أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد البشيتي - -المؤمن- و-الملحد-.. و-ثالثهما-!













المزيد.....



-المؤمن- و-الملحد-.. و-ثالثهما-!


جواد البشيتي

الحوار المتمدن-العدد: 3428 - 2011 / 7 / 16 - 15:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الغالبية العظمى من البشر "يؤمنون" بوجود، وبوجوب وجود، الله، أو خالق الكون.. هذا الكون الذي اختلفت صورته في أذهان البشر باختلاف أزمنتهم العِلْميَّة. وهذا "الإيمان" لا نراه عند العامَّة من الناس فحسب، فجزء كبير، إنْ لم يكن الجزء الأكبر، من "الخاصَّة"، أي من أهل الفكر والثقافة والعِلْم والقلم، يقول بوجود "الخالِق"، ويَعْتَقِد بدين، أو بفكر ديني.

بعضٌ من "المؤمنين"، من العامَّة من الناس ومن ذوي الفكر والعِلْم، قد يُظْهِرون من القول والفعل ما يناقِض إيمانهم بوجود "الخالِق"، أو التزامهم الديني؛ لكنَّ وعيهم، في عمقه وغوره، يَحُول بينهم وبين التأثُّر بـ "الفكر الإلحادي" تأثُّرا يَعْدِل لجهة قوَّته الإيمان بوجود "الخالق"، فقلَّةٌ من الملاحدة هُم الذين يملكون من صلابة الوعي الإلحادي ما يضاهي صلابة الإيمان بوجود الخالق.

وقد رأيتُ كثيراً من الملاحدة، أو ممَّن يدَّعون الإلحاد، في أحزاب شيوعية، أو ممَّن ينتمون إلى فكر إلحادي، في تناقض بيِّن بَيْن ما يُظْهِرون وما يُبْطِنون من فكر ووعي ومُعْتَقَد. إنَّهم، وفي الأحوال والظروف التي يُوْلَد فيها وينمو الإيمان الديني، يُظْهِرون من "الوعي الباطني" ما يجعلهم غير مختلفين، في الجوهر والأساس، عن المتدينين، أو المؤمنين بوجود "الخالق".

وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدل على أنَّ الوعي الإنساني، في تطوُّره التاريخي، قد جعل عقول البشر ونفوسهم قوَّة جذب للإيمان الديني، بصوره ودرجاته ومستوياته المختلفة، وقوَّة طرد ونبذ للفكر الإلحادي، فالإيمان بوجود، وبوجوب وجود، "الخالق"، يظلُّ، مقارنةً بالإيمان المضاد، أو الفكر الإلحادي، الأقرب إلى عقول ونفوس البشر.

وهذا ما نراه واضحا لدى المقارنة بين نتائج جهد الإقناع (بوجود "الخالق") ونتائج جهد الإقناع المضاد، فليس ثمَّة ما هو أسهل وأيسر من أن تُقْنِع إنسانا بوجود "الخالِق"، وليس ثمَّة ما هو أصعب وأشق من أن تُقْنِعه بما يضاد ويناقض ذلك. وفي هذا الصدد، أذْكُر حكاية جاء فيها أنَّ أحدهما قال للآخر أثْبِتْ لي أنَّ الله موجود فأعطيكَ هذا المبلغ من المال، فردَّ عليه قائلا أثْبت لي أنَّ الله غير موجود فأعطيكَ ضعفيه.

الحضارة بدأت قبل "التاريخ المكتوب" بزمن طويل. وقد بدأت إذ شرع البشر يُنْتِجون ما يلبي حاجتهم إلى المأكل، وينشئون ويطوِّرون "اللغة". وكان لديهم، في نمط عيشهم البدائي، من الأسباب والعوامل ما يَحْمِلهم ويَدْفَعهم إلى إنشاء وتطوير فكرة "الخالق الميتافيزيقي"، في بُعْديها الفلسفي والاجتماعي. تلك الفكرة ضَرَبَت جذورها عميقا في "العجز الإنساني"، وفي الشعور بهذا العجز، في وجهيه: "العجز عن التفسير"، و"العجز عن التغيير".

وأحسب أنَّ "الحاجة الاجتماعية" إلى فكرة "الخالق الميتافيزيقي" قد وُلِدَت أوَّلاً، فالبشر، في نمط عيشهم البدائي، كانوا مضطَّرين إلى أن يركِّزوا جهدهم الذهني في أمر عيشهم المحفوف بالمخاطر (نقص الغذاء، والوحوش، و"عداء" الطبيعة).

بعضٌ من جهدهم الذهني هذا كان "واقعيا"، أي كان يُتَرْجَم بما يمكِّنهم من درء تلك المخاطر عنهم قدر المستطاع، فـ "الواقعية الفكرية (البدائية)" كانت بالنسبة إليهم شرط بقاء. وبعضٌ منه كان يُسْتَنْفَد في اختراع (في إنشاء وتطوير) كائنات وقوى من طبيعة ميتافيزيقية.

لقد شرعوا يخترعونها إذ أوهموا أنفسهم، أو ظَهَرَ من يوهمهم، أنَّ تلك الكائنات والقوى يمكن أن تكون (أو أن تصبح) لهم حليفا في صراعهم من أجل البقاء.. من أجل اتِّقاء شرَّ الموت جوعا، وشرَّ الطبيعة ووحوشها.

على أنَّ كلمة "اختراع" قد تُفْسِد وتُشوِّه المعنى الحقيقي للطريقة التي من خلالها توصَّلوا إلى الكائنات والقوى الميتافيزيقية، فَهُم سعوا أوَّلا إلى "التفسير الواقعي" لبعض الظواهر والوقائع والأمور؛ لكنَّ عجزهم عن التوصُّل إلى هذا التفسير، أو إلى إثباته وإقامة الدليل المُقْنِع على صدقه وصحَّته، شدَّد المَيْل لديهم إلى "الميتافيزيقيا (البدائية)"، فرضيةً وتفسيراً وتعليلاً، فتاريخ الفكر الميتافيزيقي، بألوانه وصوره المختلفة، إنَّما يُثبِت ويُظْهِر ويؤكِّد حقيقة معرفية في منتهى الأهمية هي أنَّ العجز عن إجابة بعض الأسئلة والتساؤلات "المؤرِّقة" للذهن البشري، أو التي تَلِجُّ في إثارتها حاجات ومصالح إنسانية واقعية، يُفْضي إلى "فراغ معرفي"، لا بدَّ للإجابات الميتافيزيقية من أن تملأه، فـ "الروح" هي الجواب الذي فيه، وبه، نُحَوِّل كل جهل إلى "معرفة"، فيهدأ العقل ويطمئن.

الإحساس بالجوع هو الإحساس الأقوى حتى لدى الإنسان. وهذا الإحساس المُقْتَرِن بالخوف من الموت جوعا هو الذي أرغم البشر على التعلُّم والعمل، وحَمَلَهُم، في الوقت نفسه، على الاعتقاد بوجود، وبوجوب وجود، كائنات وقوى ميتافيزيقية يمكنها، إذا ما عرفوا كيف يكسبون ودها، أن تكون لهم خير معين وحليف في مواجهة "عدوٍ"، بعضه من الطبيعة، وبعضه من الحيوان، وبعضه من بَشَرٍ آخرين.

وهذا الاعتقاد الميتافيزيقي سرعان ما قاموا بـ "تجسيمه"، و"تجسيده"، و"ترميزه".. وبإنشاء وتطوير ما استنسبوه له من شعائر وطقوس دينية، فالإيمان الديني يفقد منطقه وأهميته ودليل وجوده إذا لم يُرَ ويُسْمَع من خلال الشعائر والطقوس الدينية.

ولا شكَّ في أنَّ ذوي المصلحة في نشر وترسيخ وحماية المُعْتَقَد الميتافيزيقي (وبعضهم من المؤسِّسين له) هُم الذين حرصوا أكثر من غيرهم على إنشاء وتطوير ما يمكن أن يُرى ويُسْمَع من الإيمان الميتافيزيقي حتى يتأكَّدوا قوَّة أو ضعف تأثير هذا المُعْتَقَد في عقول ونفوس أتباعهم. وهذا ما يُفسِّر توافق الأديان جميعا على ضرورة "الإظهار" للإيمان الديني (الباطني) من خلال الشعائر والطقوس والعادات والأعمال الدينية.

