أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميح مسعود - بنت عمي فاطمة














المزيد.....

بنت عمي فاطمة


سميح مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 3065 - 2010 / 7 / 16 - 10:31
المحور: الادب والفن
    


قريبتي إمراة تراكمت أثقال السنين على كاهلها ، وهي تعيش وحيدة بمفردها دون ان ُيسمع منها شكوى او تذمرا او حقدا دفينا على احد ... لم تعرف في حياتها سوى مسقط رأسها برقة ، التي هي مسقط رأس والدي وجدي الاكبر ، لم تعرف في حياتها سوى هذه البلدة ،عزفت فيها عن مغريات الحياة وبهارجها ... أصرت على البقاء فيها ثابتة طيلة عمرها اكثر من اثنين وثمانين عاما ، وقد زاد ثباتها بعد النكسة ... رفضت الخروج منها طوعا و رفعت راية الصمود والثبات .

تعلقها بالارض أتاح لها ان تحافظ على ارض اهلي وبيوتنا ، وتحمي اشجارنا ... كانت تعرف كل اشجار نا تقفز من شجرة الى اخرى ، تحصي فروع اشجار الزيتون واللوز والليمون والرمان ، ترويها بقطرات عرقها ، وتحصي اتلام ارضنا تلما تلما ، وتحصي حتى ذرات التراب حبة حبة في ارض البوبع والمسعودية والشلعوطية والجناين وجبل البد واراض اخرى .

كانت بنشوة عميقة تحافظ على ابواب مفاتيح ابواب بيوتنا المهجورة من الضياع ، تزورتلك البيوت بين الحين والحين ... تضع المفاتيح في مغاليقها … تفتحها وتجلس فيها ، ويتلوى جسدها النحيل المثخن بالحنين وهي تنتظر قدوم زائر يأتي من الشتات ... تنتظر وسط لهيب شوق يتأجج لاي زائر كان ... تنتظر طويلا وعندما يحل الليل ولا يأتي أحد ، تغلق الابواب ثانية وتعيد المفاتيح الى مخابئها من جديد .

نداء باطني غريب كانت تسعى وراءه دوما ، تلاحق به اخبار من تاهوا من اهلها في دروب الشتات الموحشة ... يعلو صوت نبضها على ذكراهم ... تستحضر وجوههم في غمار ايامها ، وتستمد من حبهم قدرة خارقة على الصمود والبقاء .

عدت اليها لزيارتها لاول مرة في عام 1995 بعد غياب دام اكثر من ثلاثين عاما ، مر خلالها العام إثر العام في بلاد الاغتراب ، عدت اليها في ذات صباح مشمس ، وجدتها جالسة في أفياء شجر زرعه والدي في حاكورة بيتنا ، تسند ظهرها على قرمية زيتونة قديمة ، استقبلتني بحفاوة دون ان تعرفني ... وكيف تعرفني وقد ابتعدت عنها سنوات طويلة دون انقطاع ؟ تغير تُ بها وعلا الشيب رأسي ... مددت يدي اليها وقبلت كفيها ، وبحماس طرحت عليها اسئلة ايحائية عن حالها واحوالها .

عرفتني وقتذاك من نبرة صوتي ... كانت سعيدة لزيارتي لها ... حدثتني عن الاهل بحنان غامر، وبعقل راجح قلبت الامور على جميع وجوهها في ظل الاحتلال وعبرت لي برطنة لهجتها الريفية عن حزنها لان كبار السن يشيخون ويعجزون ويموتون ... يرحلون الواحد تلو الاخر ، يختفون و تغلق ابواب بيوتهم ، و لا أحد يحل محلهم ، وهكذا تفرغ القرى والمدن من اهلها في ظلال الاحتلال الكابوسية من دون قتال ، وهذا ماتراهن عليه دولة الاحتلال .

