أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - أمين المهدي - كتاب:-الثورة المصرية بين القلعة والمعبد- الباب الثاني: -تفتح اللوتس-















المزيد.....



كتاب:-الثورة المصرية بين القلعة والمعبد- الباب الثاني: -تفتح اللوتس-


أمين المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 3492 - 2011 / 9 / 20 - 19:57
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


الإسكندرية في سبتمبر 2011


كتاب:"الثورة المصرية بين القلعة والمعبد"

الباب الثاني: "تفتح اللوتس"

تأليف: أمين المهدي



ذيل السحلية

تلجأ بعض الكائنات إلى خدع حيوية معقدة كى تنجو من صراع أكبر من قدرتها على الاستمرار فيه ، فبعضها يهرب بعد أن يترك أحد أطرافه فى فم الخصم أو أمامه وهو يتحرك فى إيحاء أنها استسلمت ، مثل أنواع من السحالي والأبراص التى تتخلى عن
ذيلها ، وبعض كائنات القاع البحرية والرخويات تترك زائدة من زوائدها مثل أنواع من الإخطبوط ، وبعض هذه الكائنات تكمن كي تعاود الهجوم على غرة .
سلك الرئيس المخلوع حسنى مبارك ونظامه نفس سلوك هذه الكائنات فقد أخذ يقدم التنازلات ضمن ثلاثة خطابات عن كل ما يمكن تعويضه مثل مجلس الوزراء وبعض رجال أعماله والتوريث والتجديد لرئاسة أخرى والقبول ببعض التعديلات الدستورية ، وتنفيذ بعض أحكام القضاء ؛ فى حين أنه وفى نفس الوقت كان ينسج لنفسه ولنظامه شبكة أمان محلية وإقليمية فعين صديقه المقرب أحمد شفيق رئيساً للوزراء وعين ساعده الأيمن وبئر أسراره الجلاد الدولي عمر سليمان نائباً له ، وفيما كان هذا الثنائي يتحدث طوال الوقت فى كل منابر الإعلام الممكنة عن "تقاليدنا" التى ليس فيها إقالة الرئيس ، واستحضار التنازل المشرف للملك فاروق وأن الجيش يرفض إهانة أحد "أبطال" حرب أكتوبر ، وأن الرئيس تنحى "خلاص" فى سبتمبر القادم !! كانا يتحدثان وكأنهما يخاطبان أطفالاً ، كانت هيئة مبارك ورجاله وأسلوب الخطابات تبدو وكأنهم قدموا من قاع البحر أو من كهف خارج الزمان والمكان ، وكانت خطابات مبارك تتضمن شحنات من الإبتزاز العاطفي وإثارة العصبية الوطنية والتهديد ، وفى ذات الوقت كان يدبر أقذر أنواع العنف ضد المتظاهرين السلميين ، إلى حد استعمال الحيوانات المسكينة من خيول وجمال ، بالإضافة إلى البلطجية والقناصة وأشرس أنواع أجهزة القهر – دولته الحقيقية – من أمن دولة ومخابرات ومليشيات ، وحملة تضليل إعلامي هائلة وفاجرة ، شملت عملية تعمية لوسائل الإعلام العالمية بالاعتداء على حوالي 80 صحفي ومراسل أجنبي ، فضلاً عن حرب الإشاعات والتشكيك ، كما شملت شبكة الأمان المحلية مؤسسة الأزهر والأوقاف (باستثناء الشيخ محمد رفاعة الطهطاوي المتحدث باسم الأزهر الذي انحاز للثورة في وقت حساس) والقوى السلفية الوهابية بالإضافة إلي الكنيسة القبطية، ذلك أنه عندما يختلط
الجهل بالتسلط واللاتواضع ؛ فنحن حينئذ أمام نوايا وأفعال إجرامية ، هذا ماكانت تعنيه شبكات الامان.
كان الصديقان يتحدثان بتبجيل عن رئيس شبه أمي لم يثبت خلال ثلاثة عقود أنه يتمتع بأي قدر من المسئولية الأخلاقية والوطنية ، وفشل فى أن يتحول إلى رجل
دولة فتحول إلى زعيم عصابة.
كان الجلاد الدولي يتظاهر بالحوار مع شباب الثورة والأحزاب وفصائل الإسلام السياسي، وفى الخفية كان يفاوض الإخوان المسلمين وغيرهم من أجل الالتفاف على الثورة ، ولما لا وهم القاعدة الشعبية الأطول عمراً والأكثر ثقة لجمهورية يوليو العسكرية الريفية ، بعد نفاذ كل الوسائل لم يتبقى إمام الطاغية سوى الرهان على الحرب الأهلية وما يفعله أقرانه فى ليبيا واليمن والسودان وسوريا خير دليل ، وفى مصر لا يوجد من هو أهل للثقة فى هذه المهمة أكثر من الإخوان وتوابعهم ، ولكن-فى إعتقادي- أن زخم الثورة وأتساعها الجغرافي كانا أكبر من أن تستدرج إلى ذلك ، فضلاً عن أن شباب الإخوان وبعض القيادات المتمردة كانوا كفيلين بفضح ذلك ، وهو ما حدث بالفعل وخاصة على لسان لقيادي الإخواني السكندري هيثم أبو خليل وهو يقدم استقالته إذ اتهمهم بالخيانة الوطنية والتأمر وفضح هذه للقاءات السرية (1/4/2011 BBC ) ، لدي من الأسباب مايدفعني للاعتقاد أن تلك الخطط أخذت طريقها للتنفيذ بعد ذلك وسأعرضها لاحقا . أما عن شبكة الأمان الإقليمية التى أشرت إليها فى الحلقة السابقة فقد افتضحت أكثر عندما أخذ الرئيس المخلوع يؤجل خطابه الثالث والأخير فى 10/2/2011 ولمدة 50 دقيقة تقريباً انتظارا لما ستسفر عنه مقابلات ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي المحمومة مع كبار المسؤولين في واشنطن التي وصل اليها فجاة ونتيجة الحاح متكرر من الرئيس مبارك علي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كي يناقش اسباب تخلي الولايات المتحدة عن مبارك بعد ان خدم حكومات الغرب واسرائيل طوال ثلاثين سنة ، بينما لم تبد الإدارة الأمريكية حماسا للزيارة ووافقت عليها في اللحظات الأخيرة ، وكانت حكومة اليمين الإسرائيلي قد عرضت علي مبارك نشر قوات اسرائيلية في شمال سيناء وشرم الشيخ وامداده بمعدات ومواد لمكافحة الشعب (موقع‎ ‎ middleeastmonitor.org.uk‏ ‏ عن الطبعة العبرية من جريدة يديعوت احرونوت-7 فبراير)،وفيما بعد قال عنه بنيامين بن اليعازر: "مبارك كان كنزا استراتيجيا" (مجلة مختارات إسرائيلية - مقال: إسرائيل ورياح التغيير ابريل 2011 رقم 196- مؤسسة الأهرام-القاهرة) ألقى مبارك خطابه الذى فوض فيه الجلاد بعض سلطاته ، وبعد أن وعد أطرافاً عديدة بالتنحي ومن بينهم فيما يبدو الرئيس أوباما الذى قال قبل ذلك بساعات : "تاريخ جديد يبدأ فى القاهرة " .
كان فارق الجهد بين الثورة وبين أطراف النظام أضخم وأكثر تفاوتا من أن يمكن التحكم به أو حتى مجاراته ، إذ كانت القوة الأخلاقية للتمرد ومشروعيته السياسية ، وعزم التحرك وتدفقه ، والقدرة على مخاطبة الضمير الإنساني والحضاري عبر العالم ، وبالتالي كان الفارق كافيا لإحداث شرارة فائقة القوة وفجائية ، جعلت الثورة أشبه بعصا موسي التى ابتلعت كل لحظات التاريخ قبلها لأنها قفزت من تاريخ إلى لحظة جديدة وسبق هذا كل محاولات اعتراضها أو حتى فهمها ، وخلال أيام قليلة كان الجميع أي النظام وشبكات أمانه – قد أصبحوا خلف الثورة ، وليس فى مواجهتها أو حتى بجوارها .

الجسد وبنية التسلط

يتموضع الاستبداد والاستغلال الإنساني منذ القدم فى العلاقة بين الأجساد ، أى منذ كان الجسد الإنساني هو وسيلة تراكم الثروة سواء كان هو نفسه السلعة أو بصفته قوة عمل ، واتخذت هذه العلاقة أنماطا عدة ، مثل السيد والعبد ، والمنتصر والأسير ، والسيد والجارية ، والذكر والأنثى ، أبناء الدم المقدس وابناء العامة ، المؤمنين والكفار ... إلخ ، ويلاحظ أن هذه العلاقة تحيل ما هو فوق جسدي ، أو ما هو فوق بشري أو ماورائي إلي خدمة هذا الاستغلال ، هكذا كانت الفاشيات الدينية والعرقية والوطنية والطبقية وكل ثقافات الإكراه والإنحناء والشمولية ، وفى اعتقادي أنه أحد المشتركات الأساسية بين النازية والفاشية والستالينية وحكم الملالي فى إيران وطالبان أفغانستان والباكستان ، حيت تحاصر مفاهيم الحرية وطاقات الإبداع والتعبير وأحلام التغيير عن طريق إذلال الجسد وحبسه وتعذيبه وإفناءه فى أقبية الأمن والسجون ومعسكرات التجميع والمقابر الجماعية . هكذا هي كل الأنظمة والأيدلوجيات العربية دون استثناء ، وإن كانت أكثر الفاشيات السابقة مراوغة ولجوءا للتاريخ ، فقد استدعت الأيديولوجيا الإسلامية فى أكثر أشكالها
تطرفاً ، فضلاً عن تحصلها على نسبة كبرى من البترو دولار ، فأقامت أضخم كارنتينا بشرية فى العصر الحديث ، وأقسى نظم القهر وأكثرها خسة وتخلفاً ، كاشفة فى نفس الوقت عن النقص الأخلاقي والمعرفي الفادح فى حكومات الغرب والقوى العظمى وأغلب مراكز البحوث والدراسات الاستشراقية التى ساهمت فى ترويج هذه المراوغات ، وكان استدعاء الإيديولوجيا الإسلامية بهدف عزل الشعوب العربية عن الفضاء العالمي ، وفى نفس الوقت تهديد الجميع فى الداخل والخارج بثقافة التطرف وشبكات الإرهاب ، وكان نظام مبارك هو الأبرع فى هذا المجال بدعم من العائلات الحاكمة فى دول الخليج وفى مقدمتها العائلة السعودية ، ونظم الحكم الفاشية فى ليبيا والسودان واليمن وسوريا ، وبالتحالف مع اليمين الإسرائيلي ، مع تواطؤ رسمي غربي ، وفى أفضل الأحوال غض الطرف.
أقصد بتعبير استدعاء الأيديولوجيا الإسلامية فى صورتها المتطرفة ، أنها ظاهرة متنحية تاريخياً وتنشط بالاستدعاء السلطوي ، وتعود بنفس النموذج دون أن يطرأ عليها تغيير بسبب خصائص عدة تنفرد بها لأسباب تاريخية وبيئية ، وأهمها أنها ثقافة رأسية إمبراطورية ، وليست أفقية كما يحاول البعض أن يصورها بحسن نية أو سوء قصد ، ولا يسمح المجال هنا بالمزيد من التحليل.

اريج اللوتس

انفجرت انتفاضة اللوتس ، ونتيجة زخمها تحولت إلى ثورة شعبية شملت أغلب المدن المصرية ، مؤكدة استثنائيتها كحشد هائل متصاعد لأول مرة من خارج المباني الرأسية ، نزلت هذه الحشود إلى الشوارع والميادين تنادى بأرقى القيم الإنسانية التى أنتجتها الحضارة المعاصرة ، أنها القيم التى تخلت عنها وخانتها – ولا تزال – حكومات الدول العظمي والغربية فى مساندتها المشينة للطغاة فى مقابل النفط والمال ، نزلت هذه الحشود‎ ‎كي تثبت أن الحرية والكرامة والمساواة الإنسانية هى المشترك الإنساني الأول فى إطار النظام الاجتماعي والسياسي المدني ، وأنها الرصيد الأبرز الذى يتزايد ولا ينقص فى تاريخ العقل البشري ، وإذا كانت الأدلة على ذلك متكاثرة وتناولتها العديد من وسائل الإعلام المحلية والدولية ، إلا أنني أقدم هنا مثالاً له مغزى من مدينة الإسكندرية – تكرر فى كل مدن مصر – وقد ذكرت فى الباب السابق تفاصيل الحادث الأجرامى فى أول ساعة من العام الحالي ، الذى دبره نظام مبارك ضد كنيسة القديسين في الإسكندرية ومن قبله عشرات الاعتداءات ضد كنائس في كل أنحاء مصر ، وحدث ولا حرج عن تكلفة الحراسات على كل المؤسسات الاعتقادية والدبلوماسية والثقافية واعتداءات من كل نوع بطول مصر وعرضها ولكن خلال الثورة وحتى كتابة اخر هذه السطور أي حوالي ثمانية أشهر تقريبا بقيت كنائس الإسكندرية ومعابدها‎ ‎اليهودية ومتاحفها ومكتباتها بالإضافة إلى كل القنصليات الأجنبية دون أي حراسات وبأبواب شبه مفتوحة دون أن يسجل حادث اعتداء واحد ، ولم تشعر العائلات المصرية اليهودية باي خطر ، فى الوقت الذى دمرت فيه كل مؤسسات الأمن والمحافظة وفروع الحزب الوطني !! فى حركة أفقية هادرة وجسورة تحررت الثورة من كل المباني الرأسية ومعها ثقافة الانحناء والطاعة فى دولة مركزية عاتية مسنة ذات وجوه دردبيس بغيضة ، وداست خلال ساعات أجهزة القهر البوليسية الإجرامية الفاسدة ، ودفعت إلى خارج المشهد جماعات التدين السياسي الظلامية التى تراوحت مواقفها بين التلعثم والنكوص والتأمر ، وبالرغم من كل إدعاءات البطولة وأحاديث الاستعراض واستغلال طقوس الصلاة فى المشاهد الأخيرة‎ ‎.
اجتثت الثورة كل شرعية لدولة العصابات ، وقدمت ثورة المواطن والجينز والأخلاق المدنية والطبقة الوسطي ، فجرها فتيات وشباب ونساء ورجال وأطفال من كل الطوائف والأعراق والأديان والمهن ، من سكان المدن ، وفرضت ضميرا مدنياً عابراً للخوف والتمييز والكبت والخضوع ، وبالرغم من أنها كانت ثورة غضبية ، إلا أنها كانت
ضاحكة ومتمدينة ومنظمة ، وكانت تغنى ، وقدمت علاقات مدنية راقية ، ما فوق جسدية ، فى بلد هدمت فيه القامة الإبداعية والفكرية والإنسانية للبشر وحذفت معها كل المثل العليا وتمحورت كل قيمه وعلاقاته الإجتماعية والاعتقادية والسياسية حول الجسد اللحم فقط فتجاوز كل دول العالم تقريباً فى نسبة التحرش الجنسي والاغتصاب وإهدار الحياة الشخصية والحريات الاجتماعية كتفا بكتف مع أعلى نسبة تدين جسدي تخديري وطقسي شائع حتى الاختناق حصر الأخلاق في حدود الجسد وما بعد موته.
كانت مصر أخرى كشفت عنها تلك الثورة ولم يتنبأ بها أحد .

الانترنت توحد البشر لأول مرة

‏ ‏تتعدد التفسيرات التى تتناول العلاقة بين الانتفاضات العربية وبين عالم الإنترنت ، والتى اختزلت فى مواقع التواصل الاجتماعي ، ولكنني أعتقد أن هذه العلاقة مازالت تحتاج إلى المزيد من التفسير ، نظراً لحداثة الموضوع وجدته، خاصة أن هذا المجال مفتوح على إمكانية مستقبلية هائلة نتيجة تطوره شبه اليومي، وكان التعديل المبدع الذى قام به خبراء شركة جوجل أثناء الثورة المصرية، عندما حولوا الرسائل الصوتية عبر التليفون الأرضي إلى رسائل مرئية على مواقع الاتصال يقدم خير دليل على هذه الإمكانية ، بعد أن حجب نظام مبارك شبكة الإنترنت مع شبكة الموبايل.
كان الجسد الاجتماعي قبل هذه الثورة ينوء بإذلال يومي ومهانة ، سواء تحت ثقافة الانحناء والاستلاب التى احتلت كل الفضاء المعرفي والعلمي والتعليمي والتربوي، التى تبث خطابها الغوغائي فى صورته الدينية والوطنية من أجهزة الدعاية الأخطبوطية وسلسلة هائلة من دور العبادة والمدارس الدينية التى نشط فيها موظفوا السماء وسدنة الجهل والظلام المقدسين مترافقة مع أكثر أشكال العنف البوليسي همجية ، وفى ظل اقتصاد الصدقة المركزي ، ورحلات الهجرة غير المشروعة ، وتسول أي عمل فى أي مكان خارج مصر ، بالإضافة إلى التزوير الذى اختزل المجتمع إلى مجرد عدد جسدي فى كل الانتخابات والاستفتاءات دون استثناء ، وفوق ذلك انسداد أي أمل فى تسوية أي حق مع مؤسسات التحقيق الفاسدة ، والقضاء الذى يعشش فيه قضاة الأمن والأعمال القذرة ، وإن كان من الإنصاف ذكر أن المصريين كانوا يقاومون كل ذلك بالعصيان الوطني National disobedience أى الامتناع عن المشاركة في أى أنشطة تكون السلطة طرفاً فيها.
كانت سماء العولمة تتمدد يوماً بعد يوم فوق هذا الجسد الاجتماعي الخائر والمحاصر بكل ثقافات الخرافة والعزلة والتعصب الرسمية الرأسية ، ولكن الإطباق اللاقطة وشبكة الإنترنت والمالتي ميديا وضعت الشباب من كل أطياف الطبقة الوسطى فى تكافؤ لأول مرة مع سلطات القهر الثقافي ، إذ قدمت تلامساً وتعايشاً حسب الطلب مع العوالم الأخرى والمجتمعات الحرة ومع بعضهم البعض وكأنها ساحة "الاجورا‎"‎ اليونانية الرقمية ، وتقدم خبرة تعويضية مستعارة ، ومقارنة معرفية مستمرة فى كل المجالات الفنية والاجتماعية ، والجنسية والاعتقادية والعلمية ،هكذا أصبح العقل والوعي فى فضاء البشرية كلها وفى زمنها الراهن وعلى نحو متعدد لا متناهي ، والأهم أنه امتلك عيوناً أكثر دقة وقرباً من شئون بلاده عبر طرق استكشاف متعددة ، كان يرى مجتمعه ودولته "داخل" العالم وليس "خارجه" ، حينما كان الوعي والإدراك يقفزان تلك القفزات ، كان الجسد يرزح داخل الضيق واليأس والشلل الاجتماعي والسياسي والزحام العددي للأجساد المتشابهة من حيث موت الروح .
تحولت هذه الخبرة التعويضية المستعارة إلى ثروة دون استحقاق للسداد ، ثروة قابلة للتداول الاجتماعي والسياسي والثقافي وقادرة على بث ديناميكية حقيقية –وليست افتراضية – في هذه المجالات وإذا كانت التجارة والهجرات والأساطير والكهانة والسحر والتنجيم والحلم والخيال والإلهام والوحي واللاوعي والحدس والزجر وقراءة النجوم من أدوات الإدراك والوعي بالمجاهيل المعرفية وعالم الغيب فى تاريخ العقل البشري وتاريخ الأفكار ، فإن هذه الخبرة التعويضية الرقمية المستعارة كانت أكثر فاعلية بما لا يقاس ؛ فقد قدمت أدراكا حرا موازياً وكاشفا لكل أنواع القهر والاستغلال والعنف الضمني والصريح فى النظم والقوانين والعلاقات التى تفرضها دولة هرمة وشريرة أقرب إلى دولة "ساحرات سالم" (مسرحية لارثر ميللر كانت تعرى الوجه القبيح وسيطرة الخرافة على فضاء العقل فى موجة المكارثية فى خمسينيات القرن الماضي) .
هكذا كانت الثورة هي الأمر الذي أصدره ذلك العقل والوعي العولمي إلى الجسد الاجتماعي المسجون خارج التاريخ لقد نجحت الوسائط الإلكترونية فى ما لم تنجح فيه الأديان والأيديولوجيات فى تقريب بل وتوحيد البشر . من أجل توخي الدقة والمحاولة الموضوعية لابد من توضيح أن شيوع شبكة الإنترنت وسيولة المعلومات الإلكترونية فى مصر كان من صنع رئيس الوزراء أحمد نظيف والوزير رشيد محمد رشيد ، بالرغم من مقاومة الأجهزة الأمنية ، ربما كان ذلك هو التناقض الجدلي داخل
نظام مبارك.

