أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - هل توجد قوانين طبيعية تتحكم في مسار الطبيعة والمجتمع؟١















المزيد.....


هل توجد قوانين طبيعية تتحكم في مسار الطبيعة والمجتمع؟١


حسقيل قوجمان

الحوار المتمدن-العدد: 3453 - 2011 / 8 / 11 - 11:39
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


هل توجد قوانين طبيعية تتحكم في مسار الطبيعة والمجتمع؟١
تدور في هذه الايام نقاشات في الحوار المتمدن حول وجود او عدم وجود قوانين طبيعية سواء في الطبيعة او في المجتمع ومناقشة ما اذا كانت بعض هذه القوانين قوانين حقا ام ليست قوانين ومحاولة البرهنة على انها قوانين او انها ليست قوانين. ابدأ هذا البحث باقتباس فقرة من ترجمتي لاخر كراس معروف من كتابات ستالين حول المشاكل الاقتصادية للاشتراكية. والترجمة موجودة في موقعي في الحوار المتمدن وقد رأيت في موقع ستالين في الحوار المتمدن ترجمة اخرى لنفس الكراس ولكني بالطبع اقتبس من ترجمتي عن طريق النسخ ولذلك لا استطيع الاشارة الى الصفحة عند اقتباسها واقتصر على كتابة الاقتباس بلون اخر.
ينكر بعض الرفاق الطابع الموضوعي لقوانين العلم، وخصوصا قوانين الاقتصاد السياسي في ظل الاشتراكية، انهم ينكرون ان قوانين الاقتصاد السياسي تعكس عمليات تتحكم بها قوانين تعمل بالاستقلال عن ارادة الانسان. انهم يعتقدون انه نظرا للدور المتميز الذي ألقاه التأريخ على عاتق الدولة السوفييتية فان الدولة السوفييتية وقادتها يستطيعون ان يزيلوا القوانين القائمة للاقتصاد السياسي و"يشكلوا" "يخلقوا" قوانين جديدة.
يتحدث ستالين هنا عن الطابع الموضوعي لقوانين الاقتصاد السياسي في النظام الاشتراكي وينتقد بعض الرفاق على انكارهم لموضوعية هذه القوانين اذ يتصورون ان الدولة السوفييتية الاشتراكية قادرة على تغيير او ازالة هذه القوانين او حتى خلق قوانين اقتصادية جديدة. ثم يقول:
ان الماركسية تعتبر قوانين الطبيعة – سواء أكانت قوانين العلوم الطبيعية او قوانين الاقتصاد السياسي – انعكاسا لعمليات موضوعية تحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان. يستطيع الانسان ان يكتشف هذه القوانين، يتعرف عليها، يدرسها، يحسب لها الحساب في نشاطاته وان يستثمرها لمصلحة المجتمع، الا انه لا يستطيع ان يغيرها او يلغيها. واقل من ذلك يستطيع ان يشكل او يخلق قوانين اخرى للعلم.
من هذه الفقرة نعلم ان ثمة عمليات موضوعية تحدث في الطبيعة بالاستقلال عن ارادة الانسان. لنأخذ احدى هذه العمليات الموضوعية التي تحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان. منذ تكون الكرة الارضية كجرم منفصل مستقل كانت تدور حول نفسها مرة كل ٢٤ ساعة. وكان القمر يدور حولها مرة في الشهر وكانا كلاهما سوية يدوران حول الشمس دورة في السنة. كان ذلك يحدث ملايين السنين قبل نشوء الانسان على الكرة الارضية وما زال يحدث وليس هناك اية معلومات عن موعد لانتهاء هذا الدوران او لتغيره. وبما ان هذا الامر كان يحدث وفق نظام معين وما زال يحدث وسيبقى يحدث مدة غير محدودة فانه يشكل قانونا. وهو يحدث في الطبيعة ولذلك فهو قانون طبيعي يحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان.
