أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزيز الحاج - اوراق في السيرة الذاتية






















المزيد.....

اوراق في السيرة الذاتية



عزيز الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 3650 - 2012 / 2 / 26 - 03:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة
شهادة للتاريخ أوراق في السيرة الذاتية السياسية

قادة الشيوعيين انقطعوا عن قواعدهم بعد سقوطهم في شلل ومراكز قوي متضاربة - الخصومات والمطامح الشخصية لأعضاء اللجنة المركزية غذتا الانفراد ومصادرة الحوار
اضاف عزيز الحاج باصداره مذكراته التي تحمل عنوان (شهادة للتاريخ أوراق في السيرة الذاتية السياسية) الصادر عن منشورات دار الرافد في لندن، مساهة متميزة في تدوين تاريخ الحركة الشيوعية العراقية فقد تدرج الحاج في مختلف مناصب الحزب الشيوعي العراقي حتي أصبح عضوا في لجنة الحزب المركزية ثم تزعم اكبر حركة انشقاق في الحزب المذكور حيث ايدت اغلبية اعضاء الحزب وكوادره الافكار التي دعا اليها والمتمحورة حول استخدام السلاح لاسقاط نظام الرئيس العراقي الاسبق عبد الرحمن عارف بالسلاح تمهيدا لوصول الحزب للسلطة.
وبغض النظر عما آل إليه مصير الانشقاق والنتائج التي اسفر عنها حيث يتناول الحاج في مذكراته تفاصيل تلك المرحلة التاريخية، فان اهم ما يميز الكتاب الجديد هو الروح النقدية التي كتب بها سواء في التعامل مع الذات وتوجيه النقد الي الآخر، وهو أمر تفتقر اليه كتب المذكرات العراقية خاصة تلك التي صدرت عن زعامات شيوعية.
ويجذب الحاج نظر القاريء الي هذه النقطة فهو يقول في مقدمة الكتاب ان دراسة اخطاء الامس هي لخدمة التوثيق التاريخي ولغرض الاستصبار وتوظيف دروس الاخفاقات والكبوات لصالح الحركة الوطنية العراقية.
ويتوقف الكتاب عند احداث تاريخية لم يكتب عنها أو ما كتب عنها قليل أو متحيز ومنها معركة اهوار الغموكة (الشطرة) حزيران (يونيو) 1968.
ويكرس ايضا حيزاً كبيراً لوثائق الحركة ولمختلف الشهادات وهي متضاربة. ويقف الحاج متأملاً في ما يمكن استخلاصه من التجارب الماضية واخطائها.
الزمان تستبق ظهور الكتاب في المكتبات لتنشر مقتطفات منه عشية قيام دار الرافد بتوزيعه في المكتبات.




الحلقة الأولي

اكدت تفاصيل الحياة الحزبية والممارسات القيادية طوال 1964 ــ 1967 اصرار القادة المتنفذين علي التشبث بمواقعهم، وامتيازاتهم الحزبية ورفض الحوار والنقاش الداخليين الحرين، والاستهانة القصوي بالقاعدة الحزبية. ورغم القرارات المتتالية بعقد المؤتمر الثاني للحزب (الاول وقع في 1945) فانها ظلت حبرا علي ورق، وفي القرار الاول الصادر في اجتماع موسع عام 1965 وضع القادة المتحكمون جملة من القيود علي المؤتمر (في حالة انعقاده) وهي ان لا يبحث السياسات السابقة وادوار المسؤولين عنها! واتخذ قرارا جديدا في اجتماع شباط (فبراير) 1967 وانتخبت لجنة مصغرة لوضع مسودة البرنامج الحزبي. كنت من اعضائها . لكن نقاشات اللجنة لم تكن جدية الا في اجتماعاتها الاولي، وسرعان ما جري تجميدها عمليا. وعارض اقطاب اللجنة بشدة وضع هدف تأميم النفط كهدف استراتيجي برنامجي، وقال زكي خيري ان العديد من المواقع الاقتصادية السوفييتية ظل تابعا للرساميل الاجنبية في العشرينات. وكانت الفترة من اواخر عام 1966 وما بعدها قد شهدت في المنطقة العربية معركة جدية وحادة مع شركات النفط الاجنبية، لكن قادة الحزب الشيوعي اصروا علي ان تأميم النفط اجراء اقتصادي وفني بحت، وقد لا تنضج ظروف الاقدام عليه حتي بعد قيام الاشتراكية في العراق. اي غضوا النظر عن ان هذا الكلام صحيح ولكن ذو جانب واحد ليس الا، وان لتأميم النفط مغزي سياسيا ذا اهمية استثنائية. واشير هنا الي ان مخالفي رأي اللجنة المركزية لم يطرحوا التأميم كشعار للعمل الفوري وانما رأوا وجوب تسجيله، والتثقيف به كهدف استراتيجي للمستقبل. واذ اشرت الي اجتماع اللجنة المركزية مع ابرز الكوادر عام 1965، والذي يعتبر بمثابة الكونفرنس، فان قادة الحزب في الخارج اعتبروه غير شرعي، ورفضوا الاعتراف بالترتيبات التنظيمية الناجمة عنه وكان من بينها ترقية عدد من الكوارد الي عضوية اللجنة المركزية، واذا كان هذا الموسع غير شرعي فكيف يمكن اعتبار اجتماع اللجنة المركزية عام 1964 شرعيا مادام اعضاء اللجنة لم يسبق ان انتخبوا في مؤتمر عام، باستثناء اقلية انتخبوا في كونفرنس عام 1956؟ وكيف يجوز اعتبار نزع الثقة من لجنة لم يتم انتخابها منافيا للشرعية و انشقاقا مدانا بالمفهوم الستاليني؟

التسيب والشللية

ورغم اتهام المكتب السياسي واخرين من اعضاء اللجنة المركزية لقيادة منظمة بغداد بالتسيب، أو الشللية، وكان ثمة شيء من الصحة في ذلك، فان هذا الاتهام كان ينطبق ايضا وبشكل دقيق وتام علي ما يجري داخل اللجنة المركزية نفسها فمثلا، ان عامرا جمد بقرار فردي منه اجهزة الطباعة والدعاية الحزبية لعدة شهور. ورفض هو وآخرون حضور اجتماع مهماً للجنة المركزية بحجة ان الوكر الحزبي كان مكشوفاً للبوليس، وتنصل مهدي عبد الكريم في النصف الاول من عام 1967 من تعليمات المكتب السياسي التي طلبت منه الا يوقع علي أية قرارات تصدر عن اجتماع الاحزاب الشيوعية العربية الذي كان يحضره باسم الحزب ما لم يعرض النتائج علي المكتب السياسي اولا، وارسل لنا رسالة سخرية وتهكم في تبرير تمرده المقصود.
وفي اثر انزال وثيقة محاولة تقييم سياسات الحزب (بقلم زكي وعزيز) الي النقاش الداخلي المحدود، انفجرت حركة بين الكوادر المتقدمة تطالب بتنحي بهاء وعامر والناصري من المسؤولية الي حين عقد المؤتمر الثاني. لكن الاول كان يكرر بتحد لن استقيل الا اذا اقتنعت انا وزكي، الذي كان يرفع راية اقصاء هؤلاء منذ 1965 صار يكرر لن اسمح باية استقالة أو تنح حتي لو طالب بذلك 90% من اعضاء الحزب . واسجل للتاريخ اننا ظلمنا عامرا، وانه كان الأكثر من الآخرين استعداداً للقبول بحكم الأكثرية القاعدية.
اما الامين العام فقد ترك العراق وسافر لموسكو، ورفض طلبات عدة من المكتب السياسي بعودته لقيادة الصراع الداخلي والتهيئة للمؤتمر. وقدم بهاء سلسلة من الخطط التنظيمية التي كانت تعني حل اللجان الحزبية التي تزعج القادة، وتجميد اخري وفرض اللجان من اعلي حيثما ارتأت القيادة ذلك، وكان الهدف هو تصفية الساحة الداخلية من المعارضين قبل عقد اي مؤتمر حزبي. ورفضت اللجنة المركزية ادخال عدد من الكوادر المتقدمة من غير اعضائها في لوائح اللجنة التحضيرية للمؤتمر. وبرغم اعتماد المكتب السياسي لوثيقة اعددتها عن الكفاح الفكري، ولكن بعد تعديلها و تشذيبها ) فان القيادة سرعان ما جمدت مناقشتها بين الكوادر نتيجة الاحتجاجات المتتالية من بعضهم. فكيف اذن كان متوقعاً لهذه القيادة ان تعقد مؤتمراً ديمقراطياً، يدرس كل الامور، والمسائل بحرية تامة وبلا قمع وتنكيل!؟

شلل ومراكز قوي

لقد كان اعضاء اللجنة المركزية يتوزعون في ما بينهم الي شلل ومراكز قوي متضاربة، يأخذ بعضها بتلابيب بعضهم الآخر، وكانت المطامح والخصومات الشخصية ضاربة اطنابها بينهم، والتحلل من الانضباط مستشريا، وكان من الطبيعي، اذن، ان تنعكس هذه الاوضاع علي نطاق الحزب كله، وخصوصا في المركز ــ بغداد.. فالحزب الذي اخذوا يبكون علي وحدته لم يكن حزباً واحداً. لا فكرياً ولا سياسياً، ولا فعليا، فلا وحدة داخلية ولا ضبطاً ولا تماسكاً، بل شللية، وتطاير اسرار، وتشهير، وخصومات.
وفي ما يلي مثال آخر عن العلاقات بين القادة فقد ارسل الناصري رسالة الي بهاء هذا نصها (عن كتابي مع الاعوام ).
وكنت قد وعدتني ان تمر بي في داري حول موضوع.. يوم الاحد. ولكن لا يوم الاحد ولا الاثنين ولا الثلاثاء مررت، واليوم الاربعاء. سأزورك، فاذا لم اجدك في الدار سوف لن أزورك مرة أخري قطعا، وانت تتحمل المسؤولية عن تأخير اشغال الحزب، وبالمناسبة فان الرفيق (زكي) استقبلني في داره بوجه متجهم عبوس، وكأنني ازوره في بيته الخاص من ملكه أو لاشغال خاصة، وكأنني اشحذ منه. حتي الحرامية يتمسكون بتقاليد المجتمع عند زيارة احدهم له. فكيف برفاق.. علي كل هذا درس لي، سوف لن أنساه، وسوف لن افرط بكرامتي الشخصية، واذا ما وجهت لي اهانة من اي كان فسوف يتلقي مثلها !
عندما وافقت في اواسط عام 1967 علي قيادة حركة المنظمات الحزبية الاساسية لخلع القيادة المتحكمة (اي حركة القيادة المركزية) فلإيماني التام بان جميع سبل حل الازمة من داخل الحزب قد اغلقت، وبأن القادة المسيطرين كانوا مصرين علي التشبث بمراكزهم وافكارهم مهما كلف الامر. أما المؤتمر الموعود، فان ما كانوا يفعلونه باسم التحضير له، لم يتجاوز سلسلة من اجراءات الزجر والعقاب، والتجميد بحق اللجان والكوادر المعارضة للقيادة.. لقد عرض علي خالد احمد زكي عام 1965 ان ننفصل عن التنظيم الرسمي بالاستناد الي منظمة لندن الحزبية، والي تنظيمات وكوادر اخري. ورددت هذه الدعوة إذ كان أملي نستطيع اصلاح الامور من داخل الحزب، وبوسائل ضغط جديدة كان من بينها صيغة الكراس الداخلي، والذي طبعنا منه كمية جديدة للتوزيع في الوقت المناسب علي النطاق الحزبي فقط داخل العراق وخارجه. وكان الكراس بتوقيعي الصريح ويدعو القواعد والكوادر الي مواصلة الضغط علي قيادة الحزب لتغيير خط الانفتاح الذيلي علي حكم عبد السلام عارف. وقد اطلع علي الكراس زكي وآخرون ممن اتفقنا معهم علي اعطائنا اشارة عند وصولهم بغداد لكي اسرع بتوزيع الكراس. فلم تصلني الاشارة وبقي الكراس مجمدا بنسخه الكثيرة في لندن وبراغ. ورغم محاولاتي في السنوات الاخيرة فانني لم استطع الحصول علي نسخة منه.وقد نقل احد اعضاء اللجنة المركزية الي لندن نسخا منه ومن رسالتي للسوفييت.

لم افكر في قيادة الحركة

لا ادري ان كانت تقديراتي لعام 1965 سليمة ام لا، ولكن، عدا النواحي المبدئية، فان وجودي في قلب الدول الاشتراكية، وابتعادي عن الوطن، كانا عقبتين حقيقيتين في طريق اي حركة حزبية مستقلة، فالموقف من خارج الوطن، اي بعيدا عن متاعب النضال اليومي وتبعاته، يحمل معه عوامل ضعفه بالنسبة لقواعد الحزب. لكنني بصراحة لم افكر اصلا في قيادة حركة مستقلة وكنت اعول علي مجري الصراع الداخلي في اللجنة المركزية والاستناد الي كوادر الحزب وقواعده.
وكانت فترة السنوات الثلاثة (1964 ــ سبتمبر (ايلول) 1967) كافية جدا للتأكد من عقم الانتظار اكثر، ومن وجوب الانتقال الجريء الي التحرك لانقاذ الحزب ودوره في الحركة السياسية. وكنا نفتش في افكار لينين وتجربته عن اسانيد لموقفنا الانفصالي ، وقد نشرنا العديد من مقتطفاته تزكية لحركتنا.. من ذلك، مثلا، قيادته لحركة الانفصال عن الاممية الاشتراكية الثانية. وإقدامه علي تشكيل الاممية الثالثة رغم انه والشيوعيين الثوريين كانوا اقلية قليلة في الاولي. قائلا: ترون ان الاكثرية اصبحت اكثرية عددية لا تمثل مصالح جماهير البروليتاريا، بل مثلتها الاقلية، ولم يبق هنا قيمة للضبط والتقيد به اذا اصبح في غير مصلحة البروليتاريا . كذلك تجربة انشقاق الحزب الروسي الي مناشفة وبلاشفة وقيادة لينين للعملية. قال لينين تعقيبا علي عقده مؤتمرا حزبيا مستقلا خلافا لارادة اللجنة المركزية: ان اللجنة المركزية اعتبرت المؤتمر غير شرعي. ولكن المؤتمر صحيح تماما يمكن اعتباره غير شرعي طبقا لحرفية النظام الداخلي.. غير ان اعطاء هذا التفسير هو شكلية بائسة. فحسب روح النظام الداخلي، لا يوجد شك في مشروعية المؤتمر.. ان مجلس الحزب موجود من اجل الحزب، ولا يوجد الحزب من اجل المجلس . وحسب روح النظام الداخلي، وحتي حسب نصوصه كمجموعة يتضح ان مجلس الحزب وكيل عن اللجان الحزبية.. وعندما لا ينفذ الوكيل ارادة الحزب، فان الشيء الوحيد المتروك للحزب هو ان ينفذ ارادته هو.. ان اللجان الحزبية لم يكن لها فقط حق عقد المؤتمر بنفسها، بل كان ذلك واجبها ايضا . (عن مؤلفات لينين الكاملة بالانجليزية، المجلد 53 ص 363 وما بعدها).

اللجنة المركزية لا تمثل ارادة الحزب

وكان تقديري، وتقدير الكثيرين من كوادر الحزب عام 1967 ان اللجنة المركزية لم تعد تمثل ارادة الحزب، وان تنحيتها شرط لتقوية وحدة الحزب، وتنشيط دوره السياسي. ومن مفارقات الحياة، والسياسة، والعقليات، والنفسيات، ان عددا غير قليل من القياديين الذين ساهموا في قمع الرأي وغلق سبل الحوار البناء والنقاش المفتوح، صاروا هم ضحايا هذا النهج اللاديمقراطي (انقلب السحر علي الساحر) كما مر آنفا .
لابد هنا من وقفة تأملية جادة امام ما كنا نسميه بوحدة حزب الطبقة العاملة الذي كان في واقع الحال، حزب مثقفين يساريين وطلبة وفريق من العمال المسيَّسين، ولكن المسألة غير هذه. اذ لماذا يجب ان يمثل الطبقة العاملة أو اية طبقة أو فئة شعبية اخري حزب واحد أو تيار فكري واحد؟ ولماذا كانت المدرسة الستالينية في كل مكان تصر علي وحدانية حزب الطبقة العاملة ، والمقصود الحزب الشيوعي؟ ولماذا ادعاء احتكار تمثيل هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك، حتي ولو كانت حقا هي البروليتاريا الصناعية المتقدمة وذات التجربة؟ وانما هو ادعاء للاحتكار وللوصاية منبثق من جوهر النظرة اللاديمقراطية للحياة السياسية وصراعاتها ومن تغليب مصطنع للانقسامات الطبقية علي حساب كل التناقضات الاخري في المجتمع من عرقية، ودينية، وغيرها، والوهم بان جماهير طبقة ما متجانسة في مصالحها ونزعاتها وطموحاتها.
وهذه المنطلقات والعقليات البروليتارية كانت تتحول دوما الي تحكم افراد القيادة الشيوعية، وغلق مسار الحوار والحرية حتي في الحزب الواحد، واحيانا الي تحكم الفرد ــ القائد. وهذا ايضا، من بعض ما تعلمه البعثيون من التجارب الستالينية بانواعها، وصولا الي عبادة الفرد، وتقديس الشخصية القائدة، والطقوس والممارسات الثقافية والفنية المرافقة لذلك من كتب سير، ولوحات، وتماثيل، وتشويه كتابة التاريخ ومسخ لها، وقد اهوي ستالين مرارا علي تاريخ الحزب السوفييتي مسخا وتشويها وتزويرا مدمرا صفحات خصومه، طامسا مآثر القادة الاخرين، ونافخا في دوره، حتي لم يبق لتروتسكي العظيم سوي الاتهامات الشنيعة، والتلطيخ، وكذلك الاخرون من قادة الثورة والحزب ممن كانوا موضع تقدير لينين. وعندما يتحدث بعض الكتبة عن ظاهرة عبادة الفرد الحالية وتسخير الفن والقصة والسينما وكل وسائل الاعلام لهذا الغرض، فانهم يتعمدون القفز فوق ظواهر التجارب الستالينية الدولية التي سبقت الظاهرة البعثية الراهنة. الا ان تسجيل هذا التأثر ضروري تماما ليس فقط للامانة التاريخية، وانما ايضا للتحليل وللتبصر والاتعاظ السياسي والاخلاقي.
ان تبريري لحركة القيادة لا يعني. طبعا صواب كل مواقفنا الفكرية والسياسية ولا ان كل ما فعلته قيادة الحزب كان خطأ، فضغطنا لرفع شعار اسقاط عارف عام 1964 كان خاطئا اذ ان ذلك الحكم اضطر للقيام بعدد من الاجراءات الجيدة. ولكن الخطيئة في نهج اغسطس (اب) هي تحويل تكتيك المرونة مع الحكم الي استراتيجية والي مبدأ يؤمن بدوره في بناء نظام غير رأسمالي.. كما اننا اخطأنا، حين انكرنا شيوعية التنظيم الآخر، انسياقا وراء عقلية رفض وجود منظمات ماركسية عديدة في البلد الواحد.

مقدمات الحركة الانتفاضية وتفاصيل تنفيذها

كان المرحوم حسين جواد الكمر (وليد) (الذي توفي في الشام)، هو الجسر، وصلة الوصل، بيني وبين كوادر منطقة بغداد.
وكان الكمر شخصية متعددة الصفات والجوانب، وقد تعرفت عليه، علي ما اتذكر، عام 1954 في سجن بعقوبة (القديم) ثم التقينا في ادارة جريدة (اتحاد الشعب) الشيوعية عام 1959 عندما كان محاسبا في الادارة، وكان ذا علاقة ببعض شؤوني اليومية عندما كنت موضوعا في قائمة البعث السوداء للاغتيالات كما ساهم في عملية زواجي (انا الآن مطلق واب ولدين، ابنة وابن).
والتقيت به مرارا في براغ عام 1964 وتلاقي طريقنا مجددا بعد عودتي للوطن عندما كان قد ابعد من لجنة منطقة بغداد، واصبح عضوا في لجنة العلاقات. وتوثقت علاقتنا عندما اصبحت اشرف علي شؤون العلاقات الوطنية ومنطقة بغداد في الحزب نيابة عن المكتب السياسي.
كان الكمر غاضباً علي القادة الذين حاربوه وأبعدوه، كما كان قد دخل في مماحكات مع كوادر اخري مثل نجم محمود. وكان الأخير، وبعض الكوادر الاخري، يتهمون الكمر بالمساهمة النشيطة في فرض خط اب (اغسطس) علي تنظيمات بغداد بعد عودته للعراق، واستخدام الاسكات والتنكيل تجاه العناصر المعارضة. وبالطموح الشخصي. اما هو، فكان يدافع عن نفسه باحترامه للضبط الحزبي والالتزام به، وكان ينفي دوره في التنكيل الداخلي، واذكر انني واجهته بنجم في اعقاب حركتنا الانتفاضية،. وتبادل الاثنان الجدال مطولا مما تبين لي خلاله ان الحقيقة تقع بين الطرفين. فالكمر كان اكثر من مجرد متحمس لخط اب (اغسطس) عام 1964، ولكن من جهة اخري، كان بعض ما يثار ضده اما غير صحيح، أو مبالغ فيه. واذكر انني كنت اكرر له بود، وحرص شديدين، قبل تنفيذ حركتنا، ان الافضل له ان لا يبرز في المقدمة، نظرا لأن هناك جبهة واسعة ضده، وهذا ما سوف يستغل ضدنا جميعا غير انه لم يلتزم بهذا الموقف.

بلورة البرنامج

وأثرت، مع الفقيد احمد الحلاق، بعض تصرفات الكمر اليومية في اجتماع موسع لكادرنا في بداية عام 1968 وادي النقاش فيها الي توتر شديد عرضني، كما عرض الكمر، الي انتقاد اكثرية الحاضرين. غير ان المرحوم الكمر له جوانب ايجابية، من اهمها، قدراته علي حل المشاكل الفنية وتذليل بعض صعوبات العمل اليومي، وعلاقاته الواسعة جدا، ليس بالشيوعيين فحسب، بل وباصدقائهم ايضا وبالعديد من ممثلي الاطراف الوطنية المعارضة، وكانت صلاته بالقوميين عموما، و الحركيين خاصة وثيقة، حتي كنت في بعض الاحيان، اتصور انه اقرب اليهم من قربه لنا.. وبواسطته تعرفت الي عبد الاله النصراوي الذي احببته ولا ازال احترمه. ان صلاته هذه افادتنا في واقع الحال، من حيث انفتاحها علي القضايا القومية، وخاصة الموضوع الفلسطيني. ويمكن القول إنه كان للكمر دوره في بلورة برنامجنا، وموقفنا من المسألة الفلسطينية. وكنا نتبادل الحديث طويلا عن شؤون القيادة في وكره الحزبي، وتبين لي انه كان قد سحب من عامر عبد الله تصريحات كثيرة ضد زملائه، خزنها (وليد) في سجل ذاكرته للوقت المناسب. ولم يخل وليد من حسابات ذاتية، سواء من جهة المنصب الحزبي، أو من جهة تأمين افضل ظروف العيش لعائلته علي حساب الحزب، ولاسيما عندما يتعلق الامر بوسائل النقل (السيارات الحزبية) واذكر اننا في الاسابيع التي تلت حركتنا، ومداهمات اعوان (اللجنة المركزية) لبعض دورنا والاستيلاء علي احدي سياراتنا (كنا في منتهي الفقر كحزب سياسي طموح) بقيت عندنا سيارتان فقط للعمل الحزبي كانتا تحت تصرفه وحده، ورفض ذات مرة نقل منشورات وبعض المفردات الاخري في سيارته، مما سبب مصاعب. وتوثقت علاقتنا نحن الاثنين في الاشهر القليلة التي سبقت حركتنا، ولا اتذكر كيف اعلمني باستعداد كوادر بغداد للانتفاض اذا وافقت أنا علي تزعم الحركة وحسمت امري بالموافقة، واخذت اجتمع بهم بصورة شبه دائمة في دار احد الحزبيين ببغداد الجديدة. وكنا نتبادل الرأي في شتي الامور، وكان من الذين اعرفهم من قبل، عبد الحميد الصافي، وخضر سلمان (فخري)، وتعرفت لاول مرة علي مالك منصور (عائد) ولم يكن بيتر يوسف قد اشركناه بعد في تلك الاجتماعات. كما لم يكن احمد الحلاق (العضو في لجنة التنظيم المركزية) قد قرر امره. ولا اتذكر هل كان متّي هندو يحضر اجتماعاتنا ام انضم في ما بعد. فالاجتماعات كانت مقتصرة في البداية علي ابرز وانشط كوادر تنظيمات بغداد، ولم يسبق لي التعرف علي العديد منهم، بل لم اكن، حتي اعتقالي، اعرف الاسماء الحقيقية لعدد من اعضاء القيادة ومكتبها.
كنا نحن النواة الاولي للحركة معتمدين علي لجان بغداد والمنظمات العمالية الحزبية وكنا نخشي اشراك كوادر اخري من بغداد وخارجها قبل التأكد المسبق من انها ستؤيد الانتفاضة الحزبية المقررة.


الحلقة الثانية

اتحمل مسؤولية الظهور علي شاشة التلفزيون للاجابة عن أسئلة الصحاف - اتحمل مسؤولية الظهور علي شاشة التلفزيون للاجابة عن أسئلة الصحاف

الندوة التلفزية

تلكم مقدمات الندوة التلفزية في نيسان (ابريل) 1969 التي راحت كل سيرتي السياسية تقترن بها لدي البعض.
لاشك في ان تلك الندوة كانت سقطة سياسية كبيرة في حياتي السياسية التي بلغت ربع قرن تقريبا.
ان المخلص الذي اغضبته الندوة وجرحته هو علي حق، لاسيما اذا تجاوز ظروفها، ولم يقرنها بمجمل مواقفي في المعتقل، وكتاباتي وانا فيه.
افهم واقدر ردود فعل رفاق القاعدة والمتعاطفين الذين صدمتهم الندوة ايما صدمة، وافهم نقد الوطنيين المخلصين ولومهم وحتي التقريع. ولكن ما ارفضه هو الزعم بانها (اي الندوة) ساهمت في الحملة التنكيلية مع انها، علي العكس، اوقفت مدها، وساهمت في تخفيف الجو علي مجموع المعتقلين ومن كل الاتجاهات، وهذا ما يشير اليه فرحان في مذكراته. واقول انه لولا موقفي لامتدت المقاصل الي العشرات الاخرين من رفاقي، وهذا ليس تبريراً وانما هو تسجيل لحقيقة.
علي انه، ومهما بلغ حجم تجني البعض، ومبالغاتهم، واضافاتهم ، فانني اتحمل امام الملأ كامل المسؤولية عن تلك السقطة التي سردت ظروفها وملابساتها، والتي دفعت ثمنها غالياً جداً.
لم أكن اعرف مسبقاً من سيوجه الاسئلة؟ وما طبيعتها؟ ولم تكن لي تجربة سابقة امام الشاشة الصغيرة، ولا مراس في التعبير عن نفس الشيء بالمداورة وحسن اختيار الكلمات، حتي كأنني في بعض اجوبتي كنت في صف مدرسي اجيب علي اسئلة معلم، وليس كسياسي مثقف ذي تجربة سياسية طويلة.
ليس بين يدي، مع الاسف، نص وقائع الحوار، ان سميناه حوارا وانما اعتمد علي الذاكرة، وعلي المقاطع الضافية التي اوردها سمير عبد الكريم في كتابه اضواء علي الحركة الشيوعية .

سؤال مفاجئ

كانت بداية الندوة اسوأ ما فيها بالنسبة لسمعتي، وفخاً حقيقياً لحرقي سياسياً واجتماعياً. فقد فاجأني محمد الصحاف، مدير الندوة، بسؤال: من هم اعضاء القيادة؟ . كان السؤال مفاجئاً ومحرجاً حقاً. وبدلا من المداورة، كأن أقول مثلا: انتم تعرفون الاسماء لانهم معي في المعتقل ، فانني أوردت أسماء بعض المعتقلين. والمشاهد الذي لم يكن مطلعا علي الامور كان سيتصور حتماً بانني اشي برفاقي.
ثم توالت الاسئلة السياسية ومحورها: الموقف من البعث وسلطته، والثورة الكردية (وكان القتال في كردستان قد تجدد)، وممارسات القيادة المركزية في العمليات العنيفة، اي فعاليات جهازنا الصدامي، وكانت اجوبتي هنا الأسوأ من السيء.
ففي الموقف من السلطة بدأت بالتذكير باسباب قيام حركتنا كرد علي اخطاء اللجنة المركزية، وكيف اننا في عملية التصحيح تطرفنا سياسياً الي حد المغامرة. واضفت اننا كنا في النظرة الي البعث اسري ما وقع عام63، فضلا عن تصديق الاخبار والاشاعات المغرضة فننشرها احيانا بلا تمحيص: وعن الحركة الكردية المسلحة وقيادتها، فان الصحاف ركز علي التقارير حول علاقات القيادة الكردية بدوائر حلف السنتو، وتساءل عن اسباب تحالفنا معها رغم تلك العلاقات، واجبت بان ايران لا تقدم مساعداتها للاكراد حبا بهم بل لاغراض مشبوهة، واننا لم نكن ندقق في مصادر بعض قطع السلاح التي تلقيناها من الحركة المسلحة الكردية.
وجواباً علي سؤال عن وجود عناصر مشبوهة فيها اوردت اسم اقطاعي وقائد عسكري معروفين كانت لدينا في الحزب اخبار سيئة عنهما. وردا علي اسئلة اخري، وصفت البرزاني بالزعيم العشائري، وقلت انه لم يقم باصلاحات اجتماعية في المناطق التي سيطر عليها منذ 61.. وقلت ان كل قائد عسكري في الحركة يتصرف اشبه بالامبراطور لما يفرضونه من اتاوات ولكيفية تعاملهم مع الفلاحين: وقلت: ان قيادة الحركة تماليء ايران الي حد اضطهاد الاكراد الايرانيين اللاجئين الي كردستان العراقية.
(نشر الاكراد المعارضون للبرزاني مرارا عن هذه القضية). وقلت: ان ايران مادامت تضطهد اكرادها، فان تظاهرها بالعطف علي اكراد العراق مجرد زيف.
كان في ما ذكرته عن الحركة الكردية تكرار لما كنا نتداوله في اجتماعاتنا الحزبية وماكنا نشير اليه بلباقة في ادبياتنا وندعوه بــ الثغرات . ومن جهة اخري، فلم تكن قد نشرت اية وثيقة عن العلاقات الكردية باسرائيل، ويظهر انها كانت موجودة قبل الندوة بسنوات. ورغم كل ذلك فقد اعتبرت الملا مصطفي، واعتبره الان، زعيما كردياً مناضلاً في سبيل حقوق الامة الكردية، وهذا برغم الاخطاء والعثرات التي تتحمل الحكومات العراقية مسؤوليتها الاولي.

الهدف الأول

ان السقطة لم تكن في ايرادي لبعض الحقائق، وانما في ظروف الندوة، والكيفية، والتوقيت، اذ كانت بمثابة التشهير بحركة وطنية تتعاطف معها اكثرية الشعب العراقي وقواه الوطنية. وكان التركيز من الصحاف علي القضية الكردية بسبب عودة القتال، ولان ايران كانت تهدد العراق في منطقة شط العرب، اي ان ايران الشاه كانت هي الهدف الاول في نظر الدعاية الحكومية.
وعاد الصحاف الي اخطاء حزب القيادة، واشار الي رسالتي الي القيادة القطرية البعثية. ومما قلته ان العيب هو في التطبيقات الخاطئة للشيوعيين العراقيين وكثير من الشيوعيين العرب.
فهم لم يستطيعوا ان يستوعبوا وان يحللوا الواقع القومي من اجل صياغة استراتيجيات وخطط صحيحة وهذا يعني فشل التنظيمات الشيوعية وهو في رأيي شيء حتمي لا مجرد ظاهرة عابرة.
واستدرك الان لابين انني لم اكن اقصد الفشل بمعني انتهاء الدور الشيوعي الوطني، وانما بمعني الفشل في تبرير ادعاء دور الطليعة! وهذه النقطة اوضحتها بقوة في ردي علي النشرة الصاخبة للجنة المركزية ضد الندوة. وقد نشرت مقالتي في جريدة الثورة وانا معتقل، ولابد من ان لا تؤخد محتويات الندوة وحدها بل ومعها مقالاتي ردا علي عزيز السيد جاسم وعلي اللجنة وانا لا ازال معتقلا! وقد تداركت الكثير لتوضيح بعض ما ورد في الندوة وما لم اذكره من جوانب هامة عن مآثر حزب القيادة رغم اخطائها. كما ان هناك مقابلتنا في مجلة الصياد لشهر ايار (مايو) وقد بحثت عنها بلا جدوي لان ارشيف المجلة احترق في احداث لبنان. اما التزييف القائل وبتكرار مقصود عن شتمي للشيوعية، فمجرد فبركة، لانني في كل كتاباتي واقوالي سابقا ولاحقا لم انل من المباديء الشيوعية باي تهجم وانما حملت المسؤولية لاخطائنا واخطاء الشيوعيين الاخرين في تطبيق الماركسية علي الاوضاع العراقية والعربية.
وعن الكفاح المسلح ذكرت ان اساليب الكفاح في الماركسية هي عبارة عن تكتيك ونحن حولنا هذا التكتيك الي استراتيجية ثابتة بصرف النظر عن تبدل الظروف والمراحل وان تهويل الامكانيات والذي نسميه المبالغة في القوي كان موجودا عندنا، وكيفية دعايتنا قبل الثورة (اي انقلاب البعث) كانت تترك انطباعا باننا نملك امكانيات ضخمة.
واشدت كثيرا ولحد المبالغة بالبعث واجراءات السلطة في اطلاق سراح المعتقلين وغيرها، ودعوت الي وجوب تأييد السلطة، وان علي سائر القوي الوطنية والتقدمية التحالف واقامة جبهة تقدمية ثورية تستطيع ان تتصدي بنجاح للدسائس والمؤامرات الرجعية وشبكات التجسس والاستعمار،. واستدرك اليوم للقول بانني دعوت للتأييد ولم ادع رفاقنا للانضمام الي حزب البعث كما فعل اعضاء المكتب السياسي عام 73 في لقاء مع مجموعة من المثقفين اليساريين المستقلين حين وضع ممثل المكتب الحاضرين امام خيارين فقط اما مع اللجنة واما مع البعث. وردا علي السؤال عما اريد ان يسمعه الشيوعيون فقد اجبت باننا كراكب رأسه مشي وارتطم بالجدار وجرح فوقف يسأل نفسه لماذا حدث ذلك؟ وان علي قواعدنا ان تتجرد من المنطلقات العاطفية والحساسيات والعقد السابقة وان تتحلي بالسلوك السياسي الهادف.. ولربما كانت استعارة الارتطام بالجدار بفعل عقلي الباطني عن تلك الليلة التي ضربت انا رأسي بجدار الزنزانة.

حماس زائد

ولعل أسوأ مواقفي في الندوة ما ورد علي لساني جوابا علي الاسئلة الخاصة بالجهاز الصدامي. فقد أوردت اسماء بعض المعتقلين ممن كان التحقيق قد انتهي معهم قبل اسابيع. ومنهم الشهيد العسكري،. وهنا ايضا كنت اتكلم وكأنني في اجتماع حزبي او جلسة خاصة. ولعل ما ورد في الندوة شجع بعض اقارب الشهيد واصدقائه لنشر انه ما كان ليعترف لولاي وهو أمر مردود بالمرة علماً بان العسكري كان من رفاقي المقربين وكنت شديد الاعجاب به والود له. وسألوني عن مقتل عدنان شومان وجلال المختار فاكدت انه بقرار منا في القيادة لا بتصرف خاص من الجهاز. وردا عن الاسئلة حول عمليات اخري كمقتل محمد ميرو وامين الجنابي، فأكدت اننا لم نكن علي علم ولم نخطط لها. وقال الصحاف: ان اعترافات الصفار وبيتر واخرين تركز علي ان عزيز الحاج كان الاكثر حماساً لاعمال الجهاز الصدامي، فاجبت انني كنت حقاً متحمساً، واما قراراتنا فكانت باتفاق.، وفي مجري النقاش اشرت الي ان بعض عمليات الحزب شجعت عناصر معادية علي التصيد او ارتكاب اعمال تنسب الينا مما يدل علي اننا كنا نفتقر الي النضج السياسي. ان ما يخص اعمالنا الصدامية في الندوة كان الاسوا لانه بدا ودون ان اقصد انني اخفف من مسؤولية قيادتنا واساوي في المسؤولية بين القيادة واعضاء الجهاز. ومن جهة اخري فان تأكيدي علي تبرئة الحزب من اعمال نسبت اليه كان واجبا. فمثلاً لسنا من حاولوا الاعتداء علي دار صلاح عمر العلي، او كوننا كنا ننوي قتل بعض اعضاء الحرس القومي (1963).

الخلاص من التعذيب

كانت سقطة الندوة هي في المكان، والتوقيت، والكيفية، اذ ان اكثر ما قلته كنت مقتنعا به، كما انني لم اشر الي ايجابيات حركتنا، مما ساعد المغرضين علي محاولات طمسها. غير اني تداركت بسرعة في ردودي المنشورة في جريدة الثورة من المعتقل. دفعت ثمن الندوة غاليا، وكنت اتوقع ردود الفعل بين رفاقي واصدقائي، وحتي بين افراد العائلة والاسرة من مراراة واسي واسف. ومع ذلك فقد شعرت في وقته بارتياح لاسباب شخصية ــ عائلية، وعامة. فمع عدم اطمئناني الي اطلاق سراحي مع الرفاق ، فانني ارتحت لخلاصي من احتمال التعذيب الطويل البشع للاعتراف بتهمة التجسس المزعومة. ومن جهة اخري، فقد كنت متأكداً ان موقفي سيساعد علي تخفيف الازمة مع السلطة، ثم انفراجها لصالح اطلاق سراح المعتقلين. لم اكن ، لا بطلا ولا جبانا انانيا، ولا بالخائف من الموت، ولا كنت طامعاً في التساوم علي وظيفة تعيسة بائسة، كنت سأنال اكبر منها لو لم ادخل المعترك الشيوعي منذ الشباب.
ان ضميري ، (الذي تساءل بعضهم عن حاله؟؟!) يشعر بالتعويض، وذلك، اولا، لانني لم اتنازل عن الثوابت الوطنية، رغم كل الظروف التي مرت علي حتي الان، ولانني دافعت بقدر طاقتي عن رفاقي المعتقلين، ولم اشهد علي اي منهم (باستثناء حالة كاظم) اما من يواصلون نسج الحكايات المغرضة فان بضاعتهم قد الغاها الزمن وقوة الحق!
من مجمل المعلومات التي تجمعت عندي حتي الان، تبين ان توقعاتي كانت في محلها، فقد اساء المغرضون تفسير الندوة. بينما انصدمت القواعد غاضبة الي حد ان بعض الكادر المتبقي اتخذ قرارا بخطفي واعدامي. اما العائلة والاوفياء، فقد تألموا بلا ادانة، وبكي العديد منهم، واعتبروني انا الضحية. كانت صدمة للآمال والاحلام الثورية رغم الرومانسية. وحدثني، مؤخرا، واحد ممن تصدوا لاعادة تشكيل التنظيم في منتصف السبعينيات انه مع مرور الزمن انقسم الكادر المتبقي علي نفسه.
وتبودلت الاتهامات، وبادرت احدي الكتل الي تعذيب وقتل بعض المناضلين القياديين بتهمة العمالة للنظام مع انهم لم يكونوا قد اعتقلوا وعلي رأسهم عضو القيادة في وقتنا خضر سلمان، واسمه الحركي (صادق) . وهتف شيوعي كردي قبيل اعدامه في اصطدام مسلح مع الشرطة، بانه يتمني موت الحاج. وجاء الي باريس اوائل الثمانينيات شيوعي كردي اخر صرح لرفاقه باستعداده لقتل الحاج. وقد وصل الخبر للاجهزة الامنية العراقية، فطلبت مني السفارة ان احتاط، وهو ما فعلته حتي اعدت العمل السري في تنقلاتي ومسكني، وكلفني الامر نصف ميزانيتي.

الحركات المؤدلجة

ان من مآسي الحركات المؤدلجة (وهي جميعا اصولية متعصبة بل وقبلية) هذه القساوة في المواقف وفي الحكم علي الاخرين، حتي اذا كانت القضية تمس احدهم، فان التساهل والتغاضي يتحولان الي المعيار؟! فبدلا من القاء المسؤولية علي السلطة، فان هؤلاء وامثالهم يحملونني مسؤولية كل مصائب العراق. وقد قيل وكتب (ولحد يومنا) ان الحزب الشيوعي كان علي وشك اخذ السلطة لولا انشقاق عزيز الحاج ، (والبعض يقول لولا موقفي في 69) .. وهنا بيت القصيد! فلو كانت المسألة بالنسبة للمثقفين المرتبطين بشكل او آخر بالعمل الشيوعي الرسمي (لاسيما بعض من تركوه) هي مسألة اعترافات ، فانهم يتعمدون تناسي ان الشهيد البطل زكي بسيم نفسه ادلي في التحقيق باعترافات لم يرض عنها فهد. وان العشرات ممن كانوا في الماضي مبعدين عن الحزب عقوبة علي اعترافاتهم، اعيدوا بعد حركة القيادة الي اللجنة المركزية، ووصل بعضهم مراكز كبيرة في التنظيم، بل لقد التحق به بعض من كانوا معتقلين معنا، وكتبوا قبل خروجهم اعترافات كاملة، فوصل من وصل منهم الي اعلي المراكز الحزبية. وفي السنوات الاخيرة نعوا بكل تمجيد قياديين سابقين كانوا قد هاجموا الحزب وسلام عادل في المعتقل والتلفزيون عام 63، وقد وصفوا بالشخصيات التقدمية الكبيرة، وشخصيا لا انتقد عملية التأبين وابراز الجوانب المشرقة لامثالهم، وانما اشجب ازدواجية المعايير. ولم يحظ لطيف الحاج بجزء من التقدير الذي استحقه نضاله ودوره في الحزب الشيوعي. وليس من المبالغة القول ان قلة من الشيوعيات والشيوعيين من ضحوا مع اسرهم كما ضحينا، واذ اصابت الشرارات حتي الابعد من الاسرة وهي اسرة كبيرة.
والحقيقة، وبقدر ما يتعلق الامر بي، فان القضية الحقيقية لاكثر المتحاملين، حتي بعد عقود السنين، هي قيادتي لحركة القيادة، ولو اعلنت عن تخطئة قيام تلك الحركة، لبادر هذا الكاتب او ذاك الي ايجاد معاذير تلطيفية لموقفي عام 1969. ولكنني ازددت اقتناعا بان حركة القيادة كانت حتمية وربما كان مطلوبا تحققها في عام 1964 و 1965 كما اراد الشهيد خالد احمد زكي اقناعي بذلك في براغ . اما الذين عملوا معي فان العديد منهم عادوا ليصبحوا اصدقاء ولم تبق غير حفنة انفار ممن لم يشتغلوا معي اصلا ولا كانت اعمارهم عهد ذاك تسمح بالانتماء لاي حزب سياسي. ولا ننسي ايضا، وبالنسبة لجهات متحاملة اخري، انتمائي الفيلي والمذهبي!
ان الصدمة التي سببتها الندوة كانت بمقدار التوقعات والآمال المعقودة علي حركتنا وعلي شخصي، فقد خيب موقفي تلك الهالة والشعاع المصنوع، فكانت هذه هي الخيانة ، ان جاز استعمال هذه الكلمة المجانية التي كانت الحركة الشيوعية تطلقها علي المخالفين في الرأي، والتي راح آلاف المناضلين الحقيقيين ضحايا لها. وانها لثقافة العنف وتقاليده الراسمة في العقليات والممارسات. وهذا مؤلم وخطير لاسيما ونحن نتطلع للديمقراطية والتعددية.

الحلقة الثالثة

قررت عدم ممارسة السياسة من خلال أطر حزبية وتجنب الانخراط في المعارضة - الشيخلي نقل رد فعل السو÷ييت الغاضب علي اعتقالي الي قيادة البعث.. فاطلق سراحي بعد أشهر .

في القسم الجديد

نقلت بعد أسبوع الي غرفة أخري أكثر ضياء وفي القسم نفسه وكانت تحت السلم. أما المعاملة فلم أحظـ بامتيازات خاصة سوي عودة السجاير وشربي استكانات شاي عديدة إذ كان بولص مكلفاً بتحضير الشاي وتوزيعه. وقد اشتكي عليه الصفار متهما إياه بمحاباتي في توزيع الشاي فطلبت من بولص أن لا يعطيني أكثر من غيري. كانت الغرفة لا تزال تغلق علي كالآخرين والأكل كان مثلهم وقد تحسن بعضهم الشيء ولكن لا قوازي ولا أفخاذ خرفان ومناقل فحم للشوي مخصصة لي كما ادعي أحدهم! وفي أحد الأيام أخذت الي مكتب كزار ليقول لي: (هذه مكالمة من الرفيق صدام). أخذت المكالمة فسألني عن أحوالي وكان يناديني بالأستاذ ابي سعود. فشكرته وقلت انني مرتاح. قال ستسمع قريباً جداً أخباراً مفرحة. وفعلاً تلفن لي مرة أخري صباح أحد الأيام ليعلن قرار الاعتراف بالمانيا الديمقراطية واتفاقية الكبريت مع بولونيا. وأضاف أن الاذاعة سوف تذيع الخبر رسمياً. وصح الخبر الذي اعتبرته مهماً، كما ظهر أن اللجنة المركزية فعلت الشيء نفسه في بياناتها. فكتبت صيغة تأييد للخطوة وسلمتها لا أدري لأي منهم. فراحوا بها الي بقية المعتقلين الشيوعيين للتوقيع علي النص. ولكن الصفار أضاف من عنده ومن باب المزايدة والاحراج لي، جملة تصف البرزاني بالعمالة فنشرتها الصحف هكذا. فتألمت وغضبت ولكن ما العمل! وهذا ما أؤكده اليوم بكل قوة. فلم أنس في كل الظروف الدور القومي للبرزاني علي الرغم من الاخطاء والمطبات الكثيرة التي وقعها فيها، لا حباً بذلك بل لأنه كان يجد الحركة الكردية محاصرة من الحكومات المتعاقبة. وبعد أيام هاتفني صدام أيضاً وقال لي (اسمع أخبار هذا المساء). ولم يكن لدينا راديو ولا سماعة ولكن الضباط الأمنيين أعلمونا جميعا بالقرار الخاص بتعميق الاصلاح الزراعي في عدد من الاجراءات.

غضب اللجنة المركزية

وكان هو الآخر خطوة تقدمية فقدمنا مذكرة تأييد ثانية للصحف. وقد أثار نشر المذكرات ثائرة اللجنة المركزية واعتبرته في بياناتها (مؤامرة) من السلطة لتشكيل حزب شيوعي ملفق وكأن حزب القيادة كان بالأصل ملفقا، وكأن رفاقنا لم يكونوا مناضلين في المعتقل، وعلما بأنه، وبقدر ما يتعلق الأمر بي، فانني (وكما قلت مرارا) قد قررت انني خارج كل عمل حزبي أياً كان، ولن أعود الي أي عمل سياسي حزبي مهما وقع. وكتبت ذلك في السنوات الأخيرة عشرات المرات. ومع ذلك فان البعض كتبوا حكايات عن محاولتي التسلل لصفوف المعارضة ان يفسروا مطالعتي اللندنية بالتمهيد لذلك. وأسأل هؤلاء من أباح لهم وهم في قلب الديمقراطية الغربية محاولة حرمان أي كان من اقامة حزب أو تكتل وعدد تنظيمات المعارضة اليوم ولله الحمد فوق السعبين؟ بأية ديمقراطية يحاربون حق عزيز الحاج في الكتابة والمشاركة في ندوات بل وحتي في تأسيس تكتل سياسي لو أراد؟ مع ان كل الاشاعات حول وجود نية ما لدي مجرد تلفيقات مريضة. فيا بؤس النفوس والعقول. ولا مغالاة في القول: إن هذه العقليات هي الوجه الآخر لعقلية النظام.
ومن أيام الاعتقال (وقبل نقلنا الي القسم الجديد من المعتقل) ذكر ما كان يتعرض له طاهر يحيي والبزاز وشخصيات قومية أخري من إهانات بذيئة لم أشاهدها بعيني ولكن كانت تفاصيلها تنقل لي من الحرس وضباط المخابرات، وكانوا يعلقون علي انصياع تلك الشخصيات للاهانة الفجة بالتشفي والاحتقار. لكنني شاهدت وعايشت منظر طاهر يحيي وآخرين من زملائه وهم يكنسون وينظفون بعض زنزانات المعتقل ومنها زنزانتي التي تعمدوا تخصيص طاهر يحيي لتنظيفها. وقد كررت في كتاباتي ويومياتي ذكر رجائه مني ذات صباح وقد دخل غرفتي وحده لتنظيفها لأن أتدخل لرفع الإهانات عنه. وقد وصفت مراراً مشاعري المتعاطفة والحزينة علي الرغم من انني حتي تلك اللحظة كنت أشعر بلامبالاة مع شيء من التشفي. أما رفاقنا في القاووش الكبير فقد علمت بعدئذ ان منهم من كانوا يشتركون في (الهرجة) ربما ترضية لرجال التحقيق ربما ترضية لرجال التحقيق أو ربما عن تشف ورد فعل علي عداء أولئك المسؤولين السابقين للشيوعية والقوي التقدمية المعارضة. وجاءني ذات مساء سعدون شاكر لكي أري القسم الجديد قبل نقلنا. وأذكر انه قبل ذلك دخل وأنا معه علي المعتقلين الشيوعيين سائلاً عن أحوالهم. فقد تغيرت معاملة المعتقلين جميعاً (وباستثناء طاهر يحيي ونفر آخر) منذ بث ندوتي كما مر.
ومرة وقف علي بابي شاب أسمر وقد انفتح الباب، وراح يسألني ويحاورني وعلمت بعد سنين أنه برزان التكريتي. واعتقد جاء ليكتشف من أكون بشخصه. وقد أعطوني أوراقاً وبعض المطبوعات وكنت أدون لنفسي بعض الخواطر لا للنشر. وفي تلك الأوراق كتبت قصيدتي الساخرة (البيترية) علي طراز (طرطرا) للجواهري. وكان ذلك رد فعل علي تقريره السيئ عني وعن حركتنا. وعندما أخذونا لمقابلة مندوب مجلة (الصياد) تبين أنهم فتشوا أمتعتي فأخذوا كل الأوراق وسلموها للصياد بلا موافقتي. وكانت عملية دنيئة وحقيرة. وقد نشرت الصياد تلك القصيدة من دون الاشارة طبعا الي الخلفيات. فعلق عزيز السيد جاسم في سلسلة مقالاته عنا في حزيران (يونيو) تعليقا يصف فيها القصيدة باللاأخلاقية اذ كيف يهجو معتقل رفيقه المعتقل معه. وإذ اؤكد ان القصيدة كانت مجرد تنفيس عن رد فعلي، لا للنشر، فان الكاتب ربما لم يعلم الظروف وبالأحري كيف يجوز لرفيق أن يتهم رفيقه النزيه وطنيا بالعمالة للمخابرات الأمريكية وتعريضه للتشنيع بسمعته فضلا عما في ذلك من تحريض علي القتل في وقت الاعدامات الجماعية في الشوارع بتلك التهمة. كان مما أراحني خروج حيدر وأعقبه بوصل وأخو شقيقه. وطلبت لقاء سامي أحمد لأطمئن علي صحته. فأخذني الملازم طارق اليه بضع دقائق واطمأننت علي صحته.
ملاحظة: (مما فاتني ذكره عن الندوة انها لم تبث في اليوم نفسه. وقال لي المطيري ان القيادة بانتظار عودة كريم الشيخلي وزير الخارجية ليستطلع رد الفعل السوفييتي. هذا ما قالوه علي كل حال. وأذكر أيضاً، امتناعي عن الخروج لمشاهدة الندوة من التلفزيون مع بقية الشيوعيين فقد شعرت بالحرج، بل الخجل ولكن أحد ضباط المعتقل اضطرني وبصورة جافة علي الخروج مع الآخرين...) ــ انتهت الملاحظة.

سجن جديد

نقلنا في حزيران (يونيو) الي القسم الجديد وفيه زنزانات صغيرة وقاعات كبيرة. وقد وضع الرفاق في القاعات والأبواب مفتوحة نهاراً والي ما قبل النوم وكانت المرافق مريحة والصحف تصلنا. ووضعوا جهاز تلفزيون في الساحة الواسعة أمام القاعات والزنزانات.
وكانت الساحة مغطاة بالعشب فيشاهد الجميع برامج التلفزيون سوية وهم جالسون علي العشب. وقد حجز في احدي القاعات عدد من الصداميين أي فصلوهم عن الآخرين، وهم الشهيد العسكري ومحمد كريم وحاتم. والتحق بالمعتقل من كانوا معتقلين في أماكن أخري ومن بقي من عمليات الاهوار والكفاح المسلح. أما أنا فقد وضعوني في غرفة صغيرة منعزلة، فيها سرير وكرسي وطاولة وأعطوني مطبوعات وكتبا ومجلات. وذات يوم جاء المطيري حاملا جميع مؤلفات لينين بالانكليزية وقال انها هدية من عبد الخالق السامرائي. وأذكر انني لعبت الشطرنج أكثر من مرة مع صديقي سامي أحمد كما زارني حافظ القاضي. أما الآخرون فكنت أخرج أحياناً لمشاهدة التلفزيون معهم اذ لم يكن لي جهاز لوحدي خلافا لما ادعاه الشخص نفسه في جريدة (الزمان)، وقد أضاف الي التلفزيون أكتاف الخرفان و(المنقلة) للشوي.. أي والله منقلة في غرفة صغيرة في الصيف الكاوي. ولم يكن هذا الرجل مع الشيوعيين فقد كان ضمن قاووش القوميين.
فمن أية مخيلة كراهية جاء بتلك الحكايات مع أن غرفتي كانت مكشوفة ولا يعقل أن لا يعرف بتلك الامتيازات رفاقي، وعلما بأنني كنت سأرفضها قطعا. وكم من مرة عرض علي هذا الضابط أو ذاك ان يأتوني بطعام خاص فكنت أرفض.. فما أغرب ما تتفق عنه المخيلات من أباطيل!
وقد أعلموني مرة بأن أحضر مؤتمر اتحادهم العام للفلاحين خارج المعتقل طبعا. كان ذلك احراجا شديدا لي ولكنهم كانوا مصرين. وأجلسوني في مكان متميز أثار، مع قراءة برقيتي، غضب منشورات اللجنة المركزية واعتبروا ذلك استفزازاً من السلطة، وكأنني لم أكن حتي وقت قريب أقود حزباً أكبر من حزبهم وأكثر جماهيرية بمرات! وقد كتبت تحية للمؤتمرين قرؤوها عني ولكن بصفتي أمين القيادة المركزية. كان ذلك طبعا بلا رغبتي وفوجئت وآلمتني تلك الحركات الخبيثة المراوغة من أجهزة السلطة.
وفي القسم الجديد رأيت بنفسي اجبار الوزير السابق عبد الكريم هاني علي القفز فوق العشب كالأرنب والنباح كالكلب وهو مربوط والضحك عليه. وكنت أتعمد دخول غرفتي لتجنب المشهد. ومع ذلك فقد كتب أوراقاً عن معاملتهم السيئة في السجن أراد تهريبها ففشل، وأعيد الي قصر النهاية بعد أن كان قد نقل الي معتقل مريح. وفي تلك الصفحات (وكما نقلوا لي) ورد أنه ورفاقه كانوا يلاقون أسوأ المعاملة أمام الشيوعي عزيز الحاج وكأنني أنا المسؤول عما عانوه.
وكانت قد نشأت بيني وبين بعض الضباط علاقات تعاطف وود ولا سيما مع ناصر فنجان الذي كان يأتيني ليلا أحيانا ومعه مسجل صغير بأغان عراقية وأبوذيات لمغن طالع اسمه المنكوب كانت تهزني هزاً. فأنا أحب الأبوذيات الحزينة والأغاني العراقية القديمة والمقامات العراقية.

مأساة طاهر يحيي

شارك طاهر يحيي في انقلاب الثامن من شباط (فبراير)، وكان في مقدمة الضباط المسؤولين عنفاً في اضطهاد الشيوعيين والعناصر اليسارية الأخري.
وقيل: انه هو الذي أدخل الحربة في عيني الشهيد عبد الجبار وهبي. وعندما انقسم البعثيون وانقلب عليهم عبد السلام عارف، كان بمعية الانقلاب الجديد. وقد أصبح رئيساً للوزراء أكثر من مرة قبل انقلاب السابع عشر من تموز (يوليو) عام 1968. ولم يكن محسوداً علي سمعته بين الناس.
كان هو من أوائل من اعتقلتهم السلطة البعثية الجديدة. وأن أساليب التعامل معه في قصر النهاية أبشع من التعذيب الجسدي المتواصل. فاضافة الي الضرب والكفخ منذ الدقائق الأولي، فانه كان يجبر علي القيام بحركات شاذة: من رقص علي الدف، وهز للمؤخرة، وتبادل الشتائم مع عبد الرحمن البزاز، وتنظيف المراحيض، وغير ذلك من أساليب فاشية تدل علي النفسيات والعقليات الحقيرة لناظم كزار وجلاوزته، علماً بأن قيادة السلطة (وكما تأكد تماماً) كانت علي تمام العلم بما يجري في المعتقل، وأولاً بأول... كان مما فعلوه به شد القضيب، والحرمان من البول بعد اجباره علي شرب كميات من البيرة، والهز في كل يوم... الخ. وقد لخص الاستاذ (قاسم حول) حالة طاهر يحيي في احدي قصص مجموعته (العباءة السوداء). وقد كتب القصة بناء علي معلومات بعض المعتقلين مع الضحية. ومن أواخر القصة نقرأ: (مضت تسعة شهور علي اعتقاله. وقد اعتاد صنوف التعذيب حتي بات لا يحس بها. في الصباح يؤدي رقصته، ثم ينظف المراحيض، وبعدها يتناول وجبة الطعام ذاتها: (كسرة خبز وبعض حبات من البطاطا) وفي كل يوم مرض جديد حيث أصيب بطفح في الجلد، وديزنتري في معدته، وصار ينزف منه الدم. وظهرت دمامل في وجهه، وبدأ يعاني من آلام في كليتيه. شعر رأسه بدأ يتساقط، طنين في أذنيه. عيناه أصبحتا غائرتين ويحيطهما السواد، أسفل قدميه بدأ يتقشر وكادت عظام رجليه هي التي تحمله، فكان يحس بالآلام عندما يقف فصار يسير علي أطراف أصابعه أو يزحف. وزنه الذي كان أكثر من تسعين كيلوغراما أصبح أقل من أربعين.... وعندما أصبحت حالته الصحية ميؤوساً منها، اضطروا لاخراجه بعد تهديده بألا ينبس بأية كلمة عما جري. وقد خرج الي القرية منبوذاً، حتي مات تحت وطأة الأمراض).

أحداث مهمة

كان من بين أهم الأحداث حملة جريدة (الثورة) علينا وعليّ بالذات في سلسلة مقالات لعزيز السيد جاسم (حفظه الله ان كان في الاحياء كما نتمني جميعا وتحية لذكراه ان كانوا قد صفوه). وفي الوقت نفسه ومع حملته كانت الحملة الاعلامية المكثفة المعادية من اللجنة المركزية..
فأما الحملة الاولي التي كانت في حزيران فقد ركز الكاتب علي تجريح حزب القيادة كقتلة وسلابين وساديين ووصف علاقاتنا الحزبية بعلاقات السيد والعبيد ويقصدني بـ(السيد). وحملت المقالات التي وجدت من الفائدة ادراجها في الملاحق نعوتا تصفنا باللا اخلاقية وهواة الانقسام مع مغازلات للجنة المركزية. كانت وجهة المقالات تحريضية علي التعامل معنا ومعي خاصة كمجرمين قتلة لا اخلاق سياسية لهم وغرائزيين واعضاء عصابة. فانا في نظر الكاتب من هواة الشقاق وفرسانه الذين يحترفون الانشقاق لاحاطة النفس بهالة وفرض الشخصية والقواعد مصابون (بعمالة منحطة لشخص ممتاز). وادان الكاتب انفصالنا عن اللجنة المركزية ومما ورد ان لدي عزيز الحاج معلومات كثيرة عن (سيكولوجية المخدوم والخادم).. الخ.. الخ.. وبذلك شطب علي مجموعة مناضلينا واحتقرهم ووصفهم بكل ما يشين.
وقد وجهت اكثر من رسالة الي قيادة البعث لممارسة حق الرد وجاءت الموافقة اخيرا فاعددت حلقات عدة نشرت الثورة اولاها وامتنعت عن نشر البقية ومعها عدم نشر بقية سلسلة الكاتب الذي رددت عليه. أي انهم اغلقوا الموضوع. ان لتلك الحملة دلالات كثيرة فلا يعقل ان يبادر الكاتب باجتهاد شخصي لهذه الحملة بعد شهرين علي ندوتي التلفزية. وكان ذلك يؤكد وجود تيارات عدة في القيادة البعثية حول مصيري خاصة ومصيب الرفاق عموما.
واما اللجنة المركزية وفي وقت متقارب فنشرت بيانا طويلا ونشرة داخلية. وكان البيان هجوما علي شخصي وتكرار نعوتهم بالارتداد والخيانة وبأن ندوتي كانت جزءا من (حملة لمكافحة الشيوعية).واشارت اللجنة الي مقابلتنا المنشورة مع مجلة الصياد وحيث اكدت خلالها انني اتكلم بصفتي الشخصية اذ ليست لي صفة قيادية كالسابق اي قبل اعتقالي. وفسرت اللجنة كلامي بانني لا افهم ما تريده السلطة مني وهو العمل علي رأس حزب شيوعي موال للسلطة. وطبعا كان ذلك محض تخيل وافتراء.
لم استطيع مع الاسف الحصول علي مقالي في الرد علي جريدة الثورة ولكنني انشر في الملاحق ردي علي بيان اللجنة المركزية مع مقتطفات اضافية من بيانهم المذكور.
واما ما يخص مقابلة (الصياد) فان عددا من القياديين ومنهم كاظم وبيتر والصافي، نسبوا الي امام المندوب وبحضور قسم من المحققين جميع الاخطاء وانهم قد عارضوا فلم ينفع ذلك. ورددت بان من الصحيح انه كانت ثمة وجهات نظر متعارضة ولكن جميع قراراتنا كانت تؤخذ بعد النقاش بالطرق النظامية.

بين دعوي الانفتاح وحملة التشهير

نشرت الجريدة المركزية السرية لتنظيم اللجنة المركزية طريق الشعب في عدد اوائل حزيران (يونيو) 1969 مقالا طويلا بعنوان: (بين دعوي الانفتاح علي جميع القوي الوطنية وحملة التشهير الدعائية ضد الشيوعية). وقد ورد في المقال:
(.. افتتحت منذ اوائل نيسان (ابريل) الماضي حملة تشهير دعائية ضد حزبنا استخدمت فيها عدا الجرائد الحكومية والمرتزقة في بغداد اجهزة الاعلام التلفزيونية والاذاعية التي هي ملك الدولة وتدار علي نفقة الشعب..).
(.. لقد افتتح العرض التلفزيوني الاذاعي الجديد في الثالث من نيسان (ابريل) الماضي بعرض خائن منهار نكل حتي بزملائه اعضاء الكتلة الانشقاقية الانتهازية المعادية للحزب، والتي طردها حزبنا منذ 19 ايلول (سبتمبر) 1967. ولكن اجهزة الاعلام الرسمية تعمدت تـضليل اسيرهم المرتد كما لو كان سكرتيرا لحزب شيوعي، وفسحت له المجال ليشتم الحزب ولجنته المركزية والتهجم علي الحركة الشيوعية في العالم العربي والانتقاص من العون والتأييد غير المحدود الذي قدمه ويقدمه الاتحاد السوفييتي. ودأبت اجهزة الاعلام بين آن وآخر ابراز الكتلة المعادية كما لو كانت حزبا شيوعيا رغم تنبيهات حزبنا ورغم التوضيحات التي قدمها اكثر مرة مسؤولون في البعث من ان القضية ليست اكثر من سهو. وكان آخر المناسبات المفتعلة قراءة برقية بتوقيع الخائن المنهار عزيز الحاج وتقديمه مباشرة علي الوفد السوفياتي في مؤتمر الجمعيات الفلاحية..).
(.. لقد اعلن المرتد الخائن عزيز الحاج في مجلة (الصياد) بانه يبدي آراءه كشخص غير ملتزم حزبيا وانه فقد حزبيته، ولكن يبدو ان زلة اللسان تلك لم تكن منسجمة مع التكتيك السياسي المراد تطبيقه او ان عزيز الحاج لم يكن متفهما جيدا لذلك التكتيك كما هو عليه الان.
انه سعي بعض الجهات لشراء بعض المنهارين والمرتزقة وتشكيل الزمر التابعة لدوائر معينة واضفاء صفات الشيوعية عليها..).
(.. ان كفاح حزبنا المبدئي الصارم ضد الانتهازية والتحريفية اليمينية واليسارية هو الذي عري قبل اي عامل آخر، الزمرة الانتهازية التي تزعمها عزيز الحاج، وعبثا تحاول بعض الاوساط اعادة الحياة الي هذه الجثة النتنة..).
(... ان حزبنا الشيوعي قد فضح طبيعة هذه الزمرة الانتهازية منذ سنتين وتوقع لها هذا المصير التعس علي ضوء التحليل الماركسي وتجاربه الزاخرة في تحطيم الكتل الانتهازية وفي صيانة وحدة صفوفه المبدئية. وبالرغم من ان هذه الزمرة الانتهازية انتحلت الاسم المجيد لحزبنا وتلاعبت بالعواطف الثورية للرفاق الذين ينقصهم الوعي الطبقي والنضوج السياسي فانها لم تخدع سوي نسبة ضئيلة من اعضاء حزبنا والتحق بها ايضا العشرات من الموتورين المنهارين والمتقاعسين.).
ويختم المقال العبقري كلماته بما يلي:
(.. ان الامبريالية والرجعية العالمية تسعي لتطبيق تكتيك جديد لتصفية حركات التحرر الوطني وحرفها عن آفاقها الثورية. وهي تلجأ الي تشجيع اليسار المعادي للشيوعية، هذا التكتيك الذي يجب ان تحذره كل القوي الوطنية والتقدمية بالابتعاد عن نهج الاساءة والتحريض ضد الشيوعية واحزابها بأي مظهر كان، والذي لا يمكن الا ان يلتقي مع الخطط الامبريالية والرجعية ويصب الماء في طاحونتها وبالسعي الجاد من أجل اقامة الجبهة الوطنية لتجمع القوي المعادية للاستعمار والرجعية والصهيونية..).
وكانت اللجنة المركزية قبل ذلك قد اصدرت في اوائل ايار (مايو) من العام بيانا كله تمجيد لقرارات الاعتراف بالمانيا الديمقراطية واتفاقية الكبريت وسمتهما بالانجازين الوطنيين الهامين. وحذر البيان من ان الاستعماريين الالمان الغربيين والامريكان وعملاءهم من الدول الرجعية في هذه المنطقة من العالم لن يترددوا في التآمر لتقويض الاستقلال الوطني والاطاحة بالحكومة الحاضرة بسبب اجراءاتها الوطنية الجريئة واقامة حكم عميل ونسف المكتسبات الثورية التي هي ثمرة النضال الطويل المرير الذي خاضه شعبنا ضد الاستعمار والاقطاع والرجعية..

الحلقة الرابعة

اللجنة المركزية أشاعت وجود خطة مزعومة لاغتيال قيادات شيوعية لبنانية - احتج الشيوعيون علي علاجي في ألمانيا الشرقية فطلبت الخارجية الألمانية من السفارة العراقية تسفيري فوراً

تشويه الحقائق

يري القارئ المنصف كيف ارادت اللجنة المركزية احتكار العمل التقدمي وكيف شوهت الحقائق وشنعت علي اكثر من مائتي مناضل معتقل ووصفتهم بالانتهازية والانهيار، وكيف اغضبها ان يمارسوا حق ارسال برقية تأييد لخطوات السلطة التي مجدوها هم بصخب شديد، وكيف يتهمون حزب القيادة كله قبل الاعتقالات بالزمرة المغامرة والمرتزقة والمنهارة سوي بعض المخدوعين. ويشاء ضمير المرحوم زكي خيري ان يحمله علي الاعتراف قبيل وفاته بان حزب القيادة كان يضم (الف كادر شيوعي مجرب) والرقم متواضع جدا. فالباحث المتعمق الاستاذ فالح عبد الجبار (وكان كادرا شيوعيا متقدما) يؤكد ان حزب القيادة جمع ثلثي الشيوعيين، واقول بل اكثر.
ان اللجنة المركزية لم تركز علي شخصي وحسب بل وحملت تشهيرا بجميع رفاقنا المعتقلين. والانكي والافظع العودة ونحن معتقلون الي دعايتهم الممجوجة عن مشبوهية حركتنا والتشجيع الاستعماري لها. وكان ذلك تحريضا آخر للسلطة للتعامل معنا كأناس مشبوهي العلاقات الوطنية. فماذا يبقي يا تري من بعض بياناتهم في الدفاع عنا قبل حزيران (يونيو) والتي صدرت بالحاح القواعد؟. اما التهمة المريضة عن (معاداتي) انا للحركة للشيوعية فانها مجرد ابتذال واسفاف وقد روجوا التهمة نفسها ضد اعضاء في اللجنة والمكتب السياسي في الثمانينيات في خلافات داخلية ومنهم بهاء الدين نفسه. فما ابلغ دروس التاريخ!
والملاحظ ايـضا مغازلات الجماعة مع السلطة وابداء الخوف عليها من التآمر الاستعماري. واسأل ماذا ميز تحليلاتنا الجديدة حول السلطة عن تحليلاتهم؟ عملا بانهم صاروا يسافرون للخارج علنا وبجوازات رسمية ويشاركون البعث في بعض النشاطات داخل العراق وفي المؤتمرات الخارجية، وذلك قبل استيزارهم عام 1972. وفي اوائل 1970 ذهب مكرم الطالباني باسم اللجنة المركزية (وكما اورد بهاء في مذكراته) لمقابلة البكر رئيس الجمهورية لينقل له اخبارا وصلت اللجنة بواسطة السفارة السوفييتية عن (مؤامرة قومية ايرانية) مزعومة. وبسبب تلك الخبرية اعتقل في ليلة واحدة العشرات من الابرياء واعدم بلا محاكمات في ليلة واحدة اكثر من خمسين شخصا بريئا بينهم ابن الزعيم العشائري الوطني عبد الواحد الحاج سكر (راهي). لقد كانت اللجنة تحاول بكل السبل كسب البعث والتحالف معهم مع ان القمع كان يطال بعض كوادرهم المتقدمة من حين الي آخر كما وقع للشهداء: ستار خضير ومحمد الخضري وشاكر محمود وعبد الامير سعيد.

دفعات اطلاق السراح

في إحدي أمسيات وسط تموز (يوليو) 1969 زار صدام المعتقلين الشيوعيين وكنا علي ما أذكر متحلقين حول الجهاز التلفزي في الساحة الكبيرة. ربما كانت مناسبة عيد أو ذكري 14 أو قرب 17 تموز (يوليو). جاؤوا له بكرسيين أجلسني جنبه علي أحدهما. كانت مجاملات ولا أتذكر تفاصيل حديثه الذي قد يكون استمر أكثر من ساعة. ثم ودعهم وطلب مني الذهاب سوية إلي غرفتي. بعد أن سأل عن أحوالي قال... (لقد قررت القيادة الشروع باطلاق سراحكم دفعة دفعة حسب وعودنا. وسنبدأ غداً ببيتر يوسف.) فقلت حالاً. (ولم هو وحده؟. أليس الأفضل إطلاق سراح دفعة من قياديينا ليطمئن الجميع) وكان قد سبق أن دوّن المعتقلون بلا استثناء اعترافاتهم خطياً في حزيران. قال صدام.. (مثل مَن؟).. قلت. (أقترح أن يخرج غداً مع بيتر حميد الصافي ومالك منصور وسامي أحمد). فكر قليلاً وقال.. (طيب، باستثناء سامي وليكن في مرة قادمة).
وفي الصباح خرج الثلاثة بالفعل. وبدأت عمليات إطلاق السراح تتواصل مع الأيام. أما عن القوميين الذين كانوا معتقلين عن مقربة فلم أكن أعرف أخبارهم وأيام خروجهم من المعتقل. ومع خروج الأكثرية بقيت وبقي الصفار والعسكري ومعه عضوان في الجهاز الصدامي وكانت الوعود التي أعطيت لي تؤكد علي عدم استثناء أحد ولم يبد صدام أي رأي خلاف ذلك في المقابلة المذكورة..
وفي أواخر آب (اغسطس) أو أوائل أيلول (سبتمبر) طلبني هاتفياً مع مكتب كزار وقال.. (انك سوف تخرج اليوم). وهو ما تم. فقد نقلني اثنان من الضباط مع كتبي وأوراقي إلي بيت أمي. وجلسنا في غرفة الجلوس ولم أخبر أمي. فقال الملازم فاروق (ولا أعرف اسمه الصريح) أمام أمي.. (لم لا تخبرها؟). فأخبرتها ففرحت وقبلتني وغادر الضابطان.
كانت مشاعري شديدة الاختلاط، وأشعر ما بين الفرحة والاحراج والغربة. ولكن سرعان ما اندمجت في الجو العائلي بين أمي وشقيقاتي. لم تسأل أمي عن شيء ولكنها حدثتني بعد أيام عن الأخبار المنقولة علي لسان عائلة الصفار. كما أخبرتني أنها ذهبت إلي المحامي (ن) صديق العائلة منذ طفولتنا تسأله العون لانقاذي فأجابها بخشونة. (وكيف أتدخل وقد أخزانا جميعاً)، وكان بالطبع تهرباً منه. وكانت أمي المسكينة عام 1963 قد ذهبت طالبة تدخل المرحوم قاسم حمودي وأولاده لانقاذ شقيقي الشهيد لطيف الحاج ولكن الباب أوصد في وجهها مع أن المحامي والصحفي قاسم حمودي كان من موظفي أبي في الكمارك وقد ساعده علي اكمال دراسته في كلية الحقوق. وهكذا الأيام!. فالسياسة عندنا تنسينا الصداقات والاعتبارات الانسانية ورد الجميل. وأنا شخصياً، وكما كتبت، فعلت شيئاً مقارباً عندما جاءني أبي في حوالي نيسان (أبريل) 1959 إلي مكتبي في اتحاد الشعب راجياً التدخل لاطلاق سراح ابن صديقه وصديق العائلة سيد نجم النقيب من مندلي. نهرت في وجهه لأن الاتهام كان تأييد حركة الشواف.
أحاطتني أمي بكل رعايتها وذهبت لزيارة والدي نصف المشلول في دارنا الثانية حيث كان يعيش مع زوجته الثانية أم الشاعر جليل حيدر. وبقيت معه أياماً كنت أستعيد روايته لما حدث له في معتقل أبي غريب عام 1952 عندما جاءه مدير المعتقل وهدد بتهجير أبي من العراق فأجابه أبي ساخراً.. (افعلوا ما تريدون وكلوا من ط...!).

رعاية وحسن ضيافة

وأحاطتني شقيقتي الكبري وزوجها المرحوم مكي ابراهيم بالرعاية وحسن الضيافة. وأذكر زيارات زوجة الشهيد جلال الاوقاتي وهم جيراننا وكان قريبهم ابراهيم الحريري صديقي في سجن بعقوبة وشقيقه وشقيقته في زيارات مستمرة. وأيضاً زوجة شقيقي المرحوم لطيف وطفلاه وقد باتت هذه العائلة معي ذات ليلة عام 1968 حين كنت في الغدير اذ أخذتهم في تكسي من بيت حيدر لتبدو رحلة السيارة عائلية. والتقيت أكثر من مرة بقريبنا الشاعر زاهد محمد وزوجته التي هي من العائلة، الدكتورة زهرة قاسم في دار والدها الكريم.
أما رفاقي القدامي فمنهم حافظ القاضي وسامي والصافي ومالك. وبالطبع لم أنس بيت حيدر حيث زرتهم مراراً وكنت أظل لديهم أياماً. وزارتنا عائلة بولص حيث استمر اتصالي بهم كلما كنت أزور بغداد وأنا في باريس ولا أنسي هدايا الاطفال.
أما ابنتي ندي وأمها فلم أرهما إلا بعد عودتهما من موسكو عام 1970 وكنت من باب الاحتياطات الأمنية غير مستقر في بيت واحد فأنتقل من واحد لآخر وجميعها مفتوحة لي.
أما عن علاقاتي بالبعث فقد فاجأني بعد خروجي بأيام قليلة (صدام) في زيارة وقد جاء البيت ماشياً علي قدميه مع الحرس. فشعرت باحراج شديد لان اثاثنا كان قديماً. وجاءتنا أمي بالشاي وبقي معي حوالي الساعة وقد رددت علي الزيارة بزيارته في مكتبه بالمجلس الوطني. وزرت عبد الخالق السامرائي وتعرفت عليه وشعرت بالميل إليه. وفيما أنا جالس في مكتبه نزل إلينا ميشيل عفلق وشبلي العيسمي ليتعرفا ولنتحدث في السياسة. وأذكر سؤال ميشيل عن السياسة السوفييتية ولماذا لا يبدون تعاطفاً أكثر مع العراق. ومعلوم أن السوفييت صاروا بعد شهور قلائل علي علاقات متينة بالنظام وهم الذين توسطوا بينه وبين البرزاني مصطفي عشية اتفاق آذار (مارس) عام 1970، وهم الذين ضخّوا للجنة المركزية أخبار المؤامرة المزعومة التي أودت بالعشرات من قتلي قصر النهاية في كانون الثاني (يناير) 1970.
وطلبني صدام مرة وكنت في مزاج مكتئب وقلت له إنني قررت الانعزال التام والامتناع عن الكتابة. فانتقدني وقال: (إنك يا أبو سعود تستطيع الكثير) وطلب مني بالمناسبة كتابة مقال لجريدة الثورة ضد المحسوبيات الحزبية وضرورة اعتماد معايير الكفاءة في الاختيار للمراكز. وقد كتبت في ذلك مقالاً مطولاً استشهدت فيه بلينين، وكان المقال صريحاً وحازماً ضد الامتيازات الحزبية البعثية في المراكز الحكومية. وكان يزورني أيضاً سعدون شاكر وأعطاني مبلغاً من المال للمصروف الشهري وكان علي ما أتذكر مائة دينار.
في تلك الأيام تعرفت علي جار العائلة الكاتب والصحفي والمؤرخ اللامع المرحوم جعفر الخليلي وعائلته. أحببته في الحال وكانت جلساته مفيدة وحميمة وممتعة، وأقمنا مع الزمن علاقة وثيقة. ومن المؤلم حقاً أن تكون لي حتي لقائي ومنذ 1947 نظرة سوداء إليه حين نشرت صحافة الحزب الشيوعي اسمه مع المحسوبين علي الانكليز. ولما تعارفنا كنت أشعر في كل لحظة بوخزات الضمير. وقد هاجر الخليلي في 1980 غاضباً محتجاً علي تسفير بعض أفراد عائلته بحجة التبعية إياها، وقد توفي في الإمارات العربية المتحدة.. وا أسفاه.

القصر الارهابي

لقد غادرنا القصر الارهابي الرهيب وبقي صالح العسكري الذي أعدموه بعدنا غير محترمين تعهداتهم. وخرج أمين الخيون ونصر الدين ولكنهما اغتيلا في الشارع في أيام متقاربة واتجهت أصابع الاتهام طبعاً لاجهزة السلطة رغم تنصلها. فهي من جهة أخرجتهم حسب الوعود ثم تملصت بطريقة غادرة مراوغة.
وفي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) أصبت بانتفاخ موجع في عيني اليسري فأخذتني زوجة أخي لطيف إلي طبيب تعرفه في الصالحية. فحص العينين وقال باستغراب (هل جئت لأجل عينك اليسري؟) قلت: أجل فهي توجعني. فقال (لكن المريضة هي عينك اليمني ففيها ماء علي وشك الامتلاء). قلت (ولكني أري بها) فابتسم وغطي عيني اليسري فلم أعد أري شيئاً. كان هذا الاكتشاف مروعاً لي حقاً. قال الطببيب انه مستغرب لأن عمري ليس متقدماً كثيراً لكي أصاب. فهل وقعت عليّ حديدة أو صخرة وقعة قوية. قلت لا. وسأل هل نزل علي العينين شيء ثقيل بقوة. تذكرت فجأة ضربة سالم الشكرة لحظة اعتقالي وانزالي للسيارة واذ شعرت مع الضربة بالنار تشتعل في العين وفي كل كياني، ولكنني بالطبع لم أبح للطبيب بذلك.
في الأيام التالية طلبت لقاء مستعجلاً مع صدام ورحت في الموعد، وقلت له إن عيني أصيبت بسبب اعتقالي وانني أرجو تسفيري إلي أوروبا للعلاج. وخبرته بقصة الضربة. طمأنني ووعد خيراً. وفي يوم تال أخذوني إلي مستشفي معسكر الرشيد لفحصي بدقة وبشكل رسمي فأكدت النتائج أقوال الطبيب. وجاءني سعدون شاكر بعد أيام وقال انه تمت الموافقة علي سفري للعلاج علي نفقة الدولة وسأل إلي أي بلد أريد السفر، فاخترت بولونيا لأن أحد اخواني يعيش هناك. وقد زودوني بجواز عادي وبحوالي الخمسمائة دينار سلمت أكثرها لأمي وزوجة شقيقي.
هكذا كانت الرحلة الاوروبية الجديدة. بقيت في بولونيا زهاء الاسبوعين وجاءتني زوجتي التي كانت لا تزال في موسكو. وكنت بضيافة السفارة في الفندق. وقد تبيّن، وهذا ما أكده أخي، ان طب العيون هناك ليس بالتقدم الذي ظننت. فاخترت ألمانيا الديمقراطية لان شقيقتي طبيبة العيون كانت هناك مؤقتاً. ونزلت في برلين الشرقية في أوتيل جيد برعاية السفارة. والتقيت بأصدقاء شيوعيين قدامي كنت أذهب معهم للمقاهي ومنهم شيوعي كردي صديق صارحني بأنني مراقب وأنه ينوي دعوتي إلي بيته ولكن بطريقة لا تشعر الأمن الألماني. فضربنا موعداً واخترنا مكاناً كنت عادة أتعشي فيه فأخذني إلي حيث يسكن. وتعرفت في الفندق إلي الممثلة المصرية سهير المرشدي في كافيتريا الفندق وجلسنا معاً مراراً. أما عن العلاج فان شقيقتي أخذتني إلي طبيب شهير فقال ان العملية ضرورية ولكن بعد أشهر لأن الماء لم يملأ العين وضرب لي موعداً آخر.

تهمة باطلة

وجاءني يوماً نائب السفير العراقي في غياب الأخير وأخبرني بأن الخارجية الألمانية طلبت اخراجي خلال أربع وعشرين ساعة بتهمة العداء للدول الاشتراكية . وتبين أن مسؤولين من تنظيمات اللجنة المركزية احتجوا علي وجودي وطلبوا اخراجي حالاً. وقد سألني عن اقتراحي فقلت: أرسلوني إلي باريس التي كانت شقيقتي الطبيبة قد عادت إليها للتو. وفي صباح اليوم التالي أخذني الموظف العراقي المذكور بسيارته إلي برلين الغربية عبر بوابة التقسيم ووجدنا البوليس علي أهبة للتأكد من مغادرتي وكأنني مجرم حرب. ولكن خطيئة اللجنة المركزية هذه باقتراف عمل لا إنساني ولا أخلاقي كانت، وكما سارت الأيام من بعد، لصالحي، طبياً وحياتياً ونفسياً. فقد خرجت من بلد كان العراق قد اعترف به تواً، وذهبت إليه ولاءً للدول الاشتراكية فإذا التسلط البوليسي هو هو، وذهبت إلي أحد أوكار (الامبريالية) لاكتشف انه هو الديمقراطية والحرية واحترام الانسان. فشكراً للجنة المركزية الموقرة وألف شكر.
لقد أحببت باريس جداً فهي مدينة أخاذة ملونة تركيباً وطبيعة وبناء وثقافة.
أخذوني إلي طبيب عسكري بارع فأكد ان العملية ستنضج شروطها بعد شهور. وهكذا عدت إلي بغداد علي أمل العودة لباريس في الصيف، وهذا ما جري فعلاً.

تشويش وتشنيع

كان مما يزعجني في بغداد كثرة وساطات أقارب وأصدقاء وكأنني صرت ذا نفوذ خطير في الدولة لعلاقاتي بصدام وعبد الخالق. والطلبات ما بين رفع غبن حقيقي والطموح إلي وظيفة كبيرة، وحتي اطلاق سراح متهم بالسرقة. وقد تدخلت فعلاً لتوظيف زوجة لطيف معلمة ولصالح مهجرين فيليين من معارف الوالدة. وسألني إحدي المرات ابراهيم الحريري ما إذا كنا في القيادة قد قررنا اغتيال بعض قادة الحزب الشيوعي اللبناني وكان أحدهم من أقاربه فضحكت باستغراب، وقلت من أين له بهذه المعلومات. فأجاب انه سمع ذلك في بيروت. كانت مجرد اشاعة تشويش وتشنيع من نظم وتلحين بعض أقطاب اللجنة المركزية لتأليب الاحزاب الشيوعية علينا وتشويه سياستنا. ومن المؤسف أن ندوتي التلفزية ركزت علي جانب الخطأ فقط من تجربتنا مع أنها كانت تجربة تاريخية وتجديدية في الحركة الشيوعية بالبلدان العربية. ولم يشأ البعض ولحد اليوم أن يضعوا الندوة في ظروفها وأن يأخذوا معها مقالاتي في جريدة الثورة وأنا معتقل، وحيث تداركت الكثير لصالح التجربة. وهذا مع الدعايات التشويشية والفبركات ساعدت علي ان تنسب إلينا خططاً أو أعمالاً لا تمت إلينا بأية صلة. وأن تلحق بي شخصياً عشرات الاتهامات المزورة. كان السفير العراقي في باريس محمد المشاط وكان علي وشك الانتقال إلي سفارة أخري. وقد أحسن الرجل استقبالي بعناية وأرسلني إلي المستشفي العسكري الفرنسي. وهناك وفي حدود أواسط آب (اغسطس) العام 1970 أجريت العملية الأولي لعيني بنجاح وكان اسم البرفيسور الطبيب بوشار الذي بقي طبيب عيوني إلي أوائل التسعينيات وقد تقاعد.
وفيما كنت في أيام النقاهة في المستشفي زارني نواف عدوان، وكان صحفياً بعثياً سورياً من السفارة العراقية وقد ساعدني كثيراً جداً، وقال لي انه سوف تشغر وظيفة مندوب العراق لدي منظمة اليونسكو فلماذا لا أكتب إلي صدام لاشغالها مادمت مضطراً للبقاء من أجل عيني الثانية أيضاً. فأعجبتني الفكرة لاسيما وان الوظيفة كانت ستحررني من الاتكال المعاشي علي الدولة. لم أكن أعرف كثيراً عن اليونسكو ومهمات المندوب واتضح لي انه منصب ثقافي تربوي وتابع لوزارة التربية التي كنت لحد ربيع 1948 موظفاً فيها. ولا تزال الوظيفة تابعة للتربية وليس للخارجية برغم أن من يشغلون مثل هذه الوظيفة لابد من اعطائهم درجة دبلوماسية لان اليونسكو منظمة دولية للحكومات وان المندوب أو (الممثل) الدائم يقدم أوراق الاعتماد إلي مدير اليونسكو العام. من هنا تبدأ قصة الوظيفة العجائبية التي حولها المغرضون من شتي الألوان إلي كرسي المكافأة علي الاعترافات وتسليم الرفاق!

في الوظيفة

أرسلت إلي صدام نائب رئيس مجلس قيادة الثورة من المستشفي رسالة أرجو فيها عودتي إلي الوظيفة في وزارة التربية وتنسيبي للعمل في الممثلية العراقية لدي اليونسكو. وذكرت بسابق وظيفتي ورغبتي في الالتحاق بالمئات ممن عادوا إلي وظائفهم وأعمالهم وأن طلبي هو بسبب ضرورة البقاء للمعالجة الطبية. جاءت الموافقة بعد أسابيع في قرارات متناقضة كان الأول تعييني مندوباً دائماً. وتلاه قرار آخر بتعييني في ديوان وزارة التربية مع تنسيبي للعمل في الممثلية سكرتيراً يقوم بمهام المندوب. وآخر توضيحي بأن وظيفتي الأصلية هي مفتش تربوي اخصائي منسب لليونسكو. وكان القرار الجديد مؤرخاً في 24 أيلول (سبتمبر) 1970 وورد فيه:
(.. تنفيذاً لقرارات مجلس قيادة الثورة تقرر تعيين السيد عزيز الحاج علي حيدر بوظيفة سكرتير علي ملاك الديوان والمراكز التابعة لهذه الوزارة براتب 115 ديناراً وانتدابه للعمل في الممثلية العراقية الدائمة لمنظمة اليونسكو بباريس اعتباراً من تاريخ مباشرته). والقرار وزاري وبتوقيع الدكتور سعد عبد الباقي وزير التربية آنذاك. ولكن المباشرة تمت في بداية العام التالي.
وقد علمت أن القرار الأول أحدث ضجة في وزارة التربية ولدي مؤسسات وجهات بعثية أخري اذ لم يتحمل كثيرون منهم أن يحتل المنصب غير بعثي ومن كان معادياً إلي ربيع 1969. كما أن المنصب كان مطمع عدد من البعثيين ممن كانت المناصب في الخارج وسيلة اثراء وراحة بالنسبة لهم. ولن أنسي وأنا في طائرة الخطوط العراقية يوما ما في أوائل السبعين حين سمعت حواراً بين مدير الخطوط في بلد غربي وموظف آخر وكان الحديث عن شقيق أو قريب للآخر وهو يقول عن قريبه (لقد سعينا لتوظيفه لينتفع). وخلال تجربة عشرين عاماً قلّ من وجدت من موظفي السفارة ومؤسساتها من يكرس حقاً جهده للعمل إلا إذا كان مخابراتياً. ورأيت أنماطاً من الانتهازيين والجامعين للأرصدة بالغش والتحايل. ونادراً ما وجدت بينهم من يقرأ كتاباً جاداً في العام الواحد.
باشرت العمل في أوائل 1971 وحاولت التتلمذ علي بعض السابقين من المندوبين العرب، ولم يكن معي غير السكرتيرة وكانت الدائرة بلا سيارة خدمة خلافاً لجميع الممثليات العربية والاجنبية. ولمدة تسع سنوات لم يزد مرتبي الشهري عن الألف دولار حتي بعد أن عينت مندوباً دائماً بالاصالة. وكان ايجار المسكن ومصاريف المكالمات البيتية والنفقات الطبية كلها من ذلك المبلغ، علي أن الفرنك كان قوياً. وعندما ارتفع المرتب وصارت الدولة تتحمل نفقات ايجار السكن نشبت الحرب مع ايران وقررت الدولة باسم التقشف والمجهود الحربي استقطاع ربع الراتب فضلاً عن حملات التبرع المتواترة والمفروضة، حتي أن أحد السفراء اتخذ قراراً بالتبرع بكل راتبه وطلب منا الاقتداء به علماً بأنه كانت له مخصصات أخري ولا يدفع مصاريف الهاتف والكهرباء في السكن. ولا تزال عندي كثرة من قوائم مرتباتي حفظتها للذكري. وكانت الحسابات في السفارة وكذلك كان بريدنا عن طريقها مما كان يشجع بعضهم علي فتح مراسلاتي.
واجهت منذ البداية حملة تشويش في بعض دهاليز المنظمة الدولية نظمها شيوعيون مصريون قدامي من الموظفين وطلبوا من بعض الموظفين العرب اليساريين مقاطعتي. ومما زعموه أنني قد اعترفت بعمالتي. ونشرت مجلة جون افريك مقالاً ضدي كله دس. وقد كتبت رداً ترجمه صديق مصري وأرسلته للمجلة المذكورة. إلا أنني لم أعر الحملة بالاً، بل توجهت لتعلم أهداف اليونسكو وأنشطتها وكيفية العمل فيها. ورغم جدّتي فقد لاحظت من الأيام الأولي عدم وجود مجموعة منظمة للممثليات العربية، فأرسلت إلي زملائي مذكرة لتنظيم عملنا ووضع لائحة بذلك. وكان ذلك في الثاني والعشرين من الشهر نفسه. واجتمع المندوبون إثرها وناقشوها وبعد سلسلة لقاءات في مكتب الجامعة العربية لدي اليونسكو تقرر تشكيل لجنة ثلاثية لوضع مسودة لنظام داخلي كنت من أعضائها. وبعد جلسات مطولة أخري تمّت الموافقة علي اللائحة في أواخر 1971. وفي العام التالي جاء قرار تثبيتي مندوباً دائماً بدرجة وزير مفوض وقدمت أوراق اعتمادي إلي مدير اليونسكو العام الفرنسي الراحل رينيه ماهو، وكان لامعاً لولا البيروقراطية المفرطة..

الحلقة الخامسة والأخيرة

فلسطين كانت مركز نشاطي الاعلامي والسياسي خلال عملي في اليونيسكو - تدخلت لدي بغداد لاطلاق سراح عبد الخالق السامرائي فتوقف الرئيس عن استقبالي

أما درجة سفير التي يعيرني بها المغرضون فجاءت عام 1979. ولم تكن الوظيفة تغريني لو كانت في سفارة. ولكننا كنا مستقلين وفي مبني اليونسكو نفسها ومن ثم بعيدين عن التقولات والشغب والمكائد التي كانت قائمة في السفارة وملحقياتها منذ وصولي الثاني إلي باريس وإلي خروجي من الوظيفة في بداية 1992. ومع ذلك فلم أسلم من مكائد هذا الموظف أو ذاك ولاسيما الدوائر الحسابية التي كانت تتعمد عرقلة عملنا وهضم حقوقي القانونية كرئيس بعثة في منظمة دولية حكومية، إذ كانت هذه الحقوق لا تقل عن حقوق السفير لدي فرنسا، ولكنني، وخلافاً لهم كنت أدفع من راتبي الهزيل عن المكالمات الهاتفية وأجور الكهرباء والاصلاحات في المسكن. وقد بدلت مسكني مراراً ما بين غرفة واحدة إلي غرفتين كحد أعلي حتي العام 1988 إذ وصلت الغرف إلي الثلاث وكان أصغر حارس في السفارة يسكن في شقق أفضل وأكبر وأعلي ايجاراً بكثير.

القضية الفلسطينية

شهدت السبعينيات معارك ثقافية ودبلوماسية متوترة في اليونسكو، اضافة إلي قضية القدس (التي تمكنا من استصدار أول وآخر عقوبة دولية علي اسرائيل بشأنها)، قضايا التمييز العنصري والهوية الثقافية والنظام الاقتصادي الدولي الجديد والنظام الاعلامي الدولي الجديد. وكانت لي في كل من هذه القضايا دراسات ومطالعات وكلمات ومجادلات مع الوفود الغربية الاسرائيلية. وأذكر معركة حامية عام 1975 في مؤتمر دولي عن الفصل والتمييز العنصريين. وقد تقدمت المجموعة العربية باقتراح وجوب الاشارة إلي قرار الأمم المتحدة حول اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري وهو ما عارضه الغربيون جميعاً وبقوة وبالتهديد والابتزاز. واجتمع السفراء العرب في فرنسا من وراء ظهورنا ليطلبوا منا عدم خوض هذه المعركة. وكنت مع عدد من المندوبين العرب أشد الرافضين وأصررنا علي طرح الموضوع، أو علي الأقل ادخال نص في القرار يشير إلي (جميع قرارات الأمم المتحدة بخصوص العنصرية والفصل العنصري). وحدثت في المؤتمر مساجلات ومشادات وأصررنا علي الأمر فنجحنا ولكن بثمن انقسام المؤتمر وخروج الوفود الغربية منه احتجاجاً. وكانوا يتهموننا باقحام اليونسكو في أمور سياسية لا تدخل في اختصاصها واعترف بأنني كنت متشدداً جداً..
تلكم نماذج من معارك كنت أتنفس فيها كالسمكة في الماء. والسائل عن الحاج في الوظيفة فليقلب المحاضر الرسمية لليونسكو والمجموعة العربية. وفي ندوة عربية واسعة عام 1983 قال مندوب فلسطين أن الحاج هو الذي جمع عرب اليونسكو حول القضية الفلسطينية وأيده آخرون. ونشر المحضر في مجلة الجامعة العربية. لكن اتجاه نشاطنا في الممثلية تغير لحد كبير مع اندلاع الحرب العراقية الايرانية. وكان موقفي عدم زج الموضوع في اليونسكو، ولكن الوفد الايراني هو الذي كان يقحم الموضوع باستمرار وكان استفزازياً حتي بعد تحرير أراضيهم المحتلة ودخولهم إلي الأراضي العراقية.
واصطدمت مجدداً مع المدير العام بعد سنوات ودٍ شديد لاستجابته لطلب ايراني باستخدام مصطلح (الخليج الفارسي). وقدمت مع عدد من المندوبين العرب مقترحات عن تعبير آخر كعبارة (الخليج) المستخدمة في مجلس الأمن أو (الخليج العربي ــ الفارسي) أو (الخليج الاسلامي). ولكن الجانب الايراني كان يرفض باصرار والسيد أمبو (وهو المدير العام من السنغال) يسايرهم. وهكذا صار الصراع العراقي ــ الايراني غالباً علي نشاطنا. وكنت قد أرسلت في بداية 1980 رسالة للرئيس صدام تتضمن جملة ملاحظات سياسية تساءلت فيها ما إذا لم يكن من المصلحة قيام حكم معتدل في ايران، وكنت أشير إلي الخلافات بين بني صدر رئيس الجمهورية والمتشددين المغالين، وكنت أري دون أن أقول صراحة أن نخفف من التوتر مع ايران لندع المعتدلين الايرانيين يعملون بقوة بدلاً من مهاجمتنا للجميع.

رسائل عدة

لقد أرسلت حتي خروجي من اليونسكو عشرات الرسائل للقيادة العراقية لم يجبني صدام إلا علي رسائلي الأولي منها بخطه وقد حمل الرسالة لي أواخر 1971 أو أوائل 1972 طارق عزيز عندما جاء في زيارة لباريس وسأعود إلي الرسالة في الملاحق، وفيها اعتراف بوقوعهم في أخطاء لم تحدد. وما عدا ذلك كان يناقشني خلال زياراتي العراق وحتي عام 1977 حيث لم أعد ألتقي به، والمرجح انه تضايق حين تدخلت لديه لصالح عبد الخالق السامرائي الذي كنت أكن له وداً كبيراً ولم أكن أعتقد أنه قد ارتكب أي جرم.
ان المشاكل الكبيرة في اليونسكو واجهتني بعد غزو الكويت الذي حذرت منه بقوة قبل وقوعه في رسالة مهمة للرئاسة العراقية أرسلتها فاكساً مرتين في التاسع عشر من تموز (يوليو) 1990 (انظر الملاحق). ثم رسائلي المتتالية بعد الغزو داعية إلي تدارك الأمر بسرعة والاستجابة للمبادرات الرسمية العربية والفرنسية والسوفياتية. وأما في اليونسكو فان الجانب الكويتي هو الذي طرح الموضوع مع انه كان هناك تفاهم ضمني في اطار المجموعة العربية بعدم زج العمل الثقافي الدولي في المطبات السياسية. وكان مندوب الكويت من قبل من الاصدقاء الحميمين، ولكن الغزو وما أصاب الكويتيين من كوارث اشعل الأحقاد والكراهية. أما في اليونسكو فسرت بالتطرف فلسطينياً حتي انني اصطدمت مراراً عام 1974 و1976 مع مندوب فلسطين لما اعتبرته رخاوة في المواقف أمام المؤتمر العام. وكانت لنا نواة متشددة مني ومن المندوب السوداني أحمد عبد العظيم ومندوب الكويت الأسبق عبد الله الأيوبي والأخيران انصرافا فيما بعد للأعمال الحرة. وقد صرت بعبعاً للغربيين حتي عام 1978 كما دخلت مع المدير العام الجديد في خلافات قوية بسبب القضية الفلسطينية.
هكذا مرت السنوات العشر الأولي ولا هم لنشاطي غير القضية الفلسطينية والعمل بقوة لتطوير وتقوية مواقع اللغة والثقافة العربيتين. وباقتراح مني وافقت الحكومة العراقية علي تمويل جائزتين دوليتين في اليونسكو إحداهما لمحو الأمية والثانية للثقافة العربية وكان المبلغ المتبرع به لهذين النشاطين ومشاريع تربوية أخري في أفريقيا وآسيا ولمنظمة التحرير الفلسطينية هو المليون دولار. وبذلك صار العراق أول دولة من العالم الثالث تموّل جائزة دولية لمحو الأمية. كما أن جائزة بغداد للثقافة العربية كانت أول جائزة دولية من نوعها وقد نالها في الدورة الأولي كل من جاك برك وميخائيل نعيمة. وقد أحدثت تسمية الجائزة الثانية ما يشبه العاصفة في وزارة التربية العراقية إذ طلبت الجهات المعنية أن تسمي باسم صدام حسين. وقد علمت أن الطلب سيرفضه المجلس التنفيذي لليونسكو إذ لا تسمي الجوائز بأسماء أحياء، كما كان متوقعاً. وعدا ذلك معارضة عدد من الدول اذ كانت تلك أيام الحرب مع ايران. ورغم توضيحاتي أصرت وزارة التربية علي تسميتها. فأرسلت مذكرة مطولة إلي طارق عزيز شارحاً الأمر ومقترحاً إما تأجيل الموضوع أصلاً أو ايجاد اسم جديد. وهكذا جاءت التسمية باسم بغداد.
لم تكن للعراق عهد ذاك هموم خاصة في اليونسكو غير طلبات تربوية وعلمية. أما الجانب السياسي فكان مقتصراً علي قضيتي القدس والمؤسسات التعليمية في الأراضي المحتلة.
وجدير بالذكر أنني استثمرت وجودي في الخارج لا لجمع ثروة مالية بل للتأليف حتي أن عدد ما كتبت ونشرت كان كبيراً من الكتب والدراسات السياسية والثقافية والأدبية، ودخلت مناظرة طويلة عام 1985 مع الشاعر سامي مهدي دفاعاً عن شاعرية السياب الحداثية التي حمل الشاعر سامي عليها سيوفه. وتبنيت مجموعة قصائد للسياب مترجمة للانكليزية وطلبت من اليونسكو تمويل الكتاب مع مقدمة بقلمي من دون اخبار وزارة التربية لأنها كانت ستطلب المال لنفسها. وهنا لا أدافع عن كل ما نشرت من مقالات وكتب سياسية ففيها كثير من المساوئ والمجاراة للنظام العراقي وهو ما سأرجع إليه.
وبعد الحرب انعقد المؤتمر العام في تشرين الثاني (نوفمبر) 1991 وكان جلوس الوفد الايراني جنبناً وقد نشأت بيني وبينهم صداقة وتعاون حتي أنني صوّت لمرشحهم وأشرت لعضو من وفدهم جواري لقراءة ما في ورقتنا. ولربما كان هذا من بين الأسباب المباشرة لغضب القيادة العراقية وتشكيكها فيّ.

ديمقراطية مزعومة

وفي صيف 1991 وجه الوزير الفرنسي السابق للخارجية وعضو الكتلة الاشتراكية في البرلمان الاوروبي كلود شيسون دعوة للمجلس الوطني العراقي لحضور وفد عنه لاجتماعات البرلمان المذكور في ستراسبورغ. وقد أعطي الوفد العراقي فيزة الدخول محددة بأيام معدودة. وعندما جاء لباريس فانه فشل في اللقاء بأي مسؤول أو شخصية فرنسية بارزة أو بالصحفيين. وكان عليّ أن أدعوهم للعشاء ودعوت معهم مجموعة من الصحفيين العرب والفرنسيين الذين أعرفهم ومنهم الباحث السوري برهان غليون. وخلال الدعوة أثار عدد من الصحفيين موضوع الديمقراطية في العراق، فانبري العضو الأقوي في الوفد (وكان واضحاً أن له مهمات أخري!) للدفاع المتشنج عن ديمقراطية النظام المزعومة. طال النقاش وأنا ساكت لأنني كنت أتعاطف تماماً مع أولئك الصحفيين. ولكن الوفد فسر موقفي بالصمت عندما (كان صدام يشتم) علماً بأن أحداً لم يورد اسمه ولا كان هناك تهجم بل نقد صريح وودي. وعاد الوفد لينقل بعض أعضائه هذا التفسير المغالط والمشوّه لما حدث.
وعندما جاءتني أسماء الوفد العراقي للمؤتمر العام برئاسة وزير التربية أخبرت اليونسكو حسب الأصول لتدبير السمات الفرنسية لهم. وبعد اسبوعين وردنا من التربية فاكس باضافة شخصين بصفة (باحث علمي). وكنت أعرف من التجربة أن هذا وصف يطلق علي ضباط في المخابرات يلحقون بالوفود للخارج لمراقبة أعضاء الوفد بدءاً من الوزير نفسه. وقد تعمدت عدم ابلاغ اليونسكو بالاضافة ثم أخبرت الوزارة بأن ورود الاسمين متأخرين قد أعاق منحهما السمة الفرنسية..
ومع اطلالة العام الجديد جاء قرار الاحالة علي التقاعد علي أن أترك العمل حالاً أي دون مهلة الشهرين الروتينيتين لتدبير ما يترتب علي ترك العمل من تبديل سكن وتوديع المندوبين والموظفين الدوليين الذين قضيت معهم سنوات طويلة.
وقد تعبت كثيراً حتي وجدت شقة أصغر إذ كان الجو الفرنسي كله محموماً ضد العراقيين وبعد رفض وكالتي ايجار لطلبي ذهبت إلي ثالثة مدعياً أنني أردني! ولكن كان في ما حدث كل الخير لي رغم أنني عانيت كثيراً إذ لم أدخر غير النزر لمثل هذا اليوم.. لقد ارتاح ضميري وشعرت بانفكاك قيود عني، واطلاق كامل حريتي رغم اضطراري لبيع مكتبتي التي جمعت مفرداتها خلال أعوام باريس، وبعت سجاجيد البيت وأكثر أثاثه، ولوجات اشتريتها من العراق ومصر. كما هب مدير عام اليونسكو السابق مايور لمساعدتي وكنت من أركان حملته الانتخابية العام 1987 فراح يعطيني دراسات لانجازها مقابل أجر جيد.
أما في السنوات القليلة الماضية فقد قامت بلدية باريس بمنحي مساعدة اجتماعية، وحصلت منها علي سكن بايجار ممكن التحمل. كل هذا وثمة مَن كانوا يزعمون أن لي أرصدة ضخمة في بنوك أمريكا اللاتينية وغيرها!. ومن هؤلاء عضو سابق في اللجنة المركزية عاش معظم عمره الحزبي في الخارج ولا أعرف كيف سمحت له مروءته ونزاهته بهذا الاختلاق. ولله في خلقه شؤون وشجون!
لقد وقعت لي خلال عملي العشرات من المشاكل العويصة ورغم تعلمي الدبلوماسية، والأخذ والتعاطي والمناورة في العلاقات الدبلوماسية فقد دخلت أكثر من مرة مع بعض الزملاء في مشاحنات مؤسفة حول القضية الفلسطينية وحول عمل المجموعة العربية. لكن مشاكلي الكبري كانت تأتي في الغالب الأعم من أجهزة السلطة ومؤسساتها في باريس وفي بغداد. ان كثيرين من البعثيين لم يطيقوا وجودي واعتبروني في طريقة التعامل وكأنني قد سلب حقهم المقدس. وكان الحسد والنفاق والمكيدة هي السمات الأولي للعلاقات داخل السفارة العراقية رغم تعاقب السفراء ومع استثناءات قليلة. وأكثر من حاربني سفيرهم الأخير لما قبل الحرب الذي راح يشوش علي بين السفراء العرب ويذيع مرة أني شعوبي، وأخري شيوعي وغير ذلك. واشتغل ضدي في حملتي الانتخابية لعضوية مجلس اليونسكو العام 1989 مع انه كان هناك اجماع عربي علي ترشيحي. وقد فشلت حملته البذيئة فنجحت بأغلبية 151 من أصوات الدول الأعضاء من مجموع المائة والسبعين علي ما أتذكر. ولكن هذا السفير نفسه، وبعد قطع العلاقات الفرنسية ــ العراقية بسبب الحرب، راح، ورغم طنطناته الاعلامية، يكتب المذكرات للبوليس الفرنسي متوسلاً السماح له بلعب التنس خارج المساحة المحددة لتحرك من بقي من أعضاء السفارة بباريس.

المناشير الشيوعية

وأذكر من المنغصات الكبيرة تقارير امرأة فرضت للعمل معي عن توزيعي الموهوم للمناشير الشيوعية لأنني كنت استنسخ مناشير قديمة للاستفادة منها في كتابة اطروحة الدكتوراه عن العراق والقضية الكردية. ومرة ذهب تقرير عن علاقات مزعومة لي مع الأمريكان لأنني شربت بالصدفة كوب قهوة مع مساعد المندوب الأمريكي في بار اليونسكو ومعنا ثلاثة مندوبين عرب. وثالثة حين دعانا الأستاذ عبد المعطي حجازي الشاعر المصري المعروف إلي مسكنه الصغير في البيت الجامعي هو وزوجته في دعوة عشاء ودعي أيضاً ثلاثة بعثيين سوريين من السفارة العراقية أحدهم كان المسؤول التنظيمي لحزب البعث في فرنسا (وأعتقد أن هذا حدث عام 1974 إن لم تخني الذاكرة). وخلال الجلسة راح البعثي المسؤول (ولنسمه السيد فلان) يلقي بحماس نكاتاً عن العراقيين وحياتهم الجنسية الشاذة المزعومة. وظل هديره مستمراً، وأنا استغرب اصراره وحماسه. وفجأة وجدت نفسي أروي ضاحكاً نكتة سورية رواها لي في براغ القيادي الشيوعي السوري المرحوم مراد القوتلي. وكانت النكتة غمزاً للعلاقات الجنسية في سوريا. لم أشعر إلا وأخونا المغوار، الذي كان يتعيش بأموال العراقيين، يصرخ هائجاً.. (لا هذا ما بيصير عندنا). فقلت له انها نكتة كنكاته. فازداد غضباً، وتغاضبنا، وتشاتمنا، وتركت الجلسة وأنا علي نار.
أما السيدة الشاعرة فلانة رعاها الله فقد زارتني في مكتبي العام 1974 أيضاً وسهرنا سوية في مطعم بسان ميشيل. وكانت طوال السهرة تقرأ لي قصائدها الغزلية. وفي الصباح أخذتني إلي مخزن كبير للتسوق. وقبيل سفرها سألتني ما إذا كنت أقبل أن تشتغل معي، وأكدت انها قادرة علي تدبير ذلك. فأكدت لها أنني سأكون سعيداً بذلك. ومضت شهور فاذا هي عائدة بقرار العمل معي، ولكنها هذه المرة أبدت كبرياء مصطنعة رغم أنني استقبلتها في المطار وكنت نادراً ما أستقبل أحداً حتي من الرسميين إلا كبار المسؤولين. وهذا ما كانت السلطة تعرفه عني وتعرف رغبتي في الابتعاد جهد الامكان عن الضجيج والمراسيم. وسرعان ما وقع بيننا مشاكل عمل لست مسؤولاً عنها حتي اخبرتها بحزم بأنني غير قادر علي العمل معها وطلبت منها عدم العودة. فراحت تشكو للسفير، واستمرت مراجعتي من جانب السفير والمسؤولين الآخرين ولكنني رفضت بقوة عودتها. والمهم في القصة أن المومأ إليها كتبت في مذكراتها لها تشتمني وتعيرني بخيانة رفاقي كما كتبت. ولكن ألم تكن تعرفني وسيرتي عندما زارتني وسهرت معي ورجتني مرافقتها في التسوق، ثم طلب رأيي عن العمل معي؟
ومن أكبر المتاعب ما خلقه فاضل البراك مدير المخابرات في الثمانينيات وهذا ما سأترك الحديث عنه للفصل القادم.
لقد أرهقتني المشاكل بعد ثلاث سنوات من الوظيفة فكتبت إلي أهلي نيتي في الاستقالة. ولكن الجميع عارضوني وطلبوا مني تقديم الشكوي إلي صدام. وكنت أشعر بمسؤولياتي أمام أمي خاصة وهي التي تحملت الآلام والفواجع بسببي وبوفاة لطيف، والتي قصّرت معها كثيراً، فتحملت المشاكل. وكنت أسعد السعداء حين ساعدتها علي الذهاب للحج وكانت تلك أمنيتها الكبري. وكذلك كانت هناك ابنتي وولدي.. ولكن من أخطائي الجسيمة عدم قبول عرض المدير العام لليونسكو العام 1983 بالانتقال للعمل في السكرتارية في وظيفة دسمة كان تقاعدها لو قبلت يريحني حتي مماته.. ومرة أخري خفت أن يقال إنني تهربت والعراق في حالة حرب. كنت ولا أزال أعير الكثير لما يقال عني وفي تلك الحالة كانت خسارتي كبيرة حقاً، فارتاح من القيود الرسمية وأتحرر من الالتزامات والمجاملات السياسية. ألا كم من أخطاء وأخطاء في حياتي.!

شخصيات عرفتها

خلال العشرين عاماً في اليونسكو تعرفت علي العشرات من الشخصيات العربية والدولية المرموقة في مجالات الثقافة والسياسة والدبلوماسية والتربية، وأقمت مع العديد منهم علاقات صداقة وثيقة.
وأذكر فرانسوا فالاري، ابن الشاعر الفرنسي الكبير بول فالاري، وكان من زملائي في المجلس التنفيذي عندما انتخبت للمرة الأولي في أعوام 1978 و1983 وكانت تجمعنا، عدا زمالة العمل، محبة القطط إذ كانت لديه مجموعة منها. فإذا كنا في مؤتمر خارج فرنسا كان يتكلم بالهاتف مع قططه واحدة واحدة ويسأل عائلته عن أحوالها. وكانت هنا السيدة العظيمة كابانا زوجة الرئيس الحالي لمعهد العالم العربي وكانت اشتراكية متحمسة. كانت السيدة كابانا سفيرة لفرنسا لدي اليونسكو ثم عضواً في المجلس التنفيذي خلال أزمة الخليج. لقد ساعدتني تلك الصديقة الكبيرة كثيراً بعد خروجي من اليونسكو، لاسيما في الحصول علي إقامتي في فرنسا والكتابة لمدير عام اليونسكو لمساعدتي علي أعوام الضيق المعاشي. وقد توفيت قبل عامين فبكيتها من القلب. وثمة المفكر البرازيلي كارنيرو الذي دعوناه مع مجموعة من أعضاء المجلس لزيارة العراق في أواخر السبعين. والسيدة البرتغالية بنتا سيلغو رئيسة الوزراء الأسبق وعضو مجلس اليونسكو، وقد زارت العراق هي الأخري، والسيد ألفاريس من غواتيملا وكان وزيراً للتربية وعضو مجلس اليونسكو ورئيس المؤتمر العام ثم مساعداً للمدير العام. وزار العراق هو الآخر. وقد توفي قبل سنوات محزّنا عليه، والسيد أمبو من السنغال الذي تبوأ منصب المدير العام من 1974 وإلي 1987 وقد رأت علاقاتنا صعوداً ونزولاً لأسباب سياسية، وكان شخصية بارزة من العالم الأفريقي وحريصاً علي مصالح العالم الثالث. وقد سجلت بعض صفحات علاقتنا التناقضية في كتابي الضخم.. (اليونسكو.. ضوء في آخر النفق).. الصادر في 1987. ومن بعده فديريكو مايور الاسباني الذي تولي المسؤولية بعد أمبو حتي عام 1999. وقد ساعدته كثيراً في ترشحه لأول مرة وفي انجاحه، وكانت بيننا صداقة وثيقة. والمرحوم الدكتور شمس الدين الوكيل سفير مصر ورئيس المجلس التنفيذي في فترة من أوائل الثمانينيات، وقد زار العراق هو الآخر، والمرحوم محمد الفاسي الشخصية المغربية الكبيرة، والأديب والسياسي التونسي محمود المسعدي، والدكتور أحمد فتحي سرور الرئيس الحالي للبرلمان المصري وكان ممثلاً للمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم لدي اليونسكو في السبعينيات وأميناً للمجموعة العربية عندما كنت نائب رئيسها، والدكتور مصطفي كمال حلمي رئيس مجلس الشوري المصري وكان سفيراً لمصر، وفتح الله الخطيب عضو المجلس وسفير مصر في أواخر الثمانينيات، وعبد اللطيف الرحال المستشار الحالي للرئيس الجزائري وكان سفيراً وعضواً في المجلس، ومهدي المنجرة المفكر المغربي وكان مساعداً للمدير العام في أوائل السبعينيات، ورئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور عبد السلام المجالي عضو المجلس، ورئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري، والدكتور سعيد التل رئيس المؤتمر العام والسياسي الأردني المعروف، وقد لعبت دوراً في انتخابه لرئاسة المؤتمر العام في منافسة ضارية، فقدم لي الأمير الحسن في حفل خاص ساعة تقديرية لذلك الدور، والدكتور عدنان بدران الوزير الأردني الأسبق ونائب مدير عام اليونسكو حتي 1999، وعبد العزيز حسين الشخصية الكويتية الراحلة وكان مستشاراً في القصر ولنا مراسلات ودية وقد توفي هو الآخر قبل غزو الكويت، وحمدي قنديل الاعلامي المصري البارز.
وكان موظفاً في أمانة اليونسكو، والطيب صالح الروائي السوداني وكان موظفاً في اليونسكو، والشاعر أدونيس الذي اشتغل فترة في اليونسكو ممثلاً للجامعة العربية، والشاعر اللبناني صلاح ستيتيه وقد زار العراق مع زوجته، وسعيد مغربل من سوريا وكان من كبار الموظفين وسبق أن عمل في العراق، وعلي تقي مندوب الامارات الذي توفي في حادث سيارة. ولا تسمح الذاكرة والمجال بذكر آخرين ممن تركوا لدي انطباعات ممتازة وارتبطت معهم بصداقات ومن هؤلاء موظفون وموظفات عرب حاليون أكنّ لهم كل احترام.
وأما من العراقيين فقد تعرفت علي المرحومة الدكتورة سعاد خليل اسماعيل، ووزراء التربية المرحوم محمد محجوب الذي بكيت مصرعه وكنا أصدقاء، وعبد القادر عز الدين، وحكمت البزاز، والدكتور سعد الراوي، والمرحوم أنيس عجينة الموظف الدولي، والدكتور أكرم البياتي وهو موظف دولي متقاعد، والصديق أسامة الملاح المتقاعد أيضاً، والمرحومة اروي الجبوري الموظفة في وزارة التربية وقد توفيت بالسرطان في السنوات الأخيرة وكانت مثالاً للكفاءة وسمو الخلق، وآخرين. وبمناسبة ذكر سعد عبد الباقي الوزير الأسبق والموظف الكبير في اليونسكو فان قصته تقدم نموذجاً لطريقة تعامل النظام مع مواطنيه وحتي البعثيين منهم، ومع المنظمات الدولية. فقد سعت الحكومة لتوظيفه في اليونسكو. ثم طلبت منه العودة قبل انتهاء عقده، وكلفت أنا بالالحاح عليه. وبعد أن ترك وظيفته الدولية المهمة بسنوات قليلة طلبوا مني مجدداً العمل لاعادته إلي الوظيفة. ومرة دخلت في شجار حقيقي مع موظف كبير في السفارة أمام الحاضرين في حفل لانه اعتبرني مقصراً في السعي لعودة الراوي إلي اليونسكو فأرجعته إلي المواقف المتناقضة للسلطة من الرجل. وأصدروا مرة قراراً اعتباطياً يطلب من الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ومنها اليونسكو، أن تحول نسبة من رواتب الموظفين العراقيين إلي الحكومة العراقية. وكان هذا القرار مخالفاً تماماً للعرف الدولي في هذه المنظمات. وقد رفضت ابلاغ مدير عام اليونسكو بالقرار المضحك هذا.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,555,528,461
- حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية [الخاتمة]
- حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية [3-ب]
- حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية [ 3-3 ]
- حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية [ مقال2-3]..
- حنا بطاطو والحركة الشيوعية العراقية [ مقال 1 ].
- الساسة يزرعون الأشواك وأكثرية الشعب تدمى..
- رحلة مع تحولات مفصلية- الخاتمة: كتابات ...
- رحلة مع تحولات مفصلية ف10 ق2(الانتفاضات العربية.. مذهب بوش و ...
- رحلة مع تحولات مفصلية 10(الانتفاضات العربية)
- رحلة مع تحولات مفصلية 9 ف2 (هل الإرهاب مجرد -تكتيك-، أم أيدي ...
- رحلة مع تحولات مفصلية 9 ف1[الحرب الدولية الأخرى بعد الحرب ال ...
- رحلة مع تحولات مفصلية8 (اليسار في العراق والعالم العربي)
- رحلة مع تحولات مفصلية7 (القسم الثاني: النهر ساكن ولكن الجدار ...
- رحلة مع تحولات مفصلية 7 (القسم الأول: النهر ساكن ولكن الجدار ...
- رحلة مع تحولات مفصلية 6 (الصراعات في الحركة الشيوعية العراقي ...
- رحلة مع تحولات مفصلية 5 (ثورة 14 تموز)
- رحلة مع تحولات مفصلية4 (راح تتقسم، والله حرام!)
- رحلة مع تحولات مفصلية 3 (العسكر في السياسة..)
- رحلة مع تحولات مفصلية2 (من عميل خائن إلى رمز وطني)
- رحلة مع تحولات مفصلية - الفرات


المزيد.....


- وكالة التصفية / عدنان الأسمر
- قبل ستة سنوات / مهند الغزي
- الجزيرة القطرية : حكاية القزم الذي تسلط وتجبر على جثت العمال ... / فيفا صندي
- حوار و ترجمة: الصحفي يوسف حاجو: مع السياسي الكردي رضوان علي ... / رضوان علي
- النقمة العربية المزمع عقدها في بغداد / العتابي فاضل
- نيجيرفان بارزاني يطلب المشورة من شعبه هذه مقترحاتي / حبيب تومي
- الثوره المصريه الي اين؟ / الهامي سلامه
- تونس : اليمين الديني يريد تأسيس دولة الخلافة بالتقسيط . / الحركة الشيوعية الماوية في تونس
- صوَر بالأبيض والأسوَد / باسم المرعبي
- جندي مجهول آخر عمل لفلسطين / محمود كلّم


المزيد.....

- تراجع شعبية نتانياهو بعد إعلان الهدنة في غزة
- تحطم مقاتلة امريكية من طراز ف-15 في ولاية فرجينيا
- واشنطن تتهم موسكو بتنسيق حملة عسكرية في أوكرانيا
- أسباب ومآلات الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا
- تقرير جديد يكشف تفاقم أزمة الجوع و الفقر في الولايات المتحدة ...
- الشعب لا ينسى
- علمتها الرماية.. فقتلتني!
- صور فوتوغرافية لسيارتي -لادا فيستا- و- XRay 2 - قبل عرضهما ب ...
- الخبراء يتعرفون على هويات 173 من ضحايا الرحلة MH17
- مجلس الأمن يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في ليبيا


المزيد.....

- نظرية الطريق الثالث عند أطونى جيدنز / ابراهيم طلبه سلكها
- نظرية الفعل عند حنه ارندت / ابراهيم طلبه سلكها
- حقوق العراق بالارقام في عهد المالكي 2006 - 2014 / سمير اسطيفو شبلا
- البغاء فى مصر ..نظرة تاريخية / رياض حسن محرم
- وحدة الشيوعيين العراقيين ضرورة موضوعية لمرحلة مابعد الانتخاب ... / نجم الدليمي
- برنامج حزب نستطيع، بوديموس / ترجمة حماد البدوي
- في رثاء / الشرق الأوسط القديم . / سيمون خوري
- استباق الثورة المضادة للإبداعات الشعبية / خديجة صفوت
- أزمة تحليل اليسار للحدث العراقي / سلامة كيلة
- التحول الديمقراطي وصعود الحركات الإسلامية (نموذج مصر) / سحقي سمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزيز الحاج - اوراق في السيرة الذاتية