هكذا استشرفت عالما لها بكلمات محسوبة قليلة ، رددتها بسلوكها العفوي ... فكرت جديا ان اسجل اقوالها وارسلها الى اصحاب المقامات العالية الطارئة ، الذين هم في وضعية انبطاح على سطوح بروجهم ويتظاهرون بانهم منشغلون في امور وطنية شتى .

بعد تلك الزيارة ، واظبت على زيارتها خلال السنوات الما ضية كل عام مرة واحدة ، كنت اقصدها حاملا اقدامي المتعبة من الاسفار والترحال ، أنساب عبر دروب طويلة يسمونها " إلتفافية " ... اسير فيها في دفق الشوق اليها ... أصلها ، وأغوص في اعماق احاديثها ، تكشف لي عن كل ما يجري حولها ، توهبني سعادة لا توصف ، وهي تتحدث بميل فطري اصيل عن الاهل والناس والارض ، وعن الامس والماضي وكانت تعاودني على ايقاع احاديثها ذكرى تلك الايام التي لا تنسى .

زرتها ذات يوم في بداية العام الحالي ، استمتعت باحاديثها ... سمعت منها الكثير عن احداث عاشتها مع امي وابي ، و عن محطات كثيرة في طفولتي ، وعما استجد حولها من احداث ، وفي لحظة صمت ، شعرت انها مثقلة بالسنين ، وانها تغيب في إغفاءة ... إغماضة عين ... وتشعر بكثير من الاحباط ... وعندما ودعتها شعرت لاول مرة انها اقل صلابة من ذي قبل ....كانت شاحبة وشاردة الذهن ... وبينما كنت اودعها على عتبة البيت ، سمعت اخركلمات منها قالتها بصوت خفيض " حافظ لي على الارض والحجر والشجر"

قبل ايام ، رن هاتفي فور صحوي من نوم متقطع ، كان الوقت صباحا في مونتريال ... رفعت سماعة الهاتف ، وسمعت صوتا يتحدث بصوت عال اشبه بالصراخ " انا (... ) أتحدث اليك من برقة ...جاءني صوته مرتجفا من وراء تخوم المحيطات الشاسعة التي تفصلنا ... اخبرني برحيل بنت عمي ... فارقت الحياة ودفنت في الارض التي احبتها ولم تفارقها طيلة عمرها دقيقة واحدة ... كالشجر ماتت واقفة ، في زهو ماتت واقفة بين قرامي الزيتون... جاءها الموت وهي وحيدة في سكون ليلة معتمة .

طفرت من عيني دمعة عند سماعي خبر رحيلها ، لحقتها دمعات اخرى كثيرة ، غرقتُ معها في صمت ، وانتابني حزن عميق ... اعتبرتني دوما الابن الوحيد لها ، وكانت لي بمقام امي الثانية ...حملتني صغيرا كما كانت تحملني امي ... كانت تجلسني في حجرها وتهدهدني مرددة كلمات سجعية معبرة متواصلة ، وتحكي لي حكايا متخمة بسلسلة حكايا اخرى عذبة لا تنتهي ، كحكاية ابريق الزيت وغيرها ، وكانت كثيرا ما ُتثبت لي ارجوحة على حبال تمتد مابين شجرتين عاليتين ، تضعني عليها وتدفعها عاليا ، وانا اتحرك معها نحو الامام والخلف تارة ، وفي حركات دائرية تارة اخرى .

احمل معي حتى الان عن هاتيك الايام الخوالي أشرطة ذكريات كثيرة لها محفورة في الذاكرة بكل تفاصيلها ، تلازمني بكل ما فيها ، واستحضر منها مضامين ايام مضت ، اراها فيها متألقة تفيض حنانا وطيبة .

سوف احافط على تلك الذكريات ، وسوف أودعها لدى من يظل بعدي ، ملفعة باحاديث دافئة عن الصمود والثبات في ارضنا الطيبة .



#سميح_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هيلين توماس
- مآّذننا وأبراج كنائسهم


المزيد.....




- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سميح مسعود - بنت عمي فاطمة