إنَّ "البرغماتية" هي جوهر وأساس العلاقة التي أنشأها وطوَّرها البشر مع "السماء". وفي البدء، كانت "برغماتية أرضية خالصة"، فالبشر البدائيون أرادوا أوَّلا "آلهة" لا تنفعهم ولا تضرهم إلا في دنياهم، فـ "الحياة الآخرة" لم تكن "مُكْتَشَفَة" بَعْد، ولم يكن أمرها يعنيهم كثيرا، فـ "الحياة الدنيا" بخيرها وشرها هي وحدها التي كانت تَجْتَذب إليها جهدهم الذهني الميتافيزيقي ومنتجاته.

هذا المنطق البرغماتي هو الذي قادهم إلى أن يتصوَّروا العلاقة مع "السماء" على أنَّها تقوم على مبدأ "الخدمة المتبادلة"، فـ "الآلهة" تخدمهم في صراعهم من أجل البقاء ما ظلُّوا يتوفَّرون على خدمتها، أي ما ظلُّوا على استمساكهم بالشعائر والطقوس الدينية، ومؤدِّين على خير وجه لواجباتهم الدينية، التي فيها نفع كبير لزعمائهم وقادتهم، الذين كانت تجتمع فيهم السلطتان الاجتماعية والدينية.

هذا العجز البشري الأوَّل والأهم، أي العجز عن أن يملكوا من المعرفة، ومن والوسائل والطرائق الواقعية، ما يمكِّنهم من أن يدرأوا عن أنفسهم شرور النقص الغذائي، وشرور الطبيعة ووحوشها، هو الذي منه وُلِدَت فكرة "الخلاص السماوي"، وَوُلِدَ الاعتقاد بالمعجزات، ففي السماء كائنات وقوى يمْكنها، إذا ما تمكَّنوا من استرضائها، أن تهيِّئ لهم الأسباب لغذاء يكفيهم شرَّ الموت جوعا، وأن تقيهم شرَّ الحر والبرد، وشر فيضان النهر، وأن تجعلهم بمنأى عن "نار السماء"، وأن تنصرهم على أعدائهم من بَشَرٍ آخرين، ومن الوحوش المفتَرِسة.

وإذا كان من قانون يكشفه لنا تطوُّر المعتقدات والعقائد الدينية عبر التاريخ فهذا القانون إنَّما هو الآتي: كلَّما اشتد العجز الإنساني (عن "التفسير" و"التغيير") والشعور بهذا العجز، ارتفع منسوب الاعتقاد بالمعجزات.

و"المعجزة" التي مال البشر البدائيون إلى الاعتقاد بها كانت من نمطٍ يشبه ويماثل نمط عجزهم؛ لأنَّها كانت "الجواب" عن "سؤال عجزهم". أمَّا "الآلهة" التي اخترعوها فكانت في خواص وصفات تشبه وتماثل خواص وصفات مجتمعهم، ونمط عيشهم وتفكيرهم، فـ "السماء" إنْ اختلفت وتغيَّرت فإنَّها لا تختلف ولا تتغيَّر إلا بما يعكس اختلاف وتغيُّر "الأرض"، أي المجتمع بنمط عيشه المادي.

في "الموت"، و"المرض"، و"الجوع"، و"الحرب"، كانت "المصادِر الأولى" لفكرة "الإله"، أو "الآلهة". إنَّ "غريزة البقاء"، أو "غريزة حب البقاء"، هي التي جَعَلَت "الموت" طريقا إلى "الاعتقاد الميتافيزيقي"، فهذه الغريزة لا تدفع الإنسان إلى أن يصارِع (حتى الموت) ضدَّ الموت وقواه، أي ضدَّ موته هو، فحسب، وإنَّما تُزَيِّن له الاعتقاد بحياة بَعْد الموت في عالَم آخر، فَرَفْضُ الموت نهاية "نهائية" لوجوده يُوَلِّد ويُقوِّي في نَفْس الإنسان الحاجة إلى فَهْم موته (الأرضي) الذي لا مَهْرَب منه على أنَّه الممر إلى حياة أُخرى، لا مكان فيها لموتٍ ثانٍ.

تجربة الإنسان، في هذا الصدد، لَمْ تأتِهِ بما يَجْعْلَهُ معتقدا بأنَّ عالَمه، الذي فيه مات، يمكن أن يكون هو ذاته العالَم الذي فيه يُبْعَثُ حيَّا، فليس من إنسان عاد إلى الحياة حيث مات، أي في "العالَم الأرضي". على أنَّ التجربة ذاتها لَمْ تأتِه بما يَدْحَض اعتقاده بأنَّ الميِّت يُبَعَثُ حيَّا؛ لكن في عالَم آخر، فالمعتقدات البشرية التي يمكن إثباتها أو دحضها إنَّما هي المعتقدات التي فيها من الواقع والواقعية ما يجعلها ممكنة الاختبار، أمَّا إذا كانت مُفْرَغة تماما من الواقع والواقعية فإنَّ إثباتها أو دحضها يصبح مهمَّة مستحيلة.

لو جاءكَ إنسان يؤمِن بأنَّ الميِّت (من البشر) يُبْعَثُ حيَّا حيث مات، أي في عالمنا الأرضي، فإنَّكَ لن تَجِد مشقَّة في إظهار إيمانه هذا على أنَّه خرافة خالصة، فرودوس هنا، فَلِمَ لا يقفز هنا؟!

أمَّا لو جاءكَ قائلاً إنَّ الميِّت لن يُبْعَث حيَّا في عالمِنا الأرضي؛ لكنَّه يُبْعَث حيَّا في عالَم آخر، لا يمكنكَ أبداً اكتشافه، أو معرفته، أو الوصول إليه، فإنَّ عجزْكَ عن دحض معتقده هذا لن يقلَّ عن عجزه عن إثباته لكَ واقعياً. إنَّه لن يقبل "منطقكَ" في "الدحض"؛ لأنَّه يَفْهَم "الحقيقة"، ويريد لكَ أن تفهمها، على أنَّها مؤلَّفة من قسمين: قسم يمكنكَ الوصول إليه من "طريق العقل"، وقسم لا يمكنكَ الوصول إليه إلا من "طريق الإيمان". وهو من هذه الطريق فحسب، أي من "طريق الإيمان"، وصل إلى الاعتقاد بوجود، وبوجوب وجود، حياة أخرى، أي استئناف الميِّت للحياة في عالَمٍ آخر لن تراه أبدا إلا بَعْد، وبفضل، موتكَ.

يكفي أن تعجزَ عن دحض معتقده ببعثٍ بَعْد الموت في عالَم آخر حتى يطمئن إلى سلامة معتقده، وكأنَّه لا يملك، ولا يمكنه أن يملك، من "دليل إثبات" سوى عجزكَ عن الإتيان بـ "دليل نفي"!

والقول بفكرة "الحياة الأخرى" إنَّما يشبه أن يقول لكَ أحدهم إنَّ "العنقاء" موجودة، مُتَحَدِّياً إيَّاكَ أن تُثْبِتَ أنَّها غير موجودة. هذا المُدَّعي المُتَحَدِّي لن يَقْبَل منكَ دَحْضاً تعوزه "الأدلَّة والبراهين الواقعية"، فأنتَ ينبغي لكَ أن تأتي بما يقيم الدليل (الواقعي) على أنَّ العنقاء غير موجودة. أمَّا هو فَمَعْفِيٌّ من الإتيان بأي دليل واقعي على وجود العنقاء بدعوى أنَّ ثمَّة "حقائق" لا يمكن الوصول إليها بالعقل، أو التجربة، وإنَّما بـ "عقلٍ ثانٍ"، لا وجود له في الدماغ، هو "الإيمان"!

