أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميح مسعود - عن فنِّ التصوير عند العرب ويحيى بن محمود الواسطي






















المزيد.....

عن فنِّ التصوير عند العرب ويحيى بن محمود الواسطي



سميح مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 3581 - 2011 / 12 / 19 - 08:48
المحور: الادب والفن
    


عن فنِّ التصوير عند العرب
ويحيى بن محمود الواسطي
بقلم : الدكتور سميح مسعود

اهتممت مبكراً بكل ما يتعلق بحركة التصوير العربية التقليدية، لمعرفة فنها الموروث بكل ما فيه من ألوان وإشعاعات متميزة، وهكذا وجدت نفسي محاطاً بمراجع كثيرة مزدانة بشواهد وأدلة فنية كثيرة ارتبطت بالمجتمعات العربية السابقة، خاصة في بلاد الشام والعراق، يتبين منها أن العرب قد أجادوا فن التصوير والرسم والتزويق والترقين، وخلفوا وراءهم ثروة من مكونات وتفاصيل فنية جميلة على السقوف والجدران والخزف والزجاج والخشب والمعادن والثياب.

أول ما لاحظته في تلك المراجع، ما يثار عن اختلاف الفقهاء حول تحريم الإسلام للتصوير، لعدم وجود نص صريح في القرآن يمنع فيه التصوير، ووجدت أنّ الشيخ محمد عبده قد رأى "أن التحريم كان نسبياً ولم يكن مطلقاً، وأن الصور والتماثيل مباحة إلا إذا هدفت للعبادة والتعظيم". وقد أفتى حسب ما جاء في كتاب أعماله الكاملة بأنه " ليس هناك ما يمنع المسلمين الجمع بين عقيدة التوحيد ورسم الإنسان والحيوان"، كما وجدت في مراجع أخرى كثيرة ما يشبه رأيه هذا بأن "التحريم يقع فقط على جزء من الفن المستخدم للدعوة الوثنية بأشكالها المختلفة، وعلى التماثيل التي تنحت للعبادة والتقديس، أو التي فيها امتهان لكرامة الإنسان، أو تدعو للإباحية والهبوط والانحراف."

وتوقفت في هذا الشأن عند معلومة مهمة تؤكد على عدم تحريم الصور، مفادها أنَّ صورة للسيد المسيح ولأمه مريم قد بقيت في داخل الكعبة منذ فتح مكة وحتى نهاية ولاية عبد الله بن الزبير سنة 73 هجرية، أي أنّها بقيت في داخل الكعبة نحو 65 عاماً، وبحثت مطولاً عن مصدر هذه المعلومة وأخيرا وقع في يدي مقالة لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بعنوان (الإسلام والأديان) نشرها في جريدة الأهرام في الأول من يناير عام 2007، بين فيها للتدليل على العلاقة القوية بين الإسلام والمسيحية أنه حين دخل الرسول مكة فاتحاً، أمر أصحابه بمحو صور الأنبياء والملائكة الموجودة على جدران الكعبة وأبقى فقط على صورة عيسى وأمه مريم، وهذا موثق بالمراجع ككتاب "أخبار مكة" للأزرقي وخلافه.