قتل"السيد"الشرقي لأول مرة

‏ ‏ثمه جانب بنيوي هام ، فى الثورة المصرية ، اعتقد أنه مشترك مع الثورة التونسية وباقى الانتفاضات العربية ، وهو أنها خرجت لقتل السيد من أجل أن يتحرر العبد دون أن تبحث عن سيد اخر وهذا هو الجديد في الشرق العربي ، "الشعب يريد اسقاط النظام" و"ارحل"او "ديكاج" (في تونس) كم هي بسيطة ومذهلة في آن واحد هذه العبارات التي أزاحت ثقافة العرب السياسية التي ترسخت طوال تاريخ الشرق -الأطول من اللازم والفائض عن الحاجة- وغيرتها في ايام ، الشعب فقط هذه المرة علي ماهو عليه وبأهلية كاملة ودون نقص تفرضه ايديولوجيات الذنوب ، ودون وصاية يفرضها مخلص ، ودون قدسية فائضة عن النسخة الأصلية ألمعتمدة لقداسة الزعيم، الشعب فقط هذه المرة كمجتمع حاصل جمع صحيح ونهائي لأفراده ، الشعب فقط وله عنوان محدد هو الوطن وليس له رمز سوي قطعة قماش ملونة ولا ينتظر احدا سواء كان فرعونا او مخلصا او اماما او خليفة او مهديا او زعيما (خالدا بالضرورة) . وفشلت كل المحاولات من الجماعات الماضوية والقومية لإقامة سيد جديد يدعم من فلول جهاز أمن الدولة وجهاز الأمن القومي (مازالت بصماته واضحة فى تحريك شيوخ أمن الدولة المتسلفين) سواء كان مرشداً عاماً أو خليفة أو خوميني سني ، بالرغم من تلك الأشواق التى تسللت عبر طقوس الصلاة ، حتى أن موظف السماء يوسف القرضاوي طلب من الشباب المسيحي السجود مع زملائهم من المسلمين خلال صلاة الجمعة !! ، ثم زيارة المذيع الطاووسي للجامعة العربية
عمرو موسى لميدان التحرير (وهو صنيعة مبارك الذي ادعي في موجة غسل الايدي انه كان معارضا!!) ، وانزاحت المواقف كلها إلى العبث والدعاية الفجة والكذب ، مثل إدعاء بعض من ينتظرون "السيد" الجديد كجماعةالإخوان وبعض جماعات الإسلام السياسي المتطرفة للبطولة أثناء الثورة ، فى حين أن الصوت والصورة وصور الشهداء والكثير من الوقائع والملابسات تثبت أنهم التحقوا بها فى العربة الأخيرة بعد أن قدمت أعظم تضحياتها وبعد أن تبينوا قوتها وبشائر انتصارها ، سيدور راسي بالتاكيد اذا عرفت يوما انهم يعتنقون حقا شعار وهدف الثورة الاساسي وهو الدولة المدنية الديموقراطية ، وساتقدم
لهم باعتذار عن سوء ظني لو تبين لي أنهم هتفوا مع شباب الثورة هتافاتهم الأساسية: "لادينية ولا رجعية دولتنا دولة مدنية" و "لا اخوان ولا أحزاب ثورتنا ثورة شباب" ثم: "تغيير..حرية..عدالة اجتماعية"، وما هو ثابت أن مواقفهم العلنية تذبذبت بين التواطؤ مع نظام مبارك كالعادة وبين الحرج أمام شبابهم وأمام الرأي العام ، فيما التحق حلفائهم
السلفيين بنظام مبارك وبشبكة أمانه طبقاً للموقف الوهابي ، هل القول بسقوطهم معه اخلاقيا وسياسيا يخالف العدل والمنطق؟ ، نحن هنا أمام حالة تلبس ميدانية ناتجة عن تديين السياسة أو تسييس الدين لافرق ، حيث تسترت الغرائز السياسية وشهوة التسلط ونقص
المهارات والجهل خلف اللحي وعلامات السجود ، واختلط الكذب والإنتهازية وذهب السلطان والفشل السياسي بفقه التكفير الملفق والنص المقدس في غير أغراضه، واذا أضفنا محترفي الدين اللذين احترفوا السياسة أيضا ، اللذين دنسوا حرمة المساجد بتحويلها إلي أماكن للنفوذ والمصالح والدعاية الرخيصة ، ومعهم المال السياسي الفاسد سواء كان
معلوم أو مجهول المصدر وأهدافه من خارج الحدود ومن ممالك الظلام النفطية أصبحنا امام صورة جماعية تذكارية غير نادرة لزبانية جهنم . صرحت جماعة الإخوان يوم 22 يناير (جريدة المصري اليوم) :
"أنهم لن يشاركوا فى مظاهرة يوم 25 يناير لأنهم لم يتلقوا دعوة "!! ، انه خليط من ضعف الأفكار والانتهازية وغياب المعرفة والإفتقار لحسن الإدراك ، وثبت بعد الثورة أنهم كانوا يتفاوضون سراً مع الجلاد عمر سليمان كما بينت سابقاً .
وهكذا اثبتوا المرة تلو المرة أنهم ليسوا فقط فزاعة وإنما العوبة الطغاة ، تنطلق حين يدعو الداعي بخطاب التخلف والإرهاب والحرب الأهلية ، طاردة من صفوفها دعاة التفكير لحساب دعاة التكفير والعنف ، بت أعتقد أن سلوك هذه الجماعة "المدللة" فى ظل نظام مبارك وضلوعها الواضح والثابت فى التنسيق السري معه ، خاصة في انتخابات 2005 المزورة بالكامل ، وتوفر الادلة الكافية علي مشاركتها في التمهيد للتوريث ، وبالرغم من
سياسة الاعتقالات على طريقة "الباب الدوار" أو التوجس والتحجيم المنطقي طبقاً لطبيعة الإتفاقات بين الاشرار لا فرق ، واحيانا كان ذلك من أجل التعمية ، ومن قبل تقديم التغطية الفقهية الضالة لعملية اغتيال د.فرج فوده ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ ، والأن هم احد أهم أذرع الثورة المضادة ومهمتهم تغيير اهداف الثورة واخراجها عن مسارها ، كل ذلك يرشح قادتها للمحاكمة بتهمة افساد الحياة السياسية، وإذا كان الشئ بالشئ يذكر ، أستعيد هنا‎ ‎ماسبق وعالجته في الباب السابق عن تصريحات د.سليم العوا علي قناة الجزيرة ودورها في التمهيد لجرائم الفتن الوطنية الطائفية التي قام بها نظام مبارك ، وهو محسوب تقليديا علي جماعة الإخوان ، وما لامهرب منه انه محسوب كقيادة بارزة في جماعات الإسلام السياسي ، وإذا سلمنا ان السياسة لاتعرف حسن النية لابد ان اذكر كيف قام
المجلس العسكري بإجراء استطلاع رأي علي موقعه الإلكتروني لشعبية المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية لايتفق واي قواعد علمية معروفة ، وتضمن اسماءا اعلنت مرارا عن عدم ترشحها، وهكذا يبقي الهدف غامضا من اجراء هذا الإستطلاع ، إلا إذا كان الهدف هو حشر اسم د.العوا في المرتبة الثانية بعد د.البرادعي في تناقض سافر مع الواقع والمنطق ، خاصة ان المرشح الأول للإسلام السياسي طبقا للإنطباع العام "التقديري" هو د.عبد المنعم ابو الفتوح ، مما يطرح التساؤل حول حجم التزوير القادم ، وحول كيفية التعامل مع ال"عقبة" التي يمثلها د.محمد البرادعي ، وحاصة ان كل تصريحات د.العوا في الفترة الأخيرة تتسق تماما ورغبات المجلس العسكري ولا يترك فرصة إلا وينتهزها للإشادة بهم وتجميل تصرفاتهم التي هي محل الجدل علي نطاق واسع،
واخيرا اشترط للموافقة علي حضور الرقابة الدولية علي الإنتخابات أن توضع اي الرقابة الدولية تحت "رقابتنا" (التي تقوم بالتزوير)!! ، ولم يذكر بالطبع شيئا عن الإشراف الدولي ، (المصري اليوم-29يوليو) ، وإن كنت اجد لزاما علي ان أذكر للرجل وابتغاءا للإنصاف ان رفضه وادانته لإغتيال د.فرج فوده كان الأوضح ودون المراوغة المعهودة من كل نجوم الإسلام السياسي . وتبقي الملاحظات السابقة قليل من كثير يضيف صفحات أخرى إلى ملف الإخوان الثقيل ، وكان د.محمد حبيب النائب الأول السابق للمرشد قد صرح بعد استقالته فى شهر أكتوبر 2009 : "الأمن يعرف عن شئون الجماعة أكثر منى".


"ولكن من يحرسنا من الحرس‎‎‎ ؟"
جوفينال
إذا كانت الحرب أخطر من أن تترك للعسكريين ، فماذا إذن عن السياسة؟
عندما أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنه فى حالة انعقاد دائم وأصدر البيان رقم واحد ، بدون حضور القائد الأعلى أي رئيس الجمهورية فى 10/2/2011 وفي اليوم السابق لخلعه ، أدركت أن الأمر انتهى ، وأنه انقلاب عسكري وأنه فى اعتقادي من
تحصيل الحاصل ، لأن الثورة لم تكن فى وارد الاستيلاء على السلطة ، هل كان هذا قصوراً بنيوياً ؟ أو نقصاً فى المفاهيم ؟ أو لغياب القيادة والخبرة السياسية والبرنامج السياسي؟ أو لأنه النموذج paradigm المناسب للظرف المصري ؟ ، مهما كان السبب فإن ترك الميادين كان يعني الإكتفاء باسقاط السلطة ممثلة في ال مبارك وعصاباتهم وتسليم السلطة للجيش هل كان هذا هو هدف الثورة؟ أعتقد لا، وأعتقد أنها كانت فقط حدود الإدراك والأفق المعرفي لها . ولكن ما هو مؤكد أنه لم يكن ينقصها اى درجة من التضحية والجسارة والإستحقاق ، وهنا لا قيمة للسبب إلا من حيث القيمة المعرفية البحثية والقيمة العملية كدرس مستفاد ، لأن كل ثورة اجتماعية سياسية هى قفزة من تاريخ قديم لتأسيس لحظة جديدة ، وبذلك تحمل قانونها الخاص وخبرتها ونقدها العقلي فى تاريخها الجديد
وليس قبل ذلك.
كان هذا الانقلاب بالتالي ضرورة عملية فى مواجهة رئيس لم يثبت خلال ثلاثة عقود أن لديه أي نوع من المسئولية الأخلاقية أو الوطنية ، وأصبح مشتبها به وبقوة فى إتهامات باللصوصية والقتل وتسليم اللاجئين السياسيين والتأمر على رئيسه وقائدة الأعلى لحساب جهات أجنبية وتدبير الفتن والاعتداء على ممتلكات وأرواح ودور عبادة ، كما اقام علاقات سرية عدة نتج عنها المساس بالمصالح الوطنية ، ما يشكل عدة اتهامات بالخيانة العظمى ، وكان فى الوارد أن يفعل أى شئ لشراء الوقت والبقاء فى السلطة بما فى ذلك الحرب الأهلية وتمزيق الوطن ، وهنا إنحاز الجيش إلى الدولة ضد السلطة ، وإن لم ينحاز للثورة ، ويبقى الشك قأئما وقويا فى أن ينحاز لأهدافها طبقاً للمسلسل الذى لا يمكن تجاهله منذ استحواذه على السلطة وبدون شرعية ودون الحد الأدني من القدرة علي صياغة رؤية
استراتيجية لمستقبل مصر وحتى الان اي بعد سبعة اشهر ، وإن كان الوقت هو خير حكم مع النتائج بطبيعة الحال.

شلل داخلي امام البترودولارالوهابي

كان الجيش غير المسيس هو مؤسسة الدولة الوحيدة الباقية ، بعد أن اختصر مبارك الدولة فى جهازي أمن الدولة والمخابرات العامة وإذرعتهما من جحافل الأمن بأنواعها والتى داستها الثورة فى لحظات ، وكان تحول المجلس الأعلى من قيادة الجيش إلى الإدارة السياسية والإصرار على الانفراد بالقرار ودون خبرة او مؤهلات سياسية ولو في حدها الأدني (بالرغم من الدعوة المتكررة للحوار الوطني الا أن المجلس يصر علي إتخاذ قرارات مصيرية بشكل منفرد وكانه يتجه إلي هدف محدد سلفا) كل ذلك هو استمرار
للبيوسياسة أو للاسياسية لا فرق حيث أصبح المجلس متحسساً من النقد السياسي بصفته قيادة للجيش "التابو" ، وليس بصفته صاحب القرار السياسي دون المستوي ، ومن هنا
نشأت سلسلة من المشاكل والأخطاء والفوضي والجرائم الجديدة التى ستنسحب بالضرورة على مستقبل مصر الذى مازال طي الغيب ، وزاد الطين بله مجلس وزراء يتمتع دون شك بالإخلاص الأخلاقي والوطني ، ولكنه لا يتمتع بأي خيال سياسي فضلاً عن الخبرة السياسية النادرة أصلاً في مصر منذ ستة عقود ، وإذا غاب الخيال والخبرة فى مجال السياسة مع محدودية القدرة علي إتخاذ القرار في وجود المجلس العسكري ، حضرت
البيروقراطية والجمود وكان تورط رئيس الوزراء د. عصام شرف (مع الاحترام له ولمهمته الثقيلة) فى مشهد ميدان التحرير مع الفرقة الاستعراضية الأخوانية إضافة
سلبية لا تبشر بالخير ، وفى نفس الوقت الذى كانت الإدارة السياسية لمصر ما بعد الثورة علي النحو الذي سابينه لاحقا ، كانت تتعرض لضغوط إقليمية لا يكن أطرافها أي رغبة أو مجرد تخيل أن تتحول مصر إلي دولة مدنية ديموقراطية ، ومثلما كان تدخل الجيش فى المشهد الأخير لنظام مبارك ناظماً لتوازن الحد الأدنى ، من الإنصاف القول أن رد المجلس الأعلى على بعض هذه الضغوط كان حاسماً ، وهنا لابد أن أذكر أن تصرفات النظام السعودي فيما يتعلق بمصير مبارك أثناء الثورة وبعدها ، ودفعه للعناصر الوهابية فى مصر وتنشيطها تعكس كلها سوء النية والعداء تجاه تطلعات الشعب المصري وثورته ، خاصة أن بعضها آخذ شكل المقايضة ، ويذكر ببعض الكتابات والتعليقات ، وبعضها رسمي ، تتسرب بين الحين والاخر محملة بالضغائن الأيديولوجية التاريخية تجاه المصريين التى تعود إلى يوم 13 يونيو 1814 عندما قضت جيوش "محمد علي" على الدولة الوهابية الهمجية الثانية ، التى قتلت أكثر من ثلثي أهل المدينة كما فعلت نفس الشئ مع أهل الكوفة والنجف ، ونهبت قبر الرسول والصحابة ونهبت وأحرقت الأضرحة المقدسة فى الكوفة والنجف وكربلاء ، كانت شبكة إرهاب دولية أيضا ولكن من طراز القرن التاسع عشر . في هذا اليوم أقيمت المهرجانات وأطلقت المدافع فى كل العواصم العربية والإسلامية التى كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية ، ومن قبلها رد شيوخ الأزهر والزيتونة على رسائل محمد بن عبد الوهاب "سلم تسلم" بإزدراء وتفنيد لما اعتبر سذاجاته الفقهية ، وهنا أضيف أن النية لإشعال حرب أهلية فى مصر قائمة وحقيقية مثلما في العراق وقبلها الجزائر ، نظراً لخطورة أوضاع مصر ما بعد مبارك وإمكانية تحول مصر إلى دولة مدنية ديموقراطه، والاختناق والتهديد الذى تسببه الانتفاضات العربية للنظم الرجعية البترودولارية، وعلى تحالفها مع اليمين الصهيوني فى إسرائيل خاصة أن ازلام مبارك وعملاءه المزدوجين منذ البعث الصدامي والسورى وحماس وحزب الله ومخبول ليبيا يمكن ببساطة أن يقدموا خدماتهم لهذه الأنظمة ومعهم شيوخ أمن الدولة والعشوائيات من سدنة الجهل والظلام المقدسين الذين حرموا الخروج على الحاكم اللص القاتل والخائن وأباحوا الخروج على المجتمع وتخريبه . قال مهاتير محمد رئيس وزراء
ماليزياالسابق: "الدول الإسلامية المجاورة لمصر اهم اعداء الثورة"(المصري اليوم-3 يوليو) . في يوم 27 مايو خرجت المظاهرات الحاشدة بدون المتاسلمين في18 محافظة مصرية احتجاجا علي السيناريو الجاري خلال المرحلة الإنتقالية ومطالبة بوضع الدستور اولا‎ ‎، وكشاهد عيان استطيع القول ان الحشد في الإسكندرية وحدها تجاوز المليون وربع ،‎ ‎واقرت اغلب وسائل الإعلام في الداخل والخارج انها كانت مليونية في ميدان التحرير او
دون ذلك بقليل خاصة انها مظاهرات ذات حضور متغير لطول الوقت ، ولكن جريدة الحياة السعودية اللبنانية منفردة قالت ان العدد في التحرير كان 3 الاف!! ، ثم تلقف هذا كتاب الإسلام السياسي مثل فهمي هويدي (الشروق-30 مايو) وفي مايشبه توزيع الادوار في محاولة لتحويل هذا التدليس (التعبير لفهمي هويدي) الي حقيقة للنفخ في حجم الفزاعة الالعوبه ، بعد ان ثبت ان القوي المدنية هي المؤسس الحقيقي لمشروع الثورة ، وبالتالي لمطالبها بالدولة المدنية الديموقراطية [تراجع فهمي هويدي بعد ردود الفعل ولكن الدعاية الوهابية كانت قد كشفت عن نفسها(المصري اليوم-3 يونيو)] ، وتكرر نفس التدليس يوم 29يوليو في جمعة المتسلفة ؛ لأن الإخوان والجماعة الإسلامية تلاشوا في هذا اليوم ولم يظهر لهم تاثير بارز لأنه في سباق التطرف يربح الأكثر جهلا وفظاظة وقدرة علي غسل ادمغة البسطاء وتخديرهم بثقافة الإنحناء والخضوع ، والأكثر خدمة للبترودولار المعادي لمصر والأكثر حميمية مع أجهزة الأمن الإجرامية (هل يستطيع احد ان ينكر ان
قيادات طالبان وبن لادن كانوا يتمتعون بحماية الجيش والمخابرات الباكستانية والعربية ناهيك عن التمويل العربي الهائل) ، وهو اليوم الذي احتشدوا فيه من كل انحاء مصر بواسطة 3 الاف اوتوبيس -كما قيل-، ولم يخرج علينا طبعا أحد اللواءات المتخصصين في تهديد وتشويه الحركات المدنية كي يسأل عن مصادر هذا التمويل الهائل الغير مراقب حتما والذي تفوح منه بقوة رائحة البترول الوهابي ، ولم يمتليء الميدان إلي حده الأقصي بالرغم من مشاركة بعض القوي المدنية ، اي اقل بكثير عن رقم المليون كما انه كان
حشدا ثابتا اي لفترة قصيرة نسبيا ، ولم يكن لهم حشد ذا بال في باقي محافظات مصر ، والأسوا أنهم تركوا الميدان قذرا دون أن ينظفوه (للدقة حاول بعضهم ان ينظفه ولكنهم كانوا قلة قليلة) وبعد أن رفعوا اعلام العائلة السعودية الوهابية وكل جماعات الإرهاب وهتفوا بما فيه الكفاية لبن لادن ، كان مهرجانا قبيحا ونادرا للتطرف والإرهاب واضعاف المجتمع وتبديد الثورة وقدرا هائلا من الأوحال القي علي مايرمز اليه ميدان التحرير ، كانت جمعة طالبان بحق ، ولم نسمع بالطبع من المتيمين بذكر السيادة الوطنية المطاطة الخاضعة للأمزجة اي تعليق بالرغم من ترادف لايمكن تجاهله بين احداث جمعة طالبان هذه وإعتداء ارهابي خطير علي المدنيين والشرطة والجيش في مدينة العريش وسقط فيه شهداء وجرحي من المصريين ورفعت فيه ضدهم اعلام الإرهاب المتاسلم السوداء نفسها التي رفعت في ذات الوقت في التحرير مع اعلان سيناء امارة اسلامية وبمشاركة فلسطينية
في التخطيط والتنفيذ ، اكرر ان هذا الحدث له دلالات خطرة متعددة الأطراف واحتمالات تمس بصميم كيان مصر . بالرغم من كل تلك الملابسات ذهبت قناة الجزيرة الوهابية في تجميل كل هذا القبح كل مذهب والأنكي انها قالت انهم بين 3 إلي 4 مليون (قد لا يكون شائعا حقيقة ان مذهب دولة قطر هو الوهابية) ، انها تعليمات جوبلز وزير الدعاية النازي ولكن في ثوب متاسلم هذه المرة: "إذا اردت ان يصدقك الناس فلابد ان تكون الاكذوبة كبيرة" ، مما يؤكد الحجم الدعائي الصوتي الرسمي والمتعمد في ظاهرة الإسلام السياسي مثلما كل الظواهر العربية ، ولم ينتج ذلك الا اضافة المزيد من الأدلة علي التحالف الموضوعي في العداء لمطالب الثورة بين المتاسلمين في الداخل وبين البترودولار الوهابي الممول للرجعية والإرهاب ودون ادني اعتراض من ادارة مايسمي بالمرحلة الإنتقالية . في نفس اليوم الأول اي 27 مايو وضع موقع الإخوان صورة خالية لميدان التحرير في
نفس الوقت الذي كان فيه ممتلئا بالمتظاهرين ، علي طريقة نظام مبارك ، وعلي نفس الموقع زوروا نتيجة استطلاع اجراه المعهد الجمهوري الامريكي ونشرته الواشنطن بوست حول تطلعات المصريين ، حيث غير الموقع النسبة التي"تنوي المشاركة السياسية" إلي نسبة"ترفض تاجيل الديموقراطية"!(المصري اليوم- 7 يونيو) ، وربما تكون الجماعة معذورة لان اخلاق "الجسد والنسب"البدوية التي تتمحور حولها القيم الاخلاقية لديهم ولدي كل المتاسلمين لاتشمل القيم الاخلاقية المدنية مثل الشرف العقلي والضمير المهني واحترام عقل وحرية المتلقي فضلا عن قيمة الحقيقة.