مضت ملايين السنين على وجود الانسان على الكرة الارضية بدون ان يعرف او يكتشف هذا القانون. فقد كان يعتقد ان الشمس التي يراها تشرق كل صباح من جهة الشرق وتختفي في الغرب مساء كل يوم ان الشمس هي التي تدور حول الارض وما زالت بعض الديانات تعتبر ان الشمس هي التي تدور حول الارض. ففي المدارس الدينية في اسرائيل مثلا ما زال الطالب يتعلم ان الارض ساكنة والشمس تدور حولها. وهذا يدل على ان انعكاس هذه الظاهرة الطبيعية في دماغ الانسان كان انعكاسا خاطئا. ولكن تطور الانسان ادى في نهاية المطاف الى اكتشاف هذا القانون على حقيقته فتعلم ان الحقيقة هي ان الكرة الارضية هي التي تدور حول الشمس. اصبح موضوع دوران الارض حول الشمس علما لقانون طبيعي وهذا ما يسميه ستالين في هذه الفقرة انعكاسا لعمليات موضوعية تحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان. فعلم دوران الارض حول الشمس هو انعكاس لعملية، كانت تحدث وما زالت تحدث وتبقى تحدث في الطبيعة، في دماغ الانسان لتصبح علما. هذه العمليات الطبيعية كانت تحدث وما زالت تحدث وستبقى تحدث سواء اعرفها الانسان ام لم يعرفها واذا عرفها فليس باستطاعته ان يغيرها او يلغيها او يوقفها او يحقق فيها شكلا اخر من هذه العملية. انها تحدث بالاستقلال عن ارادته.
ان تحول عملية دوران الارض حول نفسها ودورانها مع القمر حول الشمس الى علم، ولان هذه العملية هي عملية تجري وفق نظام معين بحيث انها قانون، جعل في مقدور العلماء فيها ان يتكهنوا بمستقبلها. فالعلم يستطيع اليوم مثلا ان يعرف بكل دقة موعد كسوف الشمس بكل تفاصيله، السنة والشهر واليوم والساعة واجزاء الساعة واذا كان الكسوف كاملا او جزئيا والبقعة على سطح الكرة الارضية التي يستطيع الانسان ان يراه فيها، بعد مائة عام او بعد قرنين او اكثر. ولو لم تكن هذه العملية قانونا بل عملية قابلة للتغير لما امكن للعلم ان يتوصل الى تكهنات دقيقة كهذه حول المستقبل.
السؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا هو هل توجد عمليات موضوعية كهذه تحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان في المجتمع الانساني؟ فحتى بعض الاشخاص الذين يعترفون بوجودها في الطبيعة ينكرون وجودها في المجتمع. لنأخذ على سبيل المثال عملية موضوعية تحدث في المجتمع كما تحدث عملية دوران الارض حول الشمس في الطبيعة.
منذ نشوء اول عمليات الانتاج الراسمالي كان واضحا ان الراسمالي يغتني من هذه العملية بينما يبقى العامل فقيرا بل يزداد فقرا كلما ازداد الراسمالي غنى. اشغلت هذه الظاهرة علماء الاقتصاد والفلاسفة فحاولوا تفسيرها وحاولوا معالجتها وحاولوا تغييرها بدون ان يعرفوا سببها الحقيقي. دام ذلك قرونا عدة الى ان استطاع عالم عظيم مثل كارل ماركس ان يكتشف حقيقة هذه العملية الموضوعية اي انها انعكست في دماغه انعكاسا صحيحا. لم يكن اكتشاف ماركس لحقيقة هذه الظاهرة مقصورا على ماركس بل ان ماركس كان يمثل قمة محاولات الاقتصاديين والفلاسفة الذين سبقوه، التغير الكيفي للتغيرات الكمية التي سبقته. كما في كل العلوم تؤدي المحاولات والتجارب الكمية الى تحول نوعي لدى العالم الذي يكتشفها وتكتب باسمه. اكتشف كارل ماركس الفرق بين قيمة قوة العمل وقيمتها الاستعمالية. ووجد ان هذه الظاهرة، ظاهرة اغتناء الراسمالي وافقار العامل، تنجم عن هذا الفرق بين قيمة قوة العمل وقيمتها الاستعمالية.