ومن "الموت"، في "مظاهره الواقعية"، و"نتائجه الواقعية"، طُوِّرِت، وتطوَّرت، فكرة "الحياة الأخرى". لقد فُهِمَت "التجربة الواقعية للموت" على أنَّها "الروح الخالدة وقد انفصلت عن الجسد الفاني"، فالجسد رأوه يفنى، ويتحوَّل بالتدريج، في القبر، إلى "تراب"، أمَّا "الروح"، التي فيها يكمن سرُّ الحياة، والتي فهموها بما يوافِق فهمهم لـ "الريح"، فقد غادرت الجسد، الذي ارتدته مؤقَّتا، إلى "العالَم الآخر"، الذي تحيا فيه حياة أبدية. ولا شكَّ في أنَّ رؤية ميِّت في المنام (الروح الزائرة) قد شجَّعتهم على الاعتقاد بـ "العالَم الآخر"، وبـ "الحياة الأخرى".

ويكفي أن تقول بـ "الإيمان" سبيلا إلى "الحقائق التي لا سبيل إليها بالعقل والتجربة" حتى يُنْبَذ "الواقع" بوصفه "دليل إثبات أو نفي" للأفكار والمعتقدات.

على أنَّ "الإيمان" وحده لا يكفي، فإيماني يمكن أن يناقِض إيمانكَ لجهة نتائجه. وعليه، كان لا بدَّ من "مَرْجِع" لهم في أمورهم الدينية. وهذا "المَرْجِع" كان قديما، أي قبل "الديانة المكتوبة"، الزعيم، أو القائد، الذي فيه تجتمع السلطتان الاجتماعية والروحية، والذي هو في منزلة "سفير السماء"، فما يقوله هو وحده دليل الإثبات أو النفي.

لقد غَذَّت "غريزة حب البقاء" الاعتقاد الميتافيزيقي للبشر بـ "الحياة الأخرى" وبـ "العالَم الآخر".

وكان لـ "المرض" حصَّته في المعتقدات الميتافيزيقية، فالعجز عن التغلُّب على مرض ما بـ "الواقعي" من العلاج والدواء ألْجأ الجماعة البشرية إلى "الطب الميتافيزيقي"، وإلى ممتهنيه. وعليه، كان "السِحْر" من أقدم معاني "الطب".

كل "عَجْز (عن "التفسير"، أو "التغيير")" كان مَصْدَر تغذية للاعتقاد بـ "المعجزات"، وللخضوع لِمَن "يأتي بها". لقد كان المرض لدى البشر القدماء من ألَدِّ الأعداء، فهو إنْ لَمْ يُقصِّر طريقهم إلى الموت، يصيبهم بالعجز عن العمل، الذي يكفي أن يعجزوا عنه حتى يتهدَّدهم خطر الموت جوعا. وكان يكفي أن يفهموا ويُفَسِّروا هذا الشر، أي المرض، على أنَّه من فِعْل قوى وكائنات ميتافيزيقية حتى يؤمنوا بالصراع ضده، وضد مسبِّبيه، بطرائق ووسائل وقوى ميتافيزيقية أيضاً.

"الجوع"، أي الرغبة في درء مخاطره عن البشر، ساهم هو أيضا مساهَمَةً كبرى في التأسيس للمعتقدات الميتافيزيقية، وفي حفظها وإدامتها. إنَّ "الإحساس" بالجوع هو أقوى وأهم الأحاسيس لدى البشر، فلولاه لَمَا كانت "حضارة"، ولَمَا نشأت لدى الإنسان، واشتدت، الحاجة إلى "التعلُّم" و"العمل"..

وتأثير "الجوع"، أي الخوف من الموت جوعا، في البشر، أفرادا وجماعات، كان في منتهى القوَّة إبَّان سيطرة الطبيعة وقواها عليهم سيطرةً مُطْلَقة. وقد ظلَّ تأثيره فيهم قويا حتى عندما شرعوا يسيطرون على بعضٍ من الطبيعة وقواها، فإنتاجهم لغذاء يكفيهم شرَّ الموت جوعا لَمْ يكن دائما بالأمر الذي يسيطرون عليه، أو يتحكَّمون فيه، فعوامِل وقوى طبيعية كثيرة كانت تَضْرب بقوَّة، وعلى نحو مفاجئ، أمنهم الغذائي.

ونحن حتى الآن نَفْهَم "الأسعار".. أسعار البضائع والمنتجات، في صعودها وهبوطها، على أنَّها "ظاهرة ميتافيزيقية". وهذا الفهم الميتافيزيقي لَمْ يَنَلْ من قوَّته كثيرا تطوُّر عِلْم الاقتصاد، وما اكتشفناه من قوانين اقتصادية موضوعية كـ "قانون العرض والطلب" في "الاقتصاد الحر".

هذا العجز العِلْمي والعملي عن درء مخاطر قوى طبيعية (مثل الجفاف والقحط واحتباس المطر وفيضان النهر..) عن الأمن الغذائي للجماعة البشرية مدَّ المعتقدات الميتافيزيقية بمزيد من الغذاء، فاسترضاء السماء (صلاة الاستسقاء مثلا) التي من غضبها علينا تعاقبنا في لقمة عيشنا صار هو الحل الناجع للمشكلة.

وحتى لا يأتي الاختبار بما يدحض هذا المعتقد الميتافيزيقي، أو ينال من قوَّته، أضافوا إلى "غضب السماء وعقابها" الرغبة في الامتحان والاختبار، فالكائن الميتافيزيقي (السماوي) يُعرِّض الأمن الغذائي للبشر إلى الخطر عقابا لهم على ارتكابهم ما يغضبه، أو اختبارا لهم ولصلابة إيمانهم.

ثمة حاجات إنسانية أساسية وجوهرية لا مهرب للإنسان، في أي مكان، وفي أي زمان، من السعي في تلبيتها، التي تُعد شرطا أوَّليا لبقائه، أكان فردا أم جماعة؛ ولعل أهم هذه الحاجات هي حاجته إلى "المأكل" و"المسكن" و"الملبس" و"الأمن"، أي درء المخاطر عن وجود الفرد والجماعة التي ينتمي إليها، و"التكاثر" و"الرعاية الاجتماعية" للفرد، في مرحلتي الطفولة والشيخوخة، وفي حالة العجز المرضي في قواه الطبيعية الفردية.

ويُجْمِع علماء الاجتماع (العلميين) على أنَّ حاجة الإنسان إلى "المأكل" هي الأهم على الإطلاق، وعلى أنَّ "الإحساس بالجوع" هو أهم أحاسيسه، مفسِّرين "الحضارة"، نشوءا وتطورا، على أنها ثمرة هذا الإحساس ونتيجته الحتمية، فهذا الإحساس الأقوى (الإحساس بالجوع) هو الذي يرغم الإنسان على "العمل" و"التعلم".

لقد بدأ الإنسان حياته، قبل الحضارة، مستهلِكا لا مُنْتِجا، فكان يكتفي باستهلاك ما تنتجه له الطبيعة (البيئة الطبيعية التي يعيش فيها) من تلقاء نفسها. وفي نمط عيش بدائي كهذا كان مستحيلا أن يملك فرد (أو فئة من الجماعة) المقدرة على أن يلبي حاجته إلى "المأكل" من دون أن "يعمل" بنفسه؛ كما كان مستحيلا أن يملك ما يسمى "وقت الفراغ"، الذي هو الأصل في نشوء الحضارة، فالناس لن يعرفوا "الفلسفة" و"الفن" و"الأدب".. إذا كانوا مرغمين على أن ينفقوا كل ما لديهم من وقت وجهد في تلبية حاجتهم إلى "المأكل" و"المسكن" و"الملبس".

وبفضل اختراع الإنسان، وتطويره، أدوات العمل البدائية تهيأت الفرصة لأن يُنتِج الإنسان الفرد من "الغذاء" ما يزيد قليلا عن حاجته إلى أن يقي نفسه من خطر الموت جوعا. ومع جَمْع هذه الفوائض الغذائية الفردية الضئيلة في نطاق "الجماعة البشرية"، أي العشيرة، ظهرت إمكانية نشوء الحضارة، فبفضل جمع هذه الفوائض صار ممكنا تحرير بعض الأفراد (شيخ العشيرة والمقرَّبون إليه) من "العمل المباشر"، أي صار ممكنا أن يتمتع فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد بامتياز "العيش من دون عمل"؛ وقد حصل شيخ العشيرة (والمقرَّبون إليه) على هذا الامتياز بفضل ما يتمتع به من "سلطة معنوية".

ومع تطور "أدوات العمل" وتزايد "الفائض الغذائي" اشتد ميل أصحاب هذا الامتياز إلى تملك "أدوات العمل" وإرغام "المنتجين"، من ثمَّ، على استخدامها في العمل لمصلحة مالكيها الجدد.