وبالرغم من كل ما قيل عن كراهية التصوير في الإسلام أو تحريمه، فقد ازدهر التصوير عند العرب وعند غيرهم من المسلمين خاصة عند الأتراك والإيرانيين، وثمة صور كثيرة من العهود الماضية محفوظة في الوقت الحالي في مكتبات ومتاحف عربية وعالمية كثيرة منتشرة في الشرق والغرب، منها منمنمات دينية كثيرة تمثل الرسول وأصحابه محفوظة حتى الآن، جاء المجمع العلمي المصري على ذكرها في منشوراته مبكراً خلال الأربعينيات من القرن الماضي، منها صورة للرسول وهو يتلقى الوحي، أنجزت عام 1192، وهي محفوظة حاليا في المكتبة الوطنية بالقاهرة، وهناك منمنمات مقدسة في مخطوط معراج نامة، الذي أنجز في هراة (أفغانستان) عام 1436 صور فيها الرسول في معراجه إلى السماء السابعة، ويعتبر هذا المخطوط من أهم المخطوطات الشرقية في مكتبة باريس الوطنية، وقد حققه ثروت عكاشة، ونشر منمنماته وشرحها في كتاب له عام 1987، كما شاهدت مخطوطة فيها مئات المنمنمات تصور السيرة النبوية محفوظة في متحف قصر توبكابي في اسطنبول، وهناك في نفس المتحف خمسة مجلدات تضم ما يقرب من 700 منمنمة تجسد شخصية الرسول وشخصيات الصحابة والخلفاء الراشدين، عُرضت تشكيلة منها مع مقتنيات أخرى لسبعة متاحف تركية في معرض هو الأول من نوعه خارج تركيا أقيم في أبو ظبي باسم "الإسلام عقيدة وعبادة"، وقد تم افتتاحه بتاريخ 22 يوليو 2009، ولا أغفل هنا ذكر صورة مقدسة عن حجة الوداع من كتاب لأبي حيان البيروني أنجزت عام 1307 محفوظة في مكتبة جامعة أدنبرة ، وأخرى عن المولد النبوي الشريف للهمداني أنجزها عام 1307محفوظة أيضا في نفس المكتبة، و تجدر الإشارة في هذا الجانب أيضا إلى وجود قطع نقد أموية من عهد الخليفة مروان الثاني تحمل صورة للرسول محفوظة حالياً في المتحف البريطاني بلندن.

وعموما، تجلى فن التصوير عند العرب بشكل خاص في المساجد والقصور ومخطوطات الكتب، وهناك مجموعة كبيرة من الصور ظهرت في الدول العربية وغيرها من الدول الإسلامية في هذه المجالات الثلاثة، ويوجد حتى الآن في بعض المساجد لوحات زينت بالفسيفساء الرخامية والخزفية تظهر فيها أشكال مجسمة للأشجار والنباتات، كما يوجد على جدران وسقوف بعض القصور رسوماً لأشكال مختلفة أدمية وحيوانية ونباتية، ومن أهم ما وجد حتى الآن، مجموعة من الرسوم الحائطية في قصير عمرة في الأردن من العهد الأموي، تشتمل على مشاهد مختلفة لمجالس الأمراء وللصيد والرياضة وأبراج السماء ولراقصات عاريات ومرتديات ومشاهد للاستحمام، وعثر في قصر الجوش الخاقاني من العصر العباسي على صور كثيرة خاصة في أجنحة الحريم، وعثر في دار الملك رضوان في حلب على صور مزينة برسوم بشرية تمثل جماعة يعزفون على آلات موسيقية وصور أزهار ذات ألوان جميلة وصورٍ لأسود. ومن مناحي التصوير الأخرى التي أبدع فيها الفنان العربي بشكل خاص إبان العهد العباسي، تصوير الكتب، التي ساعدت بالصور والألوان من شرح وتفسير المؤلفات العلمية والطبية والفلكية والتاريخية والجغرافية، ويلاحظ باكورة هذا التوجه الفني في كتاب الصوفي "صور الكواكب الثابتة" الذي يعود تاريخه إلى عام 1009، ومن أهمّ التصاوير في الكتب العربية الأدبية: "كليلة ودمنة" التي ترجمها عبد الله ابن المقفع إلى العربية عن الفارسية إبان حكم الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وتم فيها إظهار خيالات الحيوانات في ألوان وأصباغ براقة زاهية.