وجد ان الراسمالي يشتري سلعة قوة العمل في السوق بقيمتها الحقيقية، اذا اهملنا هنا موضوع شرائها باقل من قيمتها او باعلى من قيمتها. وقيمتها الحقيقية كقيمة كل سلعة تتحدد بقيمة المواد اللازمة لانتاجها اي بساعات العمل الاجتماعي المبذولة في انتاجها. وفي حالة سلعة قوة العمل تشمل هذه المواد مواد معيشة العامل من غذاء وكساء ومسكن اضافة الى قيمة ادامة وجود السلعة اي انجاب عمال اخرين لادامة وجود سلعة قوة العمل.
ان الصفة الاساسية في السلعة، في كل سلعة، هي ان منتجها يراها كقيمة، ولا يرى قيمتها في السلعة ذاتها بل يراها في المقابل الذي يبادلها به، فقيمة سلعته ديناران مثلا. اما المشتري فيراها كقيمة استعمالية يرى قيمتها فيما يقدمه لشرائها، قيمتها الديناران اللذان يدفعهما لشرائها لكي يستفيد من قيمتها الاستعمالية. فمنتج السلعة يريد ان يحصل على قيمتها لانه لا ينتجها من اجل استعماله هو، بينما المشتري ينظر الى الفائدة التي يستطيع الحصول عليها منها عند استعمالها. ان الراسمالي بعد شراء قوة العمل بقيمتها الحقيقية يستعمل حقه في استعمال هذه السلعة التي اشتراها واصبحت ملكا له كيفما يشاء كما هو الحال في اية سلعة اخرى يشتريها. ولكن استعمال سلعة قوة العمل يختلف عن استعمال اية سلعة اخرى اولا بان استعمالها يخلق قيمة وثانيا بان استعمالها يتطلب حضور بائعها اذ لا يمكن فصل هذه السلعة عن بائعها كما يحصل في كافة السلع الاخرى، وثالثا ان استعمالها يخلق قيمة تفوق ساعات العمل الاجتماعي المبذولة في انتاج مواد اعادة انتاجها. وبهذا اكتشف كارل ماركس العملية الموضوعية التي كانت تحدث عند الانتاج الراسمالي منذ نشأته بدون ان يتوصل الدماغ الانساني لاكتشافها، اي بدون ان تنعكس هذه العملية المضوعية في دماغه انعكاسا صحيحا، فاصبحت علما. كما كانت عملية دوران الارض حول نفسها وحول الشمس عملية تجري بالاستقلال عن ارادة الانسان كانت عملية الفرق بين قيمة سلعة قوة العمل وعملية استعمال قوة العمل بالعمل تجري بالاستقلال عن ارادة الانسان مجهولة من قبل العامل والراسمالي ومجهولة من قبل علماء الاقتصاد والفلاسفة الى ان انعكست هذه العملية الطبيعية في دماغ الانسان فاصبحت علما. اصبح واضحا عند اكتشاف كارل ماركس قضية الفرق بين قيمة سلعة قوة العمل وبين القيمة التي تخلقها قيمتها الاستعمالية عند العمل، هو السبب الحقيقي الذي يؤدي الى اغتناء الراسمالي وفقر العامل.
ولكن تحول هذه العملية الموضوعية الى علم في دماغ الانسان لم يجعل بمقدور العامل او الراسمالي او العلماء والفلاسفة ان يلغوا هذه العملية ما دام اسلوب الانتاج راسماليا قائما. كان بمستطاع الراسمالي والعامل ان يقللا او يزيدا الفرق بين قيمة سلعة قوة العمل وبين القيمة التي يخلقها استعمال هذه السلعة التي اطلق عليه كارل ماركس فائض القيمة او القيمة الزائدة. فالراسمالي قبل او بعد تحول هذه العملية الموضوعية الى علم كان يعرف انه باطالة يوم العمل مثلا يستطيع ان يزيد هذا الفرق المتمثل في ارباحه وكان العامل يعرف قبل تحول هذه الظاهرة الموضوعية الى علم وبعده ان تقصير يوم العمل يؤدي الى المزيد من راحته ويقلل من تعبه ويطيل حياته ولذلك نشأت منذ اول نشوء النظام الراسمالي للانتاج صراعات بين الراسمالي والعامل حول طول يوم العمل. ولكن هذا لن يؤدي الى الغاء او تغيير او الى خلق عملية جديدة بدلا من العملية الموضوعية، عملية الفرق بين قيمة قوة العمل والقيمة التي تخلقها بالعمل، عملية انتاج فائض القيمة، التي تجري بالاستقلال عن ارادة الانسان.