ومِنْ ذلك، تولَّد لدى غالبية الجماعة الشعور بالغبن والظلم والاستغلال، فاشتدت الحاجة لدى المالكين الجدد إلى إنشاء أدوات بدائية للقمع، حماية لهذا الامتياز.

وكلما تضاعف "الفائض الغذائي" تهيأ مزيد من الفرص لإعفاء مزيد من أفراد الجماعة من "العمل المباشر المُنْتِج للغذاء"، فنشأت، من ثمَّ، أعمال وحرف ومهن جديدة؛ كما نشأ "العمل الفكري" في أشكاله المختلفة (الفلسفة والفن والأدب والهندسة والفلك والطب..).

لقد اتَّضَحَت وتأكَّدت، في هذا السياق، حقيقة تاريخية في منتهى الأهمية هي أنَّ "الفائض الغذائي" كان شرطا أوَّليا لنشوء الحضارة، وأنَّ تطور الحضارة تَحدَّد، شكلا ومحتوى، بالمصالح الكبرى لفئة ضئيلة تتألف من مالكي أدوات العمل وذوي "الامتياز الاستهلاكي" وأصحاب السيطرة على "القوى المادية والروحية" اللازمة لإدامة واستمرار خضوع وإخضاع الأكثرية للأقلية.

هذا الخضوع، أو الإخضاع، إنما تحقق، ويتحقق، بفضل عوامل تاريخية ثلاثة: "الحاجة الماسة إلى العمل لدى مالك أدوات العمل" و"إنتاج ونشر الوعي الذي يعمي الأبصار ويشل الأيادي" و"القمع المباشر".

أمَّا ذوو الامتيازات الاقتصادية تلك فقد احتاجوا، على الدوام، إلى "السلطة المادية والروحية" للدفاع عن أنفسهم وامتيازاتهم. إنَّ الغالبية العظمى من البشر يبتنون الحضارة ويطورونها بدافع الحاجة الملحة إلى العمل لدى "أسياد العمل"، الذين يبتنون الحضارة ويطورونها بدافع الرغبة في الحفاظ على امتيازاتهم وزيادتها وتوريثها إلى أبنائهم، فحضارتنا هي، حتى الآن، ثمرة العلاقة بين "الذي يعمل ولا يملك" و"الذي يملك ولا يعمل".

"الشرطة الأرضية"، وعلى أهمِّيتها في الحفاظ على المصالح الاقتصادية (وعلى ما يتفرَّع منها من مصالح أخرى) ودرء المخاطر عنها، لَمْ تكن بكافية، فاشتدت الحاجة إلى تعزيز عملها بـ "الشرطة السماوية"، التي أسَّست وأقامت "مخافر" لها في العُمْق من النفس البشرية، فالثروات المادية التي من نمط يَجْعَل الفقراء (وغير الفقراء من الباحثين عن الثراء في طريقة "غير مشروعة") يَسْتَسْهِلون "سرقتها" لا بدَّ من حمايتها بـ "الشرطة السماوية"، البصيرة، السميعة، العليمة، والتي تُسَجِّل في سجلاتها كل انتهاك للمبدأ الأخلاقي ـ الديني الأوَّل وهو مبدأ "لا تَسْرِق". واستناداً إلى هذه السجلات، التي لا ريب في صِدْقِها ونزاهتها وموضوعيتها، سيلقى "السارق"، في "يوم الحساب"، العقاب السماوي الذي يستحق. ومع أنَّ النفس البشرية "أمَّارة بالسوء (وبالسرقة من ثمَّ)" فإنَّ "الشرطة السماوية" نجحت، على وجه العموم، في إبقاء تلك الثروات المادية في الحفظ والصون.

"نظام الثواب والعقاب السماوي" نشأ وتطوَّر بوصفه مُكَمِّلاً لـ "نظام الثواب والعقاب الأرضي"؛ وقد اسْتُنْفِد في إنشائه وتطويره جهد إنساني ضخم، اختلفت دوافعه وغاياته باختلاف الأزمنة والأمكنة، وباختلاف مصالح وحاجات واقعية فئوية ضيِّقة، وإنْ خالطها، لأسباب موضوعية، شيء من المصالح والحاجات الواقعية العامة. وهذا الجهد كان محوره، على الدوام، "الحلال" و"الحرام"، فسلوك وتصرُّف وعمل الفرد نُظِّم وَوُجِّه بما يتَّفِق مع مبدأ "الحلال والحرام".

مِنْ شعور الإنسان (البدائي على وجه الخصوص) بالعجز عن تفسير كثير من الأشياء والظواهر، وعن التغيير العملي والواقعي لكثير من الأشياء التي يدركها بحواسِّه، نشأ وتطوَّر وتوسَّع الاعتقاد والإيمان بوجوب، وبضرورة وجوب، القوَّة، أو القوى، الميتافيزيقية الخالقة. ومع ترسُّخ وتَوَطُّد وانتشار هذا المعتَقَد الأوِّلي والأساسي صار ممكنا اتِّخاذه كـ "حصان طروادة"، يُدْخِلون فيه ويهرِّبون كثيرا من المفاهيم والقيم والمبادئ الاجتماعية والاقتصادية الصالحة لمصالحهم، فأُضيف "وجهٌ اجتماعي" إلى "الوجه الفلسفي" لـ "السماء". وبحسب النسخة السماوية من سياسة "الترهيب والترغيب" الأرضية، صار بعض العقاب والثواب أرضيا عاجلا، وبعضه سماويا آجلا، فإذا أنتَ سرقتَ، أو تطاولت على الحقِّ المقدَّس لغيركَ في تملُّك أرض أو مصنع، لن تنجو من عقاب السماء، الذي بعضه أرضي عاجل، وبعضه سماوي آجل، فأنتَ قد يصيبكَ مكروه (سماوي) في صحَّتِكَ، أو مالِكَ، أو أهلكَ؛ وهذا الضٌرِّ الذي مسَّكَ في الدنيا (مِنَ السماء) لن يُنجيكَ من العذاب الأشدُّ إيلاماً في "الآخرة". أمَّا إذا أنتَ عملت بما يتَّفِق مع شريعة "الحلال والحرام" فسوف يعود عليكَ عملكَ هذا بالنفع والفائدة، دنيا و"آخرة".

وحتى يُحْفَظ الأمن الداخلي (الاجتماعي والاقتصادي والسياسي) للمجتمع على خير وجه طُعِّمَت الأديان بشيء من مبادئ الإصلاح، فـ "الشرطة الأرضية" لن تنجح في عملها إلا إذا راعت فيه مبدأ "رُدَّ سَيْفِكَ إلى غمده فإنَّ من يعش بالسيف يهلك به"؛ و"الشرطة السماوية" لن تنجح في عملها إلا إذا راعت فيه مبدأ "الجوع كافر".

واتَّسَع نطاق هذا التوظيف (الاجتماعي) للسماء، فزجُّوا بها في "ثقافة الحرب"، وغدت المفاهيم الميتافيزيقية جزء لا يتجزأ من عقيدة القتال.

ولا شكَّ في أنَّ الحاجة إلى الحرب، وإلى الانتصار فيها، هي التي جَعَلت للمحارِب الذي يُقْتَل في الحرب تلك المنزلة السماوية الرفيعة. ولا شكَّ أيضا في أنَّ تلك المنزلة هي التي صلَّبت وعزَّزت "الدافع القتالي" لدى المقاتل.

وكانت "القدرية السماوية" من أهم المفاهيم المسْتَخْدَمة في تعزيز وتقوية "الروح القتالية" لدى المقاتِل، فأنتَ تظلُّ على قيد الحياة ولو ألْقَيْتَ نفسكَ في حفرة من نار؛ لأنَّ السماء لَمْ تُقرِّر موتكَ في هذا المكان، وفي هذا الزمان، وفي هذه الطريقة. وأنتَ ستموت ولو كنتَ في بٌرْج مشيَّد؛ لأنَّ السماء قرَّرت (مِنْ قَبْل خَلْق الزمان) أن تموت هنا، والآن، وعلى هذا النحو.