وقد ظهر فيما مضى عدة مدارس تصوير عربية وإسلامية، يهمني أن أذكر منها مدرسة بغداد التي ظهرت في القرن الثالث عشر إبان تفكك الخلافة العباسية، وحالة التمزق التي عاشتها الدول العربية، ومن أشهر مصوري هذه المدرسة يحيى بن محمود الواسطي، الذي جمع بين التأثيرات الفنية المسيحية الشرقية والتأثيرات الفنية الإيرانية، وهناك من يرى أنَّه قد تأثر أيضاً بكل من جاء قبله من فنانين ومن فنون، حتى وبجداريات الأشوريين وكل فنون وادي الرافدين القديمة، واستطاع أن يجمع كل هذه التأثيرات ويخلق منها أسلوبًا جديدا خاصاً به، اهتم فيه بإظهار الطابع العربي، في الزخرفة ورسم حيوانات البيئة وملامح وجوه الأشخاص وملابسهم العربية، كما اهتم في أسلوبه أيضا – كما جاء في دراسة للفنان شاكر حسن السعيد- بعاملي اللون والإضاءة، وهما وسيلتان من وسائل السطح التصويري، يتوليان عنده نفس دور البعد الثالث.
لتميز الواسطي، ثمة إجماع على أنّه يحتل مركزاً في طليعة المصورين العرب، ويعتبر بجدارة شيخهم وأستاذهم، والمؤسس الفعلي لمدرسة بغداد للمنمنمات، اشتهر في زمانه وأقام معارضه في مكتبات المدرسة المستنصرية ببغداد، واقتنيت إنجازات إبداعاته الفنية في الأندلس والمغرب العربي، خاصة من قبل ملوك الموحدين في مراكش. .

ولأهمية الواسطي برز اسمه في دراسات وأبحاث وكتب عديدة باللغة العربية، منها كتب لثروت عكاشة، وجورج عيسى، وكلود عبيد، وعفيف بهنسي، وأبو صالح الألفي، ودراسة موسعة لبلند الحيدري، ودراسات لكثير من المستشرقين منها دراسة للمستشرق ماسينيون، كما اهتم به الفنان العراقي جواد سليم وتأثر به، وأقيم مهرجان كبير لأول مرة باسم الواسطي في بغداد عام 1972، وطبعت خلاله البحوث والدراسات التي قدمت من قبل المشاركين، كما أنه كُرم في العام نفسه بإقامة تمثال له في منتزه الزوراء ببغداد، يظهر فيه جالساً على مقعد وبين يديه مقامات الحريري المشهورة.

ويقول عنه الفنان بول غيراغوسيان" عندما يصور الواسطي قاضياً يحكم على ولد خالف والده، فأنا أقدر أنْ أفهم عمق الواسطي رغم أنني لا أقدر أنْ أصل إليه، إنني أجرب أن أغار من فنه وأفتح لفني باباً جديداً منه لأصل إلى قوته وروحه لا إلى صوره، وإلى صبره وإيمانه لا لنقل ألوانه وخطوطه، وبقدر ما أتعب لأصل إلى ما وصل، أكون عندها قد دخلت حقاً إلى التراث."

ويقول عنه الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري "بقليل من المداد الأسود، وبقليل من بقايا حرق ألياف الكافور ومزجها بزيت الخردل، وبقليل من الألوان التي كان يقوم أحيانًا بنفسه في تحضيرها استطاع الواسطي أنْ يتبوأ مكانة عالمية في تاريخ الفن العالمي، ما اتسع مثلها لغير عدد قليل من فناني العالم الكبار، وحتى عُدَّ الممثل الرئيسي للفن الإسلامي، الذي يمكننا أن نختصر به أهم مميزات هذا الفن عبر جانبيه التشكيلي والاجتماعي، وإن لم يكن قد أضاف إليها الكثير مما يقيم قواعد جديدة من حيث القيم الرئيسية لهذا الفن، فهو كما كان يقول عنه المستشرق "بلوشيه" قد استطاع أن يأتي بأروع ما أنتجته المدرسة البغدادية، وهذا يعطي الانطباع أنَّ هذا الإنتاج الفني هو أحسن ما يمكن أن يشار إليه بالنسبة لذلك العصر."