كما ادى تحول العملية الموضوعية لدوران الارض حول نفسها وحول الشمس الى علم، وكون هذه العملية قانونا طبيعيا، الى امكانية العلم بان يتكهن بالمستقبل، كذلك ادى تحول العملية الموضوعية في عملية شراء قوة العمل بقيمتها والحصول على قيمة اكبر عند استعمال هذه السلعة الى علم، الى امكانية العلم بان يتكهن بالمستقبل. ولو لم تكن هذه العملية قانونا تعلمه الانسان من الواقع، من انعكاس العملية الموضوعية في دماغه، لما امكن حدوث امكانية التكهن. والتكهن في هذه العملية هو اكتشاف الضرورة، والضرورة هنا تعني المصير المتوقع لهذه العملية الموضوعية. الضرورة هنا هي ضرورة انسجام تطور قوى الانتاج، القوة العاملة والطبيعة، مع علاقات الانتاج، ملكية وسائل الانتاج والانتاج وكيفية توزيعه. الضرورة هي تحويل علاقات الانتاج الراسمالية الى علاقات انتاج جماعية. الضرورة هي تحويل ملكية وسائل الانتاج والانتاج الى ملكية المجتمع بدل تملكها من قبل الطبقة الراسمالية، الضرورة هي تحول المجتمع الراسمالي الى مجتمع اشتراكي.
ان عملية الفرق بين قيمة قوة العمل وقيمتها الاستعمالية تؤدي حتما الى عملية موضوعية اخرى تحدث بالاستقلال عن ارادة الانسان. فبما ان قيمة سلعة قوة العمل الحقيقية تختلف عن القيمة التي يخلقها استعمال هذه السلعة، العمل، وتقل عنها، لا يستطيع العامل بما يستلمه لقاء قيمة قوة عمله ان يشتري القيمة التي يخلقها استعمال قوة عمله في العمل. اذ كما ان الراسمالي يشتري قوة العمل بقيمتها الحقيقية على العامل ان يشتري انتاج عمله الذي يمتلكه الراسمالي بقيمته الحقيقية، ولكن ما يتقاضاه من نقود مقابل بيع سلعته، قوة عمله، لا يكفي لشراء انتاج استعمال قوة عمله، عمله، لان قيمة انتاجه اكثر من قيمة قوة عمله.
ان شرط تحول الانتاج الى سلعة هو ان المنتج ينتجها لا من اجل استعمالها بنفسه بل من اجل ان يبادلها، يبيعها. فطالما كان الانسان ينتج في عمله ما يريد استعماله بنفسه او من قبل جماعته لم يكن الانتاج سلعة. والانتاج الراسمالي انتاج سلعي متطور الى انتاج راسمالي يمتلك الراسمالي فيه انتاج العمال الذين اشترى قوة عملهم واستخدمها بعمل العامل مالك قوة العمل في مصانعه. وليست للراسمالي اية مصلحة شخصية من انتاج واستعمال هذه السلع بل هدفه الاساسي هو بيعها من اجل تحويل قيمتها الى راسمال ثانية. ولكن العمال الذين انتجوا هذه السلع لا يستطيعون شراء ما انتجوه بسبب ان قيمة قوة العمل التي دفعها لهم لا تكفي لشراء جميع السلع التي انتجوها. ان اقصى ما يستطيع العمال شراءه من السلع التي انتجوها هو ما قيمته تساوي قيمة سلعة قوة العمل التي باعوها. لذلك منذ اليوم الاول لانتاج الراسماليين يكون انتاج ما انتجه عمالهم بالعمل اكبر مما يستطيع العمال ان يشتروه لا لعدم حاجتهم اليه او رغبتهم في شرائه بل لعدم امكانهم شراؤه حتى اذا كانوا باشد الحاجة الى استعماله. يستطيع الراسماليون والمراتب المتوسطة القائمة في المجتمع والتي يعمل اكثرها في خدمة الراسماليين بصورة من الصور ان يستهلكوا قسما من هذه السلع المتبقية التي لم يستطع العمال شراءها. ويجري من اجل ذلك انتاج انواع من السلع الكمالية التي يشتريها الراسماليون لتزيين قصورهم وللتمتع بها وبجمالها، او انتاج سلع يستخدمونها او تستخدمها دولهم للدمار والحرب كالاسلحة