جهاز "سيادي" للفساد والجريمة

اعتقد ان استعراض سريع لكل ماحدث خلال ثمانية شهور مضت بعد سقوط مبارك والدائرة الضيقة فقط من حوله ، ثم تكرار نفس الاخطاء وهو مايعني ان النظام لم يسقط بعد ، ويكشف للاسف أن عيون وذاكرة المعلومات وخطط إدارة المجتمع المصري لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أحتلتها فلول أمن الدولة ومفاهيم جهاز المخابرات العامة ، اوضحت من قبل أنه ربما تكون خطة عمر سليمان لاحتواء الثورة هي التي أخذت طريقها للتنفيذ ، ومما يثير الاستغراب التعامل مع جهاز الجلاد عمر سليمان وكأنه لم يكن موجوداً لثلاثة عقود فى ظل حكم مبارك ، فى حين أنه كان جوهرة التاج ، وتوجد أدلة متعددة على أن هذا الجهاز فرط فى المصالح الوطنية المصرية لصالح عواصم عربية وغربية ، وأرتكب العديد من الجرائم في حق المجتمع المصري وعلاقات مصر الإقليمية والدولية ، وبوساطة هذا الجهاز قايض مبارك ، وسائل أمنه الشخصي بحقوق مصر العسكرية والأمنية في إتفاقية السلام ؛ إذ حصل علي إمتيازات امنية شخصية فى شرم الشيخ وخاصة فى مجال الدفاع الجوي فى مقابل حصول إسرائيل على امتيازات دولة ، والصفقة بالطبع نتج عنها إلغاء المنطقة د الخالية من المظاهر العسكرية فى منطقة الحدود المشتركة ، وأتاح لإسرائيل قصف هذه الحدود بل وفى داخل الأراضي المصرية ، ولم تستعمل وسائل الدفاع الجوي الشخصية للاسف فى شرم الشيخ إلا فى إسقاط طائرة مصرية مدنية كانت تحمل سياحا فرنسيين‎ ‎، ولدى تفاصيل أكثر لا داعي للاستطراد فيها ، ناهيك عن تجارة السلاح متعددة الأطراف والمعلومات "فى ذات الوقت" مع إيران وحماس وحزب الله وسورية وإسرائيل وهن يمكن تلمس بعض أسباب تدهور الأوضاع في سيناء من سيء لأسوا منذ تسلمناها والفشل في فرض السيادة المصرية فيها ، واعتقد اسفا أن الأوضاع ستزداد سوءا مالم تتغير السياسات ومن قبلها العقول .
قام هذا الجهاز بتحويل خائن تجسس على مصر أسمه رفعت الجمال إلى رمز وطني فى مسلسل باسم رأفت الهجان ، ربما مجامله لأسرته التى تعتبر من عائلات الجهاز والسلطة.
لفق هذا الجهاز تهم التخابر لبعض الأشخاص إما للانتقام السياسي أو الشخصي أو لتغطية جرائم تجارة السلاح مع منظمات الإرهاب : وكان أحدهم ذلك الشاب المسكين شريف الفيلالي ، الذى قال عنه رئيس محكمة أمن الدولة فى حيثيات برائته:" أنه مثال يحتذى لشباب مصر "ولكن مبارك أعاد المحاكمة أمام أحد قضاة الأعمال القذرة فسجنه 15 سنة ، ثم قتل فى السجن.
فى الجزء السابق تحدثت عن مدير الجهاز الجلاد الدولي عمر سليمان المتهم بأعمال خطف وتعذيب وقتل لحساب الولايات المتحدة وعلاقاته السرية بإسرائيل ، كما أن الوزير رشيد محمد رشيد قال : "أنه خرج من مصر بمساعدته".
هرب حسين سالم شفرة الانحرافات المالية لمبارك وأسرته خلال حكم الصديقان أحمد شفيق وعمر سليمان وعلاقات الرجل بجهاز المخابرات العامة وصادرات الغاز والبترول ونقل الأسلحة تشرح قصة الفساد فى ملخص مفيد‎ ‎، وقد ثبت بالوثائق تورط عمر سليمان في الضغط لتمرير صفقة العاز مع اسرائيل لحساب حسين سالم(المصري اليوم-27 يونيو) علاوة على أن الاخير كان مالكا للعبارة"سالم اكسبرس" التى قتل فيها أكثر من ألف مصري وتركت تغرق دون أي محاولة للإنقاذ لإخفاء اقذر انواع الفساد التي يمكن تخيلها‎ ‎.
كان ملف مياه النيل موضوعاً بين أيدي هذا الجهاز حصراً ، وأدير بنفس الطريقة التى أديرت بها كل ملفات الأمن القومي المصري ، دعم الطغاة والمجرمين فى كل دول حوض النيل ودعم الاضطرابات والتمردات ضمن سياسة استعماريةالأصل هي"فرق تسد" مدعومة طبعاً بتجارة ضخمة للسلاح ودعم طاغية خارج على القانون هو "أسياس أفورقي" ضد أثيوبيا وباقي دول الحوض (استقبله مبارك ثلاثة مرات خلال عام وأحد
تقريبا في 2009) حتى أصبحت مصر الرسمية وجهاً مكروهاً امام حكومات هذه الدول ، وعندما حدثت التحولات الديمقراطية فيها، أصبحنا وجهاً كريهاً أمام الشعوب وحكوماتها المنتخبة وأحرق العلم المصري فى عدة عواصم‎ ‎، والأخطر من ذلك أن الأزهر والكنيسة المصرية استعملا فى هذه السياسة الإستعمارية ، ودعمت الكنيسة (بالتوجيه طبعاً) الكنيسة الارترية بدوافع سياسية ضد أثيوبيا ، والنتيجة أننا فقدنا رصيدا ثقافيا ثمينا للكنيسة تشكل عبر تاريخ سحيق ونفس الحال طال والأزهر نتيجة استعمال الدين وفى صورته المتطرقة محل التفاوض والمصالح فى بلاد يشكل المسلمون فيها أقلية أفريقية ويحتاج الجميع هناك للعلم وللتنمية وليس للدين‎، ومثلما دارفور اتخذت كل الصراعات العربية/ الإفريقية منحي
الجرائم ضد الإنسانية والإرهاب مثلما السلوك العربي في كل الصراعات فى حوافها الدموية مع الأكراد والبربر والمسيحيين والفرس والشيعة وغيرهم ، وهكذا أصبح ملف
مياه النيل فى مهب الريح .
يمكن القول أن كل رجال أعمال مبارك مع استثناءات قليلة هم إما من العاملين فى هذا الجهاز او من المتعاونين. ناهيك عن شركات هذا الجهاز التى تمتص دماء المصريين (وكلها تقريبا فاشلة) برغم الدعم اللامحدود من اموال المصريين والتي اسسها من كانوا قيادات رأسية مثل اللص مالك أرض الأحلام وقناة الأحلام والذي كان وكيلا للجهاز‎ ‎، أو من المتعاونين معهم فى ملفات الأعمال القذرة ممن سموا بمجموعة "الاربعين"‎ ‎، ولم يلتحق منحرف بركب عصابات مبارك إلا وتمتع بمباركة هذا الجهاز بدءا من العبارات وتجارة السجاد والعبوات والمحاليل الدوائية والسيراميك والخامات الزراعية والاتصالات
والسلاح وغسيل الأموال وكل الشركات القابضة فى مجال السياحة والمجالات العمرانية وكل ماله علاقة بالأراضي والطيران والبترول والغاز والنقل (يباع الغاز المصري بسعر متدن إلى 15 دولة أسيوية وأوروبية فى حين يرسل السلاح والتطرف والارهاب إلى دول حوض النيل) .. إلخ .
هنيئاً للسلطة السابقة والحالية وربما اللاحقة أن لديها جهازا قوميا للفساد والإرهاب والأعمال القذرة والاعتداء على حقوق الإنسان والمساس بالمصالح الوطنية ويقود ما يسمى بالثورة المضادة والأسوا هو قيامه بالتخطيط لتحول مصر إلي دولة مدنية ديموقراطية!! ، وما خفى هو أعظم بالفعل.