لقد أبدع الواسطي واشتهر في رسم مائة صورة (منمنمة) زين بها مخطوطة "مقامات الحريري" التي تعتبر من درر اللغة العربية، وفرائد الأدب، تشتمل على خمسين مقامة مليئة بالأمثال والأشعار، بطلها أبو زيد السروجي، ويروي حكاياته فيها الحارث بن همام، على غرار مقامات بديع الزمان الهمداني، وذلك من حيث البناء الفني وكشف العيوب ومعالجة المسائل الفكرية واللغوية، ويوجد للمقامات عشر مخطوطات مصورة، منها ثلاث مخطوطات محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم 5847 عربي، يرجع تاريخها إلى عام 1222، المخطوطة الثالثة منها من نسخ وتصوير الواسطي، وتتميز عن غيرها بأنها تمثل مدرسة التصوير العربية، وتوجد أيضا نسخة من مخطوطة مقامات الحريري، في مكتبة معهد الدراسات الشرقية بأكاديمية العلوم ببترسبرغ، ويرجع تاريخها إلى الفترة 1225 -1235، وثلاث مخطوطات في المتحف البريطاني، ومخطوطة في دار الكتب الوطنية بفينا، ومخطوطة في اسطنبول نسخت في عهد آخر خلفاء العباسيين.

وقد وفق جورج عيسى، مؤلف كتاب "شيخ المصورين العرب: يحيى بن محمود الواسطي" بتثبيت 36 لوحة للواسطي في نهاية كتابه، تحدث عنها على امتداد فصل كامل، مبيناً خصائصها الفنية ودلالاتها، ومؤكداً على أن الواسطي تمكن فيها من "تجسيد رؤية لواقع عصره عن طريق الخطوط والألوان والتعبيرات والتنغيمات الزخرفية"، ومن هذه اللوحات لوحة للخليفة العباسي بعمامته ولحيته وشعره المرسل على عنقه، ولوحة تمثل حالة ولادة، وأخرى تصور حانة، كما ثبت في كتابه أيضا لوحة للفنان جواد سليم (استلهام من التراث) ولوحة للفنان شاكر حسن آل سعيد (استلهام من التراث) لتبيان تأثير الواسطي على هاتين اللوحتين، ولعل كتاب جورج عيسى من أفضل ما كتب عن الواسطي، ظهر فيه تقديره وشغفه الكبير بهذا الفنان العربي الكبير.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,517,460,472
- هذه الارض لنا ...أنا وانت
- رواية أيام قرية المُحسنة
- مريم ذاكرة وطن
- دينُ الحب
- بنت عمي فاطمة
- هيلين توماس
- مآّذننا وأبراج كنائسهم


المزيد.....


- سوسن ابيض للكاتب المبدع محيي الأشيقر -البحث عن زمن جديد- / هاشم مطر
- ذاك القلم / اليمين أمير
- ظلٌ منفردٌ / اكرم البرغوثي
- أمي وأشياء أخرى / علي غشام
- باصابع محترقة اكتب عن طبيعة النار رحيل كرستا فولف سيدة الروا ... / لطيف الحبيب
- مساءلة / عبد العاطي جميل
- ذباب في الحديقة / ناس حدهوم أحمد
- مات المشروع قبل الميلاد. / محمود الرشيدي
- الأم والنخلة..!! / مصطفى حسين السنجاري
- سَفَراً أمضي / إيلي الزين


المزيد.....

- وليم كارلوس وليمز: ضرب من الغناء -
- (الأيام) البحرينية تستعرض الإنجازات الكبرى التي حققها المغرب ...
- من مقر الامم المتحدة.. المغرب يدعو إلى الوقف الفوري للعدوان ...
- من هو الفنان الأعلى أجراً في هوليود هذا العام؟
- الناقد الفني جميل ضاهر: مريام فارس فشلت وهيفاء تفوقت و" ...
- معوقات أمام الأدب العربي للطفل
- عبده وازن: الكتابة للطفل صعبة وممتعة
- وزير السياحة المصري يدعم مهرجان الموسيقى الصوفية
- مخاطر التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني
- مساهمة المغرب "لا محيد عنها" لبناء جسور بين الولايات المتحدة ...


المزيد.....

- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر
- زجاجتان في خاصِرة القلب / ايفان الدراجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميح مسعود - عن فنِّ التصوير عند العرب ويحيى بن محمود الواسطي