هذا الإيمان بتلك القدرية، مع الجائزة السماوية الكبرى التي ستُمْنَح في "الآخرة" للمحارِب الذي قُتِل في الحرب، صَنَع دافعا قتاليا في منتهى القوَّة، فلولا "السماء"، في هذا المعنى، لَمَا انتصر محاربون كُثْر.

"الإلحاد" و"الإيمان (الديني)" ليسا بنمطين من الوعي، أو الفكر، أو الاعتقاد، يمكن، في أي مكان، أو في أي زمان، أن يُوْجَد أحدهما فحسب، فهما "ضِدَّان متَّحِدان اتِّحادا لا انفصام فيه، ومتصارعان، في الوقت نفسه، صراعا دائما مُطْلَقا". "الإلحاد" إنَّما هو كل فكر ينشأ، وينمو، في الصراع، وبالصراع، ضد "الإيمان". إنَّه، في نشوئه، ونموِّه، وتطوُّره، ثمرة التغلُّب على "الإيمان"، الذي هو، أيضا، ينشأ، وينمو، في الصراع، وبالصراع، ضد "الإلحاد"، ويمكن ويجب أن نفهمه، نشوءا، ونموَّا، وتطوُّرا، على أنَّه ثمرة التغلُّب على "الإلحاد". إنَّكَ لا تستطيع، أبدا، أن "تؤكِّد" الإلحاد من غير أن "تنفي"، في الوقت نفسه، الإيمان؛ ولا تستطيع، أبدا، أن "تؤكِّد" الإيمان من غير أن "تنفي"، في الوقت نفسه، الإلحاد. وإنَّكَ لا تستطيع أبدا أن تنفي أحدهما من غير أن تحتفظ به، وتبقي عليه، في الوقت نفسه؛ لأنْ لا وجود لأحدهما إذا لم يُوْجَد الآخر، في المكان ذاته، وفي الزمان ذاته؛ ولأنْ لا وجود أبدا لـ "الإلحاد الخالص (المطلق)"، أو "الإيمان الخالص"، فكلاهما يخالط الآخر دائما.

وفي تاريخهما المشترَك، نرى، دائما، أنَّ "الإيمان" هو "الجواب" عن "سؤال إلحادي"، وأنَّ "الإلحاد" هو "الجواب" عن "سؤال ديني"، فأحدهما يسأل والآخر يجيب. "المُلْحِد" يتحدَّى "المؤمِن"، دائما، أن يجيب عن سؤاله الآتي: "ما هو دليلك وبرهانك على أنَّ الله موجود؟"؛ و"المؤمِن" يتحدَّى "المُلْحِد"، دائما، أن يجيب عن سؤال الآتي: "ما هو دليلك وبرهانك على أنَّ الله غير موجود؟"؛ ولسوف يظلُّ كلاهما في صراع مع الآخر، تارةً ترجح كفَّة "المُلْحِد"، وطورا ترجح كفَّة "المؤمِن". ولسوف يظلُّ كلاهما في سعيٍ إلى الزجِّ بالعِلْم في صراعه ضد الآخر.

"الإله"، في المُعْتَقَد الديني القديم والبدائي، ما عاد اليوم بفكرة يمكنها أن تَجِد لها ملاذاً في العِلْم والعقل، وما عاد القائلون بها يستطيعون الدفاع عنها، وإلباسها لبوس العِلْم والعقل، إلا من خلال اقتلاع الفكرة من تربة "العقل"، وغرسها في تربة "الإيمان"، الذي صَوَّروه على أنَّه "العقل الآخر" للإنسان، والذي به فحسب، أو في المقام الأوَّل، يتوصَّل الإنسان إلى الله، أو من خلال تفسير "النص الديني" بما يَجْعَل له معنى لا يمتُّ بصلة إلى "معناه الحقيقي، القديم، المباشِر، التاريخي، الواقعي، الحرفي".

لقد انتعش "الفكر الإلحادي" إذ اكْتَشَفَت الفيزياء، وأثْبَتَت وأكَّدَت، أنَّ "المادة"، بوجهيها "الكتلة" و"الطاقة"، لا تُخْلَق ولا تَفْنى، وأنَّ "النشوء"، من ثمَّ، هو "نشوء شيء من شيء"، أي تحوُّل من "هذه" المادة إلى "تلك"، وأنَّ "زوال شيء ما" هو ذاته لحظة نشوء شيء آخر، أو أشياء أُخرى.

"الخَلْق"، في تصوُّره البدائي القديم، إنَّما كان خَلْقاً لـ "الجسم"، أو "الشيء"، أي كان خَلْقاً لـ "شيء بعينه"، كـ "خَلْق الشمس". وقد صُوِّر "الخالِق"، من ثمَّ، على أنَّه "خالِقٌ لأشياء (أو أجسام)"، يمكن تمييز بعضها من بعض (خَلْق "الشمس"، أو "القمر"، أو "النجوم"، أو "الأرض"، أو "الماء"، أو "الجبال"، أو هذا النوع من الحيوان أو ذاك). أمَّا "كيفية" الخَلْق لـ "الأشياء" فظلَّت مستغلقة على الفهم؛ ففي خَلْق الشمس، مثلاً، لم يُقَلْ في "نصِّ الخَلْق"، إنَّ الخالِق جاء أوَّلا بـ "سحابة من الهيدروجين"، ثمَّ كوَّن، أو خَلَق، منها "الشمس"؛ لكن قيل في خَلْق شيء آخر هو "الإنسان (الأوَّل)" إنَّ الخالِق لم يخلقه من "لا شيء"، فهو جاء أوَّلا بشيء آخر هو "الطين"، أو "الصلصال"، ثمَّ كوَّن منه، وخلق، "الإنسان"، أي جسد الإنسان فحسب؛ ذلك لأنَّ الخالق اسْتَكْمَل خَلْق الإنسان بـ "الروح" التي نقلها منه إليه.

وبعضٌ من "المخلوقات" لم يُفْهَم، عندما قالوا بخلقه، كما نفهمه اليوم، فـ "الشمس التي خُلِقت" لم تُفْهَم، ولم يُنْظَر إليها، على أنَّها هذا النجم الأكبر كثيرا من الأرض، والذي حَوْله تدور الأرض. لقد فُهِم، ونُظِر إليه، على أنَّه جسم أصغر كثيرا من الأرض، يزوِّدها "الحرارة"، مثلا، نهارا.

قانون "حِفْظ المادة (الكتلة والطاقة)" تحدَّى القائلين بوجود خالِق للكون، وبوجوب وجوده، أن يؤسِّسوا لـ "صُلْح جديد" بين الدين والفيزياء، فكان أوَّل شيء فعلوه توصُّلا إلى هذا الصُلح هو إضافة عبارة "على أيدي البشر" إلى نصِّ القانون، فأعادوا صياغة قانون "حِفْظ المادة" على النحو الآتي: المادة لا تُخْلَق ولا تُفنى على أيدي البشر فحسب، أي أنَّها يمكن ويجب أن تُخْلَق، وأن تُفنى، على يديِّ الخالق فحسب.

ثمَّ انتعش "الإيمان (الديني)"، وبفضل الفيزياء أيضا، أو بفضل بعض المفاهيم والنظريات (الفرضيات) الفيزيائية، فالفيزيائيون، أو قسم كبير منهم، إنْ لم يكن قسمهم الأعظم، أظْهروا مَيْلا، في فكرهم وبحثهم وجهدهم وتجربتهم، إلى فهم "المادة" على أنَّها شيء بعينه، أو أشياء بعينها.

لقد قالت الفيزياء منذ اكتشاف "الذرَّة" بـ "الجسيم الأوَّلي"، وبحثت عنه، وحاولت إثبات أنَّه "أوَّلي"، أي لا يتألَّف من جسيمات أصغر (منه). على أنَّ كل التجارب والاختبارات الفيزيائية انتهت إلى النتيجة الآتية: "الأوَّلي" من المادة ظلَّ "فرضية"؛ و"غير الأوَّلي" هو ما يتأكَّد، وجوداً، في استمرار؛ فإنَّ "الجسيم الأوَّلي" هو خرافة خالصة، ولو قال به فيزيائيون عباقرة.