ابدا لم يتعلم احد الدرس

يخضع تفسير اغلب الاحداث في مصر بعد الثورة-في اعتقادي-لثلاثة نظريات متداخلة ومترابطة تهدف لاعادة ضبط المجتمع والسيطرة عليه‎ ‎، اي اعادة وضعه في حذاء حديدي اخر بعد تنحية مبارك وبعض من افتضح من عصاباته‎ ‎، اي بدون "ذيل السحلية" ،وهذه الخطط ذات مصادر استعمارية وشمولية تقوم عليها ادارة المرحلة الإنتقالية والنظريات أوالخطط الثلاث هي:
أولاً: الحرية والسلم لايجتمعان:
يتحقق ذلك بوضع تهديد السلم الاجتماعي مع مطالب الحرية وحقوق الإنسان فى ارتباط رد الفعل المنعكس الشرطي (هذه النظرية كانت تستعمل فى تدريب حيوانات السيرك ولكنها أصبحت محظوره فى أغلب دول العالم المتحضر) بمعنى أنه كلما ازدادت مطالب الشعب الديمقراطية تزاد فى مقابلها الاعتداءات الجنائية ضد المجتمع (النظرية فى الأصل لعالم وظائف الأعضاء الروسي "إيفان بافلوف" واسمها الاشتراط الكلاسيكي أو الاستجابة الشرطية) وكان عبد الناصر هو أول من استعملها فى مصر فى 1954 عندما كان وزيراً للداخلية إذ فجر 6 قنابل فى عدة ميادين بالقاهرة ذهب ضحيتها العشرات فى مواجهة المطالب بعودة الدستور والأحزاب (خالد محيي الدين-" الآن أتكلم") ، وطبقت على نطاق واسع بدءا من يوم 28 يناير بعد أن داست الثورة الذراع الأمنية فى ساعات إذ فتحت أبواب السجون أمام آلالاف من المساجين الجنائيين ، وأخرجت جحافل الأمن المركزي فى إجازات بين 8 إلى 10 أيام ، وبعضهم خرج بأسلحته كما حدث فى المحلة‎ ‎، وفى الكثير من أعمال البلطجة والسطو والقتل ضبطت تشكيلات عصابية تتكون من ضباط وأفراد شرطة ومرشدين ومصادر وبلطجية ومحترفي إجرام ، أذكر منها واقعة ضبط فيها عقيد مباحث فى محافظة الجيزة أثناء السطو على فرع بنك سوسيتيه جنرالNsgB فى ميدان أسوان بالمهندسين‎ ‎، وسلمه الأهالي إلى الجيش ولا يعرف مصيره مثل المئات من الحالات‎ ‎، ناهيك عن فاجعة القتل المشبوهة للواء محمد
البطران مدير مباحث السجون بأيدي ضباط شرطة لأنه رفض اطلاق المساجين‎ ‎، ولم يحقق فيها حتي الأن‎ ‎، لإفساح المجال فيما يبدو لمحو الأدلة‎ ‎، وكل ما حدث فى أنحاء مصر معروف‎ ‎، كما أن بعض الأفعال والأقوال التى تتصف بالسفالة صدرت من بعض كبار ضباط الشرطة عند عودتهم للعمل ودون أي وازع ، وبالطبع لم يقدموا للمحاكمة بتهمة إهانة المجتمع والتعدى اللفظي بالرغم من أنها ثابتة بالصوت والصورة بل وامتدت إلى تلفيق القضايا مثل قضية المواطن محمود السيد عبد الرحمن من ديرب نجم/ شرقية المنتشرة على الإنترنت والذي لفق له ضابط شرطة تهمة حمل خمسة اسلحة علي سبيل النكاية لخصومة مسبقة‎ ‎، ولم تستمع المحكمة العسكرية لاية شهود وحكمت عليه بالسجن لخمسة عشر عاما‎ ‎، مما يؤكد وجود تغاضي عن تلك الأقوال والتصرفات ويندرج ضمن هذه السلسلة ذلك الاعتداء المدبر سلفاً على د. محمد البرادعي يوم الاستفتاء وتحطيم سيارته ورفض الشرطة معاينتها ، وجاء تصريح وزير الداخلية متوافقاً مع هذا النهج عندما قال: "أن الاعتداء سببه رفض البرادعي الوقوف فى الطابور" ، وكذب الفيديو هذا التصريح ولم يعتذر الوزير "اللواء" كي يثبت ثانية انها وزارة الإعتداء علي المجتمع بتلفيق الإتهامات والاحكام وسرقته وتعذيبه وقتله لحساب اي مجرم يجلس علي كرسي السلطة‎ ‎. وجاءت تقارير لجنة تقصي الحقائق كي تثبت دقة تطبيق هذه النظرية ، وجاري العمل بها الآن فى سوريا واليمن وليبيا حتى لا تتجرأ الشعوب على "أسيادها" وتطالب بالحرية !!
ثانياً :تفكيك المجتمع:
ويعتمد ذلك علي تصعيد حدة الانقسام السياسي الاجتماعي من أجل تحقيق السيطرة ، وهى ايضا كما نوهت سابقا تطبيقات للنظرية الاستعمارية"فرق تسد"، ولكن هدفها الداخلي هو إضعاف المجتمع وضبطه داخل إطار يناسب نوع السلطة (الفاشية بالضرورة) ، ومن أهم نتائجها القضاء على الوسطاء والوكلاء الاجتماعيين والسياسيين للمجتمع وإحلال وسطاء طفيليين وتقليديين (رجال دين ورؤساء عشائر وتجار سوق سوداء وعملاء أمن) وقد استعملها نظام مبارك على نطاق واسع لأهداف متعددة بين النهب والسيطرة وإخفاء الجرائم الكبرى وبين الإستجابة للتحالفات الإقليمية المعادية للحداثة والحرية ، ما هدد التماسك الوطني وأسس الاجتماع ، وخرب البيئة الثقافية الاجتماعية والسياسية بالكامل ، وحول مصر إلى كيان طارد لقيم الحرية والإبداع والمهارات الاجتماعية والمعارف العلمية والحرة وقيم الأمانة والمسئولية ، وخرب معيار الإدراك العام ، وهكذا تزداد أعداد الفائضين عن الحاجة ، ومن لا يصلحون للاستخدام الاجتماعي‎، والآن تستعمل هذه الخطة بافراط أهوج أقرب إلى الانتقام من المجتمع لإعادةالضبط والسيطرة بعد الثورة وتتركز هذه الخطة في استدعاء الإسلام السياسي
وجماعاته في الداخل والخارج ومن السجون ، وتقديم بعض الشرعية له مع فضاء واسع للحركة ويمكن اعتبار لجنة التعديلات الدستورية الأخوانية او "ترزية الدستور" ضمن هذا
المسلسل‎ ‎، ويلاحظ أن الإطلالة المفاجئة لشيوخ السلفية هى إطلالة مصطنعة تولدت من التحالف الأمني المصري مع البترودولار الوهابي ، وكل تصريحات هؤلاء الشيوخ البارزة تقريباً تندرج تحت تهديد السلم الاجتماعي وتهديد المصالح الوطنية والتحريض على العنف والكراهية وإهانة الأقليات والأديان والمذاهب الأخرى والمرأة والتحريض على الاستباحة للأموال والممتلكات والأعراض والأرواح‎ ‎، اما عن اقوال وسلوك قادة الفزاعة المدللة ومن يدور في فلكها فحدث ولا حرج‎ ‎، واخرها تصريحات د.محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان خلال مؤتمر في المنصورة متهما الداعين لتاجيل الإنتخابات:"أنهم صهاينة‎ ‎، واذناب صهاينة واذناب النظام الساقط‎ ‎، ومن
المرجفين والمثبطين والساعين لتحقيق مصالح الصهاينة والامريكان"(المصري اليوم-5 يوليو)، وفي مؤتمر اخر لتيارات واحزاب اسلامية وشيوخ ازهر اتفقوا جميعا علي ان مظاهرات 8 يوليو او "جمعة الإصرار"هي "مخطط امريكي هدفه الإنقلاب علي الثورة" (المصري اليوم-6 يوليو) ، أما عن تصريحات المتحدث باسم الجماعة الإسلامية عاصم عبد الماجد المدان في احد جرائم الإرهاب الكبري‎ ‎؛ فنأخذ منها علي سبيل المثال: "هناك من يريد سرقة الثورة من المسلمين....الميدان مليء بالمخدرات والجنس....العلمانيون يدفعون للبلطجي الواحد 5 ألاف جنيه في الليلة مقابل اعتصامه في ميدان التحرير" ومثلما كل زعماء الإسلام السياسي يعرج مرارا إلي الإشادة بالجيش بعد كل تهديد صارخ
ارهابي لخصومه‎ ‎، (المصري اليوم- 23 يوليو)،‎ ‎فضلا عن تيمة محببة اليهم وشائعة بينهم وهي الطلب من خصومهم مغادرة مصر واخر من كرر هذا المطلب د.عبد الله درويش إمام مسجد الفتح (نفس المصدر السابق) انهم لايحترمون حسن الإدراك فيسبق نطقهم تفكيرهم‎ ‎، ولا يعترفون بالمعرفة فتعاقبهم باحالة كل مايقولونه إلي اللغو وخواء المعاني واللامسؤولية‎ ‎، ويرتجفون بحمي النهم إلي السلطة مع غياب اي قدرات فيصابون بالهستيريا خلال اي حوار حتي اصبح الإنهيار العصبي لديهم عصاب وحالة نفسية وسلوكية مزمنة‎ ‎، انهم مصابون بما يمكن أن نطلق عليه متلازمة افغانية او صومالية او سودانية لافرق كبير‎ ‎، هل توجد مواصفات ادق من تلك لإحداث الفرقة والإضطراب بل والإرهاب في مجتمع؟. قررت جماعة الإخوان المشاركة في هذه المظاهرات بعد يوم واحد من هذه التصريحات‎، وتراجع المتحدث باسم الجماعة الإسلامية عن اقواله في اليوم التالي ولا نضيف‎ ‎. واخيرا وليس اخرا تكفير السياحة والسياح لتخريب الإقتصاد من اجل
زيادة فاعلية الضغط الوهابي البترودولارية ، ‎ولكن القوانين القديمة والتعديلات الدستورية والإعلان الدستوري لم تتضمن بالطبع أي إدانة لذلك ، ولم تقبض الشرطة العسكرية بالرغم من كل تلك الجرائم على سلفى أو أخواني واحد فى مقابل المئات من الفتيات والشباب من نشطاء الثورة ناهيك عن فض الشرطة العسكرية لاعتصام سلمي مشروع لطلبة كلية الإعلام في جامعة القاهرة بالقوة الباطشة وبعد انتهاك حرم الجامعة في24 مارس الماضي ، ثم أصبح هذا سلوكا انكشاريا ثابتا للشرطة العسكرية بعد ذلك ، وكأن الانشغال الوحيد هو الإعتداء علي الشباب المتمدين انصار التغيير ثم تقييد الحريات، وتاسيس الدولة الدينية (حذر فولتير مرارا من خطورة الجيش ورجال
الدين علي الحريات والمجتمع والدولة) ، ولم تتاخر النتائج المنطقية لكل هذاالتسيب والفوضي وغياب الموضوعية المدنية ، إذ علي العكس تماما كانت معالجات قضية كنيسة إطفيح التى هدمت "على الهواء" وقطع أذن مواطن مصري لم يخرج على القانون ولم يعتد على أحد ، (وما تردد من تبرير حول الواقعة يفيض بالانحطاط والتخلف الاجتماعي والخروج على القانون) واعتبرت الجماعات المجرمة الخارحة على القانون أطراف مصالحة ، والكارثة الإضافية هى مشاركة قيادات الجيش فيما يسمى مجالس الصلح مع شيوخ أمن الدولة وأنماط ما قبل الدولة ، وما دون القانون ، خصماً طبعاً من هيبة الجيش ومصداقيته ، ناهيك عن هدم الأضرحة ، وأحداث قنا وأبو قرقاص والمقطم المفتعلة بوضوح مع تراخى مقصود في المعالجة ، وهكذا تتالت حلقات هذا المسلسل الإجرامي حتي وصل علي نحو منطقي الي بروفة حرب اهلية في حي امبابه احد اوكار شيوخ المتسلفة والإرهاب وحيث الشيخ حسين يعقوب صاحب "غزوة الصناديق"، ومؤخرا استضافت داعية وهابي من مبعوثي الخراب والتخلف "الثري" السعودي هو الشيخ عدنان الخطيري ذلك القادم من فشل كامل للوجود الإنساني وثروة الصدفة الفاسدة العمياء والقادمة من خارج المجهود البشري ، كي يهاجم الحرية والمدنية ويزرع الإرهاب والخراب والفتنة وينفث السم الوهابي التاريخي حقدا علي مصر الكادحة والذي اخرج كل
المصريين تقريبا من الدين وحرض الكل علي الكل ، ومقابل الضيافة البترودولاري لم يعلن بالطبع ، ولم نستمع طبعا الي صوت واحد من المتغنين بالسيادة الوطنية
العوراء المطاطة (المصري اليوم-8 اغسطس) ، إنه الدوران المقصود حول النفس من أجل إنتاج التخلف والجهل والتسلط والقبح .
ثالثاً :احتواء الثورة:
بالتوازي مع ما سبق تجرى عملية واسعة لاحتواء الثورة التى شكلت ديناميكية اجتماعية هائلة داهمت الدولة المركزية الشمطاء الشريرة ، وأثارت التوجس والقلق فى دولة تشكلت عقيدتها وثقافتها ومؤسساتها الرأسية عبر أزمنة طويلة على الاستغلال وعلى ثقافات الإنحناء (التعبير ل "مهند مبيضين") وعلى مقاومة الحداثة والفردية والإبداع ، ولا تتناقض بل ويؤكد ذلك اجراء محاكمات اللصوص والقتلة فى النظام السابق على مجموعات من التهم أقرب إلى المخالفات أمام محاكم مدنية ، ذلك لأنني لم أسمع عن فتح ملف تفجير كنيسة القدسيين وغيرها وبيع اللاحئين السياسيين وعمليات التعذيب والقتل والاختفاء القسري وعسيل الأموال وتجارة السلاح مع منظمات الإرهاب ، والمساس بالأمن القومي ، وهي تعد بالمئات وكان من المنطقي أن تكون المحاكمة
سياسية . فى ذات الوقت كانت هناك محطة لإعتقال وتعذيب وربما اغتيال فتيات وشباب الثورة خلف المتحف المصري ، وحوكم العشرات منهم بتهم "البلطجة" أمام محاكم عسكرية، وعندما قدم العديد منهم شكاوي نتيجة تعرضهم للتعذيب فى أوكار الشرطة العسكرية والتوجيه المعنوي إلى النائب العام (المدني) فحولها إلى النيابة العسكرية !! ،
وسجن المدون مايكل نبيل سند بتهمة إهانة القوات المسلحة أمام محاكم القوات المسلحة!! ،
ولا يوجد تهم مثل تلك أو مثل إهانة رئيس الجمهورية أو ما يسمى إزدراء الأديان فى دول ديمقراطية ، ذلك أن التهم هي عن أفعال ضد من لهم حصانة وحقوق قانونية ومدنية اي الفرد الإجتماعي والجماعات وممتلكاتهم ، أما ما هو تاريخ أو موضوع عام أو سلطة فهي بدون حصانة والنقد بكل أشكاله مباح ، أعرف أن كتابات مايكل فيها بعض الشطط ، فيما اثبتت الأيام صحة الكثير مما قال، أليست الثورة والإبداع والحب كلها أنواع من الشطط الإيجابي؟ وعندما يفقد الإنسان هذا الشطط ، يصبح يبروقراطيا ومن أنصار الأمر الواقع أو ميتا يتحرك أو متقاعد عن التفكير والحياة . اعتقد بيقين أن مئات الشهداء لهم ولذكراهم المجد وكل العظمة، ومعهم آلاف المصابين ، ومايكل نبيل وكريم عامر ووائل غنيم ورشا عزب وعبد الرحمن منصور ومصعب اكرم وسالي توما وعمر البحيري ورامي عصام وسلوي الحسيني وأسماء محفوظ وزياد العليمي واحمد ماهر ومصطفي الحجري وخالد عبد الحميد ومحمد عادل وبسمه فرفش ووائل عباس وجانيت عبد العليم ونوارة نجم ومحمد فهمي وفتحي فريد وشادي حرب اورد اسمائهم فقط كمجرد عينات
من ملايين الفتيات والشباب المصريين العظماء الشجعان الأنقياء هم ثروة هذا الوطن الحقيقية التى تستحق الاحترام والفرصة لممارسة حق الشطط بل وجنون الشباب الجميل ، فهم صناع الثورة التى استحقت احترام العالم ، وهم الضمانة الوحيدة للمستقبل ، ونحن نحتاج إليهم فى حاضرنا الراكد الماضوي القبيح ، وبالرغم من محاولة افساد بعضهم بالإختراق والشهرة والمناصب الإعلامية والوسائل الاخري ، فى ظل حكم اللاسياسة واللاقانون والفاشية التى تلوك الوطنية خارج الحرية أو ضدها لا فرق ، مما يذكر
بعبارة د.جونسون: "الوطنية هى آخر ملاذ للأنذال"، (كانت الوطنية والأمن القومي والنزاهة من كليشيهات مبارك المفضلة) ، وإذا كان كل ما سبق هو جرائم قامت بها الإنكشارية الجديدة أي الشرطة العسكرية والتوجيه المعنوي ؛ فإن الجريمة التى فاقت كل انتهاك وكل جريمة أخرى ، هى تلك الواقعة الشاذة الفاجرة التى تثبت راهنية هذه الخطة بما لا يدع المجال لأي شك فهي بجانب كونها هتك عرض مباشر وانتهاك خلقي ، هى حالة اعتداء على كرامة الجسد من أجل كسر الكرامة الإنسانية ، وهي أحد الوسائل المعروفة التى تمارسها الأنظمة الفاشية ، وأقصد هنا بالطبع ما هو موثق فى منظمة العفو الدولية تحت اسم "إختبار العذرية" لمجموعة من الفتيات المصريات اللائي قبض عليهن في ميدان التحرير في 9 مارس ، لم يفعل أحد فى مصر أشرف وأكثر وطنية مما فعلنه
وهو الأمل والتضحية من أجل أن تصبح مصر وطناً للحرية والعدل والمدنية ، وهل توجد تضحية أكبر من مواجهة فتيات عزل لعصابة من المجرمين الشواذ المسلحين بالزي العسكري اشبه بالطفيليات السامة التي جائت من كهف خارج التاريخ ، يخفون بالتأكيد دوافع وسلوكيات جنسية منحرفة تحتاج إلى العلاج والعقاب ، وهى بلاشك جريمة ضد الإنسانية ، إن هذه الجريمة التى مرت "حتى الآن" تحت ستار الصمت والسرية الذى تواطئت فيه كل أجهزة الإعلام المصرية ولم تنشر عنها أي خبر قبل ان تصدر تقارير منظمة العفو الدولية ، كي تثبت أننا نعيش فى هامش من الحريات تحت سقف الجريمة والخداع (في حالات متعددة لم يظهر بعض أعضاء المجلس العسكري إحتراما للقيم المدنية وللموضوعية المدنية وغلبت نبرة التهديد ونفاذ الصبر والعدوانية علي حواراتهم وظهورهم الإعلامي واعتقد أن ذلك هو نتيجة منطقية لديكتاتورية عسكرية ريفية طوال ستة عقود) .

مصر واقليم الحروب الاهلية

كما تدار البيوسياسة فى داخل مصر على هذا النحو تدار اللاسياسية فى الخارج فى قضايا مبدئية ، بل ومؤثرة على نحو مباشر على مستقبل مصر وفضائها الإقليمي ، وأقصد الموقف الرسمي من ثورات الشعب الليبي واليمني والبحريني والسوري ، وكأن الحكومة والقيادة المصرية تنتظر انتصار المجرمين حكام هذه البلاد ، أعرف أن نظام مبارك ترك إرثاً غير مشرف مع هؤلاء المجرمين وأضيف إليهم مجرم السودان والنظم الرجعية فى الخليج ، وأعرف أن لدينا مصالح تمس ملايين المصريين ، وأن تغيير السياسة لأيتم بين يوم وليلة ، ولكن الواقع يتغير بتسارع على نحو تاريخي ولم يبد أن اللاسياسة المصرية تبدى أي مبادرة حتى على مستوى الفهم ، وكأن فاعلية مصر الإقليمية مرهونة داخل فخ"غزةستان"الذي صنعته سياسة الجهل والتعصب وقصر النظر والسياسات القادمة من خارج الحدود ، إن مصر الثورة- في اعتقادي- هي مصر الشعوب والمثل العليا والقانون الدولي والشرعية الدولية والديموقراطية والتقدم والسلام أنها على هذا النحو يمكن أن تضمن مصالح شعبها والشعوب الأخرى المظلومة وتستعيد ثقلها الإقليمي والدولي .
أما النظريات والخطط الكارثية التى تدير مصر بعد الثورة التي حاولت شرحها في الفصل السابق لها بنية أساسية واضحة المعالم ، واحتمالاتها وأبعادها ونتائجها غاية فى الخطورة، ولا تضع فى الحسبان التدخلات الطارئة وعناصر الصدفة والطاقات غير المحسوبة والميدان الإقليمي الخطر الملبد والذي تشكل الحكومات التقليدية فيه احد اكبر عناصر العداء للدولة المدنية الديموقراطية في مصر ، خاصة في مرحلة الانتقال المحلية والإقليمية، فضلاً عن القصور الأخلاقي والوطني الذي تكشف عنه ، إنهم يطبقونها باعتبارها خططاً أمنية متخصصة بغرض السيطرة "المشروعة" والحقيقة أنها وضعت الأساس لإضطرابات متنقلة خارجة عن السيطرة يمكن أن تؤدي فجأة مع عناصر أخرى إلى حرب أهلية على النمط الجزائري ، ولا يجب أن ننسى أن البصمات المصرية كانت واضحة على الحرب الأهلية الجزائرية سواء بدعم جيش الخارج الرجعي ضد الداخل الثوري إثر الإستقلال ، ومشاركة الإخوان وشيوخ التطرف فى مشروع التعريب الاصولي ، وكانت أول كتبي عن الأزمة الجزائرية"الجزائر بين العسكريين والاصوليين"
وفيه تنبأت بالحرب قبل أن تبدأ وإنها أبدا لم تكن عملية ديموقراطية وإنما كانت خططا شبيهه بما يحدث فى مصر الآن ، وسبقها اتفاق من خلف الستار بين الرئيس شاذلي بن جديد وبين المتاسلمين ، ومعها قوانين وقواعد إنتخابية مختلة ، كما لوحظ انذاك ازدياد
نشاط الإقتصاد الديني البترودولاري القادم من دول الخليج ، والباقي معروف . كما أن نفس البصمات المصرية الرسمية الملعونة يمكن تلمسها فى غزةستان وجامعة إسلام أباد
الإسلامية التى تخرج منها اغلب قادة طالبان ، علي نمط مدرسة الإرهاب المسماة "مدينة البعوث الإسلامية" في القاهرة ، ناهيك عن السودان واليمن والصومال فهل نمر نحن الآن باستحقاق "دفع الثمن؟" اعرف أن ثورة اللوتس كانت طاقة انفجرت وكانت ثروة غضب ساكنة تحولت إلى رأس مال يدور ويحقق فوائد وهذه الثورة هي البوصلة الوحيدة لهذا الوطن التي تشير إلى المستقبل الذي تستحقه مصر وسط الجماعة البشرية الأكبر التي لامناص من الإنخراط فيها من اجل التقدم وخاصة أن الحل الممكن والقريب للازمة الاقتصادية هو السياحة وان مصر يمكن أن تكون بسهولة من دول المرتبة الثانية فى استقبال الثروة السياحية العالمية وفى خلال 5 سنوات على الأكثر . [اقدمت مجموعة من السلفيين الوهابيين علي شتم وتكفير مجموعة من السياح في ميدان التحرير!!(المصري اليوم-4يونيو)]، من اجل تفعيل الضغط الخليجي المالي علي مصر كما سبق واوضحت في الفصل السابق .
في كتابه الاخير"المتشددون" كتب المفتي د.علي جمعة: "العائق الحقيقي امام التقدم والإصلاح هو السلفيون" .
اعرف أيضا أن كل ما سبق هو خصما من معيار الثقة فى قدرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على العبور بهذه الثورة وهذا الوطن باتجاه هذه البوصلة وهى الدولة
المدنية الديموقراطية بوضوح ودون خطط سيطرة وتفكيك وتهديد بالإرهاب الذي تمارسه فصائل الإسلام السياسي ، ولكن القدر الباقي من الثقة مازال كافيا لتصحيح كل ذلك ، بالاضافة طبعا للضرورة الوطنية التي لامناص منها ، وإلا فالإحتمال الآخر اخطر من القدرة على تخيله ، وساعتها ستثبت صحة العبارة الشائعة في الكتابات السياسية الاوروبية- الفرنسية خاصة-وهي: "في الشرق الاوسط بين الدكتاتورية والحرب الاهلية لايوجد شيئ".

لجنة التعديلات الدستورية

اعترف بادئ ذى بدء اننى لست عضوا فى جمعية المعجبين بالمستشار طارق البشرى (مع
الاحترام الشخصى له) ذلك أنني اعتقد من قرائتى لكتاباته قبل أن تستظل بالإسلام السياسي وبعده إنما انتقلت من مضمون فاشي إلي الأكثر فاشية وما يعنينا هنا هو مرحلة "بعد" فقد صرح ضمن كلمة أمام المؤتمر القومي الإسلامي فى بيروت : "انه يرفض التقدم إذا كان مصدره الأخر"! وهو يقصد بالطبع الحضارة الأوروبية المعاصرة أو الحضارة اليهودية المسحية طبقا لأدبيات الإسلام السياسي ، اي ان الرجل يرحب بالتخلف طالما كان تحت لافتة عربية او اسلامية ، وإذا وضعنا هذه العبارة فى مقارنة كاشفة مع عبارة "دنج هسياوبنج" زعيم الصين ومطلق نهضتها الحالية: " لا يعنيني لون القطة طالما أمسكت بالفأر" وكان يقصد بالفأر تخلف الصين وإذا وضعنا الذهنية الأولى على رأس لجنة يغلب عليها إخوانية العقل والهوى بالإضافة إلى أنه من بين أعضائها قسيس من الموالين لحكم مبارك هو المستشار سامي يوسف(نجيب جبرائيل-اذاعة .bbcفي23 فبراير) أدركنا نوع
العقلية الطائفية التى شكلت اللجنة التي تذكرني بمجلس الحكم فى العراق الذى شكله بريمر وبدأت منه كل الجرائم التى تدور فى العراق حتى الآن ، وإذا أضفنا التصريحات شبه اليومية للإخواني الأستاذ صبحي صالح الذي يردد أدبيات محاكم التفتيش ببساطة لا يحسد عليها ، وعقلية الوحدة المعادية لأي تعدد من نوعية:
"الأقباط لو علموا مالهم من حقوق فى الشريعة الإسلامية لقالوا الإسلام هو الحل"! وكأن الأقباط هم مجموعة من الأطفال ينتظرون وصاية الأستاذ صبحي ، وكأن الشريعة هي نص سري باطنى لا يعرفه إلا الخاصة مثله ، وقبلها يقول : "ايه المشكلة لما نقول حكم إسلامي؟ " الرجل لا يتمتع بأي قدر من التواضع حتى يدرك أن المشكلة فيه هو وكل من يفكرون على شاكلته ، من يسير فى ركابهم الخراب والدم والإرهاب ومحاكم التفتيش فى النوايا وتقسيم الأوطان وكراهية كل آخر ، وأخلاق الجسد والنسب المهينة للرجل قبل المرأة ، وبعد أن "يمتلكوا الأرض" يهرب منها الضمير والأخلاق المدنية والضمير المهني والمهارات الاجتماعية والنقدية العقلانية والحريات والأمثلة تستعصى على الحصر في التاريخ وفي الحاضر ، ومنها على سبيل المثال الآن إيران والسعودية وأفغانستان والباكستان والسودان وشمال نيجيريا والصومال ، ولكنني أعجب من وجود رجل قانون بين صفوف جماعة اغتالت قاضيا وزرعت قنابل فى محكمة ضمن تاريخها الإرهابي القريب والبعيد ، المباشر وغير المباشر (اي عن طريق الارتباطات الخفية) ، والذي لم تعتذر عنه حتي الان .
ربما التفسير هو أن الرجل يردد عبارات من نوعية ومستوي : "ليه .. أهبل .. ولا شارب حاجة"، فيما بعد اضاف تعبير "اخ فلوطة"ثم اخذ يقتبس من ادبيات النازية ويتحدث عن إنتقاء جنسي وعرقي إخواني !! (المصري اليوم-25 مايو2011 ) وفي النهاية شبه نفسه بالرسول وانه ملهم وان الحملة عليه هي علي دعوة الاسلام!(المصري اليوم-2 يونيو)]،من الواضح ان الرجل ضحية جرعة زائدة من خليط من الطموح العارم‎ ‎إلي السلطة والوعي الزائف وعدم احترام المعرفة، اتوق لان اعرف مانوع العقل الذي اختار مثل هذا المستوي من الوعي والسلوك في لجنة دستورية كي يؤكد علي الإلتباس والشك القوي في تشكيلها والهدف منها؟ ، ولكن الامر بالرغم من تعاسته لايخلو من ايجابية وطرافة ؛ فقد توفر لدينا دليلا واضحا علي الطريقة التي تدار بها المرحلة الإنتقالية، وقدمت لنا مادة توثيقية مهمة عن مايعنيه قادة الإسلام السياسي بقولهم المراوغ عن دولة مدنية ذات مرجعية اسلامية ولنوعية اهدافهم ولمستواهم المعرفي والفكري ، ان افقهم العقلي والاخلاقي لايوصلهم لاكثر من دولة طالبان وهابية متخلفة وهمجية ودون خلق سوي اخلاق الجسد المحمولة علي الشكلية والغريزة والإستعباد وليس علي الضمير الحر ، وهذا مايدفعهم للتجرؤ وللتهجم علي اساتذة للقانون الدستوري في قامة الدكاترة
ابراهيم درويش وثروت بدوي ونور فرحات وتهاني الجبالي ، وقدمت لنا السؤال الأهم عن الغرض من تشكيل هذه اللجنة على هذا النحو ، هل فقط من أجل تلفيق دستور 1971 الساقط سياسياً وقانونياً بحكم الثورة ؟، وكان منتجها النهائي هو ازاحة الدستور عن
الاولوية (اي جريمة تلك؟) وهل لأن الإسلام السياسي مثلما كل دين سياسي هو رهن اشارة الطغاة فى كل زمان ومكان وكما عودتنا الفزاعة الألعوبة خلال ستة عقود ؟ .
الدساتير والدولة المدنيةوالديموقراطية أي السيادة الشعبية وحقوق وحريات المواطن الفرد ومسؤولية الحاكم كلها وليدة فلسفة الحكم بالحق الطبيعي فى مواجهة الحكم بالحق الإلهي بعد ما نتج عنه من ظلام العصور الوسطى ، وهكذا ارتقى الاحتياج الروحاني والديني للبشر من مستوي السلطة إلي مستوي الحرية ، وبالتالي دخل الدين في مدونة الحريات الاجتماعية والشخصية اي كقوة للمجتمع وليس للسلطة ، وإذا كان الطغيان والاستبداد الشرقيان بالإضافة إلى ثروة البترودولار الطارئة من خارج المجهود الإنساني العقلي
والجسدي ولأول مرة فى التاريخ ، ساهم كل ذلك فى بقاء العرب داخل مرحلة الحكم بالحق الإلهي وتنظيم حياة المجتمع بعد الموت! ، مما أدخل الإسلام"السلطوي" فى قرونه الوسطى الأكثر إظلاما وتخلفا من كل ماسبق ، ومحاكم تفتيشه وهي الأسوأ فى التاريخ والأكثر همجية ، وأساء إليه كدين واحتياج روحاني راقى على أيدي من يحلمون بمجتمع
بطريركي وإمبراطوريات عسكرية ، وسجنوا عقولهم فى القرن الثالث والرابع الهجريين ، تحت وهم إعادة تكرار التاريخ ، التاريخ حدث بالفعل وينتظر
منا التفسير المستمر باعتباره ميدانا للعقل والعلوم والادب والإحتياجات الروحانية واخذ العبرة فقط ، وليس منبعاً للأشواق العنصرية وأحلام التسلط والايدلوجيات الشمولية ، ومن
يرفض ذلك سيعيد تكرارجرائمة فقط ، وهو ما يحدث الآن . إذا كان من شكل تلك اللجنة كان يرغب فى الحصول على خريطة طريق لإجهاض حلم الدولة المدنية الديموقراطية ؛ فقد حصل عليها بالفعل ،(بذريعة التعفف عن الحكم والعودة إلي الثكنات!!)، وحصل معها "مجانا" علي مانيفستو لإعادة الطغيان والإضطراب إلى مصر.

التعديلات الدستورية والإعلان الدستوري

أوضحت سابقا ان ما سمي لجنة تعديل الدستور(الإخوانية) ارتكبت هي ومن شكلها خطيئة دستورية ترقي الي درجة الجريمة الوطنية ، وهي أنها أخرجت الدستور من
الأولوية ووضعته في سياقات وإشكاليات واحتمالات واردة بقوة ، وبدلا من ان يوضع بالتوافق الوطني الكامل جعلته محل جدل ووضعته موضع الغنيمة والاطماع والصراعات الايديولوجية وجردته من غاياته وقيمته واولها انه مؤسس للرابطة الوطنية وابو القوانين والناظم لشؤون الدولة وعلاقاتها بالمجتمع ، ولكن الاخطاء الاخري لايمكن التغاضي
عنها بل وتضيف ادلة اخري علي اغراض خفية غير اخلاقية وخطرة غير وطنية تحيط بكل تلك الملابسات، والملاحظات التالية قليل من كثير يدلل على ذلك :
أولاً: تطرقت اللجنة إلى تعديل المادة 75 الخاصة بمواصفات المترشح لرئاسة الجمهورية، دون أن تكون أحد المطالب السياسية قبل الثورة أو بعدها ، خاصة أنها لم تتطرق بالمقابل إلى الصلاحيات الإمبراطورية والتى تتيح التأله السلطوي للرئيس ، وكشف ذلك عن عقلية التمترس فى تطبيق شروط الترشح ضد كل فلسفات حقوق الإنسان والتطور الاجتماعي العابر للحدود ، وضد قطاع هام من المصريين ربما هم الأكثر تحصيلاً للمهارات العقلية والاجتماعية(ربما لهذا السبب تحديدا يتم اقصائهم وهناك شك في مشاركتهم في التصويت الإنتخابي حتي الأن مما يؤكد انه محل جدل ويشير بقوة إلي احتمال التزوير لإرادة المجتمع)، وهم من "طفشوا" من تحالف الفاشية العسكرية والدينية ، وأجبرتهم ظروف العمل والإقامة وربما الحب إلى حمل جنسيات أخرى ، وكأنهم بذلك خرجوا من فردوس المجلس العسكري ولجنتة الإخوانية التى ربما ترى فى البلهارسيا والإسكارس وأمن الدولة والمخابرات والجهل وضيق الأفق والتخلف والفقر والتدين التخديري والتحرش الجنسي الوبائي والعشوائيات والتعصب الأعمى والأمراض وحكم العصابات وغياب القانون ، وكل تلك الأمراض المتوطنة فى مصر هي من معالم الهوية الثمينة والولاء النفيس ، وليس ذلك ضد المرشح فقط بل ضد والديه أيضاً ، وأقاموا هذا المنطق العنصري على استثناء الاستثناء الغير واقعي وهو : "نفترض أن المرشح كان متزوجاً من إسرائيلية" ، أحد السمات الأساسية للعقل الفاشي هو افتراض وجود عرق أو هوية أو ثقافة أو دين أو مذهب أو وطن نقى تماماً، وطبقاً لعصر ذهبي فوق بشري – مزيف بالضرورة - وبالتالي التقيد بها بديلاً عن تصور الحقوق والحريات ، ومن ثم تخريب الواقع ، لو كانت هذه العقلية المتخلفة تعمل فى المجتمعات المتقدمة لما وصل ساركوزي وباراك أوباما وصونيا غاندي إلى ما هم فيه ، المجتمعات مثلما هي متعددة طبقاً لمكونات التاريخ فى الشعب الواحد ، هي أيضاً متعددة طبقاً للجغرافيات الإجتماعية في الداخل والخارج .
ثانياً: إذا سلمنا أن الدستور وطبقاً لما تقدم هو نص تعاقدي مع مواطن فرد يؤسس للحقوق والواجبات المدنية الحاضرة والمستقبلية ، وبمجرد ولادته،وقبل ان يتصف باي صفة جنسية او عرقية او طبقية اودينية اومذهبية ، وينظم علاقاته بالتالي مع المواطنين من حوله ، وينظم مؤسسات الدولة وعلاقاتها البينية ؛ فإن أي غموض أو عدم استقامة في العبارات يؤدي إلى تعدد التفسيرات وبالتالي إلى الخلل فى تلك المنظومة والتى تؤسس فى النهاية للرابطة الوطنية كحاصل جمع لكل هذه العناصر كما أن التعبيرات الغير محددة والتى تتضمن المبنى للمجهول هي فى الحقيقة خصماً من حقوق المواطن وتفسر لصالح السلطة بالضرورة ، وبما أن اللجنة كما فهمت مسئولة عن التعديلات وعن قانون الأحزاب وعن الإعلان الدستوري ، وخاصة بعد أن ادمجت كلها بالخداع في حزمة واحدة ، وسحبت عليها الشرعية المزعومة للإستفتاء (بقدرة قادر) الاحظ الآتي:
فى تعديل بعض أحكام القانون رقم 40 لسنة 1977 الذى أصدره المجلس الأعلى قبل الإعلان الدستوري وردت عبارة "مقتضيات حماية الأمن القومي" ودون أي تعريف لما
هو الأمن القومي وما هي مقتضيات حمايته ومن يقوم بها؟، المقصود طبعا بهذا الغموض ان يرحل الأمر كله وعلى نحو يخضع للامزجة إلى أجهزة الخفاء الإجرامي والتى لا يعرف لها ميزانية أو أهداف محددة أو قيادات أو مسئولية مدنية أمام الشعب مثلما الدول المحترمة وهكذا يتحول الأمر إلى العكس تماماً مثلما قدمت من أمثلة .
ثالثا: فى الفقرة الثانية من المادة الرابعة فى الإعلان الدستوري: "ويحظر إنشاء جمعيات يكون نشاطها معاديا لنظام المجتمع أو سريا أو ذا طابع عسكري"، إذا كان المجتمع هو كيان ضخم يحوي مجتمعات عدة وتعددية هائلة دائمة التغير من الطبقات والثقافات والعرقيات والأجناس والقوميات والجهويات والأعمار والأمزجة والمواهب والمهارات الاجتماعية والعلمية ومبادرات إبداعية وتجريبية عقلية واقتصادية وتعبيرية وميول محافظة وحداثية وطفيليات اجتماعية عير منتجة ...... إلخ مع العلم أن الأغلبية أو الأقلية السياسية هي متحركة و دائمة التغير ولا يمكن تثبيتها او توصيفها ولا يمكن ان تكون غير مدنية او مسبقة ، هناك مثلا نظام للدولة او نظام قانوني او تشريعي ، فما هو إذن معنى
تلك العبارة الشاذة المصمتة الوهمية التى ليس لها مثيل فى الفلسفة الدستورية والقانونية؟، ثم نأتي ثانية إلى المبنى المجهول من ذا الذى يقوم بتحديد هذا النظام الوهمي للمجتمع وبالتالي يصبح مسئولاً عنه؟، اعتقد أن التعبير جاء من سلسلة التعبيرات الفاشية غير المنضبطة والإكراهية القادمة من ثقافة الإنحناء ومعسكرات التجميع ، مثل :"ثوابت الأمة"، "خصوصيتنا الثقافية"، "اساسيات المجتمع"، "الصف الوطني" ،"الإجماع القومي"،"الشعب المتدين بطبعه" ،"الاغلبية المسلمة" "المجتمع المؤمن" "إرادة الأمة" إنه القاموس الشعبوي الغوغائي والبليد بامتياز .
رابعا: فى الفقرة الثالثة من المادة الرابعة أيضاً : "ولا يجوز مباشرة إي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل" هل معنى العبارة بعد فصل التفرقة عن الأساس الديني وأصبحت محصورة فى الجنس والأصل ، أنه تجوز التفرقة على أسس دينية ؟ اعتقد أن العبارة غير مستقيمة بالرغم أن الحديث عن عدم التمييز فى المادة السابعة كان واضحاً: فى "العرق والأصل واللغة والدين والعقيدة" ، إن عدم استقامة العبارات أو المعاني يخفي دائماً -فى اعتقادي- الأفاعي وراء الكلمات.
خامسا: نصت التعديلات الدستورية مادة 189 : "لكل من رئيس الجمهورية ، وبعد
موافقة مجلس الوزراء ، ولنصف أعضاء مجلس الشعب والشورى ، طلب إصدار دستور جديد، وتتولى جمعية تأسيسيه من مائة عضو ينتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين" والمعروف أن الدستور فى نصه "لأول مرة" لابد أن تضعه لجنة توافق وطنى دقيق وكامل أي بكل تعدديات المجتمع ودون شروط سوي التأكيد علي المواثيق والمبادئ العالمية، ثم يعود إلى الإرادة الاجتماعية الوطنية ثانية للموافقة أو الرفض، كيف بهذا المعنى تقوم سلطة منفردة "دون دستورية" مثل رئيس الجمهورية أو مجلسي الشعب والشورى بتشكيل هذه اللجنة ، على أن نضع فى الاعتبار أن التعددية الإجتماعية والوطنية بالتأكيد لن تكون مكتملة فى هذا المجلس، وأن شروط العضوية ليست إلا القراءة والكتابة، ونصف المجلس من الفئات المرتبكة والمشوشة اجتماعياً تحت اسم العمال والفلاحين ، كما أن العضوية تعتمد على تفويض مؤقت يمكن إلغائه أثناء دورات الانعقاد أو فى نهايته ، فكيف بكل هذه النقائص والتشوهات يوضع دستور تعاقدي دائم يؤسس للرابطة الوطنية؟.

القضاء والديمقراطية
اعتقد انه من البديهي القول ان القضاء وسيادة القانون هما حجر الزاوية في ارساء النظام الديموقراطي ، ولكن لنبدا من ذلك الاستفتاءالعجيب الشاذ فى 19 مارس والذي تم تديينه حتي بدا وكانه كان استفتاءا علي الإسلام ، تحت سمع وبصر المجلس الاعلي ولجنة الإشراف ، وهكذا مضت خريطة الطريق(او السيناريو) والذي كان فرصة للاستعراض من شبكة قوى الإسلام السياسي التى اتكأت على رغبة قطاع كبير من المهن والمصالح التى تضررت من استمرار الفراغ الأمني والاضطرابات بعد الثورة ، وفى الحقيقة أن تلك الشبكة كانت استعراضاً وبنية أساسية متوفرة للعمل ضد المجتمع وضد الدولة المدنية وضد الديموقراطية بل وضد الإنسانية ، انها ببساطة كانت"تنظيم طالبان-فرع مصر"، وهي الشبكة التي كانت حليفاً موثوقا به لنظام مبارك كما هي الآن مع المجلس الأعلى [والذي اعتبر بدوره انه "كجيش" حصل بهذا الاستفتاء علي الشرعية من الشعب!!(المصري اليوم-29مايو)] ، غير أن ملاحظتي الأساسية، تبدأ من إعلان المستشار رئيس اللجنة عن نتيجةالاستفتاء ، وبالرغم من زفة الإعلام الرسمي ، والتوجيهات الرسمية بالإحتفاء المبالغ فيه ، وتلاوة ايات القران ، وترديد الادعية ، لم ينجح كل ذلك في التغطية علي المخالفات الجسيمة والمريبة التي وقعت ومنها الفرز الذي تم بعيدا عن الأعين ، ناهيك عن مضمون التعديلات التي سبق بحثها، ولكن سمي كل هذا الكم من التلفيق والأخطاء الوطنية وانعدام المسؤولية والاغراض الخفية الخطرة ب"ارادة الشعب". اعترف أنني لست ممن يتداولون كليشيه " الإشراف القضائي الكامل" كضمانه لعدم التزوير ، ولا أنا ممن يتداولون كليشيه "قضاء مصر الشامخ" ذلك أن القضاء بسبب حساسية وضعه وتأثيره ، كان المقصد الأول للإفساد طوال ستة عقود وبالتالي أصبح لدينا ما يسمى بـ"قضاة الأعمال القذرة" و"قضاة الرئاسة" و"قضاة أمن الدولة" و"قضاة الأمن القومي" و"قضاة التزوير" و"قضاة البزنس" و"ترزيةالقوانين" من المستشارين ، ثم من كانوا ضباطا في الشرطه او موظفين واصبحوا قضاة ، بالإضافة طبعاً إلى ضعاف النفوس والجهلة واخيرا "ترزية الدستور"، وإذا أضفنا إلى ذلك أن شرطة المحاكم والسجون والأدلة الجنائية والطب الشرعي وجهاز الكسب غير المشروع والرقابة الإدارية والنائب العام والإعارات والانتدابات والثواب والعقاب للقضاة والتفتيش القضائي وتعيين رؤساء المحاكم الإبتدائية ، كل ذلك وأكثر تابع للسلطة التنفيذية ؛ ناهيك عن التشوهات الهائلة التي لحقت بكل القوانين والتشريعات تقريبا ؛ فعن أي قضاء وسيادة قانون نتحدث؟، بالتأكيد يوجد العديد من القضاة الشرفاء يناضلون من أجل العدالةوكرامةالقضاء وسيادة القانون ، ولكن الأمر كله ينزل العدالة إلى مستوى الصدفة ، وينزل نظام القضاء وعلي نحو مؤكد الي مستوي خدمة الاستبداد ، وصف المستشار احمد الزند رئيس نادي القضاة شباب الثورة بانهم رعاع(المصري اليوم-26 مايو ص5) ، ومن الصعب نسيان أن كل الإنتخابات والاستفتاءات طوال ستة عقود كانت كلها بدون استثناء مزورة ، كان أغلبها يقوم عليها قضاة يرددون آيات من القرآن والبسملة (كان عدد القضاة الذين احتجوا على التزوير الكامل للانتخابات التشريعية فى 2010 ثلاثة قضاة فقط) ورأس اللجنة مستشار وبعضوية قضاة قدموا لنا التزوير المسموم بصلف وتعال . قال المستشار احمد مكي نائب رئيس محكمة النقض: "أسهم القضاء في فترة من الفترات في إفساد الحياة السياسية ، الم يكن التزوير الذي حدث في2005 قد تم علي يد قضاة؟" (المصري اليوم-8 يوليو) ، والادلة علي فساد وتهلهل مضمون القضاء والتقاضي تستعصي علي الحصر ، ولكن اذكر علي سبيل الامثلة: الحكم الذي صدر من اعلي محكمة، أي محكمة النقض بتفريق عالم بارز هو د.نصر حامد ابو زيد عن زوجته في إعتداء سافر علي الحريات العقلية والشخصية والمدنية -كي تثبت ان اعلي مستويات
القضاء لدينا الان هي دون مستوي النيابة التي حققت في كتاب "في الشعر الجاهلي" لمعلم الامة طه حسين في1927-و فضيحة التزوير القضائي لحساب قضاة وضباط شرطة ضد نادي الجزيرة في محكمة القضاء الإداري اول درجة(الشروق-20 ديسمبر 2009 )،وفضائح "التوريث" في القضاء تصعب علي الحصر(المستشار امجد هيكل-المصري اليوم-16يونيو) ، تطورت عملية نشر الملف المشبوه في محاكمة وزير الداخلية حبيب العادلي لرئيس المحكمة القاضي عادل عبد السلام جمعه "المتعاون مع الامن" (المصري اليوم-27 مايو)وقال عنه المستشار محمود الخضيري:"متواطئ وتاريخه اسود"!!(المصري اليوم-28 مايو) ذلك الملف الذي عرضه د.حسن نافعه مرارافي جريدة "المصري اليوم" في شهري ابريل ومايو الماضيين(ولا من مجيب) ، من وضع رجلا تدور حوله كل هذه الإتهامات والشبهات علي راس محكمة جنايات القاهرة؟ ، ناهيك عن ما حدث لي شخصيا واوضحت بعضه في الفصل السابق.
صرح المستشار "محمود الخضيري" : "القضاء في مصر مخترق ولدينا 300 قاض علي الاقل منحرفون"!(المصري اليوم- 7 مايو 2011) -اعتقد انا شحصيا ان العدد اكبر بكثير بل واضعاف ذلك- وثارت موجة دفاع مستميتة قام بها وزير العدل ورئيس نادي
القضاه استعملت فيها تعبيرات من نوعية: "اي حديث عن قاض فاسد كلام قهاوي" ، "القضاء ثوب ناصع"، "لايوجد قاض واحد منحرف في مصر"!! ، إثر هذه الحملة نشر خبر موثق عن تعيين 38 في مجلس الدولة من ضباظ امن دولة وشرطة واقارب لمستشارين(من بينهم رئيس المجلس نفسه) وقيادات شرطة ورؤساء مباحث وجميعهم لاتنطبق عليهم الشروط!!(المصري اليوم-18‎‏ مايو 2011)، وفي نفس السياق صرح المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقص: "شك المواطنين في القضاء له مايبرره ، لأنهم يعلمون ان هناك قضاة يقبلون بتدخلات السلطة التنفيذية في سير العدالة"(المصري اليوم-16يوليو) ، وفوق كل ذلك وهو مجرد غيض من فيض أضيف انه ليس مجرد ظواهر فساد مؤسفة متناثرة ولكنه فساد مبرمج وممأسس ويكفي للتدليل أنه امام كل هذا الطوفان من الفساد وانهيار الاداء لم يصدر حكم واحد ايجابي في قضايا رد القضاة طوال أكثر من اربعة عقود كما اوضحت في الباب السابق . امام كل تلك الادلة والشهادات
تبدو الكليشيهات الجوفاء وعقلية التابو وكانها اضحت بديلا عن "الحقائق" لدي اغلب المسؤولين في القضاء مثلما كل اجهزة الدولة المركزية العاتية الفاشلة في مصر ، واعتقد ان هذا هو احد الملامح الغائره في الماساة . يذكرني كل ماسبق بشكوي الفلاح الفصيح في مصر القديمة:"سيدي الشريف..وعدتني بالعدل وهاهم قضاتك يرتشون بسلة فاكهه .

من أجل ديموقراطية حقيقية:

‏ ‏بعد ستة عقود من الاستبداد خاصة فى نصفها الأخير ، ومثلما فى كل نظم الاستبداد والاستغلال أصبح أداء الدولة وحركة المجتمع خاضعين لاعتبارات تعسفية تغير من طبيعة الوظائف وأهدافها ، وتؤدي إلي تعدد مراكز القرار وتحصره فوقيا، ويتلاشى الوكلاء السياسيين ثم تتأكل قواعدهم الحقيقية وهم الوكلاء الاجتماعيين ، وهؤلاء لايمكن ان تقوم للديموقراطية قائمة بدونهم، خاصة وكما سبق واوضحت ان من يحل محلهم هم وسطاء طفيليون وتقليديون (رجال دين وعملاء أمن ورؤساء عشائر وجهويات وسماسرة وفئات مرتبكة اجتماعياً) ، تعمل ضد الدولة والمجتمع على حد سواء وعند سقوط النظام تسود حالة من التفاعل الاجتماعي والسياسي الحاد خارج أي ترتيب أو نظام طبقاً
لقاعدة التعويض والتوجس والتوقع السلبي ، وبسبب محاولة القوى الاجتماعية والقومية
استعادة أوضاعها واستحقاقاتها سواء الحقيقية أو المتوهمة ، وفرز وكلائها الاجتماعيين من العدم تقريباً ، في غياب أي معيار للإدراك العام . وإذا كانت الثورة هي فائض غضبي ديناميكي ، فإن معنى ذلك هو وجود شحنات غضبية استاتيكية (ساكنة) محدودة بالحدود السكانية والطبقية والبيئية ، ولكن عناصر مثل التناقضات الاجتماعية الحادة وترهل الدولة وغياب الأمن ، وخلل مراكز القرار يولد طاقات إضافية خطرة ومحتملة ، ولكن الانتخابات الشاملة تتطلب الحشد والتعبئة ، وترفع سقف التوقعات لكل الفئات كل على حساب الآخر ، وذلك يزيد التفاعل ويولد طاقات غير محسوبة وفوضوية تتعدي كل الحدود بما فيها الجغرافية ، ومن الوارد أن تصبح مستعصية وخارج السيطرة ، حدث ذلك فى كل الدول التى سقطت فيها الدكتاتوريات مثل أسبانيا والبرتغال ورومانيا ، ولكن الفضاء الإقليمي الأوروبي والغربي عموماً تولى تنظيم وضبط الأوضاع بوسائل متعددة وفعالة ، ولكن الأمر فى يوغو سلافياً والجزائر والعراق لم يتوفر له ذلك بل على العكس كان الفضاء الإقليمي عنصراً مساعداً لزيادة الفوضى والعنف ، وهو واقع مصر الحالي للاسف ، وإذا كنت اعتقد أن الباقي من الثقة فى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، نتيجة إنحيازه الى الدولة ضد السلطة فى لحظة حاسمة ، وبالرغم من عدم انحيازه للثورة ، إلا ان المستقبل سيتحدد بوضوح إما بوقوفه إلي جانب الدولة المدنية الديموقراطية ، أو إعادة انتاج جمهورية يوليو العسكرية/الدينية الفاشية في ديكور الصناديق الديموقراطي ، يبقي هذا الاختيار خاضعا لإختبار الوقت القريب ، ولضرورة الرهان الوطني عليه بالطبع ، وان كانت مصر – في اعتقادي- تحتاج لما هو أكثر وهو الرهان الوطني الحضاري الحر ، وهنالابد من القول أن أسهل الطرق لإفشال الديموقراطية هي التعجل فى تطبيقها في غياب ثقافتها او بنيتها الاساسية او إختزالها في مجرد الإنتخابات ، ومع بقاء البنية
الاساسية للتزويركاملة لم تمس ، بل وتدعمت اكثر بالقانون الجديد لمجلس الشعب
الصادر عن المجلس الاعلي ، والذي لايجرم الرشوة والمال السياسي ، ولا الشعارات الدينية(لااستغرب ذلك)، ويسمح بتشتيت الاصوات ، وبالطبع يفسح الفرصة للبلطجةواستعمال الفقر والجهل كوسائل سياسية ، نتيجة تغليب نسبة النظام الفردي .صرح مارك قرانكو رئيس وفد الإتحاد الاوروبي في القاهرة:"مصر رفضت الرقابة الدولية علي
الإنتخابات البرلمانية" (المصري اليوم-7يوليو) ، يبدو جليا ان التزوير نية وخطة واليات مستكمل تماما سواء كان للإنتخابات البرلمانية او الرئاسية ، وفي ظل التغطية المناسبة من الحديث المستفيض كالعادة عن الوطنية والإسلام والنزاهة ، و"الوقوف علي مسافة واحدة من كل القوي" (عبارة متكررة للمتحدثين باسم المجلس العسكري حتي اصبحت تسبب الأرتكاريا لي شخصيا) ، وفي ظل قضاء اثبتت السوابق انه رهن الإشارة لذلك مع وجود استثناءات بالطبع ، فيما بعد أعلن المستشار عبد المعز إبراهيم رئيس اللجنة العليا للإنتخابات المقبلة عن تعيين المستشار محفوظ صابر عبد القادر رئيسا للأمانة العامة للجنة العليا للانتخابات والاخير كان يشغل نفس المنصب في انتخابات 2010 التي زورت بالكامل ويشغل منصب مدير التفتيش القضائي بوزارة العدل وهي الهيئة المغتصبة من مجلس القضاء كي تقوم بتطويع القضاة لحساب السلطة التنفيذية (المصري اليوم-8
اغسطس) ، عن نفسي لم اعد انتظر اية انتخابات نزيهة في مصر ، وفي ظل الغموض
والفوضي الناتجة عن طريقة إدارة المرحلة الإنتقالية ، والغياب الكامل للموضوعية المدنية، والتحالف مع جماعات التطرف والإرهاب وحكم مجالس الصلح العرفية ، وتلاشي ثقافة وهيبة الدولة ، بالاضافة إلي التدخلات الإقليميه الخطرة . والبديل المفترض كان حطة متماسكة تستلهم مراحل الإنتقال من الديكتاتورية العسكرية إلي الحياة
الديموقراطية وسيادة القانون في امريكا اللاتينية وجنوب شرق أسيا وشرق اوروبا لإعادة "تأهيل المجتمع والدولة" لممارسة حياة ديموقراطية كاملة ، (وهوالهدف المنطقي والحقيقي لمرحلة الإنتقال) خلال سنتين ، يتم خلالهما تشكيل لجنة من المتخصصين غير الإيديولوجيين لوضع دستور مع ممثليات التيارات الوطنية بكاملها ، ولجنة اخري لإعادة تاهيل القضاء، وتجرى خلال ذلك انتخابات متدرجة من أسفل لأعلى ، أي من العمد مع
مجلس قروى تطوعي منتخب فى كل قرية كمدرسة اجتماعية سياسية ، ثم انتخابات المحليات ومجالس برلمانية محلية مصغرة وحتي مناصب المحافظين وبرلمانات
للمحافظات ، وفي نهاية السنتين تجري إنتخابات الرئاسة ثم البرلمان ، وهكذا تمتص كل الطاقات والشحنات الغضبية المؤجلة والراهنة حتى تنزل إلى منسوبها الطبيعي ، وفى ذات الوقت تتبلور البنية الأساسية للديموقراطية وتشكيلاتها الاجتماعية
والسياسية الضرورية (في حدود الممكن).

الطرق المسدودة

اعود لسؤال البداية ؛ انه إذا كانت الحرب اخطر من ان تترك للعسكريين ؛ فإن الاخطر ان تترك لهم اهم مراحل السياسة علي الإطلاق وهي الإعداد لدولة مدنية ديموقراطية لم تكن موجودة لستة عقود بسبب الحكم العسكري ، الذي لايتيح اية حقائق اجتماعية او سياسية .وتتكاثر الادلة علي قيامهم بدفع الإسلام السياسي اي قاطعي الطريق امام الحرية والتقدم والتنمية إلي صدارة المشهد السياسي بل وتمكينهم ، وبينهم من يمارس الارهاب . قال الاديب بهاء طاهر: "استمرار الوضع الذي ينتهجه القائمون علي الحكم معناه تسليم مفتاح البلد ل الإخوان و الوطني " (المصري اليوم-13يونيو)، يصبح السؤال الأهم
هو: ماذا يجمع بين من تتاسس فلسفة وجوده ووظيفته علي فكرة الوطن وهم العسكريون ، مع المتأسلمين الذين جاءوا من القاع الفكري ، وينكرون الوطن اصلا لحساب ايديولوجيتهم التي تخدم امةوهمية وحلم امبراطوري فاسد وشرير ، وشره
غرائزي وانتهازي خطر للسلطة وفوق ذلك يرفعون علم مملكة الظلام السعودية ومنظمات العنصرية والإرهاب مثل حماس وحزب الله والقاعدة في مواجهة العلم المصري بل وكتبوا علي الأخير عبارات دينية تشبها بالعلم الوهابي ، ومن ادبياتهم المصونة ("لاوطنية في الإسلام"، "لاقانون ولا دستور..القران والرسول"، "طز في مصر" وهي عبارة شهيرة للمرشد العام السابق لجماعة الإخوان مهدي عاكف ، فيما اخذ المرشد الحالي د.محمد بديع يربط الاحداث الوطنية بالتفسير الإلهي ، علي سبيل الدعاية لجماعته طبعا)؟، اعتقد انه لابد من اضافة ان هذا التحالف بعيد تماما عن الندية والتكافؤ وهو اقرب إلي الاستعمال المرحلي (المتكرر والمتعددالإستعمالات) للفزاعة العوبة السلطة الفاشية واحد اذرعها السرية ، كانت الجماعة وتوابعها في مازق بعد سقوط مبارك "السيد" ولكنها حصلت علي "سيد" جديد ، فهنيئا لهم . قال د.محمد حبيب النائب الأول السابق لمرشد الجماعة: "الإخوان مخترقون امنيا من الداخل واجهزة الأمن كانت تعلم كل
اسرارالإخوان من داخل الجماعة ،وكانت تعلم ايضا الشفرات داخلها" (قناة التحرير 19يونيو) و(المصري اليوم21يونيو) واستقال بعد ذلك من الإخوان(المصري اليوم-14يوليو) . اعتقد اننا هنا امام السطر المفتاح ، ويحق لنا التساؤل هل هذه الشفافية مع الأمن "من الداخل" هي من شروط صفقة الإستعمال القديمة الممتدة؟ . استنتجت ذلك في دراساتي المنشورة منذ عقدين تقريبا ، واعرف انه يثير الدهشة وربما الذهول ، ولكننا نتعامل هنا مع اكبر استثمار سياسي لجمهورية يوليو الفاشية لإحكام السيطرة علي المجتمع وحصار قوي المعارضة ، بالاضافة طبعا للمؤسسات الدينية الرسمية والشعبية وطوال
ستة عقود ، وبعد فشل كل محاولات تشكيل قاعدة اجتماعية تقودها منظمات مدنية سرية
لحساب السلطة ، مثل التنظيم الطليعي ومنظمة الشباب وغيرها عبر معاهد واكاديميات ومراكز البحوث ومراكز تجنيد وتلقين ايديولوجيا العسس وكلاب الحراسة ، وهذا ينطبق ايضا علي العديد من الفصائل السياسية والثقافية، وهذا لايتناقض وجدل الجماعة مع الدولة او تفاعلها الإجتماعي او التناقض مع قواعدهم الشبابية التي لم تبرمج بعد علي تسويق بضاعة الطغيان والإنتهازية والتامر والتخلف ، لاننا نتحدث هنا عن اداء هيكل قيادي وبنية استراتيجية ، واحد اسرار العجائز(بلغة علوم الاساطير والانثربولوجي) وقد يكون له مغزي في هذا السياق ماذكره بعد استقالته المرشد العام السابق مهدي عاكف: "هناك سر في مكتب الارشاد" (المصري اليوم-24 اكتوبر 2009)،انه -في اعتقادي- نفس السر الاستراتيجي لجمهورية يوليو العسكرية الريفية ، وسبب الدهشة التي قد يثيرها هذا الاستنتاج -في اعتقادي- هو التناقض مع الرواية السائدة والذائعة التي
تقلب تلك الوضعية وتموه عليها ، وهي جزء رئيس في هذا الإستثمار ، وفي نفس الوقت هي الرواية الرسمية التي روجها وسهر عليها المثقفون الرسميون وهم كثر ، بالإضافة طبعا لمراكز الإستشراق التابعة لأجهزة الأمن ومراكز صنع القرار في الغرب .

الفزاعة في السياسة الأمريكية

لأن الاكاذيب احيانا تنمو مثل الحقائق هاهي الجماعة وتوابعها بصدد التحول إلي العوبة اقليمية ودولية بعد ان حصلت بصورة شبه علنية علي اتفاق محلي مجز ينص علي قيام الفزاعة المدللة بدور المحلل والمقنن الدستوري لإستمرار جمهورية يوليو العسكرية الفاشية الفاسدة ، وبما يتطلبه الامر من تزوير لإرادة المصريين واحتواء الثورة وحتي لو اوصل الامر إلي الإضطرابات بل والحرب الاهلية ، وبذلك اصبح لديها كل المعطيات للحلول محل مبارك في تحالفاته الرجعية الفاشية ، علي أن يحرك العسكر خيوطها في الخلف المظلم ، ولن يجلب ذلك -كالعادة- سوي الكوارث تعود علي العالم وعلي كل من
يفكرون هكذا وفي مقدمتهم الإدارة الامريكية العمياء عدو الشعوب والديموقراطية
، والراعي الرسمي لكارثة انقلاب يوليو 1952 ولحكم مبارك الإجرامي وللحكم الرجعي الإرهابي الفاسد للعائلات العربية البترودولارية ، واخيرا لمرحلة الفوضي والاغراض الخفية "الغيرإنتقالية" في مصر ، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون خلال زيارتها للقاهرة في 16مارس: " ان بلادها لاتمانع مشاركة الإخوان المسلمين في الحكم في مصر"(وكالات الأنباء العربية والغربية) ، وصرحت السفيرة الامريكية في
القاهرة مارجريت سكوبي: "واشنطن مستعدة لدعم اي حكومة مصرية حتي لو كانت اسلامية "(المصري اليوم-31 مايو)، وفي مؤتمر صحفي في بودابست في30 يونيو اعترفت وزيرة الخارجية الامريكية وعدد من مساعديها ان الإتصالات مع جماعة الاخوان ستتصل وانها تجري منذ فترات طويلة(تقرير لوكالة رويترز) ، كم مرة كذبت الجماعة ذلك؟، ويدفعنا ذلك الي طرح سؤال: فيم كان كل ذلك التظاهر بالفزع واثارة الضوضاء عن الإخوان خلال حكم مبارك بالقياس إلي مايحدث الان إلا إذا كان الإمر كله من قبيل القاذورات السياسية، ومنها تبرير مساندة طاغية فاسد وجاهل ، ومنها أيضا خداع شعوبهم ، وللادارة الامريكية سوابق وخبرة معروفة في استعمال الإسلام السياسي والنظم الرجعية والفاشية ، وسيدفع الثمن الاكبر في النهاية وكالعادة المجتمع المصري
المنهك والفقير . قال عالم اللسانيات وفيلسوف اللغة الامريكي الشهير نعوم شومسكي:
"الديموقراطيات الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة تمنع نشوء ديموقراطيات في العالم العربي" (حوار في موقع‎ ‎ ‎qantara.‎de‏ الالماني للحوار مع العالم الإسلامي،‎‏ بعنوان: "فزع اوباما من الديموقراطيات العربية" في26 يونيو)،وفي حديث صحفي قال د.خالد ابو الفضل عضو لجنة الحريات الدينية الأمريكية السابق واستاذ القانون الدولي والشريعة واستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة كاليفورنيا وعضو سابق في جماعات سلفية: "أمريكا تفضل الحكم العسكري أو الوهابي لمصر ، والسعودية حذرت واشنطن من قيادة مصر لحركات التحرر" واضاف "نحن هنا لا ندرك ان الغرب أيقن منذ زمن ان الخطر الحقيقي ليس في الحركات السلفية ذات المرجعية الوهابية ، لكن في الإسلام الليبرالي الوسطي(...)كما هو الحال في تركيا" (المصري اليوم-18 يوليو) ،ولاتتناقض تلك الإستنتاجات والإحترام الذي اكنه للمجتمع الامريكي وديناميكيته الإجتماعية الهائلة المثيرة للاعجاب . ماسبق إذا هو عنصر اضافي يفسر-فيما اري- التصريحات والسلوكيات المتسمة بالإستعلاء واللاتواضع والهستيريا والإنفصال عن الواقع ، التي صدرت عن كل قيادات تيارات الإسلام السياسي تقريبا خلال فترة مابعد الثورة ؛ بل ويفسر الكثير من الاحداث الملغزة طوال ستة شهور.
الدولة العمياء

كان من المثير للتعجب وربما الصدمة لدي الكثير من المصريين لغة التهديدات الدائمة الصادرة عن بعض اعضاء المجلس الاعلي طوال فترة مابعد اسقاط مبارك(هدد احدهم المثقفين المدنيين وعايرهم بالوضع في ليبيا، وتناسي اللبيب ان جل من استضافتهم زنزانات محكمة لاهاي كانوا من العسكريين وسيكون هذا بالتاكيد هو مصير قتلةالشعب الليبي بعد انتصاره المؤكد) ، وبالاضافة الي ذلك الإستدعاءات الترويعية امام النيابة
العسكريةوالمحاكمات العسكرية للمدنيين ، والإعتداءات من كل نوع علي حقوق الإنسان ،
والمخالفات المتزايدة للمواثيق الدولية ، ثم رفضوا الضمانة الوحيدة ضد التزوير وهي الإشراف ثم الرقابة الدولية علي الإنتخابات ، واعتبروا من يعترض من القضاة الشرفاء
العظماء علي محاكمات المدنيين امام المحاكم العسكرية هو اهانة للقضاء العسكري!! (المصري اليوم-5يونيو) عجبي ،(هؤلاء القضاة هم المستشارون حسن النجاروعلاء شوقي وأشرف ندا ،وساندهم بقوة المستشار ناجي دربالة،هؤلاء لم يدافعوا فقط عن كرامة القاضي والقضاء بل دافعوا عن المجتمع والوطن لانه الان معني واحد متعدد الوجوه ، ولو كان من الضروري شرح معني العظمة لاجبت: انها الكبرياء واليقظة من اجل المثل العليا في وقت قاس) ، قال وزير الثقافة د.عماد الدين ابو غازي عن جهاز امن الدولة: "مازال يعبث بأروقة الوزارة"(المصري اليوم-26 يونيو) ، كما ان الحماية لعملاء الاجهزة وكلاب الحراسة والمخبرين والأيدي القذرة من المثقفين الرسميين مازالت مستمرة بما في ذلك ضد تنفيذ احكام القضاء كما سبق واوضحت في الباب السابق كمثال لاحد الاحكام يعرقل تنفيذه لخمسة سنوات حتي الأن ، كما ان القتلة من اعضاء الأجهزة السرية مازالوا في اماكنهم . كل ذلك يدلل وفي سياق خدعة خطرة وغبية علي استحضار
واضح لكل اساليب الإستبداد والتسلط والترويع ومنها الفتن الطائفية والتطرف والارهاب والتهاون الإجرامي امام تهديد سلامة المجتمع ، بالاضافة إلي عدم تقديم صفحة تحقيق واحدة عن ظاهرة اعتداء البلطجية علي المتظاهرين والمعتصمين في كل انحاء مصر والسبب يسهل استنتاجه‎ ‎، تماما كما كان يحدث في حكم مبارك ، وبهدف استمرار نهب المصريين واستغلالهم ، والتغطية علي الفساد الذي ضربت جذوره في كل مكان ، وكل
الضحايا بالطبع من المناضلين الديموقراطيين انصار الدولة المدنية ، مما يثبت انه لا احد تعلم الدرس ، ومما نتج عنه وجود ملف ثقيل للقوات المسلحة المصرية عن حالات الإعتداء علي حقوق الإنسان في منظمة العفو الدولية(المصري اليوم-23 يونيو) ، وكأن مصر تحولت إلي معسكر تجميع او إلي ارض احتلال ، مما يتناقض تماما مع ادعاء
الزهد في السلطة ، الذي لم يعد يصدقه احد حتي من‎‏ حسني النية المفرطة والبسطاء . قال المرشح الرئاسي المحتمل المستشار هشام البسطويسي: "المجلس العسكري جزء من النظام القديم ولا امل معقودا عليه في الفترة المقبلة" ويري انه"تورط في عمل سياسي ليس من اختصاصه" (المصري اليوم-16يوليو) ، ولم ترد عن الرجل أية اخبار في وسائل الاعلام‎بكل أنواعها بعد هذه التصريحات علي الأقل حتي نهاية اغسطس . وبعد كل
ماسبق اضيف هل الزاهد في السلطة يضع الدستور خارج الاولوية مكرسا جريمة وطنية لن تجلب إلا الإستقطاب والصراع العبثي وشرذمة المجتمع ، (وهو المقصود فيما
يبدو)؟، ثم يحتفظ بنفس ترسانة التضليل الإعلامي وينكب علي وضع قانون لمحاصرة الإعلام الإلكتروني الحر عالميا ، ويحيل مااسموه حكومة الثورة إلي مجرد "خيال ظل"، ثم يضمون اليها وزراء من الموظفين الاسوأ والاكثر فشلا خلال حكم مبارك ، ووزارة الخارجية مجرد مثال؟، ذهب د.نبيل العربي إلي دمشق كي يقابل لص وسفاح و"وارث" سوريا ، بينما دماء السوريين تسيل بغزارة علي مدار الساعة وتستباح كرامتهم وتضيق السجون بالاحرار بواسطة الشبيحة وعصابات الأمن والجيش ويقول: "لايحق لاحد سحب
الشرعية من زعيم"!(المصري اليوم-14يوليو)و"ان الإصلاح قد بدا في سوريا،وأنه جاد"!(bbc‏ في 14 يوليو)، هل يمكن لشخص سوي يتمتع بالحد الأدني من إحترام الأدمية ان يتفوه بهكذا عبارات في مثل هذا الموقف؟، وبالطبع تلقي مايستحق من الثوار عندما رفعوا لافتات عدة تندد به ، من اقلها اهانة:"لانبيل ولا عربي"(bbc‏ في16 يوليو) ، وكان
سفاح سوريا يستعمل قناصة من جمهورية الملالي الإسلامية لقتل السوريين (ديلي تلجراف-16 اغسطس) ، وقال الأمين العام للامم المتحدة بان كيمون عن سفاح ولص سوريا:"انه فقد كل شعور انساني"، وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوجان:"علي النظام في سوريا التوقف عن اعمال الموت والعنف ضد المتظاهرين المدنيين"و"ان مايحدث في سوريا هو شأن داخلي تركي" (bbc في 9 اغسطس) ، وفور مجيء د.العربي كوزير خارجية فتح معابر غزة في زفة ديماجوجية متجاهلا أنها مخطوفة بواسطة منظمة ارهابية ظلامية ، ودون أن يدرس تأثير ذلك علي سيناء او حتي علي الشعب الفلسطيني المقهور من كل الاطراف وكل النخاسين ، وهو معذور لأنه جاء من نسق كامل من الدبلوماسية الغوغائية الجاهلة وعلي نحو بائس‎ ، وكان قد سبق
لد.العربي ان اعترض علي معاهدات السلام مع اسرائيل لحساب الايديولوجيا الإجرامية اي العروبة السياسية وحكوماتها الفاشية ، اما الوزير محمدالعرابي فملف النفاق لمبارك يذكر له فيه الكثير ومنها تلك الأزمة والضوضاء التي تسبب فيها امام عمل للفنان الكوميدي الإسرائيلي إلي ياتسبن عندما سخر من شارون ومبارك حتي انه استدعي السفير الإسرائيلي لتقديم احتجاج وانحدر الموضوع كله إلي أرض النفاق والهزل ، وليته احتج مرة واحدة علي عشرات الملفات القذرة لرئيسه مع اسرائيل بجوار افتقاره طبعا لحسن الإدراك والكفاءة والكبرياء وإلا كيف يفسر قوله عن مملكة الظلام السعودية: "الشقيقة الكبري" (المصري اليوم-26 أغسطس ص10) . في غياب الكرامة الإنسانية تغيب معها كل أنواع الكرامة . بعد ذلك أرسل الوزير العرابي سفيرا جديدا لمصر في دمشق وفي نفس الوقت كان الحصار والعزلة الدولية يفرضان علي نظام العصابات البعثي، وكانت دولا عربية تسحب سفراءها ، وكي يثبت مرارا ان الخارجية المصرية وجامعة الدول العربية ماهي إلا منابر لخدام الطغاة والمعتدين علي مصالح الشعوب ، في غياب كامل للحد الأدني من المثل العليا والمهارات ، وبعد ان سيطر عليهما جهاز الفساد والجريمة والتفريط الوطني "السيادي" ، اعرف ان الملفات السوداء مع عصابات البعث وعصابات التطرف لايمكن الخروج منها بسهولة ، ولكن كل ذلك يؤكد انه لايمكن لدولة
مركزية عاتية وعقيمة تسيطر عليها البيروقراطية العسكرية والبوليسية إلا ان تصبح سبة وامثولة للعمي الأخلاقي والإنساني والسياسي . داخل كل هذا القدر من الأوحال لابد إن
تكون نوعية المسؤولين من هذا المستوي ، ومن يتذكر الوزير أحمد ابو الغيط والحالة المزرية التي وصلت اليها الدبلوماسية المصرية يعفيني من المزيد . من الطبيعي والأمر كذلك أن لايوضح لنا احد لماذا رفضوا قرض صندوق النقد والبنك الدوليين تحت شعار مبهم هو المساس بالسيادة الوطنية المطاطة التي باتت تعني التسلط الإستبدادي في الخبرة السياسية؟. من الواضح ان كل ذلك يتم في سياق محاولة واضحة لإسباغ الحصانة ضد النقد علي سلسلة من التصرفات السياسية الداخلية والخارجية تصدر عن المجلس الاعلي ، اغلبها مثير للجدل ومربك وتغيب عنها الشرعية والمعرفة والكفاءة وفي غياب القدرة علي صياغة ابسط اشكال الرؤية الإستراتيجية الواضحة لمستقبل مصر ، حتي أنه يمكن القول ان المجلس العسكري تسبب في فقدان وزنه المعنوي ورمزيته ومصداقيته لدي أكثرية المصريين وخاصة شباب الثورة واصبح خصما سياسيا لهم ، ومن يتشكك في ذلك عليه بنظرة سريعة إلي مواقع التواصل الإجتماعي ، وردود الفعل علي ظهور اللواء محسن
الفنجري في بيانه الأخير بدءا من يوم 12يوليو ، ودلالة الزيارة الفاشلة للواء طارق المهدي إلي ميدان التحرير ورفض الميدان استقباله بخشونة (المصري اليوم -17يوليو)، ثم كانت الجريمة الكارثة التي يبدو أن هناك اصرار عليها
مهما كانت الخسائر وكأن المصريين عبيد لجمهورية يوليو العسكرية الريفية، واقصد محاكمات الثوار والمدنيين امام مايسمي بالقضاء العسكري (في الديموقراطيات هو قضاء الجيوش في حالة الحرب بالاضافة إلي مناطق العمليات أما في حالة السلم وعلي ارض الوطن فشئون الجيوش مدنية بالأضافة إلي أن القيادة في كل الأحوال سياسية مدنية‎‏ ‏، كم أبعدتنا جمهورية يوليو عن المنطق وعن حقوق المجتمع وعن القوانين المدنية ، لأنهم تصرفوا كمستعمر ولكن من نوع همجي) ، وإلي أن انزلق هذا الإصرار من الكذب إلي المهزلة عند محاكمة الثوار أسماء محفوظ ومها ابو بكر ولؤي نجاتي وبنفس الإتهام "التابو" التسلطي الركيك: "اهانة القوات المسلحة" الذي سجن بمقتضاه الشاب الثائر الشجاع مايكل نبيل وإذا كان كل ذلك مخصوما من هيبة المجلس العسكري والجيش من
بعده ؛ فإن الخطورة تكمن في ان الهيبة تعني احد أهم جوانب الشرعية الشعبية الحرة التي لايستطيع احد أن يفرضها ومضي زمن ايدلوجيات صناعتها بوسائل اخري ، وخاصة بعد ان دبروا كمينا دمويا لشباب الثورة الذي كان يحتج بمسيرة سلمية في ميدان العباسية في 23 يوليو اي في ذكري الإنقلاب الكارثي –وهكذا سفك دم المصريين في عيدين مزيفين للبوليس والجيش وعلي ايدي اصحاب العيدين- أستشهد الثائر محمد محسن بعد أن اصيب في هذا اليوم ، وبعد حملة خائبة عبثية لتشويه جماعة شبابية ثورية هي 6 أبريل للتغطية علي الجريمة ، وثبتت ادانة الجيش مع الداخلية بالتواطؤ وحتي بشهادة المجلس الحكومي "القومي لحقوق الإنسان" (المصري اليوم-27يوليو) ، رفعت الجماعات الثورية الشبابية "الشعبية" شعارات بسقوط المشير ومست ب "تابو" الجيش ، ولا يستطيع احد ان يزعم قدرة جهة ما علي توجيههم ، في حين رفعت جماعات الإسلام السياسي "قيد الإستعمال" الهتاف للجيش وبحياة المشير ونادت: "المشير أمير" وهي جماعات مركزية التوجيه والتمويل (لاأقصد طبعا الأدبيات فهي محيط من التباينات والتناقضات) من الداخل والخارج كما انها مقيدة بثقافة السمع والطاعة أي انها لاتحتاج لوقت كي تتقلب مواقفها ، وهي بالطبع من ارسل رسالة الارهاب من العريش و"امارة سيناء الإسلامية" وفخ امارة "غزةستان" في "جمعة طالبان" يوم 29 يوليو ، ولكن الصدمة الأكبر كانت استقبال السيد خالد مشعل في القاهرة وهو صاحب شركة حماس المساهمة للنضال والارهاب مع البعث والملالي ، من الواضح أن جهاز التمييز والمناعة لدي السلطة والدولة في مصر أصيب بالعطب، وفي نفس الوقت كانت دماء المصريين تسفك علي أرضهم في سيناء بأيدي حماس وصبيانها خلال محاولاتها الملوثة المشبوهة لتخريب معاهدة السلام مع اسرائيل
وبالتأكيد يبتسم غلاة اليمين وأنصار الحرب والتوسع في إسرائيل علنا وسرا لأن شركة حماس تقوم بمهامهم علي خير وجه ، وبعد أن هرب هو نفسه أي مشعل ومعه بعض قادة منظمات الإرهاب من حضانة البعث في دمشق خوفا من تحرر الشعب السوري في حين بقي بعضهم كالإرهابيين من حزب الله وتنظيم احمد جبريل وغيرهم للمشاركة في سفك دم السوريين وتدبير المظاهرات الباهتة لحساب مجرم ولص سوريا ، غير أن الإحتمال ألاخر يفسر لصالحه وهو أن يكون قد خرج من دمشق لأنه رفض التورط في ذلك.
هل يندرج استقبال هذا التاجر العقائدي في بند الرشوة للمتأسلمين في مقابل تخريب ثورة المصريين ، وحفاظا علي مخزون التطرف رصيد جمهورية يوليو "الثمين" ام في حساب تسول دور في النهايات العربية البائسة ، أم في حساب الإستهلاك المحلي الغوغائي لمحنة الشعب الفلسطيني المقهور بأيدي تجار النضال والارهاب المكيف وطغاة الشرق القدامي والجدد أعداء الحرية والمدنية قبل أي أحد أخر ، ومن أجل تغيير مسار الثورة المصرية علي حساب الكرامة الإنسانية والدم المصري ومع تعامي كامل عن السيادة الوطنية "المطاطة" . هنا لااستطيع أن اطرد من خاطري عدة أسئلة: هل مايجري في سيناء هو محاولة لتسكين معسكرات الإرهاب السرية التي كانت لدي سفاح ولص سوريا ومخبول ليبيا وبعث العراق من قبل؟ وهل هناك تواطؤ من بعض المصريين؟ لقد استعمل طغاة العرب الإرهاب مرارا كوسيلة سياسية . ألا يشير ذلك إلي تشوه وخطر ما وخاصة في غياب الخيال والعقل السياسي عن "المرحلة الإنتقالية"؟ ، السؤال موجه-في
زعمي-إلي من يؤمنون باعمال العقل ، اننا هنا أمام الدرس الحاسم للتاريخ أنه لايمكن للقوة العارية أن ترسي قيما بل انها تفقدها كما انها لاتتفهم الحقائق الإجتماعية والسياسية وبالتالي تصطدم بها ، وثبت أن لعبة خلط الأوراق مازالت مستمرة علي قدم وساق ، ومعها السياسات الضعيفة المزدوجة "ذات الوجهين": تعاون وتفاهم أمني وعسكري واسع مع اسرائيل (شكرا لمعاهدة السلام لأنها لم تمنع مصر من فرض الأمن علي أراضيها) ثم الديماجوجيا والتضليل هما حصة المصريين في الداخل يرسخهما الإعلام الرسمي-وكل الإعلام في مصر رسمي- من اجل ترحيل الغضب الإجتماعي والسياسي وفشل الدولة إلي الخارج ، وحتي لو وصل الأمر إلي تعالي الأصوات المطالبة بالتنازل عن سيناء للمرة الرابعة عن طريق الغاء معاهدة السلام ، بالرغم من احتمالات مزعجة للغاية في عملية
ايلات الإرهابية فضلا عن مسؤولية ادبية وسيادية مصرية واضحة عنها ، هل اصبحت إسرائيل مجرد قربان متوهم أو أضحية سياسية عربية مجانية في مواسم الفشل
وطفولة العقل وضياع المستقبل؟ (اجريت حوارا مع موقع إيلاف في 2008 تحت عنوان:"كل من رفع شعار قتال اسرائيل ارتد يقتل ابناء وطنه") . والان هل يتذكر أحد أنه كانت هنا ثورة؟ ، وهل مازال أحد يذكر الديموقراطية والدولة المدنية وسيادة القانون والتنمية والتعايش والتعاون الدولي والاقليمي وهي الوسائل الوحيدة لصنع المكانة والتكافوء الذي يمكن مصر من تطوير اتفاقية السلام لصالح السلم والتنمية لكل شعوب المنطقة ودون استثناء؟ ، أعتقد أن افضل تعريفات الديماجوجيا هي: استعمال الجهل كوسيلة سياسية . لكن الأكثر عبثية هو أن انصار حماس ذهبوا يشاركون في حصار سفارة إسرائيل في القاهرة.
أعتقد أنه لأسباب مثل هذه قال المتنبي: "وكم في مصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا" اما دليل استمرار السياسة المزدوجة هو أن المستشارين العسكريين من وزن اللوائين عبد المنعم كاطو وجمال الدين مظلوم وعلي نحو بعيد نسبيا عن الأضواء يحملان منظمة حماس و"تصرفاتها غير المسؤلة" مايحدث في سيناء وضرورة "مواجهة المسؤلين فيها بقوة" وطالبا في نفس الوقت ب"التروي" في رد الفعل مع إسرائيل ، وأن ماحدث من جانبها "بمثابة رد فعل علي ماحدث في شمال إيلات وهو مايمثل تهديدا لأمن إسرائيل" (المصري اليوم- 20 اغسطس ص4 ) ، إن لم يكن مايحدث في مصر الأن هو الفوضي بعينها فماذا يمكن أن نسميها؟، كما أنه من الواضح أن أطرافا عربية اصبحت ضالعة في مخطط حل الصراع بتوطين الفلسطينيين في سيناء ، هل كان هو المقابل للدفاع عن الطغاة امام الغرب شعوبا وحكومات؟، وهل مايحدث عبارة عن تسويات وتصفيات
متعددة الأطراف تنتهز فرصة ضعف مصر؟ وهل تسكين الإرهابيين كان المرحلة الثانية بعد انشاء امارة "غزةستان"؟، ولماذا سأل أحد زعماء الإخوان مرة في مجلس شعب مبارك دفاعا عن اعتداءات حماس: "هو يعني سينا انتو بتعملوا بيها ايه ؟" ، ثم هل يمكن
افتراض أن شبه جزيرة سيناء تحت سيطرة الإرهاب الدولي والإقليمي هي رأس جسر فعال لسقوط مصر نفسها في مستنقع الظلاميين ومن ثم الصوملة أو السودنة أو أو الأفغنة أو اللبننة -لدينا اختيارات كثيرة "لحسن الحظ"- ولعشرات السنين فتذهب ومعها خطرها الحضاري الديموقراطي إلي النسيان؟ وهكذا يصبح حكم مغارات وكهوف التخلف والإرهاب في الجزيرة العربية والخليج في أحضان الأمان؟ من الواضح التركيز علي مصر ومهاجمتها علي عدة جبهات من بينها اجهاض المستقبل المدني الدييموقراطي
وتشويه الدستور.
ليس معني ذلك أن إسرائيل لم تجرم لأن قتل المصريين في بلدهم هو جريمة وجرح وطني ، ولكن أكبر جرائمها الحالية علي الإطلاق هي دعم القتلة واللصوص الظاهر منهم والخفي من امثال مبارك والأسد والقذافي وبعض العائلات الحاكمة في دول الخليج ، لأنها لم تتعلم بعد -وخاصة تحت حكم اليمين- كيف تتعامل مع الشعوب ، ولأنها فيمايبدو وبحكم التجربة وجدت الطغاة والوكلاء الأغبياء من الظلاميين والإرهابيين والعملاء أقل تكلفة وأكثر تحقيقا لأهدافها ، انه التحالف الموضوعي في شقيه المباشر وغير المباشر بين قوي
الحرب والتوسع اليمينية الإسرائيلية وبين قوي العداء للديموقراطية والتقدم علي الجانب العربي .
أثبت كل هذا الحصاد التعس أن مبارك هو "حالة" متوطنة ووبائية في مصر، علي ماذا يمكن أن نحصل في غياب المعرفة والعلم والحرية والسياسة والوطنية الحرة والأخلاق؟ أقصد طبعا الأخلاق المدنية والضمير الحضاري.

الثورة بين القلعة والمعبد

صرت اعتقد أن السبب الذي اوصل إلي تلك النتائج هو أن المجلس ربما يسعي إلي هدف سياسي محدد سلفا ملتبس‎‏ وعامض ، وبالتأكيد لايمكن الدفاع عنه لأنه غير شفاف وبالتالي غير مشروع ؛‎ ‎ وهذا الهدف هو مايجمع المتأسلمين والعسكريين وهو العداء للدولة المدنية
الديموقراطية وللحريات المدنية ، وان مايجري الان لايخرج عن عملية الضبط والسيطرة علي المجتمع والدولة مع الإستعانة بجماعات الارهاب التي لاتحافظ علي وعد او عهد ، وتشترط التغاضي عن الحرية في سبيل مايسمي بطاعة ولي الأمر ، كما اشترطوا التغاضي عن العقل من قبل درء للفتنة في تاريخهم البائس الإنتقائي المزيف (لم تكن هذه الشروط سوي ترسيخ تاريخي للطغيان) ، ودون مبالاة طبعا باهداف الثورة وبما تفرضه المصالح الوطنية واستحقاقات المستقبل ، وباعتبار أن التطرف بديل فعال لحقوق المجتمع وللدولة المدنية الديموقراطية .‎‏ ليس هذا الإستنتاج استنادا فقط إلي‎ أفكار "فولتير" ،‎ ‎ولكن لان كل طغاة العالم الثالث تقريبا وبما فيه الدول العربية طبعا قدموا من الجيوش ، واضاعوا علي اوطانهم مرحلة التحررالوطني بكاملها ، واغرقوها في التخلف والجريمة والفساد والتطرف والارهاب والتفريط الوطني والهزائم العسكرية المهينة مع طبول الإنتصارات الزائفة الأكثر اهانة ، لقد تصرفوا في أغلب الأوقات كمحتلين وبدأ بتمييز الجيش في مقابل الشعب في شعار الطاغية عبد الناصر:"الجيش والشعب" وكأنهما طائفتان تستعبد احداهما الأخري ، ثم انتقل إلي جهاز البلطجة البوليسية في عصر الطاغية اللص مبارك: "الشرطة والشعب في خدمة القانون" ، وكلها تقسيمات وتنويعات تقتضيها ثنائية الديكتاتور الذي اختصر في ذاته الشعب، حتي أنهم بعد ستة عقود من الطغيان أعادوا الاعتبار للاستعمار باعتباره وبالقياس اليهم كان مرحلة تقدم وحريات وأكثر تمدينا
وخلقا ، قال المستشار حسام الغرياني رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلي للقضاء: "القضاء كان مستقلا في عهد الإحتلال البريطاني لكنه فقد استقلاله بعد 1952" (المصري اليوم-14 اغسطس) ، ولماذا نذهب بعيدا و الفريق محمد حسني مبارك اقرب الي الذاكرة من النسيان ، وأعتقد أن قيام المجلس العسكري حاليا بما ليس من اختصاصه او قدرته في الإدارة السياسية لما سمي مرحلة انتقالية يعني مصيبه وطنية ربما تكون اخطر من السوابق من حيث كارثية النتائج وبحكم اختلاف العصر ، كما ان نظرة سريعة إلي الإقليم من حولنا تعلم الحكمة ، وبالتالي يطرح السؤال الحرج نفسه: هل يمكن ان يؤتمن علي تلك المرحلة اكبر الخصوم المحليين والتاريخيين للدولة المدنية الديموقراطية حصرا وهم العسكريون و"مافيا الإسلام والعصابات الطائفية" (التعبيران ل د.جمال حمدان )؟ ، وفي غياب اي قوي مدنية سوي حكومة "خيال الظل"التي اسند اليها فقط تضييع الوقت للوصول إلي الإنتخابات التي يشتبه في تزويرها بقوة ، ودستور الفاشية الجديدة/القديمة، قال المرشد العام لجماعة الإخوان د.محمد بديع في مؤتمر في الشرقية، وحضره المحافظ بشكل مفاجئ!!: "أن الرئيس التركي أخبره بأن الإخوان قادرون علي بناء نهضة (...) لسببين الأول (...) والثاني أن الجيش معهم"!! (المصري اليوم-14يوليو) ولم يعلق احد طبعا ، إلي هذا الحد اصبح التحالف مفضوحا ضد الدولة المدنية الديموقراطية، وضد المجتمع المصري ومستقبل مصر ، إلي درجة ان يرددها المرشد العام بهذا الوضوح ونقلا عن رئيس دولة!، هل مازال احد يحتاج إلي وقت إضافي للكذب وللتضييع الأخلاقي والهدر الوطني؟ . ولكن بالرغم من كل تلك الغيوم السوداء الملبدة والملوثة ، وسونامي الوجوه الأكثر قبحا وعدوانية وغباءا ، أعتقد أن علينا وأكثر من أي وقت مضي أن نثق في انفسنا كمصريين ، وفي أن لحظة الحقيقة قادمة حتما ، وأن نؤمن أن هذا الوطن يحتاج إلي استمرار ذلك المفهوم الحقيقي للمسؤولية والتضحية اللذين قدمهما شباب وفتيات هذا المجتمع بإصرار ونبل وروعة ، وأن نقبل بواقع أن الثورة مازال امامها الكثير ، وأن الطريق طويل ، وأن المسؤولية الثورية هي فعل متغير ، ولكنه
لايتوقف إلا بالتحقق في المجال السياسي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي اي بتحقق سيادة المجتمع ، هكذا نكون تعلمنا الدرس، واستحققنا الإنتماء إليها ، بعيدا عن الشعبوية والغوغائية وشره التسلط والخداع الرسمي وهستيريا المتاسلمين ، الذين يتصرفون كمجموعة من الكشافة تلبسوا ذاتا مطلقة وحملوا أختام السماء المتوهمة واسندوا لأنفسهم مهمة مقدسة فيما لم يتعرفوا بعد علي فضائل المعرفة والتواضع وقيمة الكرامة والمساواة والحقوق الإنسانية ، وولد وعيهم وبعثت اشواقهم في ماقبل الإرادة الإنسانية، واصبح تدينهم طقسيا جسديا يدور داخل سيكولوجية الإنحناء والطاعة ، وانحصرت الأخلاق لديهم في شئون الجسد والنسب ، ويخافون الحرية والعلم ؛ فأصبحوا طاقة تخلف وارهاب متصاعدة ، يتعاملون مع الوطن بثقافة السطو والغنيمة وفي ظل دعم اقليمي رجعي سخي ومترصد وفي ظل السيادة الوطنية العوراء، بعد أن تسبب المجلس العسكري‎ ‎عامدا متعمدا في رفع سقف توقعاتهم خروجا علي العقل والمنطق ؛ فاصبحوا كالأطفال ما عادوا يمكن ارضائهم او ضبطهم ، او الحوار معهم ، او حتي فيما بين بعضهم البعض ، كل ذلك تحت شعارات جوفاء وصياغات مطلبية مزيفة ، وقدرات لاتباري في الصخب وتوهم القوة ، واصبحوا يتحدثون باسم الشعب والأمة ، في حين أن جل قياداتهم لايتمتعون بالأهلية العقلية ولا بالموضوعية المدنية ولا باحترام المجهود الإجتماعي ولديهم عجز كامل عن الحياة في فضاء الإنسانية المعاصر ، وأصبحت كل رهاناتهم متوقفة علي الاستفادة من جريمة وطنية اطاحت بالدستور من الاولويات كانوا مجرد أداة فيها ، من فاته أن يعرف الكثير عن القرون الوسطي الأوروبية المظلمة ومحاكم تفتيشها البشعة لديه الأن فرصة لاتعوض للتعرف علي ادبياتها وممثليها في ثوب جديد شرقي مع فارق وحيد جوهري هو أن هؤلاء أسوأ وأكثر جهلا وهمجية ، هذا افقهم الحقيقي وحدود قدراتهم واستحقاقاتهم وهكذا تعلموا من ادبياتهم الملفقة السلطوية وعلي أيدي "أولياء أمورهم" ومنهم المخلوع وأجهزته ، غير أن موعدنا مع ألعجب ألعجاب كان عندما تعالت تهديداتهم للجيش بمجرد تخيلهم لأي شيء يهدد دولتهم الدينية العنصرية المتخلفة مثل الحديث عن الدستور أولا أو مواد حاكمة للدستور ، والمفهوم الفارق هنا هو الدولة المدنية أحد أهم أهداف الثورة التي حاولوا انتحالها قبل محاولة تخريبها ، حيث حاولوا طول الوقت وكعادتهم تفريغ المفهوم من مضامينه بمهاجمته تارة بسذاجة فقهية ومراوغات طفولية وجهل سياسيي غوغائي: "الاسلام لايعرف الدولة الدينية" و "الدولة المدنية حيلة استعمارية صهيونية" ، او بتلفيق
تعبير يلغي بعضه بعضا مثل: "دولة مدنية بمرجعية اسلامية" ، وكأن للدولة المدنية مرجعية اخري غير نفسها ومحمولاتها النقدية العقلانية والدستورية التعاقدية والفلسفية والسياسية والإجتماعية والعلمية فضلا عن تاريخ تطورها عبر عصر النهضة ثم عصر التنوير ، ثم رحب بعضهم بوثيقة الازهر لمجرد أنها لم تذكر تعبير "الدولة المدنية" فيما رفضها الباقون ، بعد كل هذا القدر من العداء الظلامي الفاشي للدولة المدنية هل يمكن انتظار أي احترام منهم للديموقراطية او للدستور التعاقدي؟، وكلها تجليات للتعددية بكل أشكالها وبدون مركز وبدون سيادة واحيانا بدون مشترك -لأنه دائم التحول -سوي تصور ابداعي لمشروع مستقبلي . تتشدد مواقفهم اكثر فاكثر كلما اتضحت حقيقة
أنهم العوبة وقيد الإستعمال داخليا وخارجيا ، وما سأورده هنا مجرد عينات من مهرجان الصخب الذي افتتحه د.عصام العريان نائب رئيس الحزب التابع لجماعة الإخوان: "الجماعة ستعارض المجلس العسكري إذا تبني وضع الدستور أولا...سنكون أول من يقف ضده" (المصري اليوم-28 يونيو) ، ثم لحق به الشيخ حازم أبو إسماعيل وهو من السلفيين ومرشح محتمل للرئاسة وخلال حفل اقامه في قريته احتفاءا بذاته وكعادة احتفالاتهم غاب عنه كل أنواع التواضع وحسن الادراك: "هي لعبة يستخدمها المجلس العسكري ، ولن نسمح له بتنفيذها، وفي حالة إعداد تلك الوثيقة سنعد أنفسنا لمعركة لاتبقي ولا تذر...فسيجدون رقابنا ودمائنا أمامهم"!! ، وأضاف: "سيشهد التاريخ لقرية بهرمس أنها أنجبت أول رئيس إسلامي لدولة عربية في العصر الحديث"!! (المصري اليوم-17 يوليو) ، وقال المهندس عاصم عبد الماجد المسؤول الإعلامي في الجماعة الإسلامية: "القوي الإسلامية والسياسية ستصعد بكل قوة...ولن تكون المليونيات المقبلة هادئة" (المصري اليوم-12 أغسطس)، وبدأت حرب التصريحات العنترية تهدأ بعد أن أعلن المجلس العسكري:"طالبنا الحكومة بإعداد وثيقة مباديء حاكمة لاختيار لجنة وضع الدستور"(المصري اليوم-13 أغسطس)، ثم أعلنت الوثيقة في 15 أغسطس ، وعندما
صرح الفريق سامي عنان رئيس الأركان:"مدنية الدولة قضية أمن قومي..ولن نعود للخلف" (المصري اليوم-18 أغسطس) ، يبدو أنه بروجي نوبة نهاية الإستدعاء أو الإستعمال لافرق كبير ، عندها ابتلع الكهنة ألسنتهم وتوقف الصخب تماما وران الصمت
علي أركان المعبد بعد أن أسدل علي خليط هائل من النفاق ومن بعده الحماقة . لايلغي ذلك أن هذه تظل أمنياتهم وخيالاتهم النابعة من ثقافة الغيلة والغنيمة البدوية وحلمهم الهذياني الامبراطوري وقد تمظهر كل ذلك في ذهنية الارهاب الفكري والدموي ، ولا أعرف ماإذا
كانوا يدركون أم لا أن المعبد في مصر بالهته وايديولوجياته وكهنته وطقوسه كان دائما خادما ووسيلة للقلعة ولم يحدث العكس أبدا ، وأن المجتمع كان ينحاز للقلعة عند الجدل وفي كل الأحوال ، وخلال صراع القلاع او غزوها كان المعبد ينهزم أو ينتصر بالتبعية مع قلعته ، وفي حال الهزيمة كانت الالهة والأديان والمذاهب تتغير -ربما كانوا يدركونها بالتجربة أو بالفطرة أو لاشعوريا ضمن النماذج الاصلية archetypes - اعرف أن التناقض هنا منطقي ، وأنهم منتج استبدادي شرقي بامتياز ، وأحد اخطر "الهويات القاتلة" (عنوان كتاب لأمين معلوف) في هذا العصر ، المصاغة من خطاب الإسلام
المختطف .
بعد كل ماسبق من البديهي ضلوع بعض اطراف هذا التحالف المصري الوهابي في مخططات محلية واقليمية ودولية لاتضع المصالح المصرية في الإعتبار ، وتنوي السوء بمصر .
هل كان احتواء ثورة سلمية حصلت علي كل أنواع الشرعية والإحترام ، وقدمت الثقة للجيش دون أية ضمانات-اوضحت سابقا أنه كان قصورا بنيويا فيها- كان يستحق أستدعاء معبد الأيديولوجيا السلطوية المخربة من مخازن مبارك وجمهورية يوليو ومعها كل نوايا الشر الوهابية وكل هذه التكلفة الكارثية والتي نال بعضها من الرصيد الضروري لرمزية الجيش؟ ، ولماذا كان ذلك هدفا استراتيجيا للمجلس الأعلي إلي درجة التورط في كل تلك المحاذير والإحتمالات الخطرة؟ ، يبدو أنه ليس لهذه الخطورة قيمة طالما لم يكن للمجتمع أي اعتبار في ظل جمهورية يوليو وفي ظل الدولة المركزية العاتية .
ولكنها في النهاية مجرد خطة فاشلة لأنها بدون افاق حضارية ومعرفية واجتماعية واقتصادية ، ولأنها نابعة من بنية عقلية قديمة مصمتة ، كما أنها تكرار عقيم وممل داخل التاريخ المصري الراكد أصلا ، ولذا فهي معادية للعصر ، ولن تنتج سوي الفوضي السياسية والإجتماعية مع بقاء دولة الأخ الأكبر ‎the big brother‎)‎ ) المركزية الفاشلة ، وفي النهاية لن تمنع احتمالات تجدد الثورة لأن اسبابها لاتزال قائمة بل وتتزايد، بصرف النظر عن موعدها ونوعها .
هل الدافع وراء كل ذلك يكمن في أن 25 يناير كانت ثورة مدنية حقيقية وهي الثانية في تاريخ مصر الحديث بعد ثورة 1919؟ . في كل الأحوال أعتقد أن النظريات الأمريكية في الإحتواء صممت للإستعمال في مناطق النقوذ وليس في ألأوطان ، أعرف أن هذه الثورة ازعجت اطرافا كثيرة ، ولكن هانحن نشهد كيف طبقت نظريات الإحتواء في مصر مرتين
بواسطة جمهورية يوليو ، الأولي في1952 لتدبير الإنقلاب ثم لاحتواء ردود الفعل المدنية ضده ، ثم هذه المرة في 2011 .
كل مامضي يؤكد من جديد ان الوطنية الحقيقية الحرة تعني الأن مايحتاجه بناء مصر المستقبل ، وهو -في اعتقادي- كل ماتملك الحضارة المعاصرة من المعارف العلمية والنقد العقلاني والموضوعية المدنية والمهارات الإجتماعية والحداثة والتنوير والقوانين‎ ‎ المدنية ، والمزيد من الإحترام لوحدة الجماعة البشرية وأساسها الإنسان الفرد، والإيمان بالتعايش المشترك والحرية والمساواة والسلام ، كما ان هذه المرحلة تحتاج إلي قدر كبير من شجاعة الوضوح ، واعتقد ان الطريق الي الوطنية الحرة هو نفسه الذي يقود‎ ‎إلي الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة ، وإذا كان الرهان الوطني التقليدي علي دور القوات المسلحة هو من قبيل تحصيل الحاصل ، إلا أنني أعتقد أن مانحتاجه الأن هو الرهان الوطني الحضاري الحر وهو مايقود إلي تلك الأهداف (إتمني مخلصا أن يكون هذا الرهان مازال ممكنا) ، وليس الكلام الناعم المخادع الذي لايتمتع بأية مصداقية ويفترش الطريق إلي جهنم ، لأن ألافعال تسير في اتجاه اخر.

سؤال من اجل الخلاص الوطني

اعتقد بعد كل تلك الأحداث المتلاحقة فى مصر، مع نظرة منهجية إلى تاريخها الطويل ، يطرح كل ذلك سؤالا جوهريا يتعلق بالمستقبل ، وتشكل الإجابة عليه فلسفة للخلاص الوطني من أجل التقدم والتنمية ، فى مواجهة خمسة آلاف ومائة عام من العبودية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في ظل إقطاع عسكري/ديني اي القلعة والمعبد ، باستثناء فترات قصيرة . وإذا كنا نعيش لحظة جديدة صنعتها تضحيات هائلة وتفتح علي امكانية التغيير وصناعة المستقبل الذي يليق بهذا الوطن ، إلا اننا بنفس القدر (وربما اكبر) نعيش تحت ضغط الماضي الثقيل الذي مايفتأ يكرر نفسه وكانه الإجبار علي التكرار او العود الأبدي‎ (the eternal return ) بلغة الفيلسوف فردريك نيتشة . والسؤال الذي ينطلق من هذا التشخيص-إذا سلمنا به- هو: لماذا ينتهى المجهود الاجتماعي والتضحيات الشعبية فى مصر دائماً إلى الهزيمة وإلى دعم دولة التسلط ؟ والسؤال على نحو آخر لماذا كان الطغيان فى مصر دائماً مربحا ومغريا ؛ فى حين أن المجهود الاجتماعي كان خاسراً دائماً ولا يصل إلى استحقاقاته إلا نادراً؟ ، وبالطبع دون ان ننحي جانبا الرؤي النقدية لهذا المجهود .‎ ‎
فى تصورى أن الإجابة على هذا السؤال هو مسؤولية كل المهمومين بمصير هذا الوطن ، وسأحاول في حدود قدراتي المتواضعة الإجابة عن هذا السؤال فى الباب التالي والأخير من الكتاب ،وهو بعنوان "الخروج ".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,332,470
- كتاب: -الثورة المصرية بين القلعة والمعبد- الباب الأول: -السق ...
- جدل الأخوان المسلمين والدولة المصرية في الميزان الديموقراطي


المزيد.....




- وزيرا الخارجية الأردني والتركي يبحثان قضايا إقليمية
- إسرائيل تكشف طرق تهريب الأسلحة من إيران حزب الله
- الحبيب حسيني والمقاربـة التشـاركية لوضـع رؤيـة اسـتراتيجية و ...
- عبد الله البوزيدي : البعد الاستراتيجي للماء يفرض التخطيط له ...
- جمال كريمي بنشقرون: إصلاح المدرسة العمومية في صلب تحقيق النم ...
- عراقجي: إيران ستؤمن مضيق هرمز
- لودريان: فرنسا تؤكد على الحفاظ وتنفيذ الاتفاق النووي
- عراقجي من باريس: إيران ستبذل جهودها لتأمين مضيق هرمز
- عمران خان: سأحاول إقناع طالبان بأن تفاوض الحكومة الأفغانية
- حرب الخليج 1990: العراق يسدد للكويت تعويضات بقيمة 270 مليون ...


المزيد.....

- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - أمين المهدي - كتاب:-الثورة المصرية بين القلعة والمعبد- الباب الثاني: -تفتح اللوتس-