بانواعها او في ايامنا في عمليات غزو الفضاء وتسليحه. اذا اهملنا هنا انهم يستطيعون تصريف بضائعهم في بلدان اخرى على حساب تدمير صناعاتها الحرفية كما حدث في الهند بسبب استيلاء بريطانيا عليها واستعمارها وتصريف النسيج البريطاني الرخيص فيها على حساب النساجين الهنود وقد قال ماركس ان الثورة الصناعية في بريطانيا ادت الى تبييض سطح الهند بعظام النساجين الهنود. ولكن كل ذلك لا يؤدي الى استعمال كافة السلع الفائضة التي لا يستطيع العمال شراءها. فالعمال، وهذا يشمل كل الكادحين، هم اغلبية المجتمع وهم اغلبية المشترين للسلع. لذلك يبقى جزء من السلع التي انتجها العمال غير قابل للبيع لعدم وجود النقود الكافية لشرائها لدى العمال الذين يحتاجون الى استعمالها.
تكون هذه السلع غير القابلة للبيع قليلة غير محسوسة في البداية ولكنها على مر الايام تتراكم كميا الى ان يتحول هذا التراكم الكمي الى تغير كيفي صاعق، الازمة الاقتصادية. حدثت الازمة الاقتصادية الاولى في بريطانيا سنة ١٨٢٥. لم يكن كارل ماركس انذاك قد اكتشف قانون فائض القيمة او تطور الانتاج غير المباع المتراكم الى درجة تحوله الى الازمات الاقتصادية. ولكن الازمة الاقتصادية حدثت بالاستقلال عن ارادة الانسان، اذ لم يكن الراسماليون قد عملوا بصورة واعية من اجل حصول الازمة الاقتصادية. ولم يؤد اكتشاف حقيقة الازمات الى ان يجعل بامكان الراسماليين ان يتحاشوا حدوثها بل ما زالت الازمات الاقتصادية تحدث باستمرار رغم محاولة الراسماليين وعلمائهم ايجاد الوسائل لمنع حدوثها. والعالم اليوم يعيش واحدة من اقسى الازمات الاقتصادية في تاريخ النظام الراسمالي.
ما الذي يحدث في الازمات الاقتصادية؟ لكي نجيب على هذا السؤال يكفي ان نذكر بعض ما يحدث في العالم الراسمالي في ايام هذه الازمة الاقتصادية الحالية.
من الصعب في مقال كهذا وصف كل ما يحدث في الجانب الراسمالي من المجتمع نتيجة الازمة. فقد راينا ان العديد من البنوك الكبرى والصغرى في العالم الراسمالي اعلنت افلاسها او تعرضت لخطر اعلان افلاسها مما ادى الى ان حكومة الولايات المتحدة مثلا تقدم للبنوك والشركات المهددة مئات مليارات الدولارات من اجل انقاذها من الافلاس. وهذه المليارات ليست فقط سرقة من دافعي الضرائب الحاليين لتقديمها من اجل زيادة ارباح المصارف والمصانع الراسمالية الكبرى وانما هي سرقة اموال الاجيال القادمة من دافعي الضرائب الذين سيقع على عاتقهم دفع القروض التي تقترضها الدولة وفوائدها. نرى ان البضائع متراكمة في المخازن بدون ان تجد من يشتريها. نرى ان مئات الالاف من السيارات تبقى في مخازن مصانع السيارات الى ان تصبح خردة يعاد تحويلها الى المعادن التي تكونها. نرى المؤتمرات الثمانية او العشرينية التي تحاول ايجاد الحلول التي تنقذهم من هذه الازمة. نرى ان هذه المؤتمرات تعمل على تحويل اعباء الازمة من عاتق احداها الى الاخرى وتكليف الجانب الثاني من المجتع لتحمل عبء هذه الازمة كما نراه في برامج التقشف التي حصلت في اليونان وانتقلت الى اسبانيا وايطاليا وهي في طريق الانتشار الى سائر دول الاتحاد الاوروبي. نرى التهام البنوك والمصانع الكبرى للبنوك والمصانع الصغرى المهددة بالافلاس. يرى العالم كله هذا الذي يحدث في هذه الازمة الخانقة. انه عملية فناء تصيب الجانب الراسمالي من المجتمع.