وأخيراً، جاءت نظرية "الانفجار (الكوني) الكبير" Big Bang ونظريات كوزمولوجية أُخرى متفرعة منها أو مكمِّله لها لتحل "المشكلة" بما يُعزِّز حُجَج القائلين بـ "فكرة خَلْق المادة من العدم". القائلون بهذه النظرية يقولون أيضا بفكرة "الجسيم الأوَّلي" مثل "الكوارك". ويقولون بخلقه على يديِّ خالق (فيزيائي) يسمُّونه "الانفجار الكبير"، فهذا الانفجار هو الذي خلق الكون، بَدْءاً بخلق "أبجدية المادة"، أي "الجسيمات الأوَّلية".

أين تكمن الفكرة المثالية ـ الميتافيزيقية في نظرية "الانفجار الكبير"؟

إنَّها تكمن، أوَّلا، في خواص ذلك "الشيء" الذي منه انبثق وجاء الكون، فهذا "الشيء" الذي يسمَّى "المُفْرَد" Singularity ليس كمثله شيء؛ وإذا تواضعوا على اعتباره "مادة" Matter فإنَّهم يُجرِّدونه من "ماديَّته"، وكأنَّه "مادة ليست بمادِّية"، أي مُجرَّدة من الخواص الجوهرية الأساسية للمادة. إنَّه "شيء" لا "حجم" له، أي "عديم (معدوم) الحجم"، أي عديم الأبعاد الثلاثة للمكان. وإنَّه "شيء" لا أثر فيه لـ "البُعْد الرابع"، وهو "الزمان"، فالزمان، بحسب زعمهم، إنَّما خُلِق بـ "الانفجار الكبير"، وفيه، ومعه. وعليه، ليس من منطق، بحسب زعمهم، في أن تسأل عمَّا كان، أو عمَّا حَدَث، "قبل" هذا "الانفجار"، فـ "قبل" هي ظرف زمان؛ والزمان لم يُخْلَق بَعْد. وإنَّه "شيء"، اشتمل، على الرغم من كونه "عديم الحجم"، على "كل" مادة الكون، أي على كل "الكتلة" و"الطاقة" في الكون. وهذا "الشيء"، الذي اشتمل على "كل" مادة الكون، تفوقه الذرَّة "حجماً" بنحو 100 بليون مرَّة، على الرغم من قولهم إنَّه "عديم الحجم".

ثمَّة كثيرٌ من "صفات الذات الإلهية" لا يمكن فهمها، قبل "الخَلْق"، إلا على أنَّها صفات "كامنة"، أو "مُعَطَّلة (عن العمل)"، فكيف لصفات من قبيل "الرحمة"، و"العدالة"، و"المغفرة"، أن تَظْهَر وتتأكَّد قبل خَلْق البشر مثلا؟!

و"الإله" في صفاته إنَّما هو "الكائن (الميتافيزيقي)" الذي فيه تتناقض، مَنْطِقاً، الصفات، فوصفه بأنَّه "الكائن الذي ليس كمثله شيء" إنَّما يناقِضُ، مَنْطِقاً، وَصْفِه بصفات بشرية بَعْد "تضخيمها"، فليس من صفة يوصف بها "الإله" إلا ولها وجود في الكائن البشري؛ لكن "في مقدار أقل" ليس إلا، وكأنَّ "الإله" هو الإنسان وقد أُطْلِقَت صفاته.

يَسْهُلُ مَنْطِقاً أنْ يُجاب عن بعض "أسئلة الْخَلْق"؛ لكن يَصْعُب ويشق، مَنْطِقاً، أن يُجاب عن "سؤال الْخَلْق" الذي يبدأ بـ "لماذا"؛ لأنَّ كل ما قيل جواباً عن سؤال "لماذا خَلَق الخالِق الكون؟" يَسْتَغْلِق على كل عقل بشري يَحْكُمه ويتحكَّم فيه "المنطق". وأنتَ يكفي أن تُعدِّد وتشرح أسباب ودوافع خَلْق الخالِق للكون حتى تُخَفِّض كثيرا منسوب المنطق في فكرة الخَلْق، وكأنَّ "الإله" هو "العظيم" الذي تُصَغِّره أعماله، فـ "الإله" إنَّما يسمو بتساميه عن "دوافع" و"غايات" خَلْقِه للكون.

يُقال إنَّ "الحاجة هي أمُّ الاختراع (أو الخَلْق)". وأقول إنَّ هذا "القانون"، أي "قانون الحاجة"، يَصْلُح تفسيراً حتى لخَلْق الخالِق للكون، فثمَّة "حاجة إلهية" جاء خَلْق الخالِق للكون تلبية لها، مع أنَّ للخالِق صفة "الغِنى"، أي انتفاء الحاجة لديه إلى "المخلوق" الذي خَلَق.

و"الخالِق" يمكن ويجب أن يكون "معبوداً"؛ لكن ليس من خلال "سعيه" إلى ذلك، فسموِّه إنَّما يَظْهَر ويتأكَّد من خلال تساميه عن "السعي" إلى جَعْل "مخلوقه" يعبده.

إنَّكَ "عظيم"، وفي منتهى "العظمة"، لو تمكَّنتَ من "خَلْق" نملة؛ لكن هل يبقى من "عظمتكَ" شيء إذا ما "سعيتَ" في جَعْل تلك النملة تعبدك، وإذا ما وعدتها بـ "جزرة" إذا ما عبدتكَ، وتوعَّدتها بـ "عصا" إذا ما امتنعت؟!

"إله هيجل" كان حلاًّ لكثير من المشكلات المنطقية التي خلقتها فكرة الخَلْق، فهذا الفيلسوف الألماني المثالي الموضوعي "افتَرَض" الفكرة المُطْلقَة مبتدءاً لـ "الوجود"، فقبل "الوجود الطبيعي"، أي قبل "الطبيعة"، كانت تلك الفكرة، التي بفضل "جدلها الذاتي" تطوَّرت، و"تجسَّدت"، أي اتَّخَذت "الطبيعة" لبوساً لها. لا تسألوا هيجل "مِنْ أين جاءت تلك الفكرة (أو الروح) بهذا اللبوس؟"، فجوابه، إنْ أجاب، هو الآتي: لدى تلك الفكرة من الخواص والقوى ما جَعَلَ ممكنا، وحتميا، أن "تتجسَّد"، أو "تتجسَّم"، أي أن تلبس لبوس الطبيعة. هذه الفكرة التي لبست لبوس الطبيعة، في مجرى تطوُّرها الذاتي، لم تكن بـ "كائنِ يعي نفسه بنفسه"، أي أنَّها كانت كمثل "كائنٍ تحكمه وتتحكَّم فيه الغريزة". وبعد "تجسُّدها" في "الطبيعة"، "تجسَّدت" في "الإنسان"، الذي به، وفيه، وعت وأدركت ذاتها، فالإنسان (الذي انفصل عن المملكة الحيوانية) هو الكائن الذي به، وفيه، أصبح في مقدور "الفكرة المطلقة" أن تعي نفسها بنفسها.

"إله هيجل" الافتراضي هذا جاء حلاًّ، بدا منطقيا، لمشكلة "خَلْق الخالِق للمادة من العدم"، فـ "الروح (الكونية)" يمكنها، بحسب منطق هيجل، أن تكون في حالٍ من حالين: "روح بلا جسد (بلا مادة، بلا طبيعة وإنسان)"، و"روح مجسَّدة مجسَّمة"، أي تتَّخِذ الطبيعة والإنسان جسدا لها، أو لبوساً ترتديه. وهذه "الروح (الدياليكتيكية)" تتطوَّر ذاتيا حتى تبلغ درجتها العليا، أي درجة "وعي نفسها بنفسها" في الإنسان.

و"إله هيجل" هذا لا يشبه "الإله في الأديان" لجهة علاقته بالبشر، فهو ليس بـ "الحاكم" الذي يتَّخِذ البشر (أو جماعة من الجماعات البشرية) رعيَّة له، مُقرِّرا لها ما ينبغي لها قوله وفعله، وما ينبغي لها اجتنابه من أقوال وأفعال، في شريعة إلهية، ميزانها ميزان "الحلال والحرام"، وتوأمه ميزان "الثواب والعقاب". وأحسبُ أنَّ هيجل كان يريد لـ "إلهه" عَظَمَةً، لا يمكنها أن تؤكِّد ذاتها إلا بإقامة برزخ بينه وبين البشر (أفرادا وجماعات) بطرائق عيشهم وتفكيرهم، وكأنَّ "الإله العظيم" يَصْغُر بأقواله وأفكاره وأحكامه وأعماله.. "البشرية ـ الاجتماعية".

ولو سألْتَ متدينا عن "عدالة" الخالِق لأجابكَ على البديهة قائلاً إنَّها "عدالة مُطْلَقة"، أي لا تشوبها ذرَّة من "الظُلْم"؛ لكنْ لا بدَّ لـ "الظُلْم"، أو لشيء من "الظُلْم"، من أن يَشْغُل حيِّزاً من منطق الخالِق، فالخالِق في "مشيئته المُطْلَقة"، التي لا تعلوها مشيئة، لا يسمح للإنسان بأن يكون حرَّاً في أقواله وأعماله.. لا يسمح له بأنْ يريد ما لم يُرِدْهُ له أن يُريد. ومع ذلك، يحاسبه يوم الحساب، فيُثيبهُ، أي يجازيه خيرا أو شرا. وفي هذا المثال، نرى "التناقض المنطقي (الحتمي)" بين "الصفتين"، صفة "العدالة المُطْلَقَة" وصفة "المشيئة (الإرادة) المُطْلَقَة"؛ ونراه (أي التناقض المنطقي) أيضا بين "العدالة المُطْلَقَة" وذاك "الظُلْم" الذي لا بدَّ منه. صفة "المشيئة المُطْلَقَة" تنطوي حتما على صفة "الظُلْم" إذا ما قرَّر الإله أن يعاقب البشر على أعمال أرادوها في الظاهِر، وأرادها لهم في الباطِن. وهذا "الظُلْم" الذي لا ريب فيه يُفْقِد صفة "العدالة المُطْلَقَة" منطقها، فـ "العدالة المُطْلَقَة" مشروطة بنفي صفة "المشيئة المُطْلَقة". وهذا إنَّما يعني أنَّ "العدالة المُطْلَقة" مشروطة بأن يقوم البشر بأعمال لم يكن قيامهم بها، وإرادتهم القيام بها، جزءاً من إرادة ومشيئة الخالِق. إنَّ تَثْبيت صفة "المشيئة المُطْلَقَة" يقتضي نفي صفة "العدالة المُطْلَقَة"؛ وتَثْبيت هذه يقتضي نفي تلك.

هل الله موجود؟

ليس من سؤال يَلْهَج به الناس، ويَسْتَنْفِدون جهدهم الذهني توصُّلاً إلى إجابته، كمثل هذا السؤال.

إذا قُلْت إنَّه موجود فإنَّ "الآخر"، أي المُلْحِد، سيتحدَّاك أنْ تأتي له بـ "الأدلة والبراهين"؛ ولسوف تتحدَّاه أنتَ التحدِّي ذاته إذا ما قال إنَّ الله غير موجود.

هل الشمس موجودة؟

إنَّكما (أنتَ المؤمن وصديقكَ، أو خصمكَ، المُلْحِد) لن تختلفا في إجابة هذا السؤال؛ بل قد تَسْتَسْخِفانه مع سائله، فالشمس موجودة، فكلاكما يراها ويشعر بحرارتها.

هل "الثقب الأسود" Black Hole موجود؟

إنَّكَ، وبحسب فرضيته، أو نظريته، أو تعريفه، لن تتمكَّن من رؤيته أبداً، فالذي يُمكِّنكَ من رؤية الأشياء جميعاً (بعينكَ أو بـ "عين اصطناعية") وهو "الضوء" لا يمكنه أبداً الإفلات من قبضة هذا الجسم الكوني. وليس من "معلومة" يمكنها الإفلات من تلك القبضة.

ومع ذلك، يُمْكِنهم، على ما يدَّعون، "الاستدلال على وجوده"، فـ "الثقب الأسود" يمكنه أن يؤثِّر في "جسم مرئي"، يقع على مقربة منه، فيتَّخِذون من هذا "التأثير (المرئي أو المحسوس)" دليلاً على وجود "الثقب الأسود".

المؤمن بوجود الله لن يتمكَّن أبداً من أن يأتيكَ بدليل على وجوده كمثل الدليل على وجود الشمس، فالله ليس بالشيء، أو المادة، وليس كمثله شيء.

الله، بحسب منطق المؤمنين بوجوده، إنَّما يُسْتَدَل على وجوده استدلالاً، فـ "البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير".

إنَّ "الثقب الأسود" يُسلِّح المؤمنين بوجود الله بـ "حُجَّة قوية"، فأنتَ، بحسب منطق فرضيته، يمكنكَ وينبغي لكَ أنْ تؤمِن بوجود هذا الجسم الكوني مع أنَّكَ لن تتمكن أبداً من أن تُدْرِكَ وجوده إدراكاً (حسِّياً) مباشِراً. إنَّكَ تَسْتَدِل على وجوده من خلال "تأثيره المحسوس" في "جسم مرئي"، يقع في مدى تأثيره.

وهذا التشابه بين "منطق الاستدلال على وجود الله" و"منطق الاستدلال على وجود الثقب الأسود" يظلُّ جزئياً، وفي منتهى الضآلة. كل ما نراه، موجود؛ لكن ليس كل موجود يمكن، أو يجب، أن نراه (بعيوننا، أو بالعيون الاصطناعية، كالتليسكوب والميكروسكوب).

هل يمكن أن نفترض أنَّ البشر قد "اكتشفوا" وجود الله؟

إنَّ أيَّ إنسان، آتاهُ أم لم يأتِه نبي، يمكن أن يتساءل بما يقوده إلى افتراض وجود الله، أو ما يشبه الله، فثمَّة تساؤلات تُعْجِز إجاباتها عقل صاحبها، فتضطَّره، من ثمَّ، إلى افتراض وجود خالِق للكون؛ لكنَّ الإيمان بوجود الله، وبحسب الروايات الدينية، لم يأتِ من هذه الطريق، فثمَّة بشرٌ، هم الأنبياء والرُّسُل، جاؤوا إلى أقوامهم بما يشبه "الخبر". لقد أخبروهم أنَّ الله موجود، وأنَّه "اتَّصَل" بهم، وأمرهم بأن "يُخْبِروا" أقوامهم بـ "وجوده"، وبـ "وجوب وجوده"، وبـ "وجوب عبادته".

وبحسب الروايات الدينية نفسها، ما كان لهؤلاء "الأنبياء" أن يؤدُّوا "المهمَّة"، وأن ينجحوا في سعيهم، إلاَّ إذا أيَّدهم الله بـ "معجزات"، فـ "صِدْق الخبر" الذي يَحْمِلون لا بدَّ من يُقام عليه الدليل؛ وهذا "الدليل المُفْحِم المُقْنِع" كان على شكل "معجزة ما"، فـ "التصديق" لا يتحقَّق بقول من قبيل "البعرة تدلُّ على البعير، والأثر يدلُّ على المسير".

كان على "النبي" أن يأتي بما يَعْجَز عن الإتيان به البشر حتى يُصدِّق الناس أنَّ هذا الرجل (أي النبي) صادقاً في زعمه.

ثمَّ "رَضَع" اللاحقون الاعتقاد بصحة الرواية الدينية، أي صدَّقوا، بفضل "الرضاعة الفكرية (الدينية)"، كل ما جاء في "الرواية الدينية"، فأصبح دليلهم على وجود الله هو أنَّ نبيهم قد أتى بـ "معجزة"، فآمَن السابقون بنبوَّته، وبوجود الله، الذي أرسل إليهم ذلك النبي.
الله موجود؛ ولا ريب في وجوده؛ لكنَّ وجوده ليس كوجود الشمس، ولا كوجود "الثقب الأسود". إنَّه موجود كوجود "عروس البحر".

"عروس البحر" هي كائن نصفه رأس إنسان، ونصفه الآخر ذيل سمكة. إنَّها كائن لا وجود له في الواقع (الموضوعي) لكنَّ مكوِّناته (رأس إنسان وذيل سمكة) موجودة بالفعل.

بـ "الخيال" خَلَق البشر "عروس البحر"؛ لكنَّهم لم يخلقوها من "العدم"، أي من "لا شيء". لقد خلقوها من "عناصر" موجودة في الواقع (الموضوعي). و"الخيال" مهما قوي واتَّسع ليس في مقدوره أبداً أن يَخْلق أيَّ كائن في غير هذه الطريقة؛ لأنْ لا وجود في رأس الإنسان إلاَّ لـ "صُوَرٍ (ذهنية)"، لها "أصول"، أو "عناصر"، في الواقع (الموضوعي).

هذا الكائن، المسمَّى "عروس البحر"، موجود بالفعل؛ لأنَّه "جزء من الوعي (البشري)"؛ وهذا "الوعي" موجود بالفعل. في الواقع (الموضوعي) لا وجود لـ "عروس البحر"؛ لكنَّ "فكرتها" موجود بالفعل؛ و"مكان" وجودها هو "الوعي".

أُنْظُر، مثلاً، إلى شجرة التفاح في حديقتك. أنتَ الآن تراها بعينيكَ. أغْمِض عينيكَ، فهل تستطيع أن تراها؟

كلاَّ، لن تستطيع رؤية شجرة التفاح ذاتها؛ لكنَّك تستطيع أن "ترى" صورتها في ذهنكَ، أو وعيكَ.

"فكرة" شجرة التفاح، أو صورتها الذهنية، موجودة بالفعل في وعيكَ الموجود بالفعل؛ لكن وجودها لا يعني أنَّ شجرة التفاح ذاتها موجودة في وعيكَ (في عقلكَ ورأسكَ). ووجود صورة الشيء في الوعي لا يؤثِّر على الإطلاق في "الشيء ذاته"، فإذا أنتَ أحْدَثْتَ تغييراً ما في صورة شجرة التفاح فلن تتأثَّر شجرة التفاح ذاتها بهذا التغيير؛ أمَّا لو تغيَّرت شجرة التفاح ذاتها فلا بدَّ عندئذٍ من أن تتغيَّر صورتها في وعيكَ؛ فصورتها ما كان لها أن تَظْهَر في وعيكَ لو لم تكن شجرة التفاح ذاتها موجودة "في خارج وعيكَ"، و"في استقلال تام عنه".

لقد رأيتَ شجرة التفاح، ورأيتَ، أيضاً، وعلى سبيل المثال، نجوماً في السماء الليلية. إنَّكَ، الآن، ومن خلال قوَّة الخيال التي تملك، تستطيع أن تَخْلق "شجرة تتدلى من أغصانها نجوم". تستطيع، مثلاً، أن ترسم هذه الشجرة (الخرافية).

افْتَرِض أنَّكَ قد خلقتها؛ ثمَّ أخبرتَ أُناساً أنَّ "شجرة تتدلَّى منها نجوم" هي شيء (أو كائن) موجود. هؤلاء الناس قد يختلفون في أمرها، فبعضهم يؤمن بوجودها، وبعضهم ينكره.

وكلا الطرفين نراه الآن يتحدَّى الآخر أن يأتي بالدليل والبرهان، فـ "المُنْكِر" يتحدَّى "المؤمن" أن يأتي بدليل (مُفْحِم مُقْنِع) على وجود تلك الشجرة؛ و"المؤمن" يتحدَّى "المُنْكِر" أن يأتي بدليل على "عدم وجودها"!

إنَّ السؤال الذي يستحق أن نبذل الجهد الذهني في إجابته ليس سؤال "هل الله موجود؟"؛ وإنَّما سؤال "كيف وُجِدَت فكرة الله في عقول البشر؟".

السؤال بـ "هل" ينتهي "إجابةً" بـ "نَعَم"، أو "لا"؛ لكنَّ هذه الإجابة أو تلك لا تَشُقُّ طريقاً إلى "العِلْم" إلاَّ بتحويلها إلى سؤال آخر، يبدأ بـ "لماذا"، أي بـ "تعليل" الإجابة، أكانت بـ "نَعَم" أم بـ "لا".

هل الله موجود؟

الإجابة إمَّا أنْ تكون "نَعَم" وإمَّا أنْ تكون "لا".

إذا أجَبْتَ بـ "نَعَم" فإنَّ عليكَ أنْ تُعلِّل إجابتك، قائلاً: الله موجود للأسباب الآتية..

وإذا أجَبْتَ بـ "لا" فإنَّ عليك، أيضاً، أنْ تُعلِّل إجابتك، قائلاً: الله غير موجود للأسباب الآتية..

والمجيب بـ "نَعَم" يُوْصَف، دينياً، بأنَّه "مُؤْمِن (بوجود الله)"، أَعَلَّل إجابته هذه أم لم يُعلِّلها؛ والمجيب بـ "لا" يُوْصَف، دينياً، بأنَّه "كافر (بوجود الله)"، أو "مُلْحِد"، أَعَلَّل إجابته هذه أم لم يُعلِّلها.

القائل بـ "وجود الله"، والقائل بـ "عدم وجود"، ينبغي لهما أنْ يتَّفِقا على أنَّ هذا الكائن المسمَّى "الله" ليس بـ "مادة"، لجهة "ماهيته"، ولجهة "خواصِّه (وسماته وصفاته)"؛ وهذا إنَّما يعني، ويجب أنْ يعني، أنَّ الله هو كائن لا يُدْرَك حسِّيَّاً، فليس من حاسَّة من حواسِّ الإنسان الخمس تَصْلُح طريقاً إلى إدراك وجود الله.

الأدلَّة على وجود الله، أو على عدم وجوده، تختلف تماماً عن الأدلة على وجود شيء ما، أو على عدم وجوده.

هل الشمس موجودة؟

الإجابة إمَّا "نَعَم" وإمَّا "لا".

إذا أجَبْتَ بـ "نَعَم" فكيف لكَ أنْ تُعَلِّل هذه الإجابة؟

إنَّكَ ستجيب قائلاً: الشمس موجودة؛ لأنَّني أراها..

إنَّ إدراك وجود الشيء حسِّيَّاً هو الدليل على وجوده؛ وإنَّ عدم إدراك وجود الشيء حسِّيَّاً هو، من ثمَّ، الدليل على عدم وجوده.

وهذا لا يتناقَض مع قولك بوجود "الإلكترون"؛ مع أنَّكَ لا تراه (ولا يُمْكِنكَ أنْ تراه) بالعين المجرَّدة؛ كما لا يتناقَض مع قولك بوجود "الثقب الأسود" Black Hole مع أنَّكَ (بحسب فرضيته) لا تراه (ولا يُمْكِنكَ أنْ تراه) لا بالعين المجرَّدة، ولا بالعين الاصطناعية، كالتلسكوب؛ لأنْ لا ضوء (ولا شيء) يُمْكِنه الإفلات من "قبضة جاذبيته".

إلى "المادة"، وجوداً، وماهيةً، وخواصَّاً، ومفهوماً، ينتمي "الإلكترون" و"الثقب الأسود"؛ وبما ينتمي إلى "المادة"، وجوداً، نتعرَّف (ونستدل على) وجود "الثقب الأسود" مثلاً.

وبعد سؤاليِّ "هل الله موجود؟"، و"هل الشمس موجودة؟"، نسأل "هل عروس البحر موجودة؟".

بالعِلْم، أجيب (أو تجيب) قائلاً: كلاَّ، إنَّها ليست موجودة؛ فهذا "الكائن"، أي "عروس البحر"، لم يُوْجَد قط، ولن يُوْجَد أبداً.

لكنَّ هذه الإجابة لم تَكْتَمِل بَعْد؛ فـ "عروس البحر" هي "فكرة" موجودة في "الذٍّهن (ذهن البشر)"؛ أمَّا "العناصر" و"المكوِّنات" فموجودة (وينبغي لها أنْ تكون موجودة) في "الواقع (الموضوعي)"؛ لأنَّ "السمكة" موجودة في "الواقع"؛ ولأنَّ "الإنسان" موجود هو أيضاً في "الواقع"؛ و"عروس البحر" إنَّما هي كائن خرافي، نصفه "رأس إنسان"، ونصفه "ذيل سمكة"؛ وليس من "كائنٍ خرافي" إلاَّ وينتمي إلى "الواقع (الموضوعي)" في "عناصره" و"مكوِّناته". إنَّ "خرافية" الكائن (الخرافي) ليست في "عناصره" و"مكوِّناته"؛