيف سيكون تأثيره عليك.
بعد أن أحضر صبي المقهى ما طلباه، قال من فوق رأس قاسم:
- هل تريد شيئًا آخر، يا سيد قاسم؟
قال المسلم:
- بعض الزيتون.
أعطاهما ظهره، وبعد قليل، أحضر لهما صحن زيتون.
في قلب الضجيج والدخان، جلس الفلاحان، اللذان كانا يتكلمان عن (( المنظمة )) والانخراط فيها قبل اعتقال محمود، على مقربة من المسلم، دون أن يرفع المسلم عنهما عينيه، ومرة أخرى، ذُكر اسم المحامي إياد. لحق بهما ثالث، ثم غادر ثلاثتهم مقهى فلسطين. كان المسلم قد أفرغ قدحين من النبيذ في جوفه، وأحس براكين صغيرة من النار تتفجر في رأسه.
هتف به قاسم:
- أنت غول خمر!
جرع المسلم كأسه الثالثة، فزحف الارتخاء في فكه، وأعاد قاسم له القول:
- قلت لك أنت غول خمر!
جرع المسلم كأسه الرابعة، ثم قذفها على طول يده، لتعبر كالطلقة، من فوق رأس صاحب المقهى الذي اضطر إلى الانحناء تحاشيًا للإصابة. ومع صوت حطام الكأس، انفجر المسلم يصيح:
- أنا غول خمر! أنا أشرب هذه القذارة الساحرة، وأنا لهذا غول سكير!
قهقه بصخب، فالتفت كل من في المقهى إليه، وبعد قليل، عادوا إلى لغوهم ولعبهم. سقط المسلم، مرة أخرى، في الضجيج، وتقاذف مع حجارة النرد.
صاح صاحب المقهى بالنادل:
- أحضر كأسًا أخرى لغول الخمر الذي يجلس هناك.
ضحك النادل، وأتى المسلم بكأس أخرى، وهو يطبطب على كتفه:
- يا لك من غول خمر متألق، يا المسلم، يا لك من سكير خالد!
أبعد المسلم يده عنه غاضبًا، ونبر:
- احترس، فأنا أحقد عليكم جميعًا! وما هي سوى بضع لحظات، بعد أن أمتلك قوتي المهولة، حتى أحرق وجه الأرض! (ذهل صبي المقهى، والمسلم لم يزل يتابع): منذ ليلة البارحة لم أعد أخشى أحدًا، أسمعت؟ حتى ولا بيضات الديك! (شرب كأسًا أخرى، وقد انسحب صبي المقهى دون أن يفوه بكلمة واحدة، وما لبث المسلم أن راح يحني رأسه يمنة ويسرة بطريقة محزنة): أنا أتهته، يا قاسم، أنا أتهته! (جذب قاسم من ياقته، ودموعه تكاد تنبجس من عينيه): أحس أنني حشرة! لا تنظر إلي هكذا، يا قاسم! (وراح يخبط على وجه قاسم، بكف متوسلة): أنا أفقد نفسي، لا تتركني أضيع! (شدد المسلم الضرب على وجه قاسم، ورواد المقهى، كل واحد يغني على ليلاه! لم يكن في مقهى فلسطين سواه معذبًا! فكر المسلم: (( أفقد كل شيء من أجل لا شيء! ))
مضت ساعات دون أن يشعرا بذلك، والخدر اللذيذ الصغير قد صار يسري كبيرًا في أطراف الأصابع، وفجأة، دون أن يرفع المسلم رأسه عن الحائط، تساءل:
- لماذا تقف الساعة؟
تطلع قاسم أولاً إلى ساعة يده، كانت تقف، ثم التفت إلى ساعة المقهى، كانت ساعة المقهى تقف بالفعل. حط فيه ضيق أعمى، نادى صاحب المقهى، وسأله مضطربًا:
- كم الساعة؟
رفع صاحب المقهى الكم عن ساعته، وقال، وهو يضحك بضيق:
- إنها واقفة.
خفق قاسم أصابعه على الطاولة القصيرة، وفي رأس المسلم ساعة مدورة كبيرة كقرص الشمس كانت واقفة. حط يده على يد جاره، وسأله مشدوهًا، وهو يتمزق تحت أنياب ساعة عتيقة لا تضرب:
- كم الساعة؟
لم يلتفت الرجل إليه، قال له، وعيناه تمسحان طاولة اللعب:
- الساعة واقفة.
بدا على الرجل أنه منهمك بلعب الدومينو إلى حد الموت، وفي تلك اللحظة، صاح أحدهم:
- الجولة الأخيرة.
نهض قاسم، ومن ورائه المسلم. كانا يريدان السؤال عن الوقت، ففي مقهى فلسطين، لم يكن الوقت يجري، أو بالأحرى، قد توقف، والناس فيه يلعبون النرد والورق، ويشربون القهوة والخمر، ويصيحون، ويضحكون، ويطلقون شتائمهم القذرة، دون أن يترددوا لحظة واحدة، كانت اللحظة هناك ميتة، وكان المكان متحفًا للضياع.
* * *
بعد أن أطلق قاسم منبه سيارته مرتين، أطلت أولغا من النافذة، وهي ترفع يدها، وابتسامتها تتلألأ من الخد إلى الخد:
- أنا آتية.
وبعد قليل، سمع قاسم والمسلم صوتًا نسائيًّا محذرًا:
- قلت لك ألا تذهبي.
ثم ارتفع الصوت، وازداد تحذيره عمقًا:
- إذا ما زلت قدمك، فسوف تسقطين في الهاوية، عند ذلك، لا جدوى من الإنقاذ، أقول لك، عند ذلك لا جدوى من الإنقاذ! إذن، اركبي رأسك كما تشائين، وسيأكلك الندم في النهاية.
جاءتهما أولغا، وهي تلبس فستانًا قصيرًا، لونه أحمر، عليه ورود صفر صغيرة. كانت تبتسم بحرارة/ وقاسم يفكر: الربيع يقفز بقدميها! فتح لها المسلم باب السيارة، ثنى الكرسي الأمامي، وجلس في الوراء، رغم إصرارها على الجلوس بينهما. وأولغا تركب، كان الصوت لم يزل يقول:
- لو كان أبوك حيًّا لما سمح لك، سأصلي من أجلك، عسى الله أن يهديك.
حيتهما أولغا بمرحها المعتاد، وقبل أن يتحرك قاسم، سألها:
- مع من كنت تتكلمين؟
- مع أمي.
وتحركت السيارة.
قالت أولغا، وهي تنطنط بيديها كالنحلة:
- إنها مجنونة صغيرة! وأنا رغم كل ما تسمعني من كلام إلا أنني أبقى أحبها.
كان المسلم يرتكز برأسه على ظهر المقعد هامدًا كجثة.
- لا تريدني أن أخرج معكم، وهي تنعتني بالفساد.
التفتت أولغا إلى المسلم:
- إنها تكرهكم جميعًا، وتدعوكم بالأشرار.
ضحكت بنشوة، وقاسم يختلس النظر إلى فخذيها، كان يطفح بسرور غريب على أثر الضحكة.
- فهي لا تعرفكم على حقيقتكم كما أنا أعرفكم!
ربتت أولغا على كتف قاسم، وهي تطلق ضحكة رنانة، وقالت مشيرة إلى المسلم:
- انظر إلى المسلم ما أظرفه!
تطلع قاسم إليه عبر المرآة، والمسلم يلبسه الصمت.
قال قاسم:
- دعي المسلم وحده، فهو ليس على بعضه!
- وأنت أيضًا تبدو ظريفًا عند دفاعك عنه!
كانت تحرك وسطها الأسفل، وهي منحنية على كتف المقعد متأملة إياه، وكان فستانها يرتفع، ويرى قاسم فخذيها من الوراء، فيبتلع ريقه، ويزيد من سرعة السيارة.
قال لها المسلم:
- إن أمك تخاف عليك، وقد كان من الأفضل ألا تأتي.
احتج قاسم:
- لا تفسد الصحيفة الكبيرة، يا أخ!
صفقت أولغا:
- أحب أن أراكما تتنازعان.
ضحك قاسم:
- نحن لا نتنازع أبدًا.
تطلع المسلم، لأول مرة، إلى شفتيها، فرآهما مصبوغتين بلون الكرز.
قالت أولغا للمسلم:
- سأنقل لأمي مؤازرتك، ولسوف تدعوك إلى زيارتها. فهي، كما تعرف، امرأة عاجزة، سيسرها أن تدفع لها العربة.
- سأفعل ذلك عن طيب خاطر.
اعتدلت في جلستها، وأفضت بالقول:
- إنها تصلي دومًا من أجلي، وأنا أصلي من أجلكم جميعًا.
قال قاسم:
- سندلف إلى الطريق الفرعي، ونشق بيارة أبي لنرتاح قليلاً في كوخ الحارس، ونشرب بعض الحليب الطازج.
صاحت أولغا:
- لا أريد الذهاب إلى الأكواخ، ولا أن أشرب حليبًا طازجًا كان أم غير طازج، فهو زنخ، وله رائحة.
- إذن، سأوقف السيارة.
وأوقفها.
قالت أولغا:
- تقدم قليلاً حتى هناك لنطل على السهل.
أطاعها، وهو يخاطب المسلم:
- يا لهذه الفراشة التي لا تنتهي رغباتها!
فتحت أولغا زجاج السيارة، واستنشقت بقوة، ثم التفتت إلى السماء الرمادية، وقالت:
- كانت هناك شمس في الصباح.
فتحت الباب، وخرجت إلى الطبيعة، وهي تضع يديها في خاصرتيها، والهواء يهب بها، فيشعث لها شعرها، ويدعك ثوبها بين فخذيها، وعلى صدرها، ضاغطًا مفاتنها بأصابعه المسحورة.
قالت أولغا، وهي تراهما قابعين كل واحد في مكانه:
- يا لكما من أبلهين! لو كان محمود هنا لاخترع لنا ما أمكننا معه تزجية الوقت. أنتما تسئمانني!
وطئ قاسم بقدمه الأرض، واتجه نحوها بسرعة، اختطفها من يدها، واح يجري بها في السهل، وهو يصرخ، ويضرب بيده التي تقبض على يدها رأسه، حتى أصبحا بعيدين هناك. أخذ المسلم يستمع إلى الضحكات، وهي تصله، من بعيد، ويعجز عن تمييز أيها لقاسم، وأيها لأولغا، وفي داخله كان يعتصر كحبة الحامض. تمنى لو يصعد من هوة النفس رويدًا، رويدًا، ولم يفطن إلى الضحكات التي أخذت تتلاشى في السكون العنيد. فجأة، خرج عليه صوتها:
- أتساءل لماذا تجلس وحدك؟ لا بد أن لك أفكارك السيئة الصغيرة!
أطلقت ضحكة تكسرت على وجهه كقطع الثلج، ثنت المقعد الأمامي، وجلست إلى جانبه، ومع الحركة الأخيرة لجلستها، التصق فخذها بفخذه، فلمسته نار مجرمة، وتوترت في خاصرته عضلة:
- لماذا تجلس وحدك؟
لم تكن تشده غير النار المجرمة التي أخذت تحرقه بكل سرور، وكان (( الشيء )) النائم داخل سرواله قد بدأ يتمطى: حقًّا لم تصبح له بعد متانة العصا، لكنه أحس بحركته الثعبانية. ابتعث ذلك في بطنه دغدغة منتشية، ففتح بين فخذيه، وانجذب بخاصرته إليها. أحس بطعم اللحم، والحرير، وصارت في صدره مجمرة. نظر إليها ساهمًا بعض الشيء، كانت تفكر: (( في عينيه طائر محترق! ))
- لماذا تجلس مغتمَّا؟
ألقى المسلم نظرة من النافذة، وقال لها بلهجة آمرة:
- لا تبقي هنا، اذهبي إليه!
لكنها أمسكت بصليب تعلقه على صدرها، وعضته بأسنانها، فسمع المسلم صريره، وتقلصت عضلات حلقه.
- تجعلني أفكر أنني فتاة شاذة، كما تقول لي أمي، وأنني لست خجلة كالأخريات.
كان لحمه عليها قد راح يخفق تباعًا، فاستدار بسرعة، وقبلها بعنف. هرس شفتيها بأسنانه، ولولا أنها دفعته عنها لما وقعت على أنفاسها بعد أن فقدتها لثوان. رفعت إصبعها إلى حافة فمها، ومسحت سيل الدم الصغير، ثم نبرت بصوت كله شهوة:
- يا لك من مجرم!
قبض عليها من كتفيها، وانحنى فوقها:
- أنت فتاة وحدك، وليس هناك أحد في الوجود يقدر على منازعتك!
خافت أولغا من السحنة الغربية التي تنحني فوقها: لقد تحول المسلم برمش عين إلى عاشق شرس! فكرت أولغا: (( آه! كم أشتهيه! )) ضاعت منها الكلمات، إلى أن أمسكت بها:
- لماذا تحاول إخافتي؟
صّر المسلم أسنانه، وهو يفكر: (( هذه الفتاة لم تقع في رأسي إلا منذ لحظات! )) بالأمس القريب لم يكن يفكر في أولغا على الإطلاق، وها هو الآن يريد منها كل شيء. راح يحدد النظر في الجسد، وأولغا لا تنفك تسأل:
- لماذا تنظر إلي بهذه الطريقة؟ لماذا؟ لماذا؟
لكنه دوام على إخضاعها.
- لماذا تنظر إلي بهذه الشراسة؟ أرجوك! أرجوك!
التقمت فمه، وقبلته بدورها، عنيفة في اللحظة التي بدأت، لكنه سحقها كقطعة الزجاج، فتفتت على صدره، وسالت دموعها. كان يضمها بين ذراعيه بقوة لا حد لها، وكان يفكر: (( لم أكن أعرف أن لي ذراعين قويتين إلى هذه الدرجة! ))
- أنا أحبك منذ عام، وأنت، يا لك من قاسٍ، وأناني، كنت تتجاهلني دومًا!
سقط المسلم في فوهة حب لا يدريه، عمره بطول عام، وهو لم يفكر فيها إلا الآن. منذ لحظات قصيرة فكر في جسدها، في مفاتنها، بعد أن ولّدت فيه رغبة الاقتناص. كان آخر ما يخطر على باله ذلك: أن تحبه أولغا منذ عام، هو، المسكين الذي كبرت رذائله!
- لم تتقن غير الذهاب إلى الجامع، بينما أنا وحدي أتألم!
قبلته من جديد، شبكت ساقها بين ساقيه، وراحت تزرعه قبلاً في كل مكان من وجهه، ثم عادت بشفتيها إلى شفتيه، فاحتواها. أخذت أولغا تضرب بساق متوترة بين فخذيه، ثم رفعت نفسها، وألقت بها في حضنه، وفي اللحظة الحاسمة تراجع المسلم، دفعها عنه بكل قواه، فإذا بها تلتصق ذاهلة بطرف المقعد:
سمعته يهمهم:
- لا أريد! لا أريد!
رفعت إليه وجهًا كهلاً انحل جماله، وصارت بشعة، بشعة جدًّا. صار بشعًا هو الآخر، بشعًا جدًّا. تساءل: (( هل نكاح الحيوان أفضل؟ )) عاد يجذبها إليه، وقد دبَّ في صدرها خوف مارد. إذا كان لا يريدها، إذن، ماذا يريد؟ الهاوية التي حدّثتها عنها أمها كانت تبدو في عينيه، كانت محفورة هناك، وهي لم تشأ الانصياع لإرادة أخرى. في تلك اللحظة، عادت آثار التحذير على شكل آخر. جمعت الكلمات، وألقتها تحت قدميها، إذ ليس هناك من صلاح آخر، إن صلاحها ينتهي! فتاة ليست كسائر الفتيات! وها هي الآن لا تستطيع أن تفعل، وهي بين ذراعيه القويتين، شيئًا آخر غير الهمهمة. كانت تريده أن يشقها نصفين، وفي ذات الوقت، كانت تفكر أن ذلك سيلحق بها بعض السوء، بعض السوء كما تظن، سوء صغير بقدر الشرف، لا يزيد ثمنه عن بضع قطرات حمراء حيوية، تسيل ببساطة على الفخذين.
انفتح باب السيارة، وانثنى الكرسي الأمامي، وجلس قاسم إلى جانبهما بلا مبالاة، وفي يده باقة أقحوان. تخلصت أولغا من المسلم، وترامت على صدر قاسم:
- لماذا تأخرت؟ كاد يرتكب حماقة!
ظل قاسم ينظر إلى باقة الأقحوان، وهو يفكر أنه يمثل دورًا في
(( هاملت )):
- كان ذلك من أجل باقة الأقحوان.
حرك الباقة يمنة، وحركها يسرة، وهو يحاول أن يتقن دوره. لم يرفع عينيه عن الباقة، راح يخاطب المسلم، وكأنه يجلس على الحافة الأخرى للعالم:
- أكمل دورك، يا سيدي، أكمل دورك.
ضربت أولغا بقبضتها صدره، وقد ارتعدت فرائصها:
- يا لك من جبان، هل أنت أيضًا، أيها الجبان؟!
نثر قاسم الباقة، وهو يطلق الضحكات المجنونة، وأولغا تهمهم بتعاسة، محاصرة بينهما، تريد النجاة، ولا من أحد هناك يمد لها يد العون. كانت في الهاوية، بينما، في وسطها، فتاة ليست ككل الفتيات، فتاة وحدها في العالم! كان قاسم لم يزل يطلق ضحكاته المجنونة، وينثر أزهار الأقحوان الدامية، فتكسو الصالون الصغير ألوان الجراح.
جذبها المسلم إليه، وشق ثوبها بقوة هائلة، فتدحرج صليبها، وأطلق رنة خافتة. كان المسلم يريد القهر، كان يريد القهر، وبحركة ماردة، اقتلع عن صدرها المعلق، فانبثق نهداها الجميلان. كانت أولغا لا تستطيع شيئًا مع كل هذا الجبروت الذي راح يتفجر في عروق يديه، تمرغ بوجهه في نعيم الفرخين الفزعين، فصرخت، وبكل قواها دفعت نفسها إلى الوراء، وشعرها الجميل قد تساقط في الوراء، وفي الوراء، كان قاسم الذي اقترب منها، ودفع من تحتها فخذه، وجمع عنقها، ورأسها الملقى كمرساة. أخذ كلاهما يقهقه بمجون وجنون، بينما كانت أولغا فتاة شريرة أو قديسة حمكوا عليها بأن تُحرق بالنار، وضعوا من حولها الأحطاب، بعد أن جمعوها من الغابة، وها هم سيعملون منها محرقة. رفست، وعضت، ورفعت جزءها السفلي، فأنامه المسلم في حضنه. كان كلاهما يريد سلخ النعجة، والنعجة تقاوم، حتى نزعوا عنها جلدها، وعروها، ولم تبق سوى قطعة واحدة. أخرج المسلم موساه المطوية، وكبسها، فإذا بها تشع بوميض مفتتن، بجذوة فضية طويلة تتقدم بشجاعة. همدت أولغا كدجاجة تنتظر الموت، واشرأب عنقها في اتجاه الجذوة الفضية الطويلة التي لها طعم آخر على البدن، غير طعم الذبح على التأكيد. كان نصف أولغا العلوي قد انطرح في حضن قاسم، ونصفها السفلي قد تكور في حضن المسلم، وكانت أولغا عارية، ينبجس منها العرق، والجذوة الفضية الطويلة تتحرك بتؤدة أمام عينيها، وهي تشع، وتتوهج بكبرياء. انتهت ضحكات قاسم بصدى لم يزل يتواصل دويه في الآفاق، وراحت أولغا تفكر أنها تمنت مرة أن تصبح صحفية كبيرة. لوّح المسلم موساه، فأنّت، وهي تطلق آهة، والمسلم يفكر: (( آهة ضمير إنساني! )) ولا بد، بعد ذلك، أن يزول الخدر بين الفخذين، وأن تلين العصا، وقد ذهب عنها سحرها. عاد المسلم يفكر: (( آهة ضمير إنساني لم يزل حيًّا! )) وأمرّ الشفرة على النهدين، فندت عنها آهة أخرى. تطلع إليها ككل، كلعبة أو جسد مدان، وقاسم يشدها من ذراعيها منتظرًا. أمرّ الشفرة على الفخذين، وصعد الهاوية، فبذلت أولغا آهة طويلة، طويلة، تبعها صمت صاخب. طوى المسلم موساه، وغادر السيارة: راح يندفع نحو جهة معينة ومضت في وعيه كالسيف.

* * *

ترامى المسلم في أحضان أرض أمه، وتمرغ في الأثلام الحمراء. أحس أن نبضها لم يزل ينبض في قلبه، هو الذي لم ينس عشقها. تناول قطعة من التراب، وهبّ واقفًا:
- هذه أرضي!
والشمس تسحب شعاع الموت من جديلتي امرأة يهودية كانت تلد على الأرض.
عاد المسلم يصيح بقوة وتحد:
- هذه أرضي!
فأطلقوا عليه الكلاب، وطردوه، وصوت طفل وليد يأتيه، وهو يبكي.
كان على المسلم أن يمنعهم من إرغام أمه على تأجير الأرض، أن يرغمهم على إعادة أرضه، فذهب إلى المحامي إياد، وانخرط في
(( المنظمة )). بدأ يعمل من خلالها، وبدأ يعمل من خلالها مع عدد من الفلاحين.