وما الذي يحدث في الجانب الثاني من المجتمع، جانب العمال والكادحين عموما؟ هنا ايضا نرى في اقوى واغنى دولة امبريالية الملايين من العائلات فقدت بيوتها لانها عجزت عن دفع اقساط الديون التي اقترضتها من اجل شرائها. نرى ازدياد البطالة بالملايين وعشرات الملايين حسب احصاءات الدول نفسها. نرى فقدان الخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية. والبطالة تعني ان العمال العاطلين ينتجون كل يوم سلعتهم الوحيدة، سلعة قوة العمل، عن طريق الغذاء والكساء الشحيح لكي تفنى في اليوم الثاني لعدم استطاعة العامل الوصول الى ادوات الانتاج من اجل استعمالها. انها عملية فناء يومي للسلعة الوحيدة التي يعيد العمال انتاجها بدون ان يستطيعوا بيعها. ان تراكم قوة عمل العاطلين يشبه من الجهة الثانية تراكم السلع في مخازن الراسماليين من حيث انتاجها والعجز عن بيعها. نرى كيف تعمل هذه الدول الامبريالية على تحويل اعباء الازمة الى شعوب البلدان المستعمرة واشباه المستعمرة. نرى ملايين العمال في هذه البلدان يستعبدون من اجل تخفيض نفقات انتاج اباطرة الراسماليين من البلدان الامبريالية. نرى الملايين يموتون جوعا لان الدول الامبريالية تنهب ثرواتهم. نرى نتائج فرض التقشف الاقتصادي في بلدان العالم الامبريالي كما نشاهده في اليونان واسبانيا وايطاليا من اجل تحويل اعباء الازمة على الكادحين. نرى فناء الملايين من البشر في الحروب التي تشنها الدول الامبريالية من اجل تصريف بضائعها من اسلحة الدمار الشامل كأحد اهدافها الاساسية. ان مقالا كهذا يعجز عن شرح مصائب الشعوب في البلدان الامبريالية وفي البلدان التي تستغلها الدول الامبريالية يوميا.
ما هي الازمة من وجهة نظر تطور المجتمع الانساني؟ راينا ان تحول العملية الموضوعية الجارية في المجتمع الى علم في دماغ الانسان ادت الى توفر امكانية للعلم بان يتكهن حول مستقبل هذا التطور عن طريق التكهن بهذا المستقبل، ان يتكهن بالضرورة، ضرورة انسجام علاقات الانتاج مع تطور قوى الانتاج، ضرورة جعل علاقات الانتاج اجتماعية لكي تنسجم مع قوى الانتاج التي اصبحت قوى اجتماعية. الازمة الاقتصادية تعني حلول ما تكهن به علم الاقتصاد من تحقيق الضرورة ولم تتحقق القوى التي تستطيع ان تحقق هذه الضرورة. تعني ان ظروف المجتمع اصبحت تتطلب القيام بالاطاحة بالطبقة الراسمالية ولكن القوى التي تستطيع تحقيق هذه الاطاحة لم تتحقق بعد، تعني ان الظروف تتطلب ثورة اشتراكية ولكن الطبقة العاملة لم تستطع تحقيق هذه الثورة. ان عجز الطبقة العاملة عن قيادة وتحقيق الثورة الاشتراكية التي اصبحت ضرورة يؤدي الى الازمة التي تحقق فناء في كلا طرفي المجتمع، الطبقة الراسمالية الحاكمة والطبقات الكادحة المحكومة. يؤدي الى فناء في كلا طرفي المجتمع وهذا ما اطلقت عليه قانون فناء الضدين. انه قانون لانه يحدث بالاستقلال عن ارادة الطبقات الحاكمة وبالاستقلال عن ارادة الطبقات المحكومة. انه قانون لان الطبقات الحاكمة لا تستطيع ان تتحاشاه او تغيره او تتجنبه او تعالجه. انه قانون لان الطبقات الكادحة بقيادة الطبقة العاملة غير مؤهلة بعد لتحقيق الضرورة، لتحقيق الثورة الاشتراكية والاطاحة بالطبقات الراسمالية الحاكمة من اجل تحقيق الضرورة في انسجام علاقات الانتاج مع قوى الانتاج. يستطيع من يريد الاعتراض على تسمية هذا القانون ولكنه لا يستطيع ان ينكر الفناء الذي يصيب الراسماليين والكادحين على حد سواء خلال الازمة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,276,918,516
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ...
- هل كانت ثورة اكتوبر خطأ ارتكبه لينين ام ضرورة تاريخية؟
- ذكرياتي في سجون العراق السياسية- الجزء الثاني
- ذكرياتي في سجون العراق السياسية- الجزء الاول
- هل ستالين ام تروتسكي احد قائدي ثورة اكتوبر؟
- هل كانت ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية؟
- ثورة اكتوبر وراسمالة الدولة
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- جواب الى نسيب عادل حطاب ٢
- الجيش المصري والمجلس العسكري الاعلى
- جواب الى نسيب عادل حطاب ١
- حزب الطبقة العاملة ثانية
- الاشتراكية العلمية والاشتراكية
- يعقوب أبراهامي وماركسيته الجديدة
- ارتداد وانهيار الاتحاد السوفييتي ٢
- ارتداد وانهيار الاتحاد السوفييتي ١
- بوبر ويعقوب ابراهامي
- حول الجبهات الوطنية ٢
- حول الجبهات الوطنية ١


المزيد.....




- اعتصام أمام السفارة الأميركية في عوكر احتجاجاً على زيارة بوم ...
- المجر: حزب الشعب الأوروبي يعلق عضوية حزب رئيس الوزراء فيكتور ...
- تخوف إسرائيلي من -يوم الأرض-
- الحراك الشعبي الليبي: ترشح سيف الإسلام القذافي لرئاسة ليبيا ...
- قيادي في -نداء تونس- يكشف عن توقيت تعديل الدستور وتقليص سلطا ...
- مقتل وإصابة 15 عاملًا في انفجار مصنع للفوسفات تابع للجيش بمن ...
- ماركس بالصيني
- لوموند: هل يدعم الجيش بوتفليقة أم ينحاز للمتظاهرين؟
- النهج الديمقراطي، يدعو للمشاركة المكثفة في مسيرة 24 مارس لإ ...
- تيار الأساتذة الباحثين التقدميين (ecp.snesup): بيان ونداء تض ...


المزيد.....

- “ثوري قبل أي شيء آخر”: ماركس ومسألة الاستراتيجية / مايكل براي
- تنبّأ «البيان الشيوعي» بأزمتنا الحاليّة ودلَنا على طريق الخل ... / يانيس فاروفاكيس
- حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم / حسان خالد شاتيلا)
- سيرة ذاتية للأمل: مقدمة الطبعة العربية من كتاب ليون تروتسكي ... / أشرف عمر
- منظمة / موقع 30 عشت
- موضوعات حول خط الجماهير من أجل أسلوب ماركسي لينيني للعمل ا ... / الشرارة
- وحدانية التطور الرأسمالي والعلاقات الدولية / لطفي حاتم
- ماركس والشرق الأوسط 1/2 / جلبير الأشقر
- أجل .. ماركس كان على حق ! / رضا الظاهر
- خطاب هوغو تشافيز / فيدل كاسترو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حسقيل قوجمان - هل توجد قوانين طبيعية تتحكم في مسار الطبيعة والمجتمع؟١