أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - من بحوث المهرجان الثاني للشاعر كاميران موكري – السليمانية















المزيد.....



من بحوث المهرجان الثاني للشاعر كاميران موكري – السليمانية


جميل الشبيبي

الحوار المتمدن-العدد: 3621 - 2012 / 1 / 28 - 09:28
المحور: الادب والفن
    


في معاني مصطلح الريادة
تناولت معظم الدراسات التي كتبت عن القصة القصيرة في العراق مصطلح الريادة في القصة العراقية القصيرة ، بمفاهيم وتعريفات يغلب عليها الاعتماد على الجانب التاريخي والقدم دون الدخول في تفاصيل الريادة الفنية التي تجعل من القاص مؤثرا في كتاباته في جيله أو الأجيال التالية لتجربته القصصية ، وبهذا المعنى فان هذا المصطلح قد ضم معظم القصاصين الذين كتبوا في بداية تشكل الحكم الوطني أو بالفترة التي سبقته ، فأصبح لدينا عدد كبير من الرواد ممن كتبوا في بداية عشرينات القرن العشرين بالفترة التي حددها الدكتور عبد الإله احمد اعتبارا من عام 1908 وحتى نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين .ويتضح هذا الارتباك والغموض والتعميم في كتابات مؤرخي القصة العراقية القصيرة أو عند معظم نقادها ، فالدكتور عبد الإله احمد الذي يعد أفضل مؤرخي القصة العراقية القصيرة خصوصا في كتابه (نشأة القصة العراقية وتطورها في العراق) لم يصرح بريادة احد قصاصي الرعيل الأول من القاصين العراقيين باستثناء عطا أمين الذي وصفه بأنه (هو الرائد لهذا الشكل في الأدب العراقي الحديث ص73) (1) في حين كانت شروطه قاسية على قاصين جاءوا بعد هذا القاص الذي اشتهر بكتابة قصص الرؤيا باعتبارها عتبة للقصة القصيرة في العراق ،لكن كتابه هذا حفل بالعديد من العبارات التي تكرس أسماء قاصين آخرين بمفاهيم ومصطلحات مقاربة لمصطلح الريادة فمحمود احمد السيد (أهم قاص يمثل القصة العراقية بين الحربين تمثيلا تاماً(....) فقد كان أول من بدأ كتابة القصة – بنوعيها الطويلة والقصيرة – في العراق ص193) وهو مفهوم يحتكم فيه إلى السبق الزمني ، معللا ذلك (إن هذه القصص بحكم كونها محاولات رائدة لا تخضع لشروط القصة الفنية ولا تنطلق من إدراك كامل لمقوماتها ص236)ويكتب عن أنور شاؤول بنفس المعنى فهو (من أوائل من مارسوا كتابة القصة في العراق ص237) (وبذلك يكون لأنور شاؤول فضل الريادة وفضل لفت أنظار المتأدبين إلى هذا الفن ص238)وبنفس هذه الصيغة يعتبر قصص القاص عبد الحق فاضل تمثل :(قمة ما وصل إليه الفن القصصي في العراق من تطور ، قبل الحرب العالمية الثانية ، بحيث يمكن اعتبار نتاج صاحبها حلقة وصل بين واقع القصة العراقية فيما بين الحربين ، وما صار إليه بعد الحرب العالمية الثانية ص292). وفي نفس هذا الاتجاه (الاتجاه التاريخي ) كتب الدكتور عمر الطالب وغيره من الكتاب على الرغم من محاولته فرز اتجاهات فنية في قصة ما قبل الحرب العالمية الثانية إلا أن محاولته كانت تعميمية أيضا وجمعت أسماء لقاصين متفاوتين في درجة انجازاتهم الفنية في القصة ، فقد جمع مثلا بين أنور شاؤول وذو النون أيوب من جهة وبين جعفر الخليلي وسعيد عبد الله الشهابي الذي لم يسجل له الدكتور عبد الإله احمد قصة واحدة في فهرسه المثبت في كتابه نشأت القصة العراقية وتطورها في العراق، إضافة إلى انه رأى أيضا أن الريادة القصصية محصورة بالسبق الزمني حين يقول (ويعد محمود احمد السيد رائدا للقصة العراقية القصيرة فقد اصدر مجموعته النكبات عام 1922) (2).
وفي مكان آخر من مقالته في تاريخ القصة العراقية يعدد روادا آخرين للقصة العراقية حين يتحدث عن القصة التسجيلية قائلا (أما القصة التسجيلية فقد امتد تاريخها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وصبغت آثار بعض القصاصين العراقيين من الرواد مثال ذلك جعفر الخليلي وذو النون أيوب وعبد المجيد لطفي وصلاح الدين الناهي وشالوم درويش...).
ويبدو أن مصطلح الريادة بقي متأثرا بطروحات مؤرخي ونقاد القصة العراقية المخضرمين حتى عند نقاد الجيل الثاني في العراق فالناقد مؤيد ألطلال يرى أن ذو النون أيوب هو رائد المدرسة الواقعية الاجتماعية في القصة العراقية ولا يكتفي بذلك بل انه يقرر (أن اللغة هي السمة الثانية التي يمكن أن نلحظها بوضوح شديد ونسجل من خلالها نقطة قوة لجيل الرواد لم يرتفع إليها قصاصونا العراقيون الشباب ، ولنا في لغة السيد ذو النون أيوب وشاكر خصباك والخليلي وعبد الملك نوري وعبد الحق فاضل ويمكن ان أضيف أيضا غائب طعمة فرمان وعبد المجيد لطفي وادمون صبري ص68من نفس المصدر .).(3)
إن مصطلح الريادة على ما هو عليه من توصيف مرتبك وغير علمي لم يستند إلى وجهة نظر فنية، بل اختلطت فيه وجهات نظر متعددة تاريخية وفنية ولغوية، وهو يحتاج إلى تحر جديد يستند إلى التطبيق العملي الذي ينطلق من حقيقة تؤكد (إن تطور التكنيك القصصي في العراق ، لم يرتبط بجيل واحد أو كاتب معين ، وإنما كانت اتجاهاته تمتد لأكثر من جيل ، كما تجمع المرحلة الواحدة أكثر من اتجاه بأكثر من أسلوب (4) وعلى وفق ذلك يمكن فحص النتاجات القصصية لكل حقبة تاريخية ودراسة النتاج القصصي فيها على وفق النتاجات القصصية المتحققة لكل كاتب لكشف الأساليب والرؤى والتقنيات القصصية التي تحققت على يديه، الأمر الذي يسمح في نهاية المطاف إعطاء توصيف عام لكتاب ذلك الجيل من خلال هذه القراءات والدراسات الفردية ، فتكون بذلك قد أنصفت أولئك القاصين وميزت بين نتاجاتهم المتنوعة وأعطت لكل واحد منهم أهميته وانجازه بل ريادته في هذا الشكل أو ذاك ،
وعلى وفق ذلك نلاحظ أن الكتابات التي تناولت جيل المؤسسين الأوائل للسرد القصير والذين أطلق على معظمهم صفة رائد ، كانت في معظمها دراسات عامة تتأثر ببعضها البعض وهي مستنسخة من كتابات الدكتور عبد الإله احمد عن ذلك الجيل بشكل مكرر ، بل أننا نرى أن مصطلح الريادة التي حرص الناقد الدكتور عبد الإله احمد على تقييده وإطلاقه على مجموعة محدودة من قصاصي جيل ما بين الحربين ، قد اتخذ في الدراسات التي كتبت بعده شكلا تعميميا لا يستند حتى إلى الأسس التي اعتمدها الدكتور عبد الإله احمد في تحرياته تلك .
إن مفهوم الريادة الذي نود تثبيته هنا في قراءة بعض قصص القاص عبد المجيد لطفي التي كتبها في بداية حياته الأدبية ستتحرى إمكاناته في تجاوز مظاهر الضعف الفني التي تجسدت في السرود التقريرية والاستطالات غير المبررة في سرد الأحداث وبناء القصة على وفق مصادفات غير مقنعة فنيا إضافة إلى نزوع معظم قصص تلك الفترة الى تكريس الوعظ والإرشاد بشكل ساذج ثم فرز إمكانات تلك القصص في استثمار تقنيات لم تكن معروفة للنقاد أو القاصين آنذاك، ولكنها كانت جزءا من تقنيات واليات تحقق النصوص القصصية، أي أن تلك التقنيات، كانت وما تزال جزءا من بنية التأليف للنوع الأدبي الذي سمي قصة بعد ذلك ،ويعد اكتشاف تلك التقنيات – وليس ابتكارها أو تصنيعها - من قبل النقاد وتعميمها في النظرية النقدية معينا في دراسة هذا الجنس الأدبي ومعرفة تفرد كتابه وقدرتهم على تضمين نتاجاتهم القصصية قدرا من هذه التقنيات بصورة عفوية او واعية لتداعي مديات كبيرة من التأويل عند القراءة، وكذلك إمكانية تأثيرها على قاصين من أجيال لاحقة.
إن تقنيات السرد القصير التي نقلت القصة من حكاية بليغة إلى خطاب قصصي تمثلت في تقنيات مثل الحوار والتلاعب في بنية الزمن بالوقف والإبطاء والتسريع وكذلك استثمار الضمائر في بناء السارد وموقعه في السرد إضافة إلى ظهور المروي له في السرد او اختفائه وتأجيل ظهوره كل ذلك من التقنيات المضمنة حتى في الحكايات الخرافية، غير أن انتقال القصة من حكاية إلى خطاب قصصي في العصر الحديث كان متزامنا باستثمار هذه التقنيات وغيرها بطرق بدائية أو فنية الأمر الذي يسهم في بلورة مفاهيم واصطلاحات تؤكد البنية الفنية للقصة القصيرة .
من اجل هذا الهدف سنتخذ من قصتين للقاص عبد المجيد لطفي نشرهما في نهاية الثلاثينيات – قبل ان يصدر مجموعته القصصية الأولى (أصداء الزمن) (5) ونشرهما الدكتور عبد الإله احمد في كتابه نشأت القصة العراقية إضافة إلى مجموعة من الأقاصيص التي نشرت في مجموعته الأولى تحت عنوان (دواليب الحياة وهي سبع قصص قصيرة جدا (أقاصيص) كنماذج تطبيقية كي نستطيع من خلال ذلك ان نؤكد ان هذا القاص كان قد ابتكر أساليبه الفنية في وقت مبكر من الزمن بطريقة ليست واعية بالتأكيد لهذه التقنيات ، ولكنها كانت ضمن اساليبه في الكتابة وتوصيل ما يريد إلى قرائه في تلك الفترة المهمة من تاريخ العراق .
في قصة ( ليلة كؤوس وذكريات ) (6) تتضح معظم التقنيات التي اشرنا إليها ، فهي قصة حوارية يديرها سارد عليم ، ويتجلى حضوره بتأثيث المكان الذي يضم شخصيتين احدهما سارد وشخصية في آن واحد والآخر مستمع أو (مرو له)داخل القصة يحث السارد/ الشخصية ( لميع) على إدامة السرد ، وإبداء النصح والمشورة بنفس الوقت.
تبدأ القصة بحوار مقطوع يشي بعدم القدرة على المواصلة :
- لن استطيع ...
فيرد عليه صديقه :جرب....
أما الرد فيكون توضيحا للعبارات المقطوعة التي أثبتناها بين الشخصيتين ،ويكون الإيضاح على لسان السارد / الشخصية وبحوار مباشر يؤكد فيه عدم قدرته على ترك الخمرة (فانا أجد لذة في عدم الترك لأنني استطيع بهذه الكؤوس التي تقول عنها أنها تفيض سما زعافا ، لذة وراحة فكرية لا تثمن ....)
أما السارد العليم فيعتني برسم طبيعة المكان ومحتوياته بشكل مكثف :غرفة هادئة تلتمع الكؤوس ( البارقة فيها وهي تترجرج بخمرة معتقة صافية .وظل الهدوء مستمرا بين الصديقين وهما ينظران إلى المصطلى الذي كان يتقد بجمرات حمراء ص411) ، اما الصديق – المستمع (المروي له ) فيظهر في السرد كشخصية متحفظة على شرب الخمرة ومهمته في السرد أخلاقية ترى في الخمرة ( سماً زعافا).
وخلال التفاصيل المكثفة للقصة يعطي السارد العليم / المؤلف الضمني دورا لشخصية لميع ليسرد حكايته مع فتاة لعوب تدعى ماري، وكيف انه عاش معها أحلى أيامه لكن ظروف حياته الصعبة أدت إلى فراقهما لكنه بعد سنوات يعود إلى مدينته بغداد ( وبعد أسبوع من وصولي تسلمت رسالة قصيرة بخط يبدو عليه الاضطراب وقد جاء فيها "لميع اذكر جيدا إنني لا أزال أتعذب "وتنتهي القصة بموت ماري بسبب مرضها ، ليبقى لميع يكرع كؤوس الخمر كي ينسى آلامه ...
ويظهر من فحص العبارات والجمل المكثفة التي يسردها "لميع"سواء بالرد على صديقه أو بسرد الحكاية التي عاش تفاصيلها مع ماري اللعوب، إن لميع من قاع المجتمع، وهو يؤمن بأن (الحب لا يعرف الاعتبارات المالية ولا الإطماع في الحياة ص411) وهو إيمان كما يبدو من نهاية القصة ليس له قيمة بدليل ابتعاد حبيبته عنه وزواجها من رجل آخر لا تحبه ، كما يبدو من تفاصيل سرد حكايته ، انه يتجنب الخوض في تفاصيل حياته الماضية ويكتفي بتلخيصها في عبارات محددة :(أنت تدري بذلك الشاب الكئيب اليائس ، اعني شبابي ايها الصديق ، تلك الحياة التي تعرفها أنت جيداً) فيحذف بذلك كل ذكرياته عن حياته السابقة ليسرع زمن السرد باتجاه النهاية التي أجبرته على احتساء الخمرة.
أما الصديق (المروي له) فدوره في السرد الاستماع وإبداء النصح ، وبذلك تظهر شخصيته في القصة كشخصية أخلاقية عامة ليست لها ملامح ولا آراء واضحة باستثناء نصائحه التي لا تنفع ،ولكن وظيفته في هذه القصة تشير إلى مجموعة من الناس الغائبين عن السرد باعتباره ممثلا لهم ، هؤلاء الذين يرون في احتساء الخمرة تجاوزا على طبيعة المجتمع المحافظ في نهاية ثلاثينيات القرن العشرين على الرغم أن كلام الصديق قد ورد في القصة كنصيحة ، لكنه يدشن مفهوما عن رفض أمثاله من الناس لمثل هذا السلوك ، في حين يبدو إصرار الشخصية على الاستمرار في الشرب واعتبار ذلك (لذة وراحة فكرية لا تثمن )تبريرا نفسيا لاحتساء الخمرة وعلاقة ذلك بالظروف الحياتية التي تعيشها الشخصية معززة بتجربة الحياة التي تجعل هذا السلوك مبررا.يضاف إلى ذلك أن القاص ومن خلال تناوب السرد بين السارد العليم وبين السارد / الشخصية، يخبرنا أن نهاية الحدث قد جرت في بغداد عام 1929 وان لميعا كان في سفرة طويلة يستجم فيها (واستعيد ذكريات الماضي اللذيذ ...ص412)، إضافة إلى انه يحدد زمن الهجران بسبع سنوات ، ولكنه يصمت عن تفاصيل حياته في تلك السنوات ، كما انه لا يحدد مكان إقامته فيها ، لان هدفه هو سرد حكاية حبه وأسباب فشلها ، والاهم من ذلك انخراطه اليومي في زمرة السكارى ومدمني الخمر .
من ذلك نستنتج أن قصة (ليلة كؤوس وذكريات)قد دشنت منذ وقت مبكر (عام 1937)استثمارا فنيا ناجحا لتقنيات السرد الحديثة كالحذف لتسريع الأحداث والحوار الذي قدم في هذه القصة بديلا للسرد الممل، إضافة إلى تنحي السارد العليم للسارد الذاتي /الشخصية واكتفائه بتأثيث الجو الخارجي للحدث القصصي، وتم في هذه القصة ظهور المروي له بشكل جنيني باعتباره مستمعا داخليا لسرد الحكاية والحث على إكمالها ،وهو تقنية تستفيد من القص الشفاهي الذي يكون بين راو ومستمعين ،يضاف إلى ذلك أن المروي له هنا قد اتصف بصفة الناصح الأخلاقي الذي يحيل إلى مرو له جمعي ، ينظر إلى احتساء الخمرة نظرة أخلاقية رافضة ،تتجاوزها الحكاية بتبرير شربها بظروف الحياة القاسية.
وقد استحسن الدكتور عبد الإله احمد هذه القصة واعتبرها ( أجمل أقاصيص هذا الاتجاه (الاتجاه العاطفي الثاني )وأكد ( وقد زاد جمال القصة الحزن الذي وفق المؤلف في إشاعته في جوها ص125 من كتاب نشأة القصة )وهو رأي انطباعي لم يحدد فيه سببا لهذا الجمال !!
وفي قصة (الأوباش) (7) تتضح الصفة الحوارية من خلال ثلاثة شخوص يعيشون مع بعضهم في غرفة بيت قديم يصفهم السارد العليم (الأول معلم قد طرد لسوء السلوك والخشونة ، والثاني عامل أمي كان لصا من تاريخ بعيد وقد تاب الآن وعمد إلى الاستقامة والثالث عاطل متواكل يعيش يومه ص413 من كتاب نشأة القصة )والقصة تبدأ بحوار أيضا بلسان المعلم المفصول يشي بفعل قادم سيتحقق :
- الليلة هذه الليلة يمكن أن تكون من العمر
ثم يجري رصد من الخارج يصف البيت القديم الذي تعيش في فضائه شخصيات متنوعة إضافة إلى الشخوص الثلاثة ونلاحظ في هذا الوصف تعليقا مباشرا من السارد العليم عن مصير صاحب البيت يشي بتلك البقايا من السرد القديم التي تكثر فيها التعليقات الزائدة، فهو يقول ( وكانت الغرفة تكاد تكون تاريخية لرجل إقطاعي عاث في هذه البقعة فسادا ، فلما مات بقي مضيفه الضخم مهدما وبيته خاويا على عروشه فلا مجد ولا أبهة ولا نضارة النعيم .ص413) لكن السرد بعد هذه العبارات المباشرة يعود إلى فنيته فيقدم السارد العليم تأثيثا متنوعا للمكان والفضاء الذي يحيط به واصفا ليلة شتوية ينهمر فيها المطر بشدة ( والرياح الداوية من الزقاق المظلم الرطب تهاجم لفائف الجرائد القديمة المرتجفة على النافذة بدل الزجاج ...) وتدشن العبارات الأولى من القصة ظهور سارد محايث لشخصية المعلم (واقترب من موقد النار وأضاف إليه قطعة من الخشب وأوراقا من سعف النخيل) لكنه يغيب وسط سرد السارد العليم الذي يؤثث لظهور الحوار بين الشخوص الثلاثة كاشفا وجهات نظرهم الملخصة للحياة ، وليضع خاتمة للقصة بعد ذلك.
ويكشف الحوار الذي يدور بين الشخصيات الثلاثة تعريفا بعنوان القصة ( الأوباش)، ثم يحفز تعريف المعلم لكلمة الأوباش مشاعر الآخرين ليكشف وجهة نظرهم الملخصة للحياة .
قال المعلم :
أتدرون يا أوباش أن الحياة سلسة من الإتعاب !!
فيسأله اللص القديم عن معنى الأوباش فيقول:(أنت وإنا وهذا الزميل ذو الشارب الأصفر الطويل يدعوننا بالأوباش.. وإنا كنت سابقا اسخر من هؤلاء الأوباش ..أي من أمثالي الآن لأنني كنت سيدا آنذاك ص414)مما يحفزهم على العودة إلى ماضيهم ، فيلخص اللص حياته الماضية قائلا:(كنت سيدا وكنت جبار الجبال وكانت بندقيتي أروع ما يهابه الناس) في حين يصف العاطل حالته الدائمة: (في أيام المطر يعيش الكسالى في غرف دافئة بلا مبالاة . أما نحن فنخرج كالديدان أو كالذئاب باحثين عن الطعام هنا وهناك..) ومن اجل تكريس رفض الواقع المر الذي يعيشون ضمنه يقول المعلم :(إن الفضائل رأس مال المفلسين... غيرنا يلعب بالذهب ونحن نحمل الأحجار...) ثم يحثهم على العمل: لابد من غزوة ..فيندفع ثلاثتهم للسرقة ومهاجمة زوجة المهرب الوحيدة (وإرغامها على تأدية طعام الغد وعمل الشاي والسهر معهم حتى الصباح ص414) إلا أن خطتهم تبوء بالفشل ليكون مصير محرضهم –المعلم– القتل برصاصة المهرب.
وقصة (الأوباش) تتناص فعلا مع إحدى قصص الكاتب الروسي مكسيم غوركي من مجموعته ( كانوا بشرا) وقد أشار الناقد عبد الإله احمد إلى ذلك حين أكد:(ولعل قصة (الأوباش) لعبد المجيد لطفي تمثل قمة هذا التأثر (يقصد التأثر بالأدب الروسي)من حيث الوضوح ، فقد خضعت خضوعا كليا لأثر القصص الروسي، شكلا ومضمونا، بحيث أصبحت تعبر عن صدى القراءة ، أكثر مما تعبر عن تجربة حية معاشة ص162) غير إننا نختلف مع الناقد عبد الإله احمد وخصوصا في قوله بالخضوع الكلي لهذه القصة للأدب الروسي فهي على الرغم من تناصها مع قصة لغوركي إلا أنها تحمل سمات محلية بشخوصها وطبيعة المكان الذي يصفه السارد العليم، إضافة إلى النهاية التي تشير إلى الانتقام من الزوجة على يد زوجها المهرب، وهي نهاية تختلف اختلافا كليا عن النهايات في قصص غوركي التي تكرس مفهوما للتمرد على الظلم والعسف من وجهة نظر إيديولوجية معروفة ، في حين تبدو نهاية قصة الأوباش نهاية أخلاقية تجعل نهاية الذين يعتدون على أعراض الناس القتل كما ان هذه القصة تمثل وجهة نظر جديدة للقاص عبد المجيد لطفي أشار إليه الدكتور عبد الإله (باتجاه جديد سلكه المؤلف فيما بعد) وهو اتجاه تأثر بالأدب الواقعي الروسي واسهم في نقل كتابة القصة عنده من الاتجاه الرومانسي الذي نجده واضحا في مجموعته الأولى (أصداء الزمن)الذي ضمت قصصا كتبت قبل كتابة هاتين القصتين ببضع سنوات إلى الاتجاه الواقعي النقدي.
ويتضح في قصة (الأوباش)إضافة إلى السمة الحوارية التي أوضحت ملامح وأفكار شخوص القصة بشكل ملخص ، فإنها أسهمت بإغناء ذلك التناوب الفني بين حركة الشخوص وحوارهم وبين تدخلات السارد العليم الذي يقطع هذه الحوارات من اجل رسم الأجواء التي تحيط بالشخصيات، ويعمل هذا القطع على تأثيث المكان القصصي، ووصفه بالاتجاه الذي ينمي شعورا بالحياة القاسية التي يعيش ضمنها شخوص القصة (لاح في الجدار شق كبير اتخذته العناكب لها مأوى ونسجت عليه خيوطها القذرة المسودة من اثر الدخان) ثم وصف ملامح الشخوص أثناء الحوار ، كوصفه للمعلم وهو يعبث بأصابعه (في فتيل المصباح يزيده نورا فقد خبت أضواء النيران ص414) أو وهو يصف العاطل وقد (لف العاطل سيجارة جديدة من دخان خشن رخيص وقربها من الموقد وامتص منها نفسا طويلا نفس الصفحة) إضافة إلى وصف للجو ألشتائي المشاكس.
إن هذا التناوب بين السرد الذي يديره السارد العليم والحوار المسرود الذي تنطق به الشخصيات قد أسهم في تنويع السرد وأغناه بالإحاطة الضرورية للعالم المصغر المشاكس الذي يعمل على إدامة التوتر والتحفيز للتغيير وكسر عالم الرتابة والبؤس الذي يحيط بالشخوص، وهو امر متعلق بالنهاية المأساوية لبعض شخوص القصة .
ونلاحظ أيضا أن القصة تسرد تفاصيلها إلى قارئ أخلاقي ( مرو له) كالقصة السابقة ولكن بشكل مختلف فهو هنا مختف وتعمل نهاية القصة على إرضائه ، بالنهاية المفجعة للمعلم المحرض الذي كان يحرض زملاءه على التمرد ضد واقعهم المزري قائلاً (لا بد من غزوة ...). في حين يكون المروي له في القصة السابقة مستمعا سلبيا لا تأثير له على الشخصية الرئيسية في القصة.
ومن القصص التي يمكن أن تؤكد استنتاجاتنا عن جهود القاص عبد المجيد لطفي في تجويد فنه القصصي ورفع رتبته الى مصافي القصة الفنية ما تضمنته مجموعته الأولى (أصداء الزمن) الصادرة عام 1939 فهي تضم سبع قصص قصيرة جدا- كانت تسمى أقاصيص آنذاك- تحت عنوان " تحت دواليب الحياة" (8) مستلة من واقع الحياة في فترة الثلاثينات و قد كتبت بشكل فني منضبط، تجاوز فيها القاص القطع النثرية والقصص البسيطة التي احتواها ذلك الكتاب، وبالاتجاه الذي كرس لظهور قصص ناجحة فنيا، وباستثمار موفق لتقنيات السرد الحديثة التي اشرنا إليها، وهي تنتمي إلى القصة القصيرة جدا، على الرغم من ان القاص عبد المجيد لطفي له رأي سلبي في هذا الجنس الأدبي(9)، غير انها في تكثيفها العالي ووجهة النظر المحايدة لساردها، وتقديمها من خلال الحوار والمفارقة الدالة كل ذلك جعلها قصصا فنية بامتياز ، وسوف نتخذ من إحداها تطبيقا عنها. ونود أن نشير إلى الناقد "جمال نوري " كان سباقا للكتابة عن هذه القصص معتبرا إياها قصصا قصيرة جدا وأعطى لكاتبها القاص عبد المجيد لطفي الريادة في هذا الفن الجديد والصعب(10).
تبدأ القصة الأولى ص51من الكتاب –بحوار مباشر بين طفل مع رجل يوصف بالهزيل يطلب فيه الطفل – فلسا واحدا – عمي فلس واحد اشتري خبز-فيجيبه الرجل الهزيل متسائلا : فلس واحد للخبز ومن أنت يا ولدي ؟ فيسرد له الطفل حياته باختصار : أمه ماتت قبل شهر وأبوه غرق قبل سنة فيمد الرجل يده في جيبه ويعلن _صدقني يا ولدي إنني لا املك الفلس.
وتسجل هذه المفارقة الساخرة والمأساوية بنفس الوقت واقعا بائسا لشخصيتين احدهما في مقتبل العمر والآخر كهلا بوجهة نظر محايدة لا تعليق فيها ولا شرح ، لكن هذه المفارقة تتخذ مسارا آخر حين يصف السارد الصبي ضاحكا من جواب الكهل في حين يصف الكهل وهو يرسل دمعة ،فالطفل الضاحك من هذه النهاية يكتشف فجأة أن عالم الكبار يشبه عالمه ، وأنهم يمكن أن يكونوا جائعين مثله ولكنهم قادرون على محاصرة آلامهم وكبتها .
وتكشف القصص الست الأخرى تقنية مشابهة أساسها الرصد المحايد للسارد المحايث للشخصية القصصية ، والتكثيف العالي بحيث تكتمل القصة في اسطر معدودة ، إضافة إلى أنها تبنى على الحوار في معظمها مع نهايات تستثمر المفارقة التي تفتح افقا للتأويل لم نجدها في النصوص التي احتوتها مجموعته الأولى أصداء الزمن التي حفلت بقطع أدبية نثرية وشعرية أساسها المناجاة الرومانسية والمواقف العاطفية المباشرة.
لقد كان القاص عبد المجيد لطفي رائداً من رواد النهضة العراقية في بداية تشكل الهوية الوطنية العراقية، قد كتب قصصه ومقالاته وإشعاره بهاجس الإسهام في التنوير والتغيير مع مجموعة خيرة من أبناء العراق، كانت قد وضعت أساسا متينا للهوية الوطنية وحرصت على إعلائها بنكران ذات وتجرد لا مثيل له ،وقد لاقت من صنوف التهميش والإقصاء والسجن من اجل هذه المهمة الجليلة .
لقد كتب القاص الرائد عبد المجيد لطفي كلمة واهداء تصدر كتابه الأول "أصداء الزمن" قال في نهايتها(فأنا اذ طبعت هذا الكتاب فإنما أطبعه وأقدمه إلى هؤلاء الذين يحبون الجمال ويفنون في الحب ويرون المثل العليا في الحقيقة العارية من الأنانية والجشع والطغيان) ص18 " (11).

الهوامش:

1- نشأة القصة وتطورها في العراق 1908-1939عبد الاله احمد -مطبعة شفيق بغداد 1969
2- من تاريخ القصة العراقية – الدكتور عمر الطالب – موقع منتديات شبكة نيو لايف 11/8/2011
3- (مجلة الاديب العراقي العدد التاسع عشر – ايلول 1976 السنة الرابعة)
4- القاص والواقع –ياسين النصير – منشورات وزارة الاعلام – الجمهورية العراقية 1975ص15)
5- أصداء الزمن ـ عبد المجيد لطفي ـ سلسلة علم وأثر ـ دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ـ الطبعة الثانية ـ 2006
6- نشأة القصة وتطورها في العراق ـ مصدر سابق ـ ص411.
7- نشأة القصة وتطورها في العراق ـ مصدر سابق ـ ص413.
8- أصداء الزمن ـ مصدر سابق ـ ص 51.
9- (فهو يرفض ""القصة القصيرة جدا"شكلا ومضمونا واصطلاحا ، إذ هي ليست من أدب القصة في شئ ، فهي في حقيقتها خبر محلي لا يتطلب شرحا لصغره وعاديته ولا يحتمل المد لصيرورته قصة عادية أو نواة لرواية وفي خبرته أن القصة القصيرة جدا بدعة من بدع الصحافة الرأسمالية التي أفسحت المجال لها ...ص158من كتاب (القاص عبد المجيد لطفي تأليف حميد المطبعي – دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد ط1 لسنة 1990
10- عبد المجيد لطفي وريادة القصة القصيرة جداً في العراق ـ جمال نوري ـ موقع مركز النور الإعلامي 1/11/2010.
وقد أكد القاص جمال نوري على هذه الريادة بقوله: "إن هذه القصص قد نشرت قبل صدور الكتاب بكثير, ولهذا حسب نستطيع ان تقول أن هذه القصص القصيرة جدا والتي نشرت تحت عنوان (تحت دواليب الحياة) تأتي بعد محاولات نوئيل رسام في نشره لأول قصة قصيرة جدا في العراق عام 1930عنوانها(موت فقير). وهذا مالم يلتفت اليه النقاد ولم يتوقفوا عنده , فالقصص التي نشرها تتوافر على قدر كبير من شروط ومعايير القصة القصيرة جدا , وهذا ما نجده جليا عبر لغته المكثفة والمقتصدة في ملاحقة سردية مدروسة للواقعة القصصية التي تجلت بفنية عالية".
11- أصداء الزمن ـ مصدر سابق ـ ص18





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,469,805,472
- ذاكرة جيل الحرب تفتح نافذة على :
- الروائي إسماعيل فهد إسماعيل ونزعة التجديد في تقنيات السرد ال ...
- قراءة في ديوان اغاني موسم الجفاف
- مجازات وصور مبتكرة من عالم الطفولة
- موعد النار واسئلة الوجود المحيرة
- التطبيق على تقنية ( المشهد ) في القصة القصيرة /عربة تحرسها ا ...
- قراءة في قصيدة عاشقة الليل
- في جماليات النص الروائي


المزيد.....




- حصون عُمان وقلاعها.. تحف معمارية وشواهد تاريخية
- قداس بكنيسة صهيون.. الفنان كمال بلاطة يوارى الثرى بالقدس
- للحفاظ على اللغة العربية... حملة مغربية ضد إقرار اللغة الفرن ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- اللبنانية إليسا تصدم متابعيها بقرارها الاعتزال .. والسبب &qu ...
- تعز.. تظاهرات حاشدة تطالب بتحرير المحافظة وترفض الاقتتال الد ...
- الفنانة شمس الكويتية -تختبر الموت- في صورة لافتة (صورة)
- الفنانة إليسا تعتزل الغناء
- الوطن المفقود والمشتهى.. قصائده وأغانيه في الثورة السودانية ...
- القبض على مخرج فيلم -خيال مآتة-


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل الشبيبي - من بحوث المهرجان الثاني للشاعر كاميران موكري – السليمانية