9
أخذ قائد الدرك على عاتقه إتمام قضية يعقوب وشعبان، فبعد هروب شعبان واختفائه، تصبح القضية غامضة، ويكبر خطرها في عرف القانون. وحصول ما حصل أثناء احتلال رجال الدرك للقرية يجعل من رجال الدرك أولئك المسؤول الأول عن كل ما جرى وسيجري، فهم وحدهم المطالبون بإعطاء شرح كامل للأحداث، وهم وحدهم من سيحمل توبيخ السلطات التي ستضع نقطة سوداء في ملف القائد إذا ما تشعبت القضية، واستمر هروب (( المتهم )) شعبان.
وليغطي قائد الدرك على عجزه في تتبع خطى شعبان، أمر بأن تودع أمه وزوجه مع ابنته في السجن القائم تحت الأرض من بناية رجال الدرك.
بعد مضي سبعة أيام على أمينة والبنت في السجن، وفي ساعة متأخرة من الليل، سمعت أمينة وقع أقدام في الممر الطويل، كانت الأقدام تتقدم من زنزانتها الواقعة في الطرف الأيسر من المعبر عند نهايته، وكان وقعها في العتمة الكثيفة، مع السكون الساجي، وصمت الحجرات الضيقة، يصنع دويًّا وصدى. ومع تقدمها، كان يظهر لأمينة في خيالها شكل الحذاء الضخم المصفح ذي المهماز. وعلى حين غرة، دب صياحٌ كأنه الرعد:
- سأذبحكم، يا أبناء الزنى! سأنحركم من رقابكم! انتظروا حتى أشخ على رؤوسكم!
انتهى الصياح بصدى هائل، تجلجلت إثْرهُ ضحكة. كان الصياح لأم شعبان، وهي تدفع ذراعها من النافذة المحفورة في جبين الباب، وقد خرج نصف كتفها، وجحظت عيناها كالضواري الدائخة من الجوع. كان شعرها الأجعد يتلوث ببياض الزمن ونسيج العناكب، وقد اقترب منها الدركي الضخم بشاربيه اللذين كالمكنسة، وقال لها:
- هذا جزائي لأني أتيتك بحساء!
اختفت أم شعبان بسرعة في دغام الزنزانة، وعادت بسرعة. قذفت في وجهه حساء العدس، فغرق الدركي، وارتد إلى الوراء لاهثًا. قالت منفعلة بعد أن أثملها منظره:
- ابعثه لأمك العاهرة، فربما يسعدها ذلك!
راح الدركي يمسح شاربيه، ونار الغيظ تكاد تسحق عظمه. أخذت أم شعبان تضرب بيدها الحاملة لصحن التنك على الباب المصفح، وهي تقهقه قهقهة المجنون مشيرة إلى وجهه الملطخ:
- يا له من دركي مغوار! دركي مغوار! دركي مغوار! ها ها ها ها!
رفع الدركي بندقيته، وبعقبها، قذف أم شعبان، فانطرحت على الأرض، كدودة منسحقة، وهي تئن أنينًا طويلاً، كأنه آتٍ من جوف منجم عميق، بينما غمرتها بركة دم، توهج في الليل لونها الأحمر.
- هكذا..! أيتها الحمقاء! هكذا..!
دفع قدمًا أمام أخرى إلى أن وصل زنزانة أمينة، وجدها تقعد على سريرها، في زاوية على الحائط قائمة، وهي تضم ابنتها في حضنها كالفرخة الهزيلة، لتدرأ الشر والعفونة عنها. كانت قد تجمدت في فتحتي منخريها وأذنيها طبقات من الصقيع، وقد ذهبت عن دمها حرارته، ولم تبق لها سوى رطوبة الجدران. شمت، فجأة، رائحة خمر وحساء وتبغ فاسد، فكأنما بالوعة على مقربة منها سُد مجراها! أخذ الضوء الواهن في المعبر يعكس ظل الدركي، بقدر جسده الضخم مرتين، وأمينة تراه من بين القضبان، وتهمهم في أذن ابنتها لتبث في قلبها هي بعض الشجاعة:
- (( الوحش آت! الوحش الكبير الذي بقدر الجمل! الوحش آت! ))
ثنى الدركي المفتاح بكل قوته في القفل، وفي النهاية، دفع الباب، فتقلصت عروق أمينة من شدة الخوف، ودفنت رأسها في ظهر ابنتها، وراحت ترتعد.
دفعها الدركي بظاهر يده، ونبر:
- لماذا تتكومين على نفسك كالذبابة؟!
رفعت أمينة رأسها ببطء، وألقت عليه نظرة خاطفة، ثم عادت تدفنه في ظهر ابنتها. شد الدركي حزام خصره منرفزًا:
- لا تكوني بلهاء، يا امرأة! هيا، هيا، لا تكوني حمقاء!
وعصفت رائحته العفنة.
- حرصًا على سلامة ابنتك، رأى القائد أن نبعثها إلى المصحة.
وما أن سمعت (( نبعثها )) حتى طوقت ابنتها بذراعيها، وحاولت الالتحام بها، دون أن تكف عن التفكير: (( هذا هو الوثاق الوحيد الذي بقي لي، لن أدع أحدًا يفكه! )) وراحت تهمهم برعب.
قال لها:
- ها أنت تريدين للبنت الموت والهلاك! بينما ستحظى هناك بالمعالجة، ثم... (توقف قليلاً قبل أن يضيف): ستلتحق، بعد ذلك، بملجأ، فنحن لا ندري متى تنتهي قضيتك. أما إذا أفرج عنك غدًا على سبيل المثال، فسيحق لك أخذها في الوقت الذي تشائين.
تحولت همهمة أمينة إلى خوار بقرة هائلة، أخذت تحرك رأسًا من فولاذ، وهي تحاول أن تمسح عن جسد الطفلة كل أوجاعه. لم يحتمل الدركي أكثر، وخاصة، عندما راحت أمينة تهمهم بإصرار: (( لن يأخذوك! لن يأخذوك! )) صاح مزبدًا، والمكنسة تحت أنفه تهوي على الكلمات:
- ولماذا تركته يهرب؟ ها هي كل المسؤولية تلقى عليك، وما عليك سوى أن تنتظري، فلم يحن بعد موعد القصاص! (أخذ يزفر ككلب البحر): أعطني البنت!
انهال عليها ضربًا، فعوت أمينة:
-لا!
راح الصقيع المجمد لأطراف أنفها وأذنيها يسيل، وأمينة قد عادت تعوي:
- لا!
بدا الوثاق بينها وبين ابنتها لحمًا على لحم، ولفكه كان يحتاجه أن يشهر موساه. عضته من ذراعه، فسقط على السرير، وصرخ كالمسعور:
- لقد ألحقت بي الأذى!
أخذ الدركي الهائل الجسد يضرب بقدميه في الظلام، وهو يجذب بجنون ذراعه، كان يتحرق رغبة في مشاهدة قطع اللحم، وهي تمطر، وتتناثر، تمامًا كما كان يجري في أعياد الوثنيين القدامى، وكانت الضحية قد راحت تجمجم:
- أنا أعرف، ستبيعونها في سوق النخاسة!
وفي اللحظة ذاتها، سدد الدركي إلى صدرها قبضته القوية، وبعضلات مفتولة راحت تطول وتقصر بآلية، انتزع الطفلة، وألصق أمينة بالحائط، ثم نفخ:
- هذا ما ينفع معكم، أيها الدولاب! المنطق الذي تفهمونه!
وهو قرب الباب الحديدي، أنشبت أظافرها في ظهره، وهي لا تنفك تولول:
- لا تأخذها مني، يا وحش! خذ قلبي، خذ كبدي، خذ عيني، عدا أن تأخذها مني!
قذف الدركي مهمازه في لحمها، وفتح كهفًا زلقت من عينه دماء تحولت إلى كتل لزجة على البلاط. وفي اللحظة التي سقطت فيها أمينة على الأرض، أوصد الدركي الباب الحديدي، وراح يهمهم بشفتين حطبيتين:
- بلهاء... بلهاء كبيرة! إنه في صالح البنت، هذا جزائي لأني أحاول إنقاذها! تفه على البدويات اللاتي هن مثلك!
رمت أمينة ذراعيها من بين القضبان، تريد الإفلات من معاصم الحديد دون فائدة. أخذت تصرخ، وتنتحب بمرارة، وفي رأسها تزأر الأفكار: (( الطفلة ذهبت، أخذوها إلى سوق النخاسة، يا للعار! )) وتتساءل نادمة: (( لماذا لم أقتلها؟ كانت لدي بعض لحظات كنت أستطيع فيها قتلها! لماذا تركتها لهم؟ يا للعار! يا للعار! )) نزفت الدمع والدم، ولم ترتو قلوب الحجارة. أخذت تضرب رأسها في القضبان، وهي تظن أن في ذلك عقابها.
لم تستطع الصغيرة، وهي بين ذراعي الدركي أن تفهم ما يجري، كانت تشاهد أمها تضرخ باكية، وأحدهم يقذفها بقدمه، بينما هي مختطفة. وكانت تسمع نحيب أمها، فيأخذها بكاء أخرس، وتهتز شفتاها بهمهمة غير مسموعة. وفي وسط المعبر، وبالضبط، تحت الضوء الواهن، مدت الصغيرة يدها باتجاه الزنزانة، فتحت أصابعها، ونادت:
- أمّاه!
كان الصوت الوحيد الذي بقي صداه في ردهات السجن الرطبة، والذي تبعه نحيب طويل.
* * *
والدركي يمر بالحارسين، كان يجمجم:
- بدويات تستحق الشنق!
وهو يجس ذراعه المعضوضة.
ضحك كلاهما عليه، والطفلة تبكي على كتفه.
علق مفاتيح الزنزانة على واجهة خشبية، فقال له أحد الحارسين:
- وهذه تسمى عملية قام بها رجل ضخم له شنب!
قهقه الحارس الثاني، فالتفت الدركي إلى الحارس الأول مغتاظًا:
- أهذا أنت، يا فرج؟ أهذا أنت من يقول؟ اذهب، وهز إليتيك، لنرى إن كان بمقدورك!
قال الحارس الثاني:
- يبدو على الصاحب التعب!
علق الحارس الأول:
- إن يهود العراق عندما حصل سبيهم، انتهت جذورهم هناك. وبعد أن تبعثروا في الأرض، أصبحوا لا يُعرفون إلا من شواربهم. أضف إلى ذلك أنهم كلهم ضخام الأجسام، حتى أنك تظنهم لا يتقنون إلا المصارعة.
صفق الدركي بحذائه:
- من أجل واحد مثلك متعمق في الفراسة!
وقبل أن يعطيهما ظهره، سأله الآخر:
- قل، هل أنت من يهود العراق؟
ضرط الدركي، وخرج، بينما أخذ الحارس الأول يجمجم بين أسنانه:
- دركي قذر!
حك الثاني رأسه:
- كدت تهيجه! (ثم أضاف): قال لي أحدهم إنه درزي.
نهض الأول، جاء من وراء مصباح الطاولة، وتناول زجاجة خمر:
- حتى ولو كان نبيًّا، فأنا لا أستطيع النظر إلى الوجوه غير الحلقية، أما الشوارب، على الخصوص، فهي تثيرني، وتدفعني دومًا إلى الدخول مع أصحابها في مشاحنات لا تنتهي.
صب خمرًا في كأس، وشرب:
- أما هذا، فقد أثارني شاربه أكثر من المعتاد، إلى درجة الاشمئزاز. أي قذر! هل تريد جرعة؟
- لا، فأنا أطلب نومًا هادئًا بعد انتهاء فترة الحراسة.
جرع كأسًا ثانية، وهو يرتفع على قدميه نتيجة لضغط الخمر الهابط في حلقه. تأمل الحارس الثاني الحارس الأول، وكأنه يراه لأول مرة، فوجده قصير القامة، مفتول العضل، له ذراعان قصيرتان، وحوض عريض.
- إنني أفكر في السجينة.
ضحك الحارس الثاني، وفتح باب الممر الطويل.
- كنت أظن أنها لن تتوقف عن إطلاق الصيحات، وها هي ذي في الأخير تطوي قفاها، وتسكت، لربما نامت.
شرب الحارس الأول كأسه الثالثة، ولحوس شفتيه. أقفل الزجاجة، وأرجعها إلى موضعها:
- أنا لا أحدثك عن العجوز، أنا أحدثك عن الأخرى.
أوضح:
- إنها الآن حرة تمامًا.
ضحك الحارس الثاني بقوة:
- لك خلق سيء!
- ليس هذا ذنبي! يخيل إليّ حتى ولو بقيت في العتمة دهرًا بأكمله، فستظل مشتهاة!
عاد الحارس الثاني يضحك، فقال الحارس الأول:
- لا بد أن الرطوبة جمدتها، وهي بحاجة إلى دعك. هل تسمح لي أن أعمل مقدمة لحضرتك؟
فتح الحارس الثاني فمه، وزفر:
- واو! إذن، فقد رسمت وحدك كل شيء!
دفعه من كتفه:
- لقد أكلتك الرطوبة، وأنت تقعد هنا عاقلاً، دون أن تفوه بكلمة!
راح الحارس الثاني يحك رأسه من الخلف، وهو يثنيه على الجانبين، ثم فتح الأزرار عن صدره، وراح يحك أسفل ثديه.
قال الحارس الأول:
- سيكون من حظنا أن العجوز نائمة.
نهض الحارس الثاني، وبعد أن تردد قليلاً، قال:
- دعني ألقي نظرة.
حمل سلاحه ومصباح يده، ودخل الممر الطويل. وعلى عين باب زنزانة أم شعبان، انحنى، ونظر داخل الزنزانة، فلم يستطع مشاهدة أي شيء. كان كل شيء يسقط في العتمة، وكانت الجدران تنضغط جامدة. أشعل مصباح اليد، فتساقطت دائرة من الضوء على السرير الخشبي، لم تكن العجوز هناك، هوى قلبه، راح يفكر: (( لا يمكنها الهرب! )) حرك مصباح اليد، فتساقطت دائرة الضوء على كتلة هامدة على الأرض، وتكسرت الأشعة على لطخات دم، فتجلطت نفسه، وقرصه شيء في داخله. حث خطاه، وقفل راجعًا:
- يمكن أن تكون قد انتحرت، العجوز!
تمطمط فم صاحبه:
- هذا حسن! سنتحقق من ذلك بعد أن نحصل على بعض الدفء، فجثة منتحرة تحتاج إلى بعض الشجاعة، وبعض الشجاعة يلزمها بعض الدفء.
أشار إلى سلاحه محدثًا نفسه:
- أما هذا، فلا لزوم له. (والتفت إلى صاحبه): سألجأ إلى قوة العضلات.
ومع ذلك يريد منه أن يطمئنه إذا ما كان في حاجة إلى سلاحه:
- أفي ظنك أني سأحتاج إلى قوة السلاح؟
راح الحارس الثاني يقهقه:
- أين قواك الفاعلة؟ أين قضيبك المدمر؟ خذه معك، على أي حال، فربما احتاجك إلى أن تضرب بكتفه.
شمر عن ذراعيه، وتقدم من الباب، وهو يتصنع الاستنكار:
- رعديد! ماكر! رعديد وماكر!
وقبل أن يغيب في الممر، تعثرت قدمه قرب الباب:
- أشعر بالخوف، هل لديك أنت بعض الخوف؟
قلب الحارس الثاني على ظهره ضاحكًا من جديد:
- يجدر بك التبول قبل أن تذهب.
- أقول ربما كان لديك بعض الخوف.
- هيا، هيا، لا تكن خوافًا! ماذا يمكنها أن تفعل لك (( حيوانة )) عارية؟
اجتاز باب الممر بقدم مثقلة، لكنه ناداه:
- تجعلني أعتقد أنك لن تقدر عليها، فها أنت تبدو مرتبكًا تمامًا! إن كنت عاجزًا، فلنؤجله، يا صاح!
كان يرفع على سبابته سلسلة المفاتيح.
- آه، لقد أنسيتني إياها!
استدار بسرعة، وجرع كأسًا. عندما أعاد زجاجة الخمر إلى مكانها، رقصت على قاعدتها، ثم سكنت:
- سأغيب بعض الوقت، بعض الوقت ليس إلا.
(( خرج لها فجأة من تحت البلاط! )) هكذا خيل لأمينة، (( تمامًا كالعفاريت! )) أشعل عليها مصباح اليد، فرآها تتكوم في الزاوية، وكتفها يلتصق بالحائط. أطفأ مصباح اليد بعد أن عرف موقعها، وتقدم منها. حاولت أن تجمع الرؤية بكل ما أوتيت من قدرة، ومع ذلك، فلم يكن باستطاعتها ذلك. رأته بحسها فقط، كان حسها يصنع لها شكله، شكل عفريت غريب.
- أهذا أنت؟
كانت تريد أن تعرف إذا ما كان الدركي الذي أخذ ابنتها قد عاد.
لم يجبها. كان صدرها يعلو ويهبط كالأمواج:
- أهذا أنت؟ أعدت ثانية؟ أين أخذت البنت؟ قل! أعطني إياها! أهذا أنت؟
لكنها لم تشم رائحة تبغه الفاسد، ولا الأثير القذر المختلط بأنفاسه، كانت تصل إليها فقط هبات خمر رديء، وخفقات قلب خائف، فعادت تسأل:
- أهذا أنت، يا وحش؟ قل، أهذا أنت؟ ماذا جئت تفعل ثانية؟
وصلها صوت من البهيم يقول:
- هدئي روعك!
لكنها وثبت على السرير واقفة:
- ما الذي تريده بعد أن أخذت البنت؟
ودوى الصدى الأحمق:
- ما الذي تريده؟... ما الذي تريده؟...
أشعل الحارس الأول مصباح اليد، فلم يجدها. أداره باحثًا عنها حتى أوقعها في بقعة الضوء. لم تستطع مقاومة الشعاع، كان ينهمر عليها ببرودة عيني ذئب جائع. انحدرت تنحت الحائط بؤسًا، ولاصقت بصدرها ركبتيها، طاوية من حولها ذراعيها. أخذت بقعة الضوء تصغر، وشفتها السفلى ترعش، وفمها يكبر، ينفتح مفغورًا على سعته. كانت في الداخل صيحة كبيرة، بقدر الفراغ القائم في الحلق، بقدر (( أرض عظيمة )) تدور. أصبحت بقعة الضوء بقدر نصف حبة برتقال، بقدر فتحة فم مفغور على سعته. وقبل أن يضغط الحارس فمها بكفه، إذا بها تنفجر: تلك الأرض العظيمة التي اتسعت حتى آنذاك لسائر البشر... ثم ضرب فمها بمرفقه ضربتين، فتراخت أمينة، وتطوحت على السرير، والسرير سقطت قوائمه.
قال الحارس الأول للثاني:
- أسرع إليها قبل أن تستعيد قواها، وإلا احتاجك ذلك إلى بعض المشقة.
قاومته أمينة.
كانت تزحف على الأرض الحجرية، وهي تجذب على جسدها مزقها. رفسته بقدمها في بطنه، وبين فخذيه، فنبح مسعورًا، ولطمها. كانت تزحف على الأرض الحجرية، متقهقرة إلى الوراء، وهي تجمع على نهديها العاريين أصابعها الدامية، لكنه صفعها، وصفعها، وهي تقاوم بقوة صفعاته. صرخت أمينة، وظلت تصرخ، حتى تحجرت صرخاتها في حلقها، ولم يعد بإمكانها أن تطلق حتى ولا تلك المبحوحة الأشبه بأنفاس الرضيع. ضربها بذراع البندقية، ففتح فمًا آخر في زاوية الفم، وقتل الشفتين الجميلتين. راح الجندي يخلع بعجلة سرواله، ثم امتطاها، وقد همدت تمامًا، وأخذت تفتح بين فخذيها محدقة في البهيم. فجأة، عوت أمينة، أطلقت عواء طويلاً يذهب إلى أبعد نقطة في البعيد، إلى الضفة، حيث هناك شعبان في ظنها. كان الجندي يبحث عن لذته الحيوانية الدّفينة، وأمينة تستلقي في سيبيريا، متجمدة، مستسلمة، تعوي بين حين وحين، إلى أن أخذت تنصب فيها قذارة مائعة بقدر نصف قدح شاي صغير، قذارة أي إنسان، أية بهيمة! قذارة يمكن لها أن تصبح بشرًا أو حيوانًا على حد سواء.
استمرت معركة أمينة لليال ثلاث: في البداية كانت تقاوم، وفي النهاية لم يكن بمقدورها. وصادف أن جاء الدركي صاحب الشاربين الخشنين، وعرف ما يفعله الحارسان، فهدد إن لم ينل حصته، هو الآخر، أن يشكوهما للقائد. أذعن الحارسان لمطلبه، فدخل في الفرج الملتهبة أعماقه. اكتشف بدوره الغابة المتوحشة، واجتاز أبعادها بعدًا بعدًا. كان الدركي صاحب الشاربين الخشنين لا يكتفي لا من مرة ولا من مرتين، كان يمتطي أمينة لمرات ثلاث أو أربع. ثم ما لبث أن انتشر الخبر بين أفراد رجال الدرك، فجاءوا جميعًا يطالبون بحصصهم.
وفي إحدى المرات، دخل أحد رجال الدرك على أمينة، فوجدها ملقاة على الأرض، وقد حفرت قدم السرير بطنها. كانت هناك بركة دماء، وحيوان صغير بقدر الكف يعوم في البركة. كان له وجه إنسان مشوه، وكانت قدماه مقطوعتين، يد له مقطعة، وأخرى معلقة، بينما كان فرجه الصغير يتدلى كالدودة. كان الحيوان الصغير العائم في بركة الدم هو الجنين الذي طلب شعبان إذا ما كان ذكرًا أن يحمل اسمه.

* * *

قال الحاكم:
- نظرًا لعدم وقوف هيئة المحكمة على قضية السيدة روز جلبير وقوفًا بينًا، ولعدم توفر الحجج الدامغة التي تمكننا من إثبات ما تدعوه
(( حقها ))، ونظرًا لكون والدها قد غادر البلاد إلى أمريكا منذ أكثر من أربع سنوات، وقد انقطعت أخباره تمامًا، فإن السيدة روز جلبير، صاحبة الدعوى، تعتبر في نظر هيئة المحكمة المدعي والمدعى عليه في الوقت نفسه، فهي المسؤولة الوحيدة أمام مجلس القضاء، التي تحمل على عاتقها أخطاء ولدها المجهول الإقامة، وبناء على ذلك، قررت هيئة المحكمة رفض الدعوى وإلزام صاحبتها بالإنفاق على زوجة الابن وطفليها الصغيرين. انتهى.
بعد تلاوة الحكم مباشرة، سمع يعقوب امرأة تلبس ثوبًا أسود من قطعتين، وتضع على رأسها قبعة، تقول محتدة:
- سأستأنف!
وكان الرجل الكبير السن، الطويل القامة، الذي نهض، قد أمسكها من ذراعها، وهو يقول:
- قلت لك ليس هناك أية فائدة.
- ولكنها تسمى دعوى باطلة! دعوى باطلة!
كانا قد سارا في الممر القاطع لصفوف قاعة المحكمة إلى قسمين.
- الانفاق على زوجة الابن! ابنة الأشكناز تحتاج إلى نفقة، ها! سأستأنف، وستقر لي المحكمة بالنفقة.
احتقن صوتها:
- ستقر المحكمة لي أنا بالنفقة.
على الباب، أخذ الرجل الطويل يزرر جاكته القهوي الكالح، وهو يقول:
- بأي حق تطالبين زوجة ابنك بالإنفاق عليك، أريد أن أفهم؟
- ولكنها ملزمة بدفع ما كان بالإمكان أن يبعثه لي ابني من نقود. على المحكمة أن تحكم بأن تدفع لي تلك العرقوب بما قيمته خمسة آلاف ليرة! (أعادت): بما كان بالإمكان أن يبعثه لي ابني من نقود!
وقبل أن يتيها في الردهة الطويلة، الواسعة، راح الرجل يصيح، والجميع يسمعه:
- وأين هو ابنك، قولي بحق الشيطان، أين هو ابنك الذي كان بالإمكان أن يبعث لك بما قيمته كذا؟ وكيف تلزمين زوجة ابنك بأن تدفع لك ما يمكن أن يكون قيمته كذا؟ إنها قضية باطلة من الأساس!
وضعت المرأة يدها على فمها، وأمرت:
- اسكت، يا لك من ثرثار! جعلت الناس تلتفت إلينا!
صاح الحاجب:
- القضية التالية، قضية يعقوب إيبان.
تململ يعقوب في جلسته، كان يأخذ مكان اثنين في الصف الثاني، عاد يتململ، وهو يرى محاميه يتجه صوب منصة الحاكم. كان يبدو يقظًا فوق العادة، سمينًا فوق العادة. التفت الحاكم إلى القفص في اللحظة التي دخل فيها محمود محروسًا، كانوا قد حلقوا له شعر رأسه، وقد اصفر وجهه، وهزل تمامًا. وقبل كل شيء، لم يسمحوا للمحامي إياد بالمدافعة عنه.
قال الحاكم لمحامي يعقوب:
- ناد على الشهود.
ذهب المحامي إلى الناحية القريبة من القفص، وهتف بصوت أجش، فخرج من بين الجالسين رجل يلبس كنزة رمادية من الصوف، سميكة وطويلة، وقبل أن يقف على كرسي القسم ليحلف اليمين، نظر بالطرف إلى يعقوب، فبسم له بسمة ذات مغزى. كان الرجل هو الدركي الذي ترك يعقوب يتابع طريقه إلى الخان بسبب معرفته له، ليلة اجتماعه بمحمود وشعبان لما ناور على الأرض.
- احلف.
- أقسم أن أقول الصدق!
ثنى يعقوب عنقه، فرأى بين الزحام الشديد على المقعد الأخير الدركي الثاني الذي التقاه في تلك الليلة، وللمرة الأولى لاحظ أن له شاربًا قصيرًا وأذنين طويلتين.
- هل تعرف يعقوب إيبان؟
- نعم، أعرفه، وكيف لا أعرفه، إنه صديق قديم!
- ماذا يمكنك القول لهيئة المحكمة عن حادث السرقة؟
- في تلك الليلة، كنا نحتل القرية، وقد أعطيت مسؤولية حراسة مركزها، فأنا دركي قديم، وقد مر بنا يعقوب، كان ذلك في أول الليل، وهو لا يعرف أن منع التجول مضروب حتى صباح اليوم التالي. أوقفه الدركي شالوم، وهو هنا حاضر في قاعة المحكمة (تنحنح شالوم من خلف النظارة، فالتفت الجميع إليه) وكان طبيعيًّا أن يوقفه، فهي الأوامر. عند حضوري لأرى الشخص الموقف من قبل شالوم، تبينت فيه يعقوب الذي أعرفه تمام المعرفة، فقلت للدركي دعه يكمل طريقته، فهذا صديق قديم، وهو لن يقوم بفعل شائن. وقتذاك، قال لي يعقوب إنه على موعد مع بعض الأصدقاء... (سكت الدركي قليلاً، ثم تابع): قبل منتصف الليل، عاد يعقوب من الطريق التي ذهب منها، كان مشوه الوجه، منسحق السحنة، له شفتان جافتان وثوب مقطع، كأنه طفل تعارك على سرقة ليمونات الكيبوتز مع أنداده! ورغم هذا الجسم الضخم الذي ليعقوب، والذي يحتوي على طن ضخم من الشحم واللحم (ضحك كل من في القاعة، مما اضطر الحاكم إلى القول:
- سكوت، سكوت!
هو يضرب بالقدوم الخشبي، ثم أمر):
- اختصر، اختصر، فهناك قضايا أخرى معلقة.
- سأختصر، يا سيدي الحاكم. سبق لي أن قلت، ورغم أن جسم يعقوب الضخم الذي يحتوي على طنين ضخمين من الشحم واللحم (عادت تسمع هنا وهناك بعض الضحكات والحاكم يقول:- تش، تش!) حتى يخيل للمرء أن بطل المصارعة عند اليابان لن يتغلب عليه، إلا أنه كان يبدو لي محطمًا، سحقته قوة بقدر قوته مرتين... (سحب الدركي نفسًا عميقًا، وأضاف): سألته من فعل فيك هذا، فقال لي: لقد سرقوني، لكني استطعت أن أنجو بحياتي.
سأل الحاكم:
- وهل ذهبت إلى مكان الحادث؟
- لم أذهب، فقد كنت ملزمًا بمهمة عسكرية، لكنه أخبرني أن هناك سارقين، وقد استعملا معه كل ما...
قاطعه الحاكم ضجرًا:
- قلت لك اختصر، اختصر. هل أخبرك بالأسماء؟
- نعم، وأنا أحفظها عن ظهر قلب، رغم أنها أسماء عربية صعبة وطويلة.
- سمها، قل الاسم كاملاً.
- محمود عبد النبي حسين وشعبان الحاج داود.
- كفى، تستطيع أن تأخذ مكانك.
التفت الحاكم إلى المحامي:
- هل قلت إن هناك شاهدًا آخر؟
- نعم، يا سيدي.
- ناد عليه.
تقدم من الحضور، وراح يميل برأسه يمنة ويسرة، وما أن رأى شالوم، أشار إليه بطرف سبابته، فنهض، وقطع الصفوف إلى مقدمة القاعة.
بعد أن أقسم شالوم، قال له الحاكم:
- هل ما قاله الدركي... (مد حرف الياء باحثًا في أوراقه عن اسمه الكامل، ولما لم يجده قال) الدركي الذي اسمه... الذي أدلى بشهادته منذ قليل، هل ما قاله صحيح؟
- نعم، يا سيدي الحاكم.
- ألديك ما تضيفه؟
لا - يا سيدي الحاكم.
- تستطيع أن تعود إلى مكانك (التفت الحاكم إلى يعقوب): أظن ليس للمدعي ما يقوله؟
نهض يعقوب، وأوداجه تنتفخ من شدة الانفعال، وحرك رأسه نافيًا.
انحنى الحاكم على أذن مستشاريه يمينًا فيسارًا، ثم استدار، وهو يضع رأسه بين رؤوس ثلاثة من القضاة. صارت في القاعة همهمة، بدأت خفيفة ثم غدت طنينًا، وما لبث الحاكم أن ضرب القدوم الخشبي، فساد السكون، وعند ذلك، قال:
- بعد أن تداولت المحكمة الرأي حول القضية المطروحة، وأخذت بعين الاعتبار إدانة المتهم من طرف كافة الأعضاء، وكذلك تمادي شريكه في الجريمة المتهم شعبان الحاج داود في الاختفاء ومراوغة العدالة، حكمت المحكمة على المتهم محمود عبد النبي حسين بالسجن لمدة خمس عشرة سنة مع الأشغال الشاقة، الحكم نافذ ابتداء من تاريخ إلقاء القبض عليه. رفعت الجلسة.

* * *

بعد ثلاثة أشهر، أظهر يعقوب صك البيع الممضى من طرف محمود، ودون إجراءات قانونية، أمر له الحاكم بالأرض، فأصبح يعقوب الصاحب (( الشرعي )) لها.
كانت أخبار أم شعبان قد انقطعت، وعمران يفكر في طريقة يستثمر فيها أرضها، وفي الأخير، اهتدى السمسار إلى طريقة. حمل ورقة الديْن ذات الخمسين ليرة (( مضاعفة )) المدموغة بإبهامها إلى قائد الدرك، واتفق معه كصاحب دين أن يحصل له على إذن استثمار وتوكيل بالأرض المتروكة، المجهول مصير صاحبها، والملزم بدفع دين ينتهي أجله مع موسم الحصاد. كان الشرط أن يتقاسما الخيرات ما بينهما بالتساوي، ولم تمض عشرة أيام حتى أتاه قائد الدرك بالتوكيل، وبذلك أصبحت أرض أم شعبان تحت تصرف السمسار، ولأجل غير مسمى، هكذا لوحظ في التوكيل.
لكن شخصًا واحدًا لولاه لنسي الناس أم شعبان وولدها وأمينة وابنتها الصغيرة. شخص واحد بقي يهيم في الطرقات، حافي القدمين، بقعة زيت كبيرة تلطخ صدره، شعره المتلبد قد صار أعشاشًا للذباب، وجهه الكابي قد تلوث بالأوساخ، وقد فاحت منه رائحة المجاري. كان يحمل طبلة صغيرة وعصا يستعملها كمضرب، ولا يلبث أن يصيح صيحات المجنون. إنه هارون. هارون آخر مصاب في عقله، يدور به أطفال القرية أينما ذهب، ويرميه بعضهم بالحجارة. كان هارون، أينما ذهب، يضرب طبلته بعصاه مناديًا أم شعبان بأعلى صوته. لقد تركته أم شعبان ينتظر دون أن تعود إليه كما وعدت، وكانت أحلامه قد تفجرت في رأسه كالسيول، وتفجرت معها أعصابه. وجعلته قسوة انتظاره يظن أن خلاصه فيما هو أقسى، فلا يتوقف عن الصياح:
- الحرب!
كان ذلك هو نذيره، لنفسه، للآخرين:
- الحرب! الحرب الكبيرة!
























10
بعدما غادرت كوخ الراعي إسحق، صعدت تل أشجار السرو، كما قال لي، وتجنبت في الوجه المقابل، دخول الحقول أو حتى الاقتراب من أسيجتها. أخذت طريقي إلى الجنوب، وبعد مسير ساعة، وجدت نفسي عند منعطف الطريق المعبدة. لم أقف، أمام اللافتات، أكثر من عدة لحظات، إذ حال سماعي لهدير محرك سيارة قادمة من بعيد، قفزت في المنحدر، وأخفيت نفسي وراء صخرة. كشف ضوء السيارة ما قطعت من واد عميق، وما أن رفعت رأسي، لأتحقق من وجهتي، حتى فج في وجهي ضوء هادر لسيارة أخرى عبرت بسرعة، وعجلاتها تولول مع المنعطف، فشممت رائحة احتكاك العجلات مع صفحة الزفت. تبعت السيارة السابقة سيارة أخرى، ثم أخرى، وأنا أخفي قامتي في المنحدر. بعد مضي بعض الوقت، ركزت بندقيتي على حجر، وصعدت، وقد عزمت، هذه المرة، على عدم الاختفاء، إذا ما عبرت، في نفس الوقت، سيارة من السيارات. وأنا أقف قرب اللافتات، أفتح عينيّ على سعتهما لأتمكن من معرفة الوجهة التي تشير إليها، جاء ضوء من بعيد، وهو يقترب رويدًا، رويدًا، مما ساعدني على قراءتها، وقد خفف قليلاً من حلكة الليل الشديدة. اهتديت إلى إحدى اللافتات المكتوب عليها (بيسان: 77كم)، ورغم أن الطريق التي أبحث عنها ليست هذه، إلا أنها الوحيدة التي كانت تتجه نحو الشمال. بدأت أحس بحرارة الضوء على ظهري، وهو يتضاعف، فقفزت ثانية في المنحدر، وإذا بالضوء يرشق الوادي لحظةً، ثم يمحى. بعد ذلك، نهضت، وأنا أنقل سلاحي، والكيس، وركضت. رأيت ظهر سيارة شحن كبيرة تأخذ الطريق ذاتها، ولم أدر كيف باغتني تعلق مفاجئ بضوئها الأحمر الخلفي، فاندفعت أركض، دون شعور مني، مسافة على الطريق المعبدة. راح الضوء الأحمر ينازع بين أصابع الليل، وفي النهاية، مات وتلاشى تمامًا. دنوت من حافة الطريق، وركنت السلاح على كتفي بعد أن ربطت في عنقي الكيس، دليت قدمًا بعد الأخرى، وقفزت على بعض الحجارة. كان ذلك ما يجب عليّ أن أفعله، أن أسير في الوعر، وأن أحاذي الطريق التي تمتد بتوازٍ معي.
رحت أعدو فوق أرض وعرة، الليل حالك حلكة قبر، والسماء من فحم. فكرت أن ذلك بسبب الغيوم، وكنت لا أرى موقع خطواتي إلا إذا ما سقط بعض الضوء الذي لا يلبث أن يتلاشى بسرعة السيارة المسافرة. أما الذي أبعد عني القلق، حتى الآن، كون ما أشقه من درب دربًا وعرًا بصخوره وحجارته المتراكمة، أحس أحجامها المختلفة تحت دعساتي الخفيفة. كان هذا يعني أنني بعيد عن البيارات والحقول، وأنني في مأمن مؤقت: (( أعدو بعيدًا عن عيون الفضولين من الفلاحين وعمال الكيبوتسات وحراس الحوامض! )) وطئت رأس حجر مدبب، فانفتح في باطن قدمي جرح، إذ كان في نعل صندالي شق كنت أسده بقطعة كرتون. شعرت بقطرات ساخنة تسيل مني، وأنا أرفع قدمي دافعًا إياها في الهواء، لكن ذلك لم يستمر أكثر من مسافة بضعة أمتار، بعد ذلك تحول الجرح إلى لطخة من دم وتراب أسود مجبولان بالندى! كنت أعدو عدو الظبي، فلم يكن لي من خيار آخر. كان قراري قد وقع، وهأنذا أبذل المستحيل. عجبًا! كنت أندفع دون توقف: كان تقدمي يزداد، وكنت أصنع مسافة! كنت أتابع العدو، والطريق إلى يميني، طريق طويلة ممتدة كثعبان خيالي. لم يكن بإمكاني الصعود، فقد كان بعضهم في سيارته. كانت الطريق المحرمة لا تعني كونها كأية طريق، ومع ذلك، فقد كانت كأية طريق أخرى، يجب علي أن أقطعها: أن أقطعها مثلاً من الداخل! كنت أرفع يدي الاثنتين على طولهما، وأخبط أمواجي، وأنا مفتوح العينين. كانت طريقي ممنوعة، وكان بعضهم في سيارته قد عبرها بسرعة، وبكل اطمئنان. سمعت قهقهة تمضي كالبرق، وتصادت هنا وهناك، آثارها الخاطفة. كم كان ذلك مسليًا، وفي نفس الوقت، لم أكن أعطي ذلك كل حواسي. كانت حواسي في كل الأبعاد، ممزقة بسكين الحدس الشفافة: كنت أترك لليل قطرة، وللغيم قطرة، وللنسمة القاسية قطرة، وللبندقية التي أشد على طولها ذراعي قطرة، وللطريق المتلوية اللامتناهية قطرة. وكانت للحجارة الملقاة على مد النظر، لكل حجر مهما كان صغيرًا، قطرة من نهر حواسي الواقعة تحت غمرة من الانفعال، قطرة صغيرة أو كبيرة كل حسب قدره. عاد دم باطن قدمي ينزف، وصار رجال الدرك كلهم، في نظري، يتحرون آثاري، كلهم يعدون من ورائي، ويتعقبونني، هؤلاء كان لهم النصيب الأكبر من دمي. وكانت أحاسيسي أيضًا موزعة، هنا وهناك، كانت مبعثرة، ولكنها حاضرة. حتى الصراصير التي كنت أدعسها، فتفزع بين أصابعي، ويعضني بعضها بنابيه الكابيين، كنت أخصص لها جزءًا من أحاسيسي. عبرت سيارة أخرى أسرع من التي سبقتها منذ قليل، وهي تملأ الليل ضوءًا، فكأنها سيدة الليل والطريق! وأغنية قد انطلقت فجأة، وانتهت في لحظات. قلت لنفسي: (( إنهم يعرفون طريقهم، هذه هي طريقهم، هذه الطريق التي على بعد وجيز مني هي طريقهم، وهم يعرفون النهاية جيدًا، ويثقون تمامًا بالوصول! )) كانوا يثقون تمامًا بنهاياتهم كلها، حتى ولو كانوا جميعًا سائقين غير مهرة، حتى ولو كانوا يسوقون وهم سكارى! وكانت نهاياتهم تبقى معروفة، تقف عند الحد الأخير دومًا، وتبقى أغانيهم معهم، تتبعهم في الليل أينما ساروا! ))
وأنا، كنت أعدو، وكان طبيعيًّا أن تضيق أنفاسي، ويهاجمني خبط قلبي، وتسمن عضلات صدري، وتنتفخ عضلات عنقي، ويثقل ساعداي. ومع ذلك، كنت أعدو، لم يكن لي من خيار آخر، كان عليّ أن أعدو. لم يعد لي غير ذلك، ولم أكن أفكر في الوقوف، وإلا ما الفائدة. راحت جراح باطن قدمي تزداد، وأنا أفكر: (( دمي، ألمي، سلاحي، ليلي، هوائي، حريتي، كنت على وشك الدخول فيها! وطالما أنا أعدو، فهي بعد لم تصبحني تمامًا، بعد لم أصبحها تمامًا، وما أن أقف، يكون كل شيء قد تم! )) فجأة، أوقف أحدهم سيارته، فكشفني ضوء مارد. تراميت وراء صخرة، وأنا ألهث دون توقف، لم أعد أفكر إلا في السلاح النائم تحتي. بعد قليل، وصلني صوت مليء برائحة السفر، وهو يقول بتأفف:
- أهذا وقته الآن؟
ثم تبعت الصوت المتأفف بضع خطوات قصيرة، و... حشرجة طويلة، وصوت يبقبق، وشيء يصدم في الحلق، وانفجار مائع سال، وزلق، ثم زفرات، زفرات وزفرات، ومحاولة أخرى لقذف الحلق والأمعاء، ومحاولة أخرى، وأخرى، وزفرات لا تنتهي.
عدت إلى سماع الصوت المتأفف، وقد راح يشتم:
- يلعن دين! أهذا وقته الآن؟ قولي، أهذا وقته الآن؟!
راح الرأس المائل بذهول فوق المائع الأصفر ينحني تقيًا متعبدًا، وهو لم يزل يبعث بالزفرات، وارتفعت في الأجواء رائحة القيء السميكة.
- خلصينا، يلعن دين!
أنهض الرأس ذاته، وهو يميل متثاقلاً، يمنة ويسرة، كجرس النحاس.
- قلت لك إن الطعام يضرك، لكنك لم تسمعي لي.
انضرب باب السيارة، وقال صوت نسائي دائخ:
- لقد جاءني ذلك فجأة.
فصرخ الرجل معنفًا:
- لقد جاءني ذلك فجأة! فتؤخريننا خمس دقائق، خمس دقائق ضاعت سدى. وماذا كانت النتيجة: قذارة، ألقيت على رؤوسنا بالقذارة! ولو كنا في الطرف الآخر لهان الأمر، لا أستطيع أن أصدق أن هذه أنت التي فعلت هذا! (ثم أنهى بصوت خافت): إياك أن تقولي لأحد، اتركي الأمر ما بيننا!
زمجر المحرك الحانق مبتعدًا، فرفعت رأسي، وفي اللحظة ذاتها، ملأت صدري رائحة القيء السميكة، أحسست أن في حلقي غثيانًا صغيرًا راح يرتفع كغيمة، نزعت نفسي من وسطها، وعدت أجري. استعدت ما قالته المرأة: (( لقد جاءني ذلك فجأة! )) قلت: كالمخاض! لقد احتاجها ذلك إلى ما يعادل خمس دقائق تأخير عن النهاية، فإذا به قذارة فريدة من نوعها! أفقت على نفسي، وأنا أعدو وسط أحد الحقول، فطار صوابي: أين ذهبت الطريق، واختفت؟ تلفت من حولي باحثًا، وأنا بإلحاح أتساءل: أين ذهبت طريقي؟ أين ذهبت طريقي؟ ولم أعد أعرف أين أنا. عبرت من تحت سياج، فقابلني حقل آخر، مضيت فيه، وسمك الليل يتضاعف، والبرودة تنخر العظم. التحمت أسناني كالغراء، وصرت كأني لا أملك سوى فك واحد. راح الوحش الضال يعدو، ولم أكن أدري إلى أين. سأعبر، وسأستمر، وسأرى، إلى أين سيصل بي المسار.
ما أن قفزت من فوق سور إحدى البيارات، إذا بأطرافي تتجمد على حديث يتبادله اثنان:
- وهل أنت متأكد؟ قل لي، هل أنت متأكد؟
أجابها:
- ليس تمامًا.
انبعث صوتها الصائح بقلق:
- ولكني لا أفهم شيئًا، ماذا تعني؟
- لا شيء على الخصوص، قلت لك لا شيء على الخصوص!
حط ما بينهما صمت، بينما راح يلف الأشجار صمت آخر، وأنا لا أستطيع حراكًا.
- أفهم تمامًا أنك تتخلى عني! لكني لا أستطيع أن أقنع نفسي بأنك نذل إلى هذه الدرجة، فأنت لست من العرب، وقد كانت لك في الماضي مواقف طيبة.
أخذت أستمع في هدأة الليل إلى ضغط ذراعين، وتقوس كتفين، تبع ذلك صوت الرجل المحتج:
- لست نذلاً، أما أنت، فلم تفلحي بأن تثيري بعض الاهتمام.
- أي اهتمام؟ وبمن؟ بك؟
- أقصد، لم تثيري اهتمام أمي بك، فأنت تكونين متكبرة أحيانًا، ويلبسك الغرور الذي ليس في محله.
- اسمع، لا تحدثني الآن عن الغرور، فأنا لم أخترع ذلك يومًا، وإذا حصل، فليس معها.
لكنه لم يظهر عليه أنه سمع.
- أتعرفين كيف تدعوك؟
رنت ضحكته غير المناسبة في مثل ذاك البهيم، وفوق تربة منكوشة يأكلها البرد الشديد:
- إنها تدعوك (( بالأجيرة! )) فمهنة الخياطة، في نظرها، مهنة شائعة، لا تحتاج إلى حذق، وهي تقول بالاستطاعة أن يقوم بها حتى الأعمى، إذ كل ما تتطلبه تحريك القدم فقط في صعود وهبوط على التوالي، فتسير الإبرة.
لم تحر جوابًا.
- وأنت، الحقيقة، قصرت في عمل ما يمكن فعله لأسرها، وتركت كل شيء هكذا، يتكون وحده، وفي الأخير، ألقيت على عاتقي كل العبء، فماذا يمكنني أن أفعل وحدي؟
كنت أتحرق رغبة للّحظة التي ينتهيان فيها، ولم يكن باستطاعتي أن أخطو خطوة واحدة، فأي حركة كان بإمكانها أن تثير انتباهما، وعلى الخصوص أن حديثهما يدور حول قضية تحتاج إلى إمعان الفكر، وكلاهما كان يقظًا تمامًا.
- إنها على أي حال تسمى أمي، وأنا لم أعص لها أمرًا واحدًا طوال حياتي.
إذا بها تخبط بيدها على صدره منفجرة:
- دعها تجعل منك مرقة إذن، لأنها أمك!
- إنني أطيعها، هذا كل ما هنالك.
عادت تزفر غاضبة:
- ما تفعله أنك تغمض عينيك، وتتبعها كالجرو، وتهز لها ذيلك، وها أنت الآن ترفع يديك متجاهلاً ما كنت أظنه حبك، آه! يا لي من بلهاء! يا لي من بلهاء!
راحت تنتحب، وأنا على وشك الانفجار.
- كفى، كفى، لا تبكي، سأتدبر الأمر، قلت كفى.
فكرتُ: (( لقد حانت لحظتي! )) فوقفت، لكنها أوقفت نحيبها، وعاد الصمت يقرص قلبي. سمعتها تقول:
- هل أنت جاد؟ أتعدني؟
- أعدك.
رحت أسمع مصمصة شفتيه، وكان ذلك، في مثل ذلك الوقت، وتلك الحال، يزيد من أطرافي تقلصًا.
- أتعدني بأن تتدبر الأمر؟
- أعدك، أعدك.
أخذت أتخيله راكعًا بين الأشجار، وهو يغزو وجهها وشفتيها بقبلاته.
- احلف، قل بشرفي.
وأنا على وشك أن أخرج عن سكوني وصبري.
- قلت لك أعدك، ولا حاجة إلى الشرف الآن! لا حاجة إلى الشرف الآن!
لم أعد أسمع حتى دبيب الأنفاس، وبعد قليل، جاءني صوت جسم ارتطم، تبع ذلك أنة، ومطة، نتيجة لانفراج فم يمص فمًا آخر:
- أنا أشعر بالبرد.
- أما أنا، فلا. افعلي مثلي، فكري في الجيش الإسرائيلي!
عاد الصمت يخيم، ثم سمعت توسلات لاهثة، توسلات لذة وعناق لاهفة:
- لا،لا حاجة بي إلى نزع كل ثيابي.
كانت فرصتي، فوقفت. عادت تموء، وأنا أراها في مخيلتي، وهي ترفس من تحته:
- قلت لك لا حاجة بي إلى نزع كل ثيابي.
تحركت بقوائم قط حذر من ورائهما، فانفجرت إثر ذلك ضحكات حادة:
- احترس، أنت تدغدغني!
بعد قليل، سمعتها تهمس ثلاثة أرباع همسة متلاشية:
- يا إلهي! تقطر بالعرق كلك!
ولم أعد أسمع سوى همهماتها: (( عملية قتل مرغوب، قتل معبود! )) رحت أتابع بحسي - وأنا أضع خطوة من أمام أخرى- اللحظة التي ستدوي فيها الطلقات. كانت في الحقيقة طلقات بلا دوي، ولا جراح، كان لها فقط وجع سحري، يليه قتل يقوم، وينهض، ثم يتمشى، وهمهمات، وهمهمات: (( حبيبي، حبيبي، أنت تقطر عرقا!ا )) وهمهمات، وحكات، وهمهمات أخرى، وأخرى: (( أنت تقطر عرقًا، حبيبي، آه! حبيبي، آه! اقتحمني! اقتحمني! ))
انتهى سماعي لهما، صرت في الطرف الآخر. كان الليل على وشك الزوال، وأنا أفكر: عما قريب سيصعد النهار. كانت ترعبني فكرة أن الشمس تنبثق من ناحية الشرق، فذلك يعني: يجب الحصول على ملجأ.

* * *

وأنا من وراء أحد الأسوار القصيرة، والشمس القوية تشرق على الكون، انفجرت طلقات نارية، عشرون أو ثلاثون على التوالي، وهي تدوي، فإذا بي أجد نفسي منبطحًا على الأرض، أحفر برأسي التراب، وهو بين يديّ. وبعد أن ذهب الدوي، استطعت الحراك، متحسسًا صدري ورأسي، متفقدًا إذا ما كانت قد اخترقتني رصاصة أو شظية طائشة. لكن المضحك، بعد ذلك، أنني كنت سليمًا، وأن طلقات الرصاص التي ظننتها موجهة لقتلي، لم يصلني منها إلا الصدى.
أخرجت رغيفًا من كيس المؤونة، وضعت فيه قرصًا من الجبن الأبيض، والتهمته بثلاث دقائق.
تسلقت السور بخفة، فقد أصبحت على دراية كاملة بتسلق كل الأسوار، اختيار الزاوية المناسبة، ومكان وضع القدم، ومكان وضع اليد، إذ كان كل منها يختلف في حجمه واتساعه عن الآخر، ولم يعد يحتاجني ذلك إلى الكثير من إمعان الفكر، فقد أصبح يأتي تلقائيًّا.
قفزت، فإذا بجندي يصيح:
- استعد!
سقط مني الكيس، وتخلخلت قدماي.
ثم ما لبثت أن تبينت فريقًا من الرجال في لباسهم المدني، كانوا يعطونني ظهورهم، يرفعون بنادقهم على أكتافهم، ويدفعون عليها أياديهم، فتُسمع لذلك ضربة واحدة.
- استرح!
أنزلوا بنادقهم، واستراحوا. وفي اللحظة ذاتها، تنازعني شعوران، شعور بالاطمئنان، فلم أكن المقصود، عندما صاح الجندي (( استعد! )) والشعور السابق لمن هو على وشك الوقوع في فخ، فقد كان موقفي حساسًا جدًّا، ما أن يطرف أحدهم بعينه إلا ويلقاني. وعند ذلك، النتيجة لا تحتاج إلى توضيح.
وبينما أنا أرفع قامتي، خرج، فجأة، من وراء شاحنة عسكرية، جندي شاب. التقت نظرتي بنظرته، فحدجني، وأومأ إليّ كي أقترب منه، فأطعته، ولا أدري ما الذي سيطر علي وقتذاك، إذ لم تثر أعصابي. وقفت قبالته، وأنا أقبض على البندقية بكلتا يدي، فقال لي:
- ألا يسمى هذا عار!
نظرت إليه مغفور الفم.
- ألا يمكنك كبح جماحك؟ كلها بضعة أيام، وتعود إلى دارك، كي ترضعك أمك! أنا أعرف، إن السبب هو نحن الجنود، لأننا أقوياء فوق اللازم، لهذا تظن أن التدريب العسكري شيء زائد.
ثم أمرني بلهجة صارمة:
- إلى الطابور، هيا!
هرولت بسلاحي إلى الطابور، ووقفت في آخر الصف، كانت قامتي من الطول بحيث جاءت وقفتي ملائمة.
- استعد!
رفعت سلاحي، ووضعته على كتفي الأيسر، فانزمت شفتا جاري، وهمس:
- الكتف الأيمن يا غبي!
وبخفة، ركزت سلاحي على كتفي الأيمن.
- استرح!
- استعد!
- استرح!
- استعد!
- استرح!
لم أحد بناظري عن الجندي المكلف بمهمة التدريب خوفًا من أن يراني، فينكشف أمري. عاد جاري يزم شفتيه، وهو يفتحهما على الجانب، فتبانان كالبوق:
- يا لك من جبان! الحرب واقعة غدًا، وأنت لا تبالي بذلك! أين كنت مختبئًا؟
- في دورة المياة.
صاح المدرب:
- استعد!
أضاف جاري بحنق، وأنا ألاحظ أنفه الدقيق، وشعره الغزير:
- طابور خامس! لم أعرف يهوديًّا انهزاميًّا مثلك! انظر، انظر إلى المدرب، كم هو جميل! ربما كان موسى بعينه، أيمكن أحد أن يترك القوة والجمال، ويختبىء في دورة المياه! إن ما ينقصك هو الحافز!
لاحظت أن المدرب قد بدأ يلقي علينا، بين الحين والآخر، نظرات التوبيخ:
- استعد!
قلت له:
- اسكت لئلا يغضب المدرب.
ولكنه لم يسكت:
- صحيح، لولا أن شبح أوشفيتز يلاحقني باستمرار لما بقيت لحظة واحدة.
- نحن أقوياء فوق اللازم!
- وهم أيضًا، لهذا، لن يطمئن قلبي، ولهذا تتحول أوشفيتز إلى قوة وجمال مجسدين في هذا الأسد الذي لا ينهزم!
صاح المدرب:
- سر! در! (بعدها أمرنا): قف!
ثم خاطبنا:
- سنسير إلى الطرف الآخر من السهل، وحالما نصل، تكون الشاحنة قد لحقت بنا، فنركبها للعودة إلى المعسكر.
قذفت رأسي كلمة (( المعسكر )) كالسهم، وقلت لنفسي: (( وقعت لا محالة! )) أخذت أردد: (( ماذا يمكنني أن أفعل؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ ماذا يمكنني أن...؟)) سمعت المدرب يقول بعصبية، بعد أن طالبنا بالاستعداد، وتأكد من استقامة الصف:
- بكم وبالسلاح نبني مجد إسرائيل!
وبعد لحظة من متابعة الصدى، قال لنا المدرب:
- لا أريد أن أكرر، خطوات متناسقة، تحريك الأذرعة اليسرى معًا، رفع القامات، لا أريد أن أكرر، رفع الجبهات إلى أعلى، إلى أعلى، مفهوم؟ إلى أعلى! ليضاهي ارتفاع جبهاتكم قمم الجبال!
صفنا بدقة تحت ضغط عينيه، ثم نزع طاقيته الكاكي، ومسح بها عرق جبينه. نظرت إلى الشمس، وأنا أرفع من حاجبي، وعاد السؤال الحاسم: ((ماذا يمكنني أن أفعل؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟ ماذا يمكنني أن....))
- إلى الأمام أيها النسور! مارش: واحد، اثنان، واحد، اثنان، واحد، اثنان...
كنت أفكر: (( وقعت لا محالة! )) كنت في آخر الصف، في الآخر، وانبثق في رأسي سؤال حاسم آخر: (( ماذا لو أهرب؟ )) كنت على التقريب وحدي، والمدرب لم يزل يردد حسب إيقاع الخطوات: واحد، اثنان، واحد، اثنان، واحد، اثنان... اثنان.. اثنان... واحد.... اثنان... واحد... اثنان... صرنا في وسط السهل، وأنا غارق في بحر أفكاري. فجأة، انتبهت إلى صوت الرجل الذي أمامي، وهو يقول مزهوًا:
- أشعر أنني سأقتحم العالم، يا ليت الحرب تقع الآن، الآن حالاً!
والمدرب لا ينفك يردد:
- اثنان، واحد، اثنان، واحد، اثنان...
لم ينتظر مني جوابًا، كان قد راح يدندن النشيد الوطني.
أتممنا قطع السهل، وكانت هناك بالفعل شاحنة بانتظارنا.
- اصعدوا بنظام! النظام، يا احتياطي، النظام!
وأنا أضع قدمًا على حافة الشاحنة، وأهم برفع الأخرى، إذا بالمدرب يهتف بي:
- أنت...
توقف النبض في قلبي، لكني تمالكت، وأنا أفكر: (( كلها ميتة واحدة!)) تقدم مني، ووقف عليّ بعينيه طويلاً، وأنا أردد لنفسي: (( حركة واحدة، وأدفع هذا في كرشه! )) شددت السلاح بقوة. إذا به يقول:
- اصعد بالقدم اليمنى، يا احتياطي، هذه هي المرة الثمانية والأربعون التي أطلب منكم الصعود إلى الشاحنة بالقدم اليمنى، لا أريد أن أكرر، فهي القدم الجسورة التي تحمل على عاتقها ثلاثة أرباع الجسم.
استدرت، وبخفة طائر، قفزت، وأنا استند على قدمي اليمنى، وإذا بي أقع في حضن أحد الذين سبقوني، فهمهم المدرب- رغم ذلك- بارتياح. كان الجندي الآخر قد أطل برأسه من النافذة، وسأل: هل صعد الجميع؟ فاتجه المدرب نحوه دون أن يقول كلمة، ثم انطلقت بنا الشاحنة.
كانت الشاحنة مغطاة، هناك مقاعد في العرض. تجنبت الجلوس قرب الرجل الذي تبادلت معه الكلام أثناء التدريب، ولم أحاول أن أطرف بعيني لا يمينًا ولا يسارًا. كان الجميع من التعب، بحيث تراخى البعض، وأغفى. شممت رائحة أجسامهم الدّبقة، ودخن بعضهم، لكن رائحة العرق كانت مهولة، وخاصة رائحة العرق التي كانت تنبعث من إبط جاري.
ومن الفتحة التي تشبه فوهة الكهف، رأيت الطريق، لم أكن أعرف إذا ما كنت ذاهبًا إلى الشمال أم الجنوب، الغرب أم الشرق، وقلت في قلبي: (( لن أكن ذاهبًا إلى الشرق على التأكيد )). عندما اكتشفت أن اتجاه الشاحنة إلى الشرق مستبعد، رثيت لنفسي. فجأة، توقفت الشاحنة، لحظتذاك كنت أفكر أن الجندي قد بالغ عندما قال لي هذه المرة الثامنة والأربعون التي أطلب منكم الصعود إلى الشاحنة، فلو كان الأمر صحيحًا لكشف أمري في الحين، فهي المرة الأولى التي يراني فيها. سمعت المدرب يسأل:
- كيف الحال؟
جاء صوت بدا مغتبطًا تمامًا:
- نحن لا نقوم بنزهات مجانية! يقظون دائمًا!
أجاب المدرب:
- الغد لنا!
- الغد فقط؟ اليوم، والغد، وإلى الأبد!
تحركت الشاحنة قليلاً، فرأيت سيارة رجال الدرك.
- ربما التقينا ليلة السبت.
- ليلة هذا السبت؟ لا أعتقد، لدينا أوامر خاصة هذه الأيام، وأنتم؟ أليست لديكم أوامر هذه الأيام؟
لكن سيارة رجال الدرك ذهبت، وهي تسابق الريح، تبعتها أخرى، فخبأت رأسي وراء كتفي جاري. يا لي من جبان! جبان بينهم، في وسطهم، وكنت، في الحقيقة، شجاعًا كبيرًا، فأنا بينهم، في وسطهم، بين أسلحتهم، وما زلت أقوى على ذلك!
سارت الشاحنة مسافة لا بأس بها، والسؤال قد راح يدور في رأسي: أليست لديكم أوامر هذه الأيام؟ أوامر. لديكم. هذه الأيام. أليست لديكم أوامر هذه الأيام؟ لم يعطوه جوابًا. لم يقولوا له نحن نبحث عن رجل خطر في عرفنا، رجل هارب من وجه عدالتنا، نطارد كبشًا كبيرًا، لم نقتف بعد آثاره. هذه الأيام. أوامر. أليست لديكم أوامر هذه الأيام؟ الشاحنة تهتز. أوامر هذه الأيام. ماذا يمكنني أن أفعل؟ وقعت بين أنيابهم. عما قليل، يضغطون الفك على الفك، فأسقط في الأحشاء. كانت الشاحنة تهتز، وتشخر، وقد اعتدت رائحة إبط جاري. وكانت الأفكار في رأسي موجودة، خضم من الأفكار، لكني لا أستطيع أن أحددها. كانت (( روزا )) في رأسي، وكان السؤال عن الأوامر باقيًا، ينفرد وحدة في ذهني، ولا يثير بعد أعصابي، يدور باستمرار مع العجلات. والشاحنة تهتز، ونحن كل واحد يميل على جاره، وأنا لا أدري أين كانوا يذهبون بي. كنت أقعد بأمرهم، أسير بأمرهم، أعبر بأمرهم، أقطع الأشجار بأمرهم، طرق لا أعرفها أجري فوقها بأمرهم. كانت هذه هي الأوامر، أوامر مكتوبة في رأسي، وها أنذا أنفذها، دون إيماءة من رأس، دون إشارة من أحد، دون أن يطلب أحد مني القيام بذلك. الخطة هذه هي: أوامرهم! خطة محمود هذه هي، كلها، تسمى (( أنا )) على شكل أوامر، أو مجموعة متشابكة من الخيوط. (( أنا )) في شاحنة، وشاحنة فوق عجلات، وعجلات فوق طريق، وطريق فوق أرض، وأرض فوق لا شيء! في النهاية لا شيء، لا شيء، لا شيء! أرض فوق لا شيء، وأنا فوق لا شيء، وهم يبعثون بي في اللاشيء! يطلبون إلي دون إيماءة منهم بطرف الرأس كي أعبر، فلا أقول كلمة، ولا أرفع إصبعًا، ولا أحتج. لا يمكنني أن أتصور، فأنا منقول، وأنا مسير، وشاحنتهم في رأسي، وهم في الشاحنة، وكلهم جميعًا في رأسي. إلى أين والحرب حلمهم الأوحد؟ ومع هذا، فأنا لا أفكر في الموت، وإنما في كوني لا أملك القدرة حتى على رفع إصبعي لأقول: لا، أريد طريقًا أخرى، دعوني أعبرها وحدي إلى موتي. وتجدهم يعتقدون أنهم يأخذونني إلى المكان(( المناسب تمامًا ))، هناك لربما تنتهي الدورة، ولربما لا تنتهي، ولكن العجلات تتوقف، لا بد أن تتوقف في الأخير، وسأتوقف بدوري، سأتوقف في الفراغ، في اللاشيء، كالأرض التي تتوقف في الفراغ، في اللاشيء، ولم أكن أتصور على الإطلاق إذا ما وطئت قدماي الأرض من جديد أن ذلك فعل حقيقي. كانوا يأخذونني، وأنا ذاهب معهم، وكان ذلك خارجًا عن إرادتي. كانوا يأخذونني، ولم أكن أعتقد أنهم سيعيدونني من حيث أتيت.
لم لا أخلع قناعي؟ لا أجلجل صيحتي، معلنًا عن نفسي، وفي اللحظة ذاتها، أقبض على عنق أقربهم مني، وأذبحها، هؤلاء الجنود الاحتياطيون؟ بعد ذلك، لن يهمني ما هم بي فاعلون.
لم لا أعلن عن (( جرمي ))؟ لا أوقف الشاحنة؟ لا أفرغ رصاصي في رؤوس ثلاثة أو أربعة منهم، ثم أنتحر، وينتهي كل شيء؟ لماذا لا أقفز تحت العجلات؟ لا أصيح: أنا عربي! أنا عربي! لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ اختلست النظر إليهم، فوجدتهم يرمونني بنظرات هي مزيج من الرضى والاطمئنان. كانوا لا يشكون في يهوديتي، ولا في عبريتي، ولا في عبقريتي، كانوا لا يشكون في جمالي، ولا في قوتي، ولا في تسامي جنسي! لماذا لا أهتف بهم: أنا عربي! أنا عربي! لا، هذا العربي الذي في وسطهم ليس أنا! آه! كنت أضيع، وواحد لم يفرق، وواحد لم يعرف. لقد ذهب شعبان، انتهى، ذاب، تبخر، لقد تبخر شعبان، كان شعبان الآخر ينتهي ليبدأ هذا الشعبان الذي يضيع بينهم. وهأنذا بينهم في تيهي، وهم لا يشكون فيّ، لا يشكون فيّ على الاطلاق، ولا يزعجهم وجودي. إن وجودي الأول قد انتهى منذ زمان، وهذا هو شعبان الآخر، في يده سلاح مثلهم، ومنه تنبعث رائحة عرق نافذة، ورأسه يميل إلى الوراء وإلى الامام، كلما اهتزت عجلات الشاحنة: شعبان يتنفس من نفس الفتحة، ونفس الدخان، وله نفس سمات جنود الاحتياط.

* * *

بعد أن نزلنا من الشاحنة، قال المدرب:
- النظام، يا احتياطي، ترتيب، صف!
بعد أن استجبنا له، هتف:
- استعد!
رفع المدرب رأسه من فوق رجل أول الصف متفقدًا وقفتنا، كنت آخذ مكاني المعتاد في الآخر، والرجل الذي حادثني، كان يفصلني عنه خمسة رجال أو ستة. ضاق نَفَسي، وأنا أحدق في قمة رأس المدرب المتحركة يمنة ويسرة وتحت وفوق.
- استرح!
- استعد!
- إلى الأمام، يا احتياطي: واحد، اثنان، واحد، اثنان، واحد، اثنان، واحد... اثنان... اثنان... اثنان... رحت أتقهقر... أتقهقر... أتقهقر... ثم قفزت مبتعدًا، من وراء الأسوار، بعيدًا، وأنا أعدو كحصان، صاعدًا التل المقابل للمعسكر، مصعدًا بين أشجار السرو. وفي القمة، ألقيت بنفسي بين ذراعي إحدى الشجرات، وأنا أشد جذعها إلى صدري بقوة، وأنفاسي تتلاحق دون أن أتمكن من استعادتها بسهولة. في الأخير، استعدت أنفاسي، رفعت رأسي، ثم وقفت، وألقيت بنظرة على العالم، فإذا بي أهتز هزات أربع أو خمس مهولة، خلعتني من مكاني، فخلعت فردة صندالي، وقذفتها بأكبر ما أستطيع من قوة، وأنا أكفر:
- يلعن دين!
كان المعسكر ذاته ذلك الذي أطللت عليه من كوخ الراعي إسحق قبل أن أبدأ مغامرتي، عرفته من برجه الطويل، وساريته. في الوجه المقابل، رأيت كوخ الراعي، واستطعت أن أتبين الحظيرة، وفي اللحظة ذاتها، طارت بعض الحمائم. كنت أقف فوق التل الذي نصحني إسحق الصعود منه، على أن أتجنب الدخول في حقول الكيبوتسات المحروسة، والتي كنت أشاهدها من مكاني ذاك. كل ما قطعته قد ضاع سدى، وكأني لم أغادر كوخ الراعي آنذاك. لم أكثر من الشكوى، ومخاطبة الذات، حررت نفسي من الصدمة، وهبطت التل.

* * *

بعد مسافة ست ساعات قطعتها حافي القدمين، وسياط الشمس تحفر النار في ظهري، وصلت إلى غار محطم القوى، وتداعيت للسقوط، وأنا أحتضن البندقية، وما هي سوى بضع لحظات قليلة حتى ذهبت نائمًا إلى طرف الليل.
قمت مذعورًا على أصوات انفجارات هائلة، خرجت من الغار بحذر، فرأيت قافلة من الفلاحين المطرودين في الوادي. كان الجنود يسوقونهم هم ودوابهم وعرباتهم وأطفالهم لا أدري إلى أين. اختبأت وراء صخرة متقدمة، وسمعت الإسرائيليين يتحدثون بزهو عن محو القرية العربية عن بكرة أبيها. لم أستطع البقاء أكثر، تراجعت حيث تركت بندقيتي، ورحت أتابع طريقي باتجاه الضفة. بقيت النيران التي تلتهم القرية تضيء لي الدرب لمسافة بعيدة، ثم سقط الكون في الظلام والصمت.
لم أكن جائعًا، كانت هناك حجارة في بطني، وكنت قد نسيت أوجاعي، فباطن قدميّ المليء الجروح طولاً وعرضًا وبأعماق مختلفة، تكونت عليه طبقة رملية، عمل الصديد على حوافها قشرة خضراء من العفن تشبه الحراشف. كانت نظرة واحدة إلى باطن قدميّ كافية لإغثاء النفس، ومع ذلك، تأملته طويلاً، ولم يكن ذلك يسر بالطبع، لكني كنت أنظر إليه كي أعتاد وجعي، أردت أن أستوعبه دفعة واحدة دون أن أنجح. وكان حزام البندقية قد حفر كتفي اليمنى، وسبب لي الآلام والحكاك. وقفت قليلاً، فدارت بي الأرض، ولما عدت إلى دربي، قست الأرض تحت قدمي.
عبرت أراضي وعرة، قطعت حقولاً مزوعة، واجتزت أسوارًا ما بينها كثيرة. أكلت الحوامض، وكان بعضها مرًّا، والتهمت الحشائش، وكان بعضها حلوًا، وابتلعت أزرارًا من البندورة، وكان بعضها أخضر. سمعت الريح تقرع الطبول، وشاهدت الليل، وهو يتحد بالصباح. ما كنت أهدف إليه- حتى تلك اللحظات- مقابل عدوي: أن أعدو! فلم أكن أعرف وجهتي، تبدأ من أين، وتنتهي إلى أين. لم أكن أجرؤ على الاسترشاد بأحد، كانت وهاد ووديان ممتدة من أمامي، فقلت أقطعها.
وأنا أبعثر خطواتي في ليل اليوم التالي، اصطدمت أصابعي بقضيب حديدي، فلفت انتباهي خط سكة حديدية. رحت أجرجر خطاي متابعًا الخطين المتوازيين، فلم تعد عندي الطاقة الكافية على ما كنت أستطيعه من جري بالأمس. أكثر ما كنت أقدر عليه أن أهرول، ثم لا يلبث أن يأخذني ضيق النفس. لم تمض نصف ساعة، إذا بي أمام قطار بضائع. وصلتني بعض الأضواء الخافتة التي تتمزق، هنا وهناك، على رصيف المحطة. رأيت عند العربة المتصلة مباشرة بالقاطرة بعض العمال، ولاحظت أنهم يناولون بعضهم حزمًا أو أكياسًا لم أستطع تمييزها لبعد المسافة، وبسبب الظلام. قلت لنفسي: (( سأركب، فشمالاً أو جنوبًا، أو حتى ولو كانت الوجهة هي الجحيم، فهذا لا يهم، أكون على الأقل قد ابتعدت عن كوخ الراعي! )) قلت ذلك، وأنا أضع يدي على باب العربة ما قبل الأخيرة، فتزحزح إثر الضغط، وراح يتحرك بليونة. وفي اللحظة ذاتها، انبعث صفير القطار، واندفعت العجلات بالبخار، فصعدت، وأنا أثني نفسي، بينما القطار راح يتحرك، وعجلاته تزفر، وتصرخ رويدًا، رويدًا، والأيادي الصغيرة التي تمسك بالعجلات تخفق على وتيرة واحدة. كان القطار قد انطلق، وقد تركت الباب مفتوحًا، وفي ظني أن ذلك نافع في حالة الطوارىء. تبينت بعض الصحاحير المليئة بأعناق الفاصوليا الخضراء، وأكياس كبيرة من رؤوس البصل. وفي آخر العربة، عند الزاوية، تبينت، بعد جهد، عددًا من قطوف الموز، فابتسمت، هكذا، ورحت أفكر في أفريقيا: (( يشحنون معي إفريقيا! )) كل ذلك لأجل أن أتسلى! والحقيقة، سرتني قطوف الموز، فبذلت جهدًا حتى وصلت إليها. قطعت أربعة أعناق أو خمسة، رغم أنها لم تزل خضراء، قشرتها، وأخذت في التهامها واحدًا تلو الآخر. ذهب عني شبح رجال الدرك، فكرت فيهم، وسخرت منهم. كم كان حالي في العربة رائعًا! لم أحس طوال عمري بلحظات أقرب إلى نفسي كهذه: قطار يخفق من تحتك، قضبانه تمتد، وتمتد، وأنت تستطيع وحدك أن تحزر البعد ما بينها. كم كان طربي كبيرًا، وأنا أفكر أنني (( أنا )) من يعيش ذلك.
توقف القطار، وعجلاته تصفر، فأغلقت على نفسي الباب، واختفيت بين البضائع. لم يمض وقت كبير حتى فتحوا عليّ باب العربة.
- أنت متأكد أنها في رقم 9؟
- لست أدري، انتظر.
ذهب الرجل إلى رقم 8، وبعد قليل، قال للثاني:
- لقد وجدتها، إنها هنا، تعال احمل.
فعادوا يغلقون عليّ الباب، وما لبث القطار أن عاد يتقدم على خطيه المتوازيين. ندمت لأني لم أقرأ اسم المكان، فلا بد أن هناك لافتة، وعزمت على أن أعرف اسم المكان التالي. رحت أشاهد السماء البيضاء من باب العربة المفتوح، كان الليل في آخره. قررت أن أهبط، على أي حال، في المحطة التالية، قبل أن يكتشفوا أمري، وبعد ذلك، سأرى ما يمكنني فعله.
قطفت عددًا من أعناق الموز، وضعتها في صدري، ونزلت مع وقوف القطار مباشرة. اختفيت وراء شجرة، ورأيت رجلاً يعدو باتجاه العربات. صاح عامل خرج من القاطرة مخاطبًا إياه:
- لقد وَصَلَتْ!
تنفس الرجل الصعداء، وهمهم:
- أخيراً! لقد مضى شهر طويل!
سأل العامل رفيقه:
- رقم 9، أليس كذلك؟
فهز له رأسه، والرجل يقول مهتزًا:
- سأعمل ضجة!
وهو يضحك بفم واسع. حضر ثلاثة من القرويين، وهم يهرولون، غاب العامل في العربة التي كنت فيها، وراح يناول القرويين الثلاثة قطوف الموز واحدًا واحدًا، والرجل المغتبط لم يزل يهمهم، ويبتسم:
- سأعمل ضجة!
في النهاية، قال العامل، وهو يغلق باب العربة:
- هه! تبقون على خير!
امحت ابتسامة الرجل لما شاهد أحد القطوف ناقصًا، فلحق به، وشده من كتفه:
- ها أنتم تذهبون هكذا!
لم يتوقع العامل نبرته المهددة، وقد أثارته ملامسة اليد لكتفه، فسأله بنفور:
- ما الذي تريده؟
- يعني لا تعرف!
صاح العامل ضجرًا:
- وما يدريني، أنا، وما يدريني!
اهتاج الرجل:
- وكيف لا يدريك، أنت؟ أكلتم قطف الموز!
لكن العامل قفز داخل القاطرة، ونبر:
- اذهب أولاً وعدها، وبعد ذلك، تعال، وارفع قضيبك علينا!
صاح الرجل، وهو يلوح قبضته في الهواء:
- سارقون!
رمى العامل له إيصال التسليم، وتحركت العجلات. لم يتمالك العامل إذ راح يصيح من شدة الغضب:
- انتظر! انتظر! المرة القادمة، سأدق عنقك لقاء هذا!
والرجل لم يزل يلوح قبضته، ويصيح:
- سارقون!
سأله السائق:
- ماذا به، المجنون؟
- يقول أكلنا قطف الموز.
أخذ السائق يضحك، أخرج العامل رأسه من نافذة القاطرة، فشاهده على الرصيف، وهو لم يزل يلوح قبضته في الهواء مهددًا. وفي الأخير، ضرب الرجل كعبيه، وراح يهمهم بلغة (( اليديش )):
- لصوص! أنذال!
لم تكن هناك لافتة تشير إلى اسم المكان، كانت شبه محطة، لم يتوقف القطار فيها إلا لدقائق، ولم أشاهد لا حارس ولا عامل ولا حتى مبنى، قلت لنفسي ربما كانت المحطة موقفًا خاصًا لأحد المعمرين. وعندما رأيت من بعيد القرويين الثلاثة، وهم ينقلون شحنة الموز، ويضعونها في سيارة أمريكية تأكد لي ما فكرت فيه.
بعد ذلك، غدا الفجر أرجوانًا، وكل ما فعلته أنني سرت صوبه بعد أن جذبتني أنامله الساحرة. أصبح الفجر بحيرة حمراء، والعالم زهرة، أما شفتاي فدمعتي إشراق. أخذت أسير في خط مستقيم، فربما يكون عند نهايته الجسر الذي رسمه محمود. بقيت أسير في خط مستقيم، وأنا أدنو في دماء الفجر، ألوّث جسدي. حتى ولو صادفني وادٍ، نهر، جبل، صخر، نار، سأبقى سائرًا في خط مستقيم، كطفل لا يعرف معنى الخوف، كطفل يعبر الطريق بعناده صوب الشمس. عندما أطلت شمس
(( ذلك )) الصباح من فوق التل الكبير، ثار بين جوانحي حبي القديم. تذكرت كيف كنت، وأنا طفل صغير، أدعوها برتقالة، وأمنع أولاد القرية عن سرقتها، فهي للطبيعة ابنة. كنت أقول لهم: كيف تجرؤون على سرقة الطبيعة، وهي أمنا؟ كانت الطبيعة بمثابة أمي، وكانت حبات البرتقال في موسم الجني شموسًا صغيرة يطلع معها النهار، وعندما كنا نقطفها، كان قلبي يهتز من شدة الانبهار.
على مرتفع عال، كانت هناك حجارة كثيرة لها شكل الفأس والمعول. لم أعرف كيف تعثر قدمي، وأنا أدنو من القمة. فقدت توازني، وهويت فوق الرؤوس المسننة. شعرت بإبر ودبابيس تثقب لي جسدي، بمطارق وأياد لهاون تدق لي عظمي، بل وأقسى. ذبحت ظهري وصدري وبطني حروف ماضية كأنها سيوف، وغدوت كرة من دم ونار تتدحرج حتى قدم التل، هناك حيث بدأت عبادتي. لملمت نفسي الممزقة، وجهي المجرح، قدميّ النازفتين، ضلعي المزرق، عظم حرقفي على وشك الانكسار، المؤلمني أكثر ألم، وأحسست لأول مرة منذ مغادرتي القرية أنني بائسٌ بالفعل، أنا من كنت أمتنع عن التفكير فيّ كذلك. مزقت قميصي الداخلي، ومسحت به جراحي المتربة، ثم عصبت رأسي بعد أن أزلت من شعري ما استطعت من دم. مزقت كُمي قميصي الخارجي، ولففت بهما قدميّ المتورمتين، شددتهما بقوة، وعصبتهما. تحسست عظمي جيدًا، فوجدتني سالمًا دون كسر، مما جعلني أطمئن قليلاً، وآمل في مواصلة السير، في المتابعة، متابعة طريقي التي لا تنتهي. عدت إلى التعلق بهدفي، بعد أن أغشى الله على بصري. فكرت: (( شمس مستحيلة لي! الضفة شمسي المستحيلة! إنها الضفة الشمس! الهدف المضيء! هيا انهض! حقق هدفك! انهض! تقدم على جراحك! اقض على أتعابك! بعد لم تنته الطريق! ها هي تربض هناك على بعد خطوتين! لم يبق سواهما! انهض أيها الشجاع! أيها المغامر! أيها المغوار! ))
تسلقت التل من جديد، كنت خائفًا على البندقية من أن تكون قد تحطمت إثر السقطة، لكنني وجدتها في الموقع الذي هويت منه، بين حجرين بكل جمالها ومتانتها. عدت أفكر: على بعد خطوتين! شمس مستحيلة لك! هبطت الوادي صوب الشمس، تلك الشمس المشرقة كم هي رائعة الجمال! صادفني تل آخر يقف في وجهي، عندما شاهدت أشجار السرو المزروعة على كتفه، وخزت قلبي شوكة، وتوترت كل جراحي. سبب لي ذلك ألمًا شديدًا لم أستطع احتماله. اعتمدت على ساق البندقية، وصعدت. وأنا على رأس التل، أطللت بعينين زائغتين، فانطفأت عيناي، وراحتا تطلان من وراء ليل، من وراء شمس سوداء، اكتسح ظلامها المعمورة. كان البرج الطويل للمعسكر الإسرائيلي ينتصب في الوادي، والسارية التي عليها علمهم كانت هناك، وكان كوخ الراعي إسحق وحظيرته في الجهة المقابلة. كنت أعود إلى نقطة البدء، من جديد. لم أستطع الوقوف على قدميّ المنهارتين، ارتضم رأسي خابطًا جذع شجرة، وغبت عن الوعي.
* * *
من خلال أعواد القصب، رأيت المنزل الكبير، والمستودع المبني على يساره. كانت أمام المنزل ساحة مبلطة، في وسطها بركة واسعة على شكل حبة الدمع، وقد استثارت انتباهي همهمات متلاحقة، ثم صيحة مستفزة. وعلى مقربة من البوابة الحديدية، المغطاة، من وراء الحفر الهندسي، بلوح زجاج طويل، وقفت سيارة بيضاء مكشوفة. كانت الهمهمات المتلاحقة قد بحت، وتحولت إلى فحيح. وما لبثت ضحكات حادة أن انفجرت من فم مفتتن لشاب جميل الوجه، عيناه ثاقبتان، مهيب الطلعة. كان جالسًا في قارب صغير يمخر ببطء، وقد شد المجدافين، عاملاً الرقم سبعة، وبين الشعبتين اللتين تشقان الماء بحافتيهما المسطحتين، وترشقانه مع احتكاكهما بصفحته، كانت مجموعة من البجع البيضاء تجدف هاربة من وجهه، وبين الحين والحين، تصفق أجنحتها فزعة لتتحاشى هجومه، أو ينضم بعضها إلى بعضها كأصابع اليد، متآزرة فيما بينها، ومنفذة لخطة دفاعية مشتركة، ولكنها لا تلبث أن تنفك مذعورة، متبعثرة، فتثيره أيما إثارة، ويأخذ بالفحيح كالأفعى، معضعضًا ضحكاته. كان كل همه أن يُلحق الأذى بها، فيدفع مجدافيه في الماء بسرعة أكثر إلى الوراء، كي يزيد من سرعة المركب، وبعجلة، يرفع مجدافًا، ويهوي به على رأس إحداها، لتصرخ بألم، وقد غطست في الماء، ثم اندفعت تصفق بجناحيها صفحته، وهي تشق طريق الأعمى، صدف أن كانت بعيدة عن متناول يده. بلغت نشوته أوجها، فانتشر فحيحه في الفضاء، حتى غدا له ملمس الضباب، ورنت ضحكته كالجرس الكهربائي. فجأة، رفع المجدافين إلى أعلى ما يكون، وأهوى بهما على رؤوس السرب المضطرب، فأطار صوابه. كان يريد إثارة فزعها، تلك البجع المسكينة، أن يهرق آخر قطرة أمل لديها، وهي تصرخ بحناجر جفت بالخوف، وقد لاذت بالفرار. وصلت في النهاية حافة البركة، فقفزت، واحدة تلو الأخرى، وهي تتدافع، بينما أعناقها تميل، وأجنحتها تصفق. كانت تريد أن تنفذ بجلدها، بعد أن خبطت جناحيها كمن نجا من الموت، وكانت الحية التي تسكن حلق الشاب الجميل قد أنهت فحيحها عندما راح يقهقه قهقهة المجنون. أوقف القارب، وقفز منه مندفعًا من ورائها. جرى بضع خطوات، وهو يصوب نحوها مجدافيه صائحًا: هولا! هوب! فتصادمت عمياء البصيرة، وتبعثرت هنا وهناك. عاد الشاب الجميل يطلق ضحكاته المفتتنة، وفي اللحظة ذاتها، رأيت رجلاً أسود يخرج من المستودع، وهو يحمل على كتفيه صندوقين كبيرين، مسندًا إياهما بذراعيه الممتدتين إلى أقصاهما، وقد انفرجت أصابعه الطويلة على حرفي الصندوقين، بحيث ظهر رأسه محصورًا بينهما ككرة القدم.
أوقفه المجداف الذي انصلب في الهواء، على حين غِرّة، من أمامه، فابتهل الرجل الأسود بصوت لم أسمع طيلة حياتي صوتًا مثله، وقد حسبته، للوهلة الأولى، ترتيلاً:
- لا، يا سيد أبراهام!
اختطف أبراهام قدمه، ووقف مواجهًا إياه. فغر فمه عن بسمة مستفزة، كأنّ لبريقها شفرات حادة تترك على البشرة جروحًا. بدت عيناه الثاقبتان زجاجتيين، امتزج خضارهما بالشفق، مما دعاني إلى الاعتقاد بأنه يتلظى شوقًا إلى تحطيم الرجل الأسود... إلى سفك دمه ربما. أخذ يمطمط شفتيه، وأنا أحس بوجع في صدغي. لقد صادفت في حياتي بعض المغرورين على شاكلته: كانوا يقضون كل الوقت، وهم يرقبون انفجار قطرة دم من سُلامى، أو حلمة، وكانوا إن أعجزهم الأمر، يختلقون بعض المواقف! سالت همهمة أبراهام، فانقبض قلبي، وأبراهام صامد تحت ضغط عيني الرجل الأسود الراجيتين. قلت: (( المهم ألا يرتكب حماقات! )) فقد أثار عواطفي منظر الرجل الأسود. همهم أبراهام من جديد، وهو يمد المجدافين على طولهما. لوّح بهما، فقص الهواء، وسمعت لذلك قطعًا كالقطع الناتج عن مبضع. تراجع الرجل الأسود خطوة إلى الوراء، وحمله الثقيل قد جمدت عليه أصابعه. فح أبراهام متقدمًا بالرقم سبعة: حدا سيفين! كان يفح، وابتسامته المستفزة تتسع، وتتسع، تسحق زوايا فمه، وتضغط على الفقاعات التي في حلقه، فتبقبق، وهي تتساقط في السمع. جمع حدي المجدافين، فتطايرت من عيني الرجل الأسود شرارة. قهقه أبراهام، وتقدم منه، فتقهقر الرجل الأسود، وهو يردد بلسان كله رجاء: (( لا، يا سيد أبراهام، لا! )) فح الحلق الأنيق، والرجل الأسود ما انفك يردد: (( لا، يا سيد أبراهام، دعني أعبر طريقي، فأنت ترى أن حملي ثقيل، والسيدة تريده حالاً! )) ازداد خفق قلبي وقلبه، والشاب المفتتن يكشف عن عضلاته الجميلة! كان وجه الرجل الأسود قد ابيض، ولسانه ما انفك يبتهل: (( لا... يا سيد أبراهام... دعني أعبر طريقي، يا سيد أبراهام! )) لكن أبراهام هجم باتجاهه، وهو يرفع المجدافين إلى أعلى، ملوحًا إياهما بشراسة، وصاح صيحة جلجل صداها في أذني:
- هولا! هوب!
تعثرت خطوات الرجل الأسود، كان قد وصل إلى حافة البركة، فانكسر عليها كعبه، بعد أن مادت قدماه. ضجت سقطته، انفتحت حوله دائرة كبيرة من أعماق الماء المتراص، وتحطم جزء منها على البلاط. وعلى التو، أرسل أبراهام ضحكته المفتتنة، ضحكته التي لا تصدق! شاهدت الرجل الأسود، وهو يتخبط كالبجعة في ماء البركة. كان يصعد برأسه لاهثًا، ويقذف ما ابتلعه من ماء. أوقف الشاب الجميل ضحكته، وقدم له المجداف. اقترب الرجل الأسود، وقد أمن جانبه. وما أن حاذى رأس المجداف حتى قذفه أبراهام به بعنف، فتلقى الحرف في صدغه. سقط من جديد لاطمًا سطح الماء، وأبراهام يقهقه ميتًا من شدة الانتشاء. قلت: سيقتله لا محالة. ظهر الرجل الأسود، وهو يصفق الماء الذي عكره بدمه، دون أن يقدر على جمع أنفاسه : (( كفى، يا سيد... )) وعاد يغطس، ثم ظهر رأسه الأسود من جديد، فلهث، وهو يبصق متابعًا: (( أبراهام! )) إلى أن استقر وسط البركة. رفع أبراهام ذراعه، وصوّب المجذاف إلى قلبه، ثم ألقاه بقوة: هوب! هولا! فبرق سهم من فوقه، وسقط في الناحية الأخرى. وراحت ضحكته المستفزة ترن بهوس من جديد، فقد رأى الرجل الأسود لما أحنى رأسه كالطفل الخرع، متلمسًا، من حوله، دون جدوى. عبر سهم آخر من فوقه، وفي الأخير، صفق أبراهام يديه بحماس، وصاح:
- تستطيع أن تبعث بالصناديق الآن.
سارع أبراهام الخطى، ففزع سرب البجع هاربًا، واتجه ناحية سيارته. أطلق زامورها، وراح يسوي ياقة قميصه، وهو يرفع أكمامه. عاد يطلق الزامور، فانفتح باب المنزل، ووصل إلى أذني صوت أمرأة فيه رعشة خفيفة تصاحبها بحة دلال:
- أنا قادمة.
كنت لم أزل أتابع بناظري الرجل الأسود الذي أمسك حافة البركة، في الوقت الذي عاد أبراهام يطلق زامور السيارة، فظهرت المرأة: كانت تقارب الخمسين، على وجهها طلاء سميك، ترتدي ثوبًا قطنيًّا يلف قامتها النحيلة، وقد وضعت على رأسها قبعة حمراء، مزدانة بوردة سوداء من حرير.
- أنا قادمة، يا عزيزي، بعض الصبر! (وقبل أن تصل إليه، راحت تقول): انظر اليّ جيدًا (وقفت قبالته): هل يمكنك أن تبحث عن شيء أريد أن أفاجئك به؟
رفعت يديها، ولامست بأناملها القبعة، فابتسم ابتسامة كاوتشوكية. قال أبراهام:
- يا لها من قبعة جميلة!
أحنت رأسه بين يديها، وقبلته من خده:
- أنت جميل كجمال أمك السلافي، تتمتع بذكاء أبيك الجيرماني، وتفوقه في بعض الأحيان!
كان الرجل الأسود قد وقف بقامته المتحطمة، وهو يقطر ماء، وعندما طرفت المرأة بعينها نحوه، قالت بنبرة لا تخلو من التوبيخ:
- ألم تكف بعد، يا عزيزي أبراهام، عن إلحاق الأذى بالزنجي المسكين؟
استدارت تفتح باب السيارة، والرجل الأسود لم يزل يجمع أشلاءه، متفقدًا من حوله، فلربما فقد إحداها.
- إنه لعبتي المفضلة!
دار أبراهام (( بسيارته ))، بينما فتحت أمه (( حقيبتها )) الجلدية، واحت تنظر إلى (( نفسها )) في المرآة، وتسوي القبعة على (( رأسها )) بعناية.
- يا لها من لعبات صغيرة لا تنتهي لعباتك! إنها تسمى لعبات شاب على وشك أن يصبح عدد أعوامه خمسة وعشرين!
كنت لم أزل أستمع إلى كلماتها:
- ألا ترى معي أن الأوان قد آن كي تشغل نفسك بما هو أنفع؟
- ماذا يمكنني أن أفعل؟ فأنت ولدتني غنيًا، وعدا عن ذلك، أجد في (( لعباتي )) بعض التسلية!
- آه! يا إلهي! ما الذي فعلته بالمسكين؟
وقد التفتت إليه، وقبل أن يبتعدا عني تمامًا سمعتها تقول:
- بإمكانه أن يكون شرسًا، لكنه يقعد عن أن يصبح ما بإمكانه أن يكون.
انفجر أبراهام ضاحكًا، ثم سألها ساخرًا:
- وماذا بإمكانه أن يكون؟ قولي إذن ماذا يمكن أن يكون واحد زنجي! (أضاف بنشوة متسلطة وسلطة منتشية): إنني سيده، وهو ملكي!
صاحت، وهي تضع أصابعها على فمها:
- آه! لا تتشرب طباع أبيك، فهؤلاء البؤساء بشر!
كان الرجل الأسود قد عاد ينزل في البركة، مد يده في الماء، وأخرج الصندوق الأول، فالثاني، ثم خرج، وهو يلتفت من حوله. رفع رأسه إلى السماء، وبقي طويلاً يطرف بعينيه إلى الأعالي.
انحنى على الصندوقين، مسّهمًا مسًا خفيفًا، فارتفعا بخفة بين يديه. نفض رأسه، ولم يزل ينحني على ارتفاع نصف متر عن الأرض، ثم جمد تمامًا. كانت عيناه الجاحظتان الدامعتان تحدقان في الناحية التي كنت مختبأ فيها، وكان قد رأى بين سيقان القصب ساقين آدميتين. عندما لفت انتباهي ذلك، تراجعت، وذهبت أقطع الحقل. بعد لحظات، بدأت أسمع خلفي خطواته المقتفية آثاري. ضاعفت سرعتي، لكنني توقفت فجأة، فلم أجد معنى للهرب من وجهه. أخذ يتردد في رأسي بيت شعر يقول: أحدنا لا يختلف عن الآخر... اللون لا يعني الاختلاف! أخذت أريد لقاءه، والتحدث إليه. أملت به: كنت على حافة بئر الهلاك، فأنا ممزق، وأنا محطم، وأنا جائع، وأنا على وشك أن أهوي، لم يبق لي أحد، لكنني، في اللحظة الأخيرة، وجدته. كان كل ذلك يدفعني إلى لقائه، والالتحام بأوجاعه. رحت أسمع حركة يديه بين سيقان القصب، وأحس بما يلمس في كفي. وما هي سوى لحظات قليلة، حتى وقفنا، أنا وهو، وجهًا لوجه. كان وجهه قمرًا أسود، وقد بدا لي فتيًا عن مقربة، نبيه المحيا، رغم الشقاء الزاحف فيه.
وبعد أن أذاب كل منا الآخر نظراته في نظراته، رأيت انزياح الدهشة عن وجهه، لكنما قليل من الحمق قد لبسه عندما حاصرته بهيئتي. قلت له:
- عابر سبيل.
أخذ يرمي النظر إليّ بعينين رحيمتين، وأنا أراقب عن كثب تلك العينين الرحيمتين والجبهة العريضة اللامعة. عند ذلك، انتهت أوجاعي لأجلي، وابتدأت أوجاعي لأجله. كان لحم صدغه قد انفتح، وبانت حفرته كبئر. وكان للدم الناري الأحمر على الأدمة السوداء الكافورية لون القطران وطعمه ورائحته القوية السميكة.
- احترس، دمك يسيل!
ارتفعت أصابعه الطويلة، وانجرت على وجهه. رأيت عروقه تبرز كالأنابيب المدفونة تحت سطح التراب، وعندما شاهدت خفقات عروقه العنيفة، أدركت القوة الممنوعة. لاحت لي يده قطعة من الليل، ليل العالم الكبير، وتحولت فجأة إلى يد حيوان ضار، كنت أتابعها، وهي تنفصل، حتى بانت غريبة عنه تمامًا. كانت يده القديمة التي لوثها القطران قد اختفت، وراحت هذه وحدها هي التي تتحرك، والوحش الذي انفصل عنه قد بقي يسعى، ويتنفس.
قال لي:
- من أين أتيت؟
لم أعطه جوابًا، كنت لم أزل أراقب اليد الوحشية الهائلة، وبعد قليل، سقطت يده على جانبه، وراحت تتلوى بطفولة.
- كم هو رديء!
حسبت أنه يقع عليّ للوهلة الأولى، فقد أخذ يجيل نظراته فيّ بطريقة مستهجنة، من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ومن أخمص القدم إلى قمة الرأس، وتوقف على لفائفي.
- إنه رديء، رديء!
- إذا كانت حالتي لا تسرك، فدعني أذهب.
- ولكنه رديء فعلاً!
- أعرف ذلك، لقد حصلت لي صعوبات، كانت هناك صعوبات كثيرة.
لطخني وميض عينيه، كان قد وقع بعينيه على البندقية. أحسست وقتذاك أنني أعلق على كتفي جسدًا، بعد أن التحمت نظرات الأسود بها. راح كتفي يثقل من حمل الاثنين، حتى أن القوة الرصاصية الهائلة التي كانت تشده إلى أسفل كادت تحطمه. عادت يده ترتفع بحيوية يدٍ أخرى بعد أن غادرت طفولتها، يد أخرى جبارة كان يفتح بين أصابعها، لكنها بقيت تسمى يده، فهو لا يدعها تبتعد أو تنفصل. أحسست بالملامسة، فتسرب في يدي بعض الخدر.
قال الرجل الأسود بعد أن قطع بسمته الأنقى من الثلج:
- يجب أن تخفي هذا، يجب أن تخفيه!
جذبني من ذراعي، فتبعته. أخذنا نسير بين أعواد القصب، والأعراف الخضراء تحتك على صدرينا، حتى وصلنا المستودع. أدخلني، وهو يحثني على الإسراع. كانت تقف في وجهي سيارة نصف شحن غير مغطاة، وكان سقف المستودع عاليًا، فيه هرم من الصناديق، وصناديق أخرى متفرقة، إلى جانب بعض الحزم، والأكياس، وكانت هناك كومة أحطاب في زاوية، وحبل يتدلى عليه حرام أسود، رفعه الرجل الأسود، فكشف عن سرير قصير الأقدام، وطاولة قصيرة، ونصف مرآة مكسورة علقت على الجدار، وأينما رفعت عيني على الجدار، كنت أرى صور نساءٍ، بعضها عارية تمامًا. وفي الناحية الواقعة فوق رأس السرير كانت صورة كبيرة بالألوان لمجموعة من راقصات الليل، وهي تمد معًا سيقانها البيضاء الجميلة بضربة واحدة إلى الأمام. قلت لنفسي: هذا إعلان سينما! دفع لي كرسيًا، وما لبث أن اختفى في عتمة المستودع. سمعت بعد ذلك صوت ماء يسيل من حنفية، ثم انقطع الصوت، وظهر الرجل الأسود من جديد، وهو يحمل بين يديه طشتًا.
- ألم يجلس بعد؟
وضع الطشت قرب قدمي، وفتح صندوق ثياب من وراء السرير، أخرج منه قطعة صابون وموسى حلاقة ومنشفة بيضاء وضعها على الكرسي، ثم رمى لي بحذاء، والتفت إليّ:
- لا يريد أن يجلس، وحسبما قيل لي، كانت هناك صعوبات كثيرة.
ابتسمت، وكأن بيني وبين الرجل الأسود رابطة قديمة، لكن مسافة ضئيلة، بقيت تفصل أحدنا عن الآخر. أمعنت النظر في شفته السفلى الضخمة، وقلت له:
- ها أنت تكلف نفسك.
- آه! كم هو رديء!
زالت القشة الأخيرة التي كانت تفصل أحدنا عن الآخر، عادت صداقتنا القديمة، صداقة متينة لا تمحى، وراح يبادل أحدنا الآخر النظر بعين ود عميقة.
قدمت له البندقية، فتناولها مني بيد خفيفة، وأخفاها في الصندوق، ثم عاد وربت على كتفي:
- وكما ترى، فهذا بيتي، إنه بيت متواضع لزنجي حقير!
سكت قبل أن يقول:
- أستطيع أن آتيك ببعض الضوء.
أخرج شمعتين، وأشعلهما، فرأيت الجذوتين في عينيه، وقد تسمرتا بعد أن صقلهما سواد معتم. أخذ يهمهم:
- هذا حسن الآن!
ثم اقترب مني، وتأملني مليًّا. كانت البئر المحفورة في وجهه قد جفت، وتحولت إلى كتلة متخثرة كبيرة:
- سيتركك الزنجي لبعض الوقت، فعليه أن يبعث بالصندوقين، ثم يعود، وخلال ذلك، عليك أن تقوم ببعض الفروض.
وأنا أسمعه، كنت مرتاحًا وسعيدًا. سألته، وأنا أبتسم:
- ما اسمك؟
فاجأه السؤال، رأيت انزياحًا هائلاً في عينيه. بقي صامتًا، ثم لبث أن خرج عن صمته، وقال:
- ليس لي اسم.
امحت بسمتي، وانعطفت نحوه بذهول:
- هذا مزاح!
- أنا لا أمزح، فلم أعتده، المزاح. وهنا، يدعوني الجميع بالزنجي.
- لكنه ليس باسم، أريد أن أعرف ما هو اسمك.
ردد الرجل الأسود:
- ليس لي اسم... ليس لي اسم... (استدار يريد الذهاب): إنني اكتفي بالزنجي، هذا هو اسمي: الزنجي!
وقبل أن يتركني، قال لي:
- إن الأسماء ليس لها معنى عندنا، ونحن لا نعطيها أي اعتبار. إننا ندعى جميعًا هكذا، أبي يدعى بالزنجي، أخي يدعى بالزنجي، وأمي تدعى بالزنجية. هذه هي أسماؤنا، فنحن لسنا كسائر البشر. لقد ألبسنا الله جلدًا من الليل، بينما وهب الآخرين جلدًا من النهار (سكت، ثم قال بصوت هامس، وحبل الذكرى يشده): كنت وأنا طفل صغير أسمع أمي وهي تقول: (( لا يمكن الليل أن يصبح نهارًا، ولا النهار أن يصبح ليلاً! )) ثم تنفجر باكية، فقد كان ذلك كل ما بإمكانها قوله.
غاب وقتًا ليس قصيرًا، فطلبت حضوره، رغم أن خياله قد بقي معي. عاد، وراح يفحصني بوجه تتراقص تعابيره، وقد غمره سرور عارم:
- ها أنت نقي الآن كاللؤلؤة في محارة!
أضاف بشيء من الاعتذار:
- تأخرت عليك، فقد وجدت بانتظاري بعض الأعمال.
أشار موسعًا بين يديه إلى المكان الذي ترك فيه الطشت:
- أين وضعته؟
- تحت الحنفية.
- يا له من فتى رائع!
اعترف بإخلاص:
- إنه يروق لي!
كنت أجلس على السرير، أستند بظهري إلى الحائط، في حضني البندقية، وأنا أقوم بتنظيفها. كان لم يزل يهمهم: إنه يروق لي! سمعت نقط الماء المتساقطة، ولهثاته، كان يرشق على وجهه بعض الماء البارد. تخلخل خط سير الماء في الأنابيب، فانضغطت، وراحت تشخر أثناء انصباب الماء من الفوهة، تبعت ذلك فرقعات تشبه، إلى حد بعيد، فرقعات البارود الفاسد.
عاد إلي، وهو يقطر عاريًا حتى النطاق. لم تكن قد بارحته بعد لهثاته بسبب البرودة، فسحب المنشفة من يدي، وأومأ بإصبعه إلى البندقية:
- هذا سلاح حقيقي!
همهمت بالإيجاب.
قال:
- لقد حصلت له صعوبات، كانت هناك صعوبات كثيرة، أليس كذلك؟
قلت له:
- لماذا لا تلقي علي سؤالك مباشرة؟
تجاهلني، وراح يحشو قطعة القماش في أذنه.
- ليس لي سؤال.
غاب في الداخل المعتم من جديد. كان يتركني وحدي، فأحس بعزلتي، وبما ينطوي عليه وجودي من أخطار. عاد وبيده سلة فيها خبز رمى عليه دثارة:
- ليس لي سؤال، إنني لا أفكر في شيء من هذا.
جلس إلى جانبي:
- فلو جرى أن فكرت في شيء من هذا لما دعوتك.
لم أجد نفسي واضحًا في عينيه، كنت أقف من وراء الدموع التي تصنع فيهما غشاوة. كان لا يمكنني أن أرى نفسي من وراء المرآة، ومع ذلك، كنت واقعًا في صميمها. قال:
- لو خطر على بالي سؤال حولك، وأنا في الخارج، لما أبقيتك هنا إلى الآن. كان بإمكاني أن أقوم ببعض الجولات، وأقل ما كان يمكنني فعله أن أستدعي عشرة عمال ضخام من مصنع السيد المجاور.
سكت، وهو يخفض رأسه بين قدميه، ثم تابع كمن يحادث نفسه:
- لكن لم يخالجني حولك أي سؤال.
مال نحوي، وقال بصوت واهن:
- يا لنا من بائسين هالكين أنا وأنت!
أخذ يجس بأصابعه الجرح في صدغه، وأنا أحدق في أعماق جرحه: جرحنا، كانت قبضة حديدية تعتصر لي قلبي. قلت له:
- لقد شاهدت ما جرى.
ضحك بمرارة:
- ليس هذا بذي بال! أنت لم تشاهد شيئًا، ما عساك أن تكون قد شاهدت؟ من العادة أن يقتلع أظافري أو يجدع لي أذني.
نقل على يده الشمعة المشتعلة، أدار لي رأسه، وثنى أذنه. رأيت جرحًا عريضًا غائرًا يمتد على طول الأذن من الخلف، حسبته لسانًا مقطوعًا ألصق هناك، بعد أن صقلت أطرافه طبقة صمغية من الجلد المهترىء.
- إنني لا أفكر في الأذى.
- ولكن هذه جريمة!
- هذه ليست جريمة! لو اعتبرتها جريمة، لكانت هناك جرائم!
نبرت في وجهه:
- إنها جريمة، جريمة! وقد رأيت كيف بقيت مكتوف اليدين، لو كنت مكانك لقتلته!
ضحك مرة أخرى بمرارة، وما لبث أن راح القديس يقول:
- ألم أخبرك بحكاية الليل والنهار، ألم أخبرك بما كانت تفعله أمي؟ لكني، أنا، لا أملك دموعًا.
- لديك القوة، أنت قوي!
طوى ذراعيه، وقال:
- أنا أضعف إنسان على وجه الأرض!
كان قد انكمش على ذاته، وأصبح بشعًا، وما لبث أن راح يحكي:
- نشأت في الخرطوم، لأن أمي المباعة لأسرة إنكليزية ولدتني هناك. كان عقد البيع ينص على أن تحتفظ بولدها حتى سن العاشرة، وأمي وقت البيع كانت تحمل بي. أعادتني إلى مسقط رأسها، رجعت إلى بلاد النوبة من جديد، كبرني جدي حتى سن الخامسة عشرة، وكنت من الذكاء والقوة بحيث كان يظن من يراني في العشرين. في ليلة، أخبرني جدي أني سأرحل في صباح الغد الباكر إلى بلاد بعيدة، فطار صوابي من شدة الفرح، راح يستطرد في وصفها، ومثّلها لي بجنة عدن. لم أغف ليلتها، وأنا أحلم بالفردوس، لكن الحقيقة كانت، طبعًا، غير ذلك.
كان جدي قد باعني للشركة التجارية لاستيراد وتصدير الرق. طوفت كثيرًا، كما قال لي جدي، فقد صدروني إلى لندن وأمستردام وجنوب أفريقيا والسعودية وسردينية، وهأنذا في إسرائيل. وقبل أن أُشحن للمرة الأولى إلى لندن، قضيت ستة شهور في المخزن لينضجوني على طريقتهم. نزعوا جلدي مرات، لكنها طبقات متراكمة، فبقي لوني الأسود. نزعوا من رأسي كل ما يمكن أن أفكر فيه، وفي الأخير، أمكنهم أن ينزعوني من نفسي. دمغوني بعدها برقم، وقالوا لي: سنبعثك إلى السيد، وسيكون لك بمثابة الروح. إن عصيته عصت روحك، وركبها الشيطان، وإن ذهبت عنه، ذهبت روحك، وكان مسكنك النار. إنه السيد الذي بأمره تعيش، وبأمره تموت، بدونه سيكون هلاكك، إنه السيد الأوحد، الرب المطاع، أفهمت؟ وأنت له حذاء، أنت له نعل!
سال سواده نهرًا أغرقني. قلت له:
- ما زالت لديك الفرصة.
بكى ضاحكًا أو أنه ضحك باكيًا:
- يا لك من رجل طيب! لقد حدثت نفسي منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها بين أعواد القصب، وقلت: هذا الرجل لا يحمل في قلبه إلا الطيبة.
أخفيت البندقية في الصندوق، وقلت له، وأنا التفت إليه:
- لقد أخطأ ظنك، فأنا رجل شرير.
ضحك غير مصدق.
- وأنا هارب.
انتفض انتفاضات ثلاث، وعقد بين حاجبيه.
- وهم يطاردونني منذ أيام، وحتى الآن استطعت أن أفلت من أيديهم، ولا أدري إذا ما كانوا يبحثون عني قريبًا من هنا، فلربما وجدوا آثاري.
راح الرجل الأسود، يرمقني بصمت.
- أما زلت أروق لك؟
لم يعطني جوابًا.
- هأنذا أخيب ظنك في الأخير، فكم يبدو وجهك ممتقعًا!
ردد، وهو يحرك رأسه، يمنة ويسرة، تحريكًا حارًّا مضطربًا خارجًا عن إرادته:
- إنني أفهم كل شيء، كل شيء، إنني أفهم كل شيء.
ألقى عليّ وجهًا فاقعًا وعينين محمرتين، وتعلق بثيابي:
- لن يخيب ظني بك، فقد قلت لنفسي منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها إنك رجل طيب!
انقضضت عليه، وحشرته في الزاوية، لويت يديه القويتين من تحته، وتحولت فجأة إلى وحش على وشك أن ينهش فريسته:
- قلت لك إني شرير، شرير هارب، وهم يتربصون بي الدوائر، وإذا لم أنج بنفسي الليلة وقعت بين أيديهم. أتعرف ما هو ذنبي؟ إن ذنبي الوحيد هو أنني أطلب العيش بسلام وبحرية محتفظًا بكرامتي. أرأيت؟ هذه هي ذنوبي، ليس لها أية صلة بحكاية الليل والنهار التي حدثتني عنها، فليس هناك نهار دائم ولا ليل دائم. ليست القضية قضية أسود وأبيض، ولا جلد أسود وجلد أبيض، ولا أفكار أم تعسة ضالة وأفكار شركة مجرمة لتصدير واستيراد الرق، ليست القضية زنجي يدعى كذلك، أو عربي يدعى كذلك، أو يهودي يدعى كذلك، فالقضية إذا بنيت على هذا الأساس، فهي من الأصل خاطئة.
لاحظت عرقه ينبجس من جبينه، فأطلقته، وتداعيت قربه.
- بإمكانك أن تبقى كما أنت مليون سنة أخرى، وبإمكانك أن ترد على نفسك مليون السنة الأخرى، إن ذلك لا يحتاج إلا إلى خطوة، خطوة واحدة تتحقق، فتجد نفسك أو تخسرها (سكتّ، وبعد قليل، همست): إنني أراك، أنت تملأ عيني!
همهم بصوت مارد راجف:
- وماذا يعني أن تراني؟
صحت به خارجًا عن إرادتي:
- يعني أنك واضح حتى في العتمة، ولون جلدك حجة ليس لها أي أساس. إنني أراك، وأرى معك البؤس، إن هذا وحده كاف، هذا وحده من يجعلك تشتعل!
- لقد حذروني من الخرافة التي تتكلم عنها.
قمت من مكاني، وسرت باتجاه الشمعتين، كانت هناك جذوتان تمصان الدغام الملطخ لكتف الطاولة. ضغطت عليهما بباطن كفي، فسقطت من حولنا ظلمة الكهف. بعد قليل، أخذ ضياء خفيف يأتي من شق الباب الكبير، وهو يتكسر رويدًا. اقتربت منه، وجلست إلى جانبه:
- أرأيت؟ إن الأمر لا يختلف، إنه لن يختلف على الإطلاق، سيبقى دومًا هو هو حتى ولو لم تكن هناك شمعة.
مد يده نحوي، وتحسس وجهي منفعلاً، ثم مال كمن يسعى إلى هلاكه، وراح يهمهم بلسان مرتعب:
- بل إنه يختلف، إنه يختلف تمامًا!
سألته:
- ما هو هذا الذي يختلف؟
- لقد تبدل لونك، أنا لا أراك كالماضي، لقد عدت زنجيًّا!
شددته في ذراعه، ونبرت:
- هكذا نصبح واحدًا!
لهث:
- كم أنا خائف... أشعل الشمعة، أشعلها من فضلك!
سمعت انهيار الخفقات في صدره، وأحسست بالتصاقه على لحمي. كان قد أخذ يردد:
- أشعلها، أشعلها، إنني أجد نفسي اثنين!

* * *

ذهب الرجل الأسود بسيارة نصف الشحن بعد أن حمّلها بعض الصناديق، كنا قد تناولنا وجبة طعام لا بأس بها، وقعدت وحدي في العتمة، والباب مقفل عليّ بالمفتاح. عرفت من الرجل الأسود أين كان بالضبط مكاني، كنت في ضاحية من ضواحي اللد، أي انني كنت متأخرًا ضعف المسافة التي تفصل بين قريتي والحدود، وموقعي الحالي كان أقرب إلى البحر منه إلى الضفة. قاومت ألا أغفو إذ لو فعلت لاستمر ذلك أيامًا، ومع ذلك حصلت على بعض الراحة. أعطاني الرجل الأسود ضمادًا لباطن قدميّ، وجربت حذاء له، فجاء واسعًا بعض الشيء، لكنه كان مناسبًا بسبب الجروح. وبينما كنت أفكر فيما آلت إليه حالي، وفيما يمكنني أن أفعله في سبيل إنجاح خطة الهرب من الجحيم، إذا بباب المستودع الكبير ينفتح على المصرعين، وإذا بسيارة نصف الشحن تدخل برجوع إلى الوراء، بحيث كان وجهها صوب الباب وظهرها إليّ. كان ينتج عن ذلك زمجرة تصم الآذان، ثم دعس الرجل الأسود على الفرامل، وبسرعة، هبط بقفزة عريضة باتجاهي:
- إنهم قادمون، يجب أن تختبىء.
وثبت واقفًا على قدميّ.
- من هم هؤلاء؟
سحبني من ذراعي وراء بعض الصناديق.
- البث ساكنًا دون حراك، وأمسك أنفاسك!
صرت جذوة نار، وازمهرت عيناي. فكرت: (( لقد وصلوا! انطلقت عقارب الموت من جحورها! دقت الساعة الأخيرة! )) تشنجت عروقي إثر سماعي لضحكة متهكمة، والرجل الأسود يقول بصوته المسالم:
- أستميحك عذرًا، فما كنت أدري!
تعالت الضحكة المجنونة، وقال صوت:
- هكذا إذن!
- إذا كان السيد أبرهام هو من قال ذلك، فهو صحيح مئة بالمئة، وأنت صادق، رغم أننا نملك على شاكلتها مجموعتين.
وضع كل من الرجال الثلاثة عن كتفه صندوقًا، رأيتهم من فجوة صغيرة: ثلاثة من العمال اليهود الإسبان- على ما بدا لي- في رداء أزرق غامق. كان ضوء النهار الهاجم من الباب الكبير المفتوح على المصراعين يظهرهم لي جيدًا.
قال أحدهم:
- هذه عينة جديدة معلبة من برتقال يافا، إنها مفبركة خصيصًا للسيد أبراهام.
همهم الرجل الأسود معيدًا من ورائه:
- إنها مفبركة خصيصًا للسيد أبراهام...
وكأنه فرك أصابعه في خاصرتيه، راح يضحك، ضحكات من به شذوذ، فاقشعر بدني إثر سماعي لها.
- أَعِدْ،أَعِدْ ثانية، أستحلفك بالله أن تعيد ثانية!
كان يتقدم باتجاهه، والآخران من ورائه قد أمسك كل منهما بخاصرتيه من شدّة الضحك. توقف العامل الأول، والتفت اليهما متفاجئًا:
- ألم تلاحظا شيئاً؟
رماه كل منهما بنظرة متسائلة.
- إن الزنجي لم يتراجع إلى الوراء أمام تقدمي كالعادة!
كنت أفكر: (( بسببي ))
لامس العامل الأول ذقنه بيده، واتخذ هيئة مفكرة. قال أحد العاملين:
- يمكن أن لا يكون هو.
فرد الآخر:
- بل هو بعينه.
قال الأول:
- لكن هذا له نَدْبة.
تطلعوا إليه متصنعين الدهشة، فرجاهم الرجل الأسود واحدًا تلو الواحد:
- أنا الزنجي الذي تعرفونه، أنا هو بعينه، فأين يمكنه الذهاب؟
لكنهم لم يستمعوا إليه. قال العامل الواقف مواجهًا إياه:
- سنجرب عليه عضلاتنا، وبعد ذلك، سنعرف إذا ما كان الزنجي بعينه أم واحدًا غيره.
عاد الزنجي يرجو:
- لنؤجل ذلك، دعنا نؤجله، يا رجال!
قهقه أحدهم، وقال:
- أنبعصك إلى هذه الدرجة؟ قل إننا نقف بين إليتيك!
- لست أقصد ذلك.
- ولكني أسمعك تقول ما لم تقله داخل صدرك.
- أقسم أني لا أقول شيئًا! أقسم أني لا أفكر في ذلك أبدًا!
- قل ما يقف على طرف لسانك، قل إننا نبعصك!
- لكنكم لا تبعصونني.
كان العامل يتقدم باتجاهه، والرجل الأسود لا يتوقف عن الرجاء:
- ماذا يمكن أن أفعل كي تصدق؟
صاح العامل برفيقه:
- هيه! لقد تراجع خطوة!
ابتهل الرجل الأسود:
- حافظ على رباطة جأشك! فلتؤجل هذا! دعنا نؤجله، يا صاح!
عاد يصيح بأكثر حدة:
- أسمعتما ما قاله الأخ؟ ها هو ذا يدعوني بالصاحب! أسمعتماه؟
ناداه أحدهما ساخرًا:
- يا صاحب الزنجي! (ضحك حتى تفجر الدمع من عينيه، وراح يردد): يا صاحب الزنجي... يا صاحب الزنجي!
كان الرجل الأسود يتراجع، وعيناه الواسعتان قد جف الدمع فيهما، والعامل لم يزل يستفزه: (( يا صاحب الزنجي! يا صاحب الشيطان! يا صاحب الكلاب! )) وجاء صوت الآخر كالصدى: يا صاحب الزنجي! يا صاحب الشيطان! يا صاحب الكلاب! ))
حجب ظهر الرجل الأسود عني المشهد، فسمعت العامل المستفز يقول للآخريْن:
- إنني صاحب بارّ جداً!
أجابه أحدهما:
- تحسس بين فخذيك، فها أنت تفقدها!
سأله:
- ما هي؟
- بيضاتك!
قهقه حتى سال من عينه الدمع. قال الآخر:
- هذا يسمى عار الآن!
كور قبضته، والتفت إلى الرجل الأسود، وقد طيرا له صوابه:
- انتظرا، ريثما أنهي عليه، نعم، انتظرا، فقد آذيتماني!
صفق أحدهما، وقال للآخر:
- انظر إليه، ينبش كالصوص بقدميه (وصاح): أقض عليه، يا زنجي، حطم أسنانه!
رفع العامل قبضته حتى حاذت كتفه، وراح يهدر:
- انتظرا، انتظرا، فسأحولكما إلى ضفدعين!
تراجع الرجل الأسود خطوة أخرى، فأصبح جانبه عليّ. استطعت أن أرى قبضة العامل وجزءًا من ذراعه. صاح أحد العامليْن الآخرْين مهيجًا إياه:
- هيا، هيا، ادفعها في مؤخرتك!
ودفعها، فثنيته. سقط عنقه تحت ساقي، فثغا، وهو يقذف لسانه. خبطت بكفي جوزته مرات ثلاثًا، فانتهت مقاومته، رفع ساقًا مثقلة عادت تنطوي (( بوداعة )). كان العاملان الآخران عندما شاهداني أخرج من المجهول فجأة قد فزعا، وتحجرت الضحكة في حلقهيما، وعندما بطحته أسفل مني قد وليا الأدبار. نهضت من فوقه، ودفعته برأس قدمي. عندما أحس بنفسه طليقًا، قام، وهو يقبض عنقه من الوراء، وراح يهرول خارجًا، وأنا أتابع ظله المذعور حتى اختفى.
لامني الرجل الأسود:
- ما كان من اللازم أن تفعل به ما فعلت، فقد كان بإمكاني أن أوقفه دونما حاجة إلى اللجوء إلى قواي.
- بعد أن يهلكك!
- لن يهلكني. الذي فعلته أنك أظهرت نفسك، وعرضتها للخطر، وهذا مخالف للصواب!
- ولكنهم دعوك بالجبان!
- هذا لا يهم، فهم ما زالوا جهلة (رحت أحدق في عينيه مندهشًا، وهو لم يزل يردد): ما زالوا جهلة، مازالوا صغارًا، ما زالوا صغارًا وجهلة!
مشيت أنقل خيبتي دون أن أستطيع فهمه إلى أن وصلت الجدار، واستندت إليه.
قال الرجل الأسود:
- أنت لا تعرفهم.
صحت، وقد فلت مني زمام نفسي:
- أهانوك، وأرادوا تحطيمك، وها أنت تسميهم صغارًا وجهلة!
أمسكني من كتفيّ مهدئًا، وهمس، وأنا أشم رائحة غريبة لأنفاسه:
- هدىء روعك! ألا تستطيع؟ دع نفسك هادئة، أيها الطيب! دع نفسك هادئة، فهذا يسمى جزءًا من عيشي، وأنا معتاد عليه، هل فهمت؟ جزء من عيشي. وماذا يمكن أن تنالني مقابل ذلك؟ بضع لكمات، وينتهي الأمر. حتى ولو أنه كان قتلاً، فهي بضع قطرات سوداء، وينتهي الأمر. سينتهي الأمر أيها الطيب، إنه ينتهي في الأخير!
ميزت في أنفاسه رائحة الليل، وطعم الألم الأسود. دفعته عني بكل قواي، وأخذت أهدر:
- زنجي جبان! زنجي قذر!
اتسعت عيناه، وجحظتا، فرأيت فيهما حقولاً من نار، وأناسًا عارياتٍ تحترق، ثم لا تلبث عظامها أن تتحول إلى رمادًا، وتبقى لأفواهها أشباح تقهقه. كان يحدق بصبر عاشق، فإذا بدمعة تنبثق من عينيه، وتنساب، وهي تحفر في الخد رويدًا. وكان وجه الرجل الأسود الباكي قد أزهر فجأة، وغدا كالبنفسج. تركني، وخرج، فقعدت أفكر بألم: (( إن الرجل الأسود قد بكى! )) تركني في الأسى، وذهب. ألقى بحبات دمعه عليّ، وأضرم قلبي! نعم، لقد بكى الرجل الأسود بسببي! قلت لنفسي: (( لا، أما إذا كان بالفعل (( زنجيًّا )) كما دعوته، فهو زنجي آخر، ليس بالجبان، وليس بالقذر، إنه زنجي آخر، زنجي آخر غير الذي قتلته!)) ذهب، وهو يمسح خده. لم يكن هو الرجل الأسود بعينه، ولا من تحدث معه العمال، وأهانوه. لم يكن الزنجي الجبان ولا الزنجي القذر، كان قد حضر إثر الكلمات، فإذا به ذاك الإفريقيّ الشديد السواد، الشديد الجمال، الذي انبثقت من عينيه المصقولتين بالليل دمعة، ضوت، وبقي ضوؤها مستمرًا. لقد وقعت عليه للوهلة الأولى، بعد أن تبدل متحولاً إلى شخص آخر. التفتّ من حولي متفقدًا نفسي، وأنا أفكر: (( لربما أنا الذي تبدل! )) جذبت ذراعي لأجدني، كانت الحلكة من حولي شديدة.

* * *

هبط الليل، والرجل الأسود ينحني خارج البوابة، ليضع عن كتفه برميل الزبالة، إذا بعصا كالوتد، هوت على رأسه، وجعلته يتدحرج والبرميل دون أن تستوقفه، إذ هوت على رأسه من جديد، وهوت على بطنه، تبعتها قبضات عنيفة لها حركة الآلة، ما أن ترتفع حتى تهبط، وما أن تهبط حتى ترتفع، وجسده قد تفجر بالجراح. أنهى العمال الثلاثة عملية تهييئه جيدًا، وبقي عليهم أن يقطعوه، ليضعوه في علب، فقد كان ذاك هو عملهم. كان همهم الوحيد ألا يفسد الرجل الأسود قبل تعليبه، لكنهم ذهبوا، ولم يعودوا، فلربما أجلوا ذلك.
تحامل الرجل الأسود على بقاياه، جمع بعض قواه التي سهوا عن سحقها، وأخذ يزحف على يديه وقدميه، ودمه يسيل، وعلى مقربة من المستودع، لم يعد باستطاعته جمع الرؤية في عينيه. كان وجهه عبارة عن لطخة دم نمت فيها حيوانات ميتافيزيقية الشكل، لها أيادٍ معوجة، وأنوف مجدوعة، وأنصاف شفاه مبقورة. وكانت للحيوانات عيون تشبه الدمامل، تطفح من فجواتها أنهار القيح، بينما راحت تعوم هناك حيتان صغيرة وعقارب وتماسيح مشوهة. أخذ الرجل الأسود يرفع يده ليمسح عينيه، فتغطس أصابعه في اللزوجة، وتنهشها الأنياب الرخوة. سمعت وقع أقدامه، فأشعلت الشمعة، ورفعتها بيدي، وأنا أقف، فتكسرت الأشعة على الوجه الرهيب. ظننته خارجًا من دنيا الموت والخراب، مما زعزع قلبي. كان قد ارتمى عليّ، فركزته بذراعي، وما لبث أن أطلق أنينًا طويلاً كان يحاول كل وقت ألا يدعه يفلت، وكأن مليون يد كانت على فمه. أمال وجهه، فتسلقتني بعض الحيوانات الماورائية، فصحت، وأنا أهتز من قمة الرأس إلى أخمص القدم:
- من هو؟ قل لي! من فعل بك هذا؟
لم يجبني. مددته على السرير، وأحضرت طشت الماء والصابون. خلعت ثيابه الملوثة، وغسلت جراحه، وهو يفتح عينيه المتورمتين على السقف. أشار إلى الصندوق، فرفعت غطاءه. أخرجت قطعة قماش، وضمدته. وحالما انتهيت، أطلق زفيرًا مشحونًا بالأنين.
- هل أنت بخير؟
رمشت عيناه.
- هل هو السيد؟
حرك رأسه نافيًا، ثم تحامل على نفسه، ونهض. وقف أمام المرآة، وجسّ الضماد بأصابعه الطويلة. بدأ بتحريك ذراعيه يمنة ويسرة، يسرة ويمنة، ثم دوّرهما بقوة، فأثار دهشتي: (( يا له من جبار! )) كان منذ لحظات محطمًا تمامًا، وكنت أعتقد أنه لن يقف على قدميه بعد مضي شهر على الأقل. عاد يجلس على حافة السرير، ثم التفت إليّ، وهمهم:
- أنت رجل طيب!
كان له صوت واهن.
- هل أنت بخير؟
أجابني، وهو ينحني:
- سأكون أفضل بعد قليل.
وراح وجهه الأسود يتدفق كالنهر:
- ألن تخبرني عمن فعل بك هذا؟
سقط عليّ صوته من السماء:
- إنني أدعو له بالهداية!
صرفت أسناني، كان يؤذيني منطقه، سمعته يهمهم:
- غفرت لهم، فهو ذنب ليس بعظيم! إنني غفرت لهم!
نظفت الأرض، وتخلصت من بقاياه الغريبة، ألبسته بعضًا من دثاراته، وجئته برغيف من السلة، وبحبات زيتون، وطاس لبن:
- كل، لتعوض دمك.
نظر إليّ بعينين جميلتين رغم كل الألم، رأيت فيهما نظرات الشعور بالمعروف والاعتراف بالفضل، فلم احتملهما، وهما تكويان لي جلدي. أشحت بوجهي، وقدمت له طاس اللبن:
- اشرب هذا.
تردد قليلاً، ثم تناوله من يدي. وضع حافته على فمه، وفي لحظة واحدة، أنهاه. سُررت، إذ كانت له شهية. معنى ذلك أن له جسمًا سليمًا
(( في الداخل ))، أما عن الجراح، فلن تلبث أن تلتئم. تذكرت أني نسيت السؤال عن عظمه، كنت أخشى أن يكون أحد عظامه مكسورًا، لكني تذكرت حركة ذراعيه المذهلة. ناولته نصف الرغيف، وعرضت عليه حبات الزيتون، فرفضها. بحثت في السلة، فوجدت زر بندورة، أعطيته إياه، فأخذه، وقضمه بأسنان قوية.
- ما حال عظامك؟
ابتسم ابتسامته اليتيمة، وأنا أضيف:
- أخشى أن يكونوا قد ألحقوا بها كسرًا على الرغم من اطمئناني على صحتك.
دفع كسرة خبز في فمه، وقال بصوته شبه العادي:
- أنا قوي كالثور!
طلب مني كأس ماء، أحضرته له، وشرب. بعد ذلك، سألني:
- لماذا لا تأكل؟
أجبته، وأنا آخذ من يده كأس الماء:
- كل أنت، ستأكل هذا كله، أما أنا، فليست لي شهية.
وسكتنا.
جلست على كرسي مقابلاً إياه، وهو يأكل بنهم، ثم رفع عينيه، وطرف إليّ، فوجدني أتأمل جذوة الشمعة.
- ماذا بك؟
أجبته وعيناي ثابتتان في الجذوة:
- سأغادرك بعد قليل.
أرخى يده، وراحت أصابعه تلعب في حضنه كالحيات:
- ابق إلى الغد، لماذا لا تبقى إلى الغد؟ ستحصل على بعض الراحة، وفي الغد تابع طريقك.
أحسست به، للمرة الأولى، منفصلاً عني، مرميًا، ملطخًا، مهملاً، بعيدًا عني بعد الأرض عن السماء، أنا من ظننت أنه صورة لي في المرآة. همهمت تعبًا، وجفوني تتثاقل:
- لا أستطيع! أحتاج إلى الليل!
لم أقل له: (( أحتاج إليك! )) رغم أني كنت أرى فيه ليلي. كان بالنسبة لي ليلاً عظيمًا، له عظام الثور، وقواهم، لهذا السبب، مهما قويت، تخور من أمامه.
- أحتاج إلى الليل! فأنا أخفي نفسي فيه. أما في النهار، فالمرء لا يأمن.
- هل أنت جاد؟
فتحت الصندوق، وأخرجت السلاح، وهو يقول من ورائي:
- قل، هل أنت جاد؟
- نعم، أنا جاد.
ترك رغيفه يسقط بهدوء من يده:
- لا أريد أن أفتقدك، فأنت رجل طيب!
حط صمت شُلّت له أعماقنا وجذوة الشمعة.
- وما هي وجهتك؟
- الضفة.
أجبته رأسًا دون تردد، فماجت تعابير وجهه الليلي، ذاك الليل العميق بدأ يمور بالموج واللجين. كنت مع ذلك، وبسبب ذلك، أثق به ثقة عمياء.
- إنهم هناك يعيشون بسلام وبحرية ويحتفظون بالكرامة، أليس كذلك؟
قلت له:
- نعم.
ضحك بألم، فسألته عن سبب ضحكه، قال لي:
- إنني فكرت في هذا قبل اليوم، قبل اليوم بكثير.
انحنيت عليه، وأنا أغرس أصابع يديّ الاثنتين في كتفيه، انحنيت بابتهال عابد، وفي صوتي رجاء:
- ولم لا تسعى إليها أنت... لماذا؟
- لقد أخبرتك بحكاية الليل والنهار، لقد أخبرتك... أليس كذلك؟
اعتدلت، وقد شاخ خيالي:
- ها أنت تترك الفرصة تمر دون أن تستغلها.
قال لي:
- انهم في الضفة لا يصطادون العصافير.
- ولم لا تأتي، لماذا؟
كان يفكر في العصافير:
- جميل أن تطير العصافير، وتغني، وهي لا تفكر في أن أحدهم سيصطادها.
جلست قربه، ورحت ملحًّا:
- لم لا تأتي؟ لم لا تأتي؟
- ولكني لن أنفع هناك، سأغدو مُنْعَدِماً!
- والعصافير، ماذا تفعل هناك؟
نبر، وهو يحدق بذهول:
- سأغدو منعدمًا، إن الأمر يختلف بالنسبة لي، سأغدو منعدمًا!
إذا بالباب الكبير ينفتح على المصراعين، ومصابيح يد وهاجة تشع في الظلام. قفزت لأختبىء، كان الرجل الأسود قد استكمل قوته إثر الشعاع المنبهر، وعادت له حيويته، فسار في اتجاهه، بينما صاح الدركي:
- قف مكانك!
كنت أعطيه ظهري، وقدم بندقيتي يرتكز أمامي. اقترب الرجل الأسود من أبراهام، ولمسه:
- ماذا، يا سيد ابراهام؟
والدركي يأمر:
- لا تتحرك!
وهو يشهر سلاحه.
تقدم مني، وأنا أحسب بدقة عدد خطواته، ظهري عليه، خطواته، ظهري، خطواته علي، على ظهري، ماذا لو أقمع خطواته، ماذا لو ألطمه على الصدغ، وأحطم الوجه الصنمي. وقف خلفي تمامًا، لامس بثغر سلاحه ظهري لمسة ناعمة، وابتعد. قال:
- أخيرًا، وقعت في أيدينا، يا شعبان!
وبحركة قط خفيفة انحنيت، وقذفت قدم بندقيني بكل قواي، وأنا أدور نصف دائرة، فانشق بطنه. التوى على نفسه، وراح يعوي. جرى دركي ثان بضع خطوات في اتجاهي، فوضع له الرجل الأسود قدمًا، وأسقطه. كنت قد هويت ببندقيتي على رأس غريمي، والرجل الأسود قد قعد على صدر غريمه، ودك صدغه. أخذت سلاح غريمي، وكذلك فعل الرجل الأسود بسلاح الدركي الآخر، ودق به عنقه، فتأوه، وتقوست قدماه. رحت أجري كالمجنون، والرجل الأسود يندفع من ورائي، وأبراهام يقف مبهوتًا، معقودًا. صاح الرجل الأسود بي:
- اركب من الجهة الأخرى.
أشعل سيارة نصف الشحن، فجرى أبراهام، ووقف أمامها. راح يلوح ذراعيه، وهو يصيح بنا، يريد أن نبقى. انبهرت الأضواء في وجهه، فأنزل الرجل الأسود فرامل اليد، وصاح به بأعلى صوته:
- ابعد، يا سيد أبراهام، افتح الطريق!
جرى أبراهام، وأخذ يصيح ببعض الجنود، فضربت خطوات مُهَيّجة البلاط، وزمجرت سيارة الشحن، وأنا أردد لَهِفًا: أسرع، أسرع... تركت السيارة المستودع، وأبراهام يقف كالضائع تحت زخات الضوء المنهمر دافعًا ذراعيه في وجهنا. تمزقت حنجرة الرجل الأسود: ابعد، يا سيد أبراهام... وقد اقتربت الخطوات، تمزقت، مزقت العجلات جسدًا لدنًا، وكدنا نسقط في البركة، والرجل الأسود يردد غاضبًا آسفًا: المجنون، لقي حتفه! كان الجنديان اللذان ناداهما أبراهام قد هرعا إلى نجدته، لكننا عبرنا من وسطهما، واضطررناهما إلى التراجع. انطلقت من ورائنا بعض الرصاصات، كنا قد ابتعدنا في الطريق العام.

* * *

أخذت السيارة تشق الليل، والطريق تستلقي باستسلام. كنا نشقها بسرعة، والرجل الأسود يحاصر المقود بقبضتيه، فأحس به، وهو يدور بليونة. بدا الرجل الأسود، وهو يدفع ظهره على المقعد، ضخمًا عنيفًا، كان صدره يعلو ويهبط كالأمواج المنعتقة من شتاء قطبي طويل بعد أن كانت جليدًا، وكان وجهه الأسود المضمد مع الأضواء المنعكسة يصنع جِرْمًا سماويًا أبيض.
سألني بلهثات قصيرة:
- الوجهة؟
قلقيلية.
صفر:
- كم هذا بعيد! هذا يحتم علينا المرور بمراكز تفتيش ثلاثة أو أربعة.
- خذ الطريق التي تريدها، لكن الدخول من هناك هو الأسهل.
- وطولكرم؟
- منطقة محروسة.
نفخ:
- هناك مراكز تفتيش، الوقوف فيها إجباري.
لم أنبس ببنت شفة، كان عليه أن يقرر هو في الأخير، فهو من يهتم بأمر القيادة. على باب اللد، أطلق الرجل الأسود آهة مبهرة بالألم، والتفت اليّ:
- لقد حذرته، لكنه لم يستمع إليّ.
قلت لنفسي: لم يزل يفكر في أبراهام.
- لقد تمزق تمامًا تحت العجلات، لقد أحسست بلحمه!
عاد يطلق آهته الموجعة:
- المجنون! لقد حذرته، أليس كذلك؟
صحت به:
- انتبه على الطريق!
كانت سيارة نصف الشحن تسابق الريح، وهو يخفق على الوجنتين، وعيناه الواسعتان لم أستطع تحديد بياضهما:
- هناك مركز تفتيش ليس بالبعيد.
- هِمْ!
ما أن أنهى كلماته حتى لاحظت ضوءًا خافتًا يبين كعين ملقية في البهيم:
- أليست هناك طريق أخرى؟
أخذ الضوء يشتعل وينطفىء طالبًا منا الوقوف، فنبر الرجل الأسود:
- يشيرون إلينا بالتوقف.
استدرت، وأمسكته من كتفه، فدفعني في صدري دفعة هائلة:
- ابتعد!
رأيت الضوء، وقد انخطف في البهيم، وتحت انهمار أشعة سيارتنا استطعت أن أشاهد جنديًا يحمل قنديلاً، وهو ينزاح مندفعًا إلى جانب الطريق، كان هناك جندي آخر يركب دراجة نارية، وجرح أذني نفير حاد، ولكنه بعيد، إلى أن تلاشى. همهم الرجل الأسود:
- هذا أول مركز نفذنا منه.
بعد قليل، لحقت بنا بدايات أضواء بعيدة انعكست في المرآة، فأطلق الرجل الأسود شتيمة. قلت مضطربًا، وأنا أدور برأسي ناظرًا من الخلف:
- يتبعوننا!
عاد الرجل الأسود يشتم بحنق، ووصل إلى أسماعنا نفير خطر يطلقه الجندي راكب الدراجة بوضوح، فهتفت:
- تصرف، عليك أن تتصرف!
إذا بي أنقذف ناحية اليمين، ويضرب رأسي في السقف، بعد أن طرت من مقعدي، وتوقف كل شيء، كان الرجل الأسود يدور برأسه ناظرًا من الخلف. دوى صوت النفير محاذيًا إيانا، وما لبث أن ابتعد، فرأينا ضوء الدراجة الأحمر، وهو يدور، ويعمل الزخات: لقد توغل الجندي مبتعدًا عنا، وبقينا نسمع نفير الخطر حتى حل السكون تمامًا.
أشعل الرجل الأسود محرك السيارة ثانية، وقال لي:
- سنقطع هذه الطريق الفرعية لنصل إلى الطرف الآخر.
سار فوق الحجارة. كان لا يمكننا أن نمكث في مكاننا لحظة واحدة، فكلانا يصعد، ويهبط، ويميل يسرة، ويميل يمنة، مع ذاك الاهتزاز الغريب الآخذ لسيارتنا بيد عنيفة. كان الرجل الأسود قد انعطف بسرعة- بجنون هارب يريد النجاة لا بجنون سائق عادي- إلى طريقنا الفرعية، لنفلت من المطاردة. وكان إفلاتنا يتوقف على قدر مئوي ضئيل، ولولا انحراف الطريق، لاستطاع جندي الدراجة أن يكشف موقعنا بسهولة، وما ساعدنا على الاختفاء: هضبة ترابية كانت تغطينا من الجانب.
قال الرجل الأسود:
- انتهت الطريق الفرعية.
فتنفست الصعداء.
عدنا ننطلق على الطريق المعبد، لكنه داس على الفرامل فجأة، فضربت يداي الزجاج الأمامي. صحت به:
- ما لك؟
كان يقرأ اللافتات:
- نحن في طريقنا إلى يافا!
أطار صوابي:
- ماذا؟
- نحن في طريقنا إلى يافا، ليست هذه هي الطريق.
انقبضت عضلات حلقي، والليل العظيم قد بدأ يرخي سدوله في كل مكان. أطلق الفرامل، فتحركت السيارة قليلاً مع الانحدار، وما لبث أن دفع قدمه على داعسة البنزين، فهتفت:
- انتظر.
قلت مشيرًا إلى لافتة خشبية مالت، ومحت مياه المطر عنها الكتابة.
- انتظر حتى أقرأ.
أخرجت رأسي من النافذة، فتبينت، بعد مجهود، الوجهة التي تشير إليها اللافتة. هتفت:
- طريق يافا-جنين القديم.
نفخ:
- ولكنها ليست طريق قلقيلية!
- خذها، وقبل النهاية، سنشق طريقًا أخرى.
دار بالسيارة، ثم ما لبثنا أن مضينا في اتجاه الشرق. كانت الطريق لم تزل صالحة، رغم ما فيها من حفر، وكنا، بين مسافة وأخرى، نهبط، ونصعد، بسرعة فائقة، فخشيت على العجلات، إلا أنني لم أطلب إليه أن يأخذ حذره. كنت أفكر في الوصول إلى الحدود قبل انتهاء الليل، وكانت تنهبني حرارة إيمان نادر، ويشدني حساب دقيق للفشل. كان من الممكن أن أكون هناك مع بزوغ الفجر، أو أن أكون في أي مكان آخر، في السجن مثلاً. انزاح منحرفًا للابتعاد عن نصف صخرة ملقية في وسط الطريق، فإذا بالسيارة تعطي وجهها للخط المعاكس، وقد تشنجت عجلاتها، بعد أن صاحت بحدة. خبطنا ببعضنا، وبعد ذلك... انطلق صداح طائر الليل. لم يلتفت اليّ، لم يتبادل معي نظرة لازمة وقتذلك، تركني، وعلى الطريق، انحنى، وعلى ساعديه القويتين، زحزح الحجر الكبير، ونقله إلى جانب. رأيته يقطع الفضاء في أشعة المصابيح، وهو ينزع ضماد رأسه ماسحًا بأصابعه شعره الأكرت. قاد الآلة من جديد، وأنا أفكر: (( الرجل الأسود يعرف القيادة ))، وخرجت من غفلتي على صوته:
- أية طريق سنأخذ الآن؟
كان قد توقف دون أن أشعر بذلك، فقرأت لافتات ثلاث مقروضة الجوانب، انكمشت قشرتها، وعملت هياكل مختلفة لصراصير غريبة. قلت له، وأنا أرمي بيدي:
- ليس من هنا، فهذه قرى قريبة.
تراخى، وتساقط بعينيه مع شلال مصابيح السيارة. مددت يدي إلى الذراع القصيرة، وأطفأت المصابيح: راحت ظلمة شديدة تحيط بنا. قلت له:
- ليس لدينا خيار، ستكون وجهتنا جنين.
وكأني بعثت في عروقه الحياة من جديد، إذ انتصب صدره فوق المقود.
- ولكن خفف السرعة، فالطريق محفرة، وأنا أخشى أن يلحق العجلات سوء.
انطلقنا... وجهتنا جنين: مدينة الخلاص! قبل آخر الليل نكون هناك، في مدينة الرحمة! كان الرجل الأسود يفكر: مدينة الرحمة! وكنت أنا أفكر: مدينة الخلاص! هناك عند آخر الليل تقوم المدينة بأبهة وعظمة، تحمي الشرق من الدجنة. رحنا نتابع بعيوننا الطريق التي تقصر بالتدريج، وقد صرنا (( هناك ))، اغتسلنا، واستلقينا على فراشهم، وقدموا لنا طعامًا وشرابًا. كان كلانا يبتسم، ويشكر، يشكر، ويبتسم، وقعدنا نشكر طوال الوقت، ونبتسم، وعلى وجوههم هيئة احتفال: (( يسعدني أن أقدم نفسي للجميع! إنني أقدم نفسي للجميع! )) كانوا يحيطون بي من كل جانب، والطريق تسير في الساقين، وتصعد إلى أعلى: (( إنني أقدم نفسي للجميع، إنني أخوكم! ))
دفعني الرجل الأسود من كتفي، فقفزت خارج أحلامي، قال لي مشيرًا إلى الأمام:
- هل كنت تعمل حسابًا لهذا؟
توقفنا أمام حاجز خشبي مربع تدور به أسلاك لها رؤوس مدببة، وعلى بضعة أمتار من ورائه، رأيت مانعة حديدية تُرفع باليد.
خرج لنا من حجرة خشبية تشبه الصندوق المستطيل جندي يحمل سلاحًا، وعلى يده قنديل ينوح بضوئه الضعيف. أشار لنا بحركة من يده إلى أسفل، وهو يتقدم في اتجاهنا، ففطن الرجل الأسود إلى المصابيح. أطفأها، وبخفة، نقل سلاحه، وأنامه تحت قدميه. قال لي بصوت خافت، والجندي يقترب:
- اخف السلاح!
حملت بندقيتي وبندقية الدركي ذات السنجة، فتحت الباب، وأمسكت بهما من العنق، وأنا أخرج يدي من النافذة.
والجندي على بعد خطوات منا، صاح الرجل الأسود:
- نحن عمال مصنع الفواكه المعلبة للسيد أبراهام، وقد ضللنا الطريق.
وصل الجندي، ورفع في وجهينا القنديل. رأيت وجهه بدوري: لحية لم يحلقها منذ زمن، أنف دقيق، حاجبان رفيعان، وجبهة ضيقة.
قال الجندي بكسل:
- الأوراق.
سارع الرجل الأسود إلى السؤال:
- أوراق التعريف؟
لم يفه الجندي بكلمة. كان يرفع القنديل بيد، ويربت باليد الأخرى على السلاح المعلق على كتفه. عصرني الرجل الأسود بعينيه، فلم تسل مني قطرة واحدة. فتح الصندوق الصغير في الواجهة الأمامية، وراح ينبش في داخله موهمًا البحث عن أوراق التعريف. شاهدت جانب وجهه المتفجر، وضغط أسنانه المتواصل، وكان الوقت يمضي:
- أليست لديكم أوراق؟
التفت الرجل الأسود إلى الجندي بشيء من الدهشة، وبيده بعض الأوراق:
- لدينا! كيف ليست لدينا أوراق؟ هذه هي الأوراق.
رفع الجندي يده عن سلاحه، وقبل أن يتناول الأوراق، حط علينا عينيه، واقترب خطوة، فجذبه الرجل الأسود، ودق ذقنه في حافة النافذة. وبخفة، نقل السلاح من تحت قدميه، وصوبه بين العينين الزائغتين، فارتعد الجندي، وطرطق لسانه. نبر الرجل الأسود بي:
- افتح الطريق، أسرع!
هببت أفتح الطريق، بعد أن رميت السلاح في الشاحنة. أبعدت الحاجز بجهد، ثم جريت إلى المانعة الحديدية، ورفعتها. وهي تقف في الهواء، رن جرس الهاتف، فلسعتني عقربة البرد. راح الهاتف يرن بصخب، ناشرًا قلق صاحب المكالمة، في الطرف الآخر. أسرعت إلى الصندوق الخشبي، ورفعت السماعة:
- ألو... نعم... ماذا؟ لم يحصل شيء... نعم... أنا يقظ... مفهوم... اطمئن... المنطقة هادئة تمامًا.
أعدت السماعة، وخطوت مندفعًا، وفي اللحظة ذاتها، شاهدت يدًا شبحية تعلو، وهي تقبض على جسم أسود، وبقوة كاسحة تهوي على الرأس. وصلتني نصف صيحة خرساء، ثم اندفع الرجل الأسود بالشاحنة نحوي. فتح لي الباب منحنيًا، وصدره يلامس جلد المقعد. صعدت بقفزة واحدة، ورحت ألتفت إلى الوراء. رأيت الجندي كتلة جامدة على الأرض، وقد تحطم القنديل.
هتف الرجل الأسود:
- ستمضي ساعات عدة قبل أن يعود إلى وعيه.
فكرت باطمئنان: (( نكون قد وصلنا )).
امتدت الطريق المستقيمة. ونحن؟ كنا صامتين، بدأ الليل يبيض في بعض النواحي. كانت أشجار الحمضيات قد انتهت، على يسارنا هضاب وتلال، وعلى يميننا وادٍ عميق.
سرنا مسافة طويلة، وفجأة، أنّت الشاحنة مع ضغط الفرامل، وصدمت بأنفها ركامًا من الحجارة. هبطنا، ولكن... لم يكن بإمكاننا أن نفعل شيئًا، فتلك كانت نهاية الطريق. صعدت فوق الركام، ونظرت، كانت تترامي على مد النظر وهاد ووديان، وكنت أرى هضابًا بعيدة، متوهجة بالعتمة، وسهلاً بان فضيًا مع صفحة الليل. قلت لنفسي: (( هناك!)) ونزلت.
- هذا هو الحد الأقصى للطريق المعبدة، وعلينا أن نقطع الباقي سيرًا على الأقدام. هل أنت مستعد؟
ابتسم الرجل الأسود، كان هو الآخر يبين فضيًا، وشفته السفلى تعمل هضبة متوهجة بالعتمة كالتي شاهدتها من فوق الركام. قال لي:
- هناك مهمة صغيرة علينا إنجازها قبل أن نبدأ سيرنا.
ناولني بندقيتي، رفع السلاحين الآخرين، وراح يجيل النظر بينهما، وفي الأخير، اختار البندقية الأوتوماتيكية ذات السنجة، حملني إياها، وألقى الرشاش داخل الشاحنة. رأيت نصفه يغيب، ثم ظهر، وفي يده كماشة قاطعة وزرادية ومفك طويل وسكين قديم ناولني إياها، وهو يبتسم في وجهي برضاء. كنت أجده مقتنعًا بما يفعل، وكان هذا وحده كافيًا بالنسبة لي. ركب الشاحنة، وجعلها تتجه نحو الواد، ثم ترك مقدمتها تقف في الفضاء. عاد وهبط، ونظر إلى الانحدار المهول الذي ستتحطم الشاحنة في قراره. حط كفيه على مؤخرتها، وبذل جهد طاقته، وهو ينحني مائلاً كقطعة خشب مسطحة، تصل الأرض بالشاحنة، فإذا بالعجلات تتدحرج، والشاحنة تتراخى بين يديه، وبدفعة قوية أخيرة، هوى الهيكل كقطعة من الكرتون. جرى كلانا إلى حافة الوادي، والشاحنة لم تزل تتدحرج، وصخور معها تتدحرج، حتى القعر، وغدت كالعجين! التفت الرجل الأسود إليّ، وهو يبتسم، تناول بندقيته، وقال لي:
- دعنا نبدأ السير الآن، لقد حان الوقت.
صحت صيحة انتصار سابق لأوانه، ورحنا نعدو.
وصلنا هضبة، وقد أخذنا العياء. ومن حولنا، يسترسل النهار... النهار القادم من الشرق! كانت أصابع الشمس الشفافة تمسح عن وجوهنا العرق، وتداعب على الصخور شفاهًا باردة. ومع كل خطوة إلى أعلى، كانت قلوبنا ترتفع إلى أعلى. كنت أقول لنفسي : (( لربما هذه آخر هضبة، وبعد ذلك نطل على أرض الميعاد، بعد ذلك تبدو الأسلاك التي سأنطرح ما دونها، والتي ستحفر لي لحمي! )) كانت برودة الصخور، والصباح البري، والسماء، والوهاد، والسهول، وآثار الكعب في التراب، واصطدام ذراعي عفوًا بذراع الرجل الأسود، وأنفاسه، وكل ما هو أرضي عبرت به من قريب، أو مررت به من بعيد، ومناجاتي التي لا تنقطع بيني وبين الكائنات التي أقتلها بخطوة عفوًا، كانت تلك كلها تصعد على شكل دفعات في دمي، أنقلها معي، رغم عبوري، رغم قفزاتي، كانت تلك كلها جزءًا مني، وكانت حركتي تضفي عليها معنى خاصًا يقوم بي وحدي. كان يكفيني فقط أن أشم أنفاس رفيقي الأسود، فأحط في غيبوبة كغيبوبة الثّمِل، لكني أبقى محتفظًا بكامل إدراكي، ويزداد انطلاقي. إلى أن أطل كلانا من القمة، فارتعدت فرائصنا. تدارينا، وأخذنا ننتظر من وراء صخرة. كان في الأسفل سهل منبسط كالكف الجسور، قد غصّ بالجنود: في كل طرف، وفي كل زاوية، تحت الأشجار، وفوق الأشجار. فكرت: ((ها هو (( جيشهم )) الإسرائيلي! )) شاهدنا العربات المدرعة، والمصفحات، وسيارات الشحن، وخيمًا، وجنودًا على أيديهم أسلحة مختلفة، وكأن لطخات قاتمة سقطت هناك. بدت الطبيعة مخيفة، بشعة، مهلكة. انتشرت في الأجواء رائحة القتل والدم والجنازير الجنزارية والأقدام الملوثة. لقد كان حشدًا حقيقيًّا! تساءلت: (( هل كلُّ هذا بسببنا أم أنهم يريدون احتلال جنين؟ )) رحت أفكر بيأس صغير قاومت ألا يكبر: (( لن يكون الفشل حليفي في النهاية، لا، لن يكون الفشل حليفي!)) تغطى الجحيم بالشبكات الزيتية وبأعراف الزيتون، ولم ألاحظ أقل حركة. تربص! انتظار مؤقت! أمر صادر عن قيادة لم يعط بعد! كأنها هياكل من ورق! التفت الرجل الأسود بفمه المفغور إليّ، وعيناه المحدقتان في آلة الحرب المدمرة تدمعان، وبدا خائبًا تمامًا.
انطوينا بين الصخور، وكل منا يضغط إلى صدره سلاحه. رفعنا نظرنا إلى السماء، كانت صافية كعيون النبع. كلما انطلقت الشمس، واقتربت من قلبها، كلما ازدادت استدارة، وازداد ذهبها المتناثر حرارة.
أصبحت الحرارة لا تطاق، والشمس ما انفكت تنحرف بمركبها، تنحرف دومًا، وتجرفنا الأمواج الحمراء. فتحت عن صدري، وكشر الرجل الأسود، راح عرقنا يصب كالمطر، ونحن ننتظر أن يأتينا ((إلهام))، أو أن يأتيهم (( إلهام ))، فيعدلوا عن احتلال جنين، أو يخففوا من حشدهم، فنتمكن من فتح ثغرة إلى الضفة.
(( شمس لعينة! شمس عاهرة! )) هكذا صرنا نفكر: (( شمس الجحيم! )) راحت تحفر جلدنا سكاكين الظمأ والملح. وعلى منظر الرجل الأسود الجاف في شفتيه الضخمتين، أخذت تكتسحني فكرة أنه صحراء ليلية فريدة. كان ذلك فظيعًا. أشحت بناظري عنه، لكني لم أستطع الاستمرار لحظة واحدة دون النظر إليه، عدت وألقيت عليه كل ناظري. لقد جف تمامًا، وقد كسته طبقة ملحية. صرنا في حاجة ماسة إلى قطرة ماء أو حركة هواء تهب، فتبعث فينا الروح والعزيمة. تركني الرجل الأسود، وصعد حتى القمة. وهو هناك، حلق طائر أسود، فانشددت إليه. تبينت أنه خطاف جبلي، صفق الطائر قريبًا مني، وحوم فوق رأسي. راح الرجل الأسود يراقب الطائر، هبط مترًا، والطائر يحلق بجناحيه الأسودين. وعلى حين غرة، فكرت: (( أيكون طائر الموت؟ )) ابتعد الطائر في الأفق البعيد، بينما بقي الرجل الأسود يتابعه بعينيه، وسار عدة خطوات في اتجاهه. وما لبث الطائر أن عاد، وهو يصفق بجناحيه، وأنا أرى عينه المستديرة، ومنقاره القصير. كان الرجل الأسود يفكر في شيء، لم أعرف ما هو على التحديد. سار تحت الجناحين الغاضبين، وابتعد عني. أخذ الطائر يحوم، ويحوم، والرجل الأسود يسير بخطوات مصممة باتجاهه، وأنا أفكر: (( ماذا يريد أن يفعل؟)) لم يعد الطائر يحوم، واختفى الرجل الأسود، فنشبت في قلبي براثن الموت. وبعد فترة، سمعت وقع خطواته المتعثرة، ثم برز لي فجأة، وأشار إليّ بيده. وأنا أرى أصابعه الطويلة تنحني في باطن كفه الأحمر، نهضت مشدودًا إليه. لم ينتظر أن أصله، أعطاني ظهره، وغاب بين الصخور، فلحقت به. كان للهضبة كتف عريض ممتد يصل الجهة الصخرية التي كنا نقبع فيها بأشجار كينا متفرقة، وكان الرجل الأسود قد راح يجري، وما لبث أن وصل إلى أذني خرير مياه. جريت بدوري أنا الآخر، وتبينت سيلاً صغيرًا ينساب بين بعض الحجارة البيضاء. رشق الرجل الأسود وجهه بالماء العذب، بينما أسقطت رأسي، وأنا أقذف بنفسي في الحضن المنعش. تراشقنا، وروينا قلبينا، وارتوينا. رحنا نقطر من قمة الرأس حتى أخمص القدم، ونحن نقرقر كالديكة. دنوت من ظل شجرة، واستلقيت. حمل الرجل الأسود سلاحه، وترامى على جذع مائل. وبعد قليل، سألته:
- كيف عرفت؟
ومع علامة الاستفهام غادر الطائر الشجرة التي نتمدد تحتها، فأشار إليه:
- إنه يحتاج إلى مياه، وهذه منطقة قاحلة.
رفعت نظري صوب الطائر، فرأيته يحلق، ويصنع دورات.
نهض الرجل الأسود، وراح يتسلق شجرة الكينا، والطائر يحلق، ويحلق، ثم ما لبث أن خفق جناحيه خفقًا مسموعًا، وبدأ يصنع دورات أقل ارتفاعًا، والرجل الأسود لا يتوقف عن الصعود بين أغصان شجرة الكينا. أخذ الطائر الجنون، راح يدور كالمسعور من حول الشجرة، وهو يصفق، ويصفق. كنت أسمع له رفرفة خشنة، وأحس بملمس عضلات الجناحين، وهي تضرب عظم الهيكل. فكرت: (( هناك بيض بالتأكيد لم يفرخ بعد. ))
رأيت الطائر يقترب من الرجل الأسود، ويقترب، ورأيته يبتعد محلقًا على علو مرتفع، ويبتعد. توقف الرجل الأسود لاهثًا، فرفع أصابعه إلى جبينه من شدة العياء، وفي اللحظة ذاتها، استطعت أن أشاهد سهمًا أسود يمرق منخفضًا كأنه البرق، وتفجر الرعد مباشرة بعد ذلك، كانا قد التحما معًا: الرجل الأسود يجمع ذراعيه إلى أعلى مخفيًا وجهه، والطائر ينقره نقرات غاضبة متواصلة، وهو ينعق، وجناحاه مفتوحان على سعتهما كطائرة ميراج. وبعد محاولة مستميتة من طرف الرجل الأسود لتحاشي ضربات الطائر، حلق عنه مبيعدًا، وبانزلاق الجسد، قفز الرجل الأسود إلى جانبي، وقد نفر الدم من ظاهر يديه.
قلت له مشدوهًا:
- ما كان عليك أن تصعد، فهناك عش.
نظر الرجل الأسود إلى دمه مذهولاً، ثم شد ظاهر كفيه على بعضهما ليمنع النزيف، وهو يردد:
- طائر جبار! طائر عنيف!
ما أن أنهى كلامه حتى أعاد الطائر عليه هجمته، فسقط الرجل الأسود على جذع الشجرة دافعًا ذراعيه باستسلام إلى الأمام، والطائر يسدد إليه منقاره. فكرت مرتعبًا: (( سيقتله! )) والطائر ينعق بأعلى صوته، وقد بدا لي كاسرًا يشتهي الدم. نقلت البندقية ذات السنجة، ودفعتها عليه، فإذا برأسه يطير في الهواء متدحرجًا كحبة الحصى. انفتح منقاره، وأكمل باقي نعقته الأخيرة في حضن الرجل الأسود الذي رماه عنه فزعًا، وجاء صوبي، والشرر يتطاير من عينيه. انتزع من يدي السلاح، وصاح متلوحًا من شدة الغضب، وهو يهز قبضته في وجهي:
- لماذا قتلته؟ لماذا قتلت الطائر؟ لماذا قضيت على الطائر؟
لم أنبس بكلمة، بقيت أحدق فيه جامدًا.
رأيته يتكور فوق الطائر القتيل، وبعد ذلك، راح يضرب رأس السنجة في الأرض، وهو يجمجم كلمات غير مفهومة. كان يعنف نفسه، دون أن يستطيع البكاء، وكنت أشعر بالضربات على جسدي، وكأنها تحيلني قطعًا. كان ذلك رهيبًا! رحت أتخيل جروحًا تتقلص كالديدان بينما تنفر منها الدماء. لم أستطع الاحتمال أكثر، خليته، وعدت إلى مكاني الأول في الناحية الصخرية، أراقب الهياكل المدمرة التي تحاول أن تظهر بمظهر لعب الأطفال.
طال قعودي هناك، كانت على مد النظر صخور، والشمس تسير دومًا نحو الغرب، والمساء يقترب. لم يظهر الرجل الأسود، فشعرت بالخوف عليه. هبطت الكتف الصخري، فإذا به ينحني، على الأرض، قرب خيمة صغيرة صنعها بغرز العيدان، وغلفها بدثارة. كان يدفع رأسه قربها، وهو يرفع من مؤخرته. عندما وصلت إليه، التفت إليّ، فرأيت وجهًا مبتسمًا تنبعث منه رائحة شواء. انحنيت، واقتربت برأسي من الخيمة، ونظرت، فرأيت الطائر في الداخل من فوق نار، وقد تورد لونه.
قال لي:
- لم ينضج بعد.
فسال لعابي من تلقاء ذاته. تابع الرجل الأسود، وهو يلاحظ مدى ارتياحي:
- لقد قرصني الجوع! وأنت، ألم يقرصك الجوع؟
- فقط بعدما رأيت.
أطلق ضحكته الطيبة، ولمس بأصابعه الخيمة:
- أما هذه، فهي لتشرب الدخان.
قلت لنفسي: (( يا له من شيطان ذكي! )) ورفعت عينيّ إلى أعلى، لأرى إذا ما كان هناك دخان.
- إنها عملية أدغال، فهناك قبائل متحاربة، وسحابة الدخان بإمكانها أن تكون شريرة.
ثنيت رأسي لأرى الطائر، وهتفت:
- اقلبه، فهو على وشك الاحتراق.
أسرع يثني رأسه، وقد عادت مؤخرته تتأرجح في الفضاء. وبعد قليل، مد يده، تناوله، ورماه على كومة من أوراق الكينا. ملأ الخيمة بالتراب، حل الدثارة، وارتداها.
أكلنا الطائر، ثم استرخى كل منا في طرف، وذهبنا في نوم عميق. كنت قد حلمت بروزا، كان لها شكل الطائر الشرس، انقضت على صديقي الأسود، ورفعته بمخالبها، لوّحت به في الفضاء قبل أن تقذفه ليتحطم على الصخور. وعندما جاء دوري، حاولت الاختفاء من وراء عرف زيتون، لكنها اكتشفت مكاني، انقضت علي بمخالبها رافعة إياي في الفضاء، وأنا أصرخ، وأصرخ، وأصرخ، دون أن يسمعني أحد غيري. قمت من النوم منزعجًا، كانت الشمس قد سقطت مذبوحة في بحر الغروب، غدت الأرض دموية، وأيادينا جزءًا من المساء. بدت الطبيعة الطيبة لا تفكر في الصراصير الشريرة التي تتربص بجنين، أما نحن، فقد كنا نفكر فيها، لأننا مخلوقات تعسة. وكان جمالها، في تلك اللحظات، غير إرادتها، ورغم عجزنا، فإننا كنا، في الحقيقة، طبيعيين أكثر من اللازم، ولكن الشفق الدموي كان مفزعًا.
صعدنا، والقلب يخفق، والصخور جامدة لا تتحرك. كنا نقول لأنفسنا: (( لربما تحركوا، لربما الحشد تحرك، لربما هجموا على جنين، أخذوا جنين، وهم بهذا سيزيدون من شقّ المغامرة! )) لم أكن أسبق رفيقي الأسود، كان أحيانًا يمد لي يده، وأحيانًا أخرى كنت أعطيه يدي. وهناك، على الصخرة الشاهقة، سنقف، وسنطل، وسنرى، إذا ما كانت لنا عيون تقاوم السيل الدامي. آه! يا إلهي! حصل فيضان في العين، رعدت أمواج، وأمواج أخرى أخذت تلطم الصخور. وجدنا السهل، من أمامنا، قفرًا، بعد أن نهشته الصراصير قبل أن تأخذ طريق الرحيل. لم تعد هناك آلات شريرة، ولا أدوات قتل رهيبة: كان الجيش الإسرائيلي قد عدل عن احتلال جنين، وها هو الآن يضرب في الأرض من جديد.
أطلق الرجل الأسود صيحة فرح عارم، وهو يقوس سلاحه إلى أعلى، وارتمى يضمني. وفي اللحظة ذاتها، صار لدي شعور بأننا نقف في أعماق هذا الخدر الدموي الساري بالمعمورة، وأننا على وشك أن نزول مع الغروب. صارت من ذلك خشيتي كبيرة، كنت لا أريد أن تذيبنا عتمة الليل، وأن نفقد مواطئ الذهب والحلم في الضفة، بينما تفصلنا عنها بضع لحظات. سحبته من ذراعه، وهبطنا نقطع (( جسر محمود ))، ولم يعد جسرًا خياليًّا.
كان الليل في أوله، والأسلاك الشائكة على بعد وجيز، وكانت الضفة تربض هناك على بعد وجيز. كان كلانا يزحف، والأسلاك الشائكة على بعد وجيز. سور صين هائل يشوه وجه الأرض، والأسلاك الشائكة، التي على بعد وجيز، ما هي سوى أول بداية للضفة. كانت لأنفاسي أيضًا أول بداية للاستنشاق: الضفة الطيبة الجميلة الرائعة الجمال أخيرًا! كنت على مقربة من إخوتي الكبار، وإخوتي الصغار، كنت على مقربة من أخواتي. وأنا أزحف، كنت أشم أول بداية لرائحة التربة المسقية بدم الكبار. كانت التربة الحمراء تطويني، فتباغتني أولى بدايات الحنان. كنت على وشك أن ألتقي بك، أن ألتقي بك أنت، أن ألتقي بك، وأضمك، وأقبلك، وأضع ذراعي على كتفيك. كنت على وشك أن ألتقيك، وأن أشم رائحتك، وأن أتذوق طعم يديك. كنت على وشك أن أعبر إليك، والأسلاك الشائكة على وشك أن تحفر لي لحمي، لينفجر نبع أحمر له طعم التوت، والعناب، ولأسقي أول بداية لأول شتلة حنان. كنا نزحف، وكانت ظلال رفيقي الأسود على القرب مركبًا، والتربة بحر حنان. كنت على وشك أن أدخل في صدرك، وأن أقع في القلب. يا إلهي! ماذا أنا بفاعل؟ كنت أقدم على صنع ما هو أعجب من العجاب، كنت أقدم على صنع معجزة، نعم: معجزة! معجزتي! كنت على وشك أن أحقق معجزتي، كانت لم تزل أمامي، وأنا أدعوها معجزتي. كانت هناك أشواك أيضًا في الأمام، أشواك من حديد، وأصابع يدي كانت ترعش، وظلال رفيقي الأسود كانت مركبًا، وأنا كنت شراعًا. مددت أصابعي الراعشة، أصابعي الماردة، وهتفت: يا الهي! كادت تسحقني الأشواك مع الملامسة، حصل اتصال، وكان الموت ما بيننا. قطعت أسلاك الحديد بالكماشة القاطعة، ورفيقي الأسود يصيح: أسرع، أسرع، دعني أفعل! وأنا أمنعه، فقد كانت معجزتي، وأنا أصبو إلى الارتماء في أحضانها. ويصيح رفيقي الأسود من جديد: أسرع، أسرع، اقطع على طول..! فأقطع طولاً، وأقطع عرضًا، وأفكر أني تركت أمينة من ورائي. تركت أمينة الجميلة من ورائي، وهذه معجزة حقيقية تتصاعد من عمق التراب. ورفيقي السود يحثني دومًا على الإسراع: اقطع، اقطع...! وأسمع أمينة تدعو، كانت تدعو، وفي الضفة أيضًا أمينة أخرى تدعو. آه! يا إلهي! الأسلاك الشائكة هذه عقبتي وعقابي، وأنا، لهذا، أجتثها من الجذور. سيجمجم الحاكم: إنها جريمة كبرى في حق الوطن! وتعجز ريتا عن أن تفعل شيء، فتذرف بعض الدموع. صرت على وشك أن أقطع (( جسر محمود )) الحقيقي، أنا على وشك، يا رفيقي الأسود، لا تتسرع، سأفرغ، هات باقي أدوات القطع، أنا على وشك، لا تتسرع، يا رفيقي الأسود، لا تتسرع! لقد علموك الصبر هناك في لندن، ولقد علموك الصبر هناك في الخرطوم، ولقد علموك الصبر هناك في الفردوس، أما أنا فقد علمتك ((الجريمة ))، ها أنت تهدم سور الصين العظيم! أنا علمتك العَدْوَ والجموح والتمرد، وجعلت منك (( سفاحًا )) تهدم سور الصين العظيم! وقد كنت مثلك، الذي اختلف أنهم باعوا أمك لأسرة إنكليزية في الخرطوم، أما أنا، فقد باعوها لي. إنني أهرب لهذا، لسبب مثل هذا، إنني أهرب لكوني سيد أمي، ولأني عبدٌ آخر!
أحاول أن أنتهي، مهلاً، أحاول أن أنتهي، هذا مثل ذبح الطائر، أحاول أن أنتهي. إنني أنزع أرياش طائري حيًّا، وأنت تحثني على الذبح، أنت الماضي الذي كان ذبح الطائر يؤذيه. ومهما ذبحت، طيورك السود ستبقى تحلق، تزيل الليل عن وجه العالم. أصابعي تتلوث بدم الطائر، أحس أنني أذبح كائنًا يموت حبًّا في الحياة، فأتحرق شوقًا إلى الموت. إنني مع هذا أمتد، فها هو ليلك العظيم. إنني أذبح موتك، وتجري أنهار العتمة، ويستمر صياحك. وحتى فيما لو ذهبت، سيظل يطربني صياحك، وحتى فيما لو انعدم حسك عني تمامًا، ستبقى هذه الخفقات في صدري دون أن تكف عن الدق.
أنا على وشك أن أجدف في النهر، أو أن أركب فرسي عاديًا. إن القتل الذي تبذه نفسي لمثل نهر يمكنني عبوره، لكني أعدو كي أقتل قتلاً. ومع ذلك، فالآلام تسحقني، أحس بذنبي في كل الأحوال. ومتى ينفك عني عقد المناقير، وينفرط، أشعر أني امتلكت الشقاء، لأني أُلقى في ضياعي. أحث خطاي، أسابق الريح، وأحدث نفسي: هناك في الضفة شمس جديدة، أنا من سيفيء تحت ظلالها، أنا من سيحوك خيوطها كنزة صوف من ذهب. أتقدم، أقطع الليل، أُبدع آخر خطوة من مهمتنا. وعندما زخ الرصاص من حولنا، خفقت أجنحته السود، لكنه انهدم علي، ورأيت نبعًا يتفجر من فمه، فصحت به خارجًا عن إرادتي: أيها الرفيق، يا رفيقي الأسود! وأنا عاجز عن تصديق أنه قد أُصيب في قلبه: يا رفيقي الطليّ! آه! يا طائري الأسود! زحفت به إلى الداخل، والتراب المغني يعفر وجهي، وهو يغتصب بعض الكلمات: اذهب، دع زنجيك يموت هنا، دع طائرك الأسود يرفرف وحده! ومطر الرصاص يصب: لا تمت، يا طائري، إياك أن تموت، لا تتخل عني! وأنا أفكر: (( ما الذي سأفعله إذا ما غادرني رفيقي الأسود؟ )) ابتعد زحفي به حتى أصبحنا في قلب الضفة، ومن حولنا راحت تتطاير بضع رصاصات طائشة. رفعته كاللعبة بين يديّ، وهززته، فتساقط من حولي خريفه: أخيرًا يا طليي... أخيرًا يا طائري... ها نحن في قلب الحلم، يا رفيقي! شاهدت في عينيه قتالاً، كان هناك شعاع، وثورة، وكنت شغفًا، وأنا أتابع ما أشاهده في عينيه. كانت هناك معركة مجد، والشعار: حرية. كنت أراه يعدو في الدم، والموت، والدمار، ورأيته يقفز، ورأيته يمتطي فرس العالم، ولم أتمالك دموعي التي سقطت، أنا الذي تركني أهلك على مهل.
* * *
انتهيت من دفن رفيقي الأسود.
وأنا أسوي التربة الحمراء برأس السنجة من فوقه، سمعت صرير بندقية من ورائي، عندما التفت، رأيت اثنين من الحرس الوطني، وهما يشهران علي السلاح. خففت نحوهما هاتفًا: (( أنا عربي، مثلكم، أخ لكم! )) لكنهما نفرا مني، وهدداني، إذا لم أبتعد أطلقا النار. حاولت أن أوضح لهما أمري، لكنهما أبيا أن يستمعا إليّ، عقدا ذراعيّ برباط خلف ظهري، واقتاداني بسيارتهما إلى مركز مقاطعة جنين. كان المركز مقفلاً، فدارا بي إلى الناحية الأخرى بحثًا عن جندي حرس الليل. ألفياه يغفو في علبته، وسلاحه البارد يستلقي كئيبًا على ركبتيه. أيقظاه، وأخبراه بإلقائهما القبض علي. اتصل بجندي آخر في بناية المركز، وهذا بدوره اتصل بأحدهم، علمت من خلال حديث الحارسين، فيما بعد، أنه تكلم مع ملازم أول قسم التحقيقات العسكرية، وهذا أمر إيداعي حجرة التوقيف ريثما يطلع النهار.
كانت حجرة التوقيف، التي قضيت فيها ليلتي واقفًا تحت طاقة وحيدة قرب السقف، عبارة عن قطعة صخرية حفرت على شكل مربع ((مهذب))، كانت عارية تمامًا، تنبعث منها برودة صقيعية، ورائحة بول نافذة. تركوني طوال الليل في مبولة، وأوصدوا علي من ورائهم الباب بالحديد.
في الصباح، جاء أحدهم، وأخرجني من المبولة. كنت أعتقد أنني ذاهب لمقابلة الضابط الملازم المكلف بالتحقيق، إلا أنهم وضعوني في سيارة عسكرية، وانطلقوا بي. سألتهم عن وجهتنا، لكنّ واحدًا لم يجبني. أخبرتهم، وقلبي يتمزق ألمًا، وعقلي وعصب دمي، إنني واحد مثلهم، أخوهم، ابن عمهم، وأنا هارب من إسرائيل، لكنهم ضحكوا مني بملء شِدْقيهم، وسخروا بي. قلت لهم، على الأقل، حلوا وثاقي، لكنّ واحدًا لم يسمع لي. كان الدم في أصابع يديّ المشدودتين من ورائي قد تجمد، ولم أعد أحس سوى بقطع من الخشب معقوصة. قلت لهم: أستحلفكم بمحبة الإله، حلوا وثاقي، فأنا لست مزمعًا أن ألحق بكم أي أذى، لقد جئت إليكم بمحض إرادتي، أحلم بلقائكم منذ زمن بعيد، بالسلام عليكم. لكنهم عادوا يضحكون مني، وهم يرمونني بنظرات استهزاء وسخرية لا تصل إلى حد. وبعد إلحاحي على معرفة المكان الذي كنا في صدد الذهاب إليه، قال لي أحدهم: لقد اعتبرك ضابط قسم التحقيقات العسكرية في مقاطعة جنين - الذي لم أشاهد وجهه على الإطلاق، ولم يقم معي بأقل تحقيق- اعتبرك أسير حرب (( فوق العادة ))، إذ نحن في هدنة (( معكم ))، وقد ألقي عليك القبض في أرضنا وفي حوزتك أسلحة فتاكة... وأحالك إلى المجلس العسكري للتحقيقات في جرائم الحرب والجوسسة والتآمر على أمن البلاد وما شابه ذلك والذي يوجد مقره في مركز القيادة العسكرية لمنطقة نابلس.
عند ذلك، استطعت أن أعرف وجهتي.



* يتبع القسم الثاني والقسم الثالث في كتابين مستقلين






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,630,187,867
- أنفاس الديوان الثالث
- أنفاس الديوان الثاني
- أنفاس الديوان الأول
- أربعون يومًا بانتظار الرئيس
- أفنان القاسم يجيب على أسئلة -سيدتي-
- الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون
- كتب وأسفار
- الذئاب والزيتون
- أم الجميع ابنة روما
- أم الجميع سقوط جوبتر
- أم الجميع مأساة الثريا
- الاغتراب
- الكناري
- الشوارع
- إسكندر الجفناوي
- مدام حرب
- النقيض
- شارع الغاردنز
- لؤلؤة الاسكندرية
- باريس


المزيد.....




- فيلم إماراتى يُطلق مهرجان أبوظبى السينمائى لأول مرة.. وسينم ...
- كاريكاتير أسامة علي
- بالفيديو.. موقف كوميدي خلال تدريبات عسكرية للجيش الهولندي
- فوز الأديب والمربي سهيل ابراهيم عيساو بجائزة الأبداع لعام ...
- «هيئة قصور الثقافة» تسعى لإقامة مكتبات داخل الجامعات بخصم 50 ...
- بعد أداء كوتشر المتواضع... كرستوفر بيل يجرب حظوظه في أداء شخ ...
- مثقفون عراقيون: ليست وزارة ثقافة.. بل ورشة محاصصة! -
- الاتصالات تدعو شركات النقال لتسهيل عملية التصويت لدعم الفنان ...
- بالصور: فنانون يكتبون الشعر على الأسفلت في مدريد
- -عصفور-: العلاقة الثقافية بين مصر وإسبانيا -تاريخية-


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - المسار أضخم رواية في الأدب العربي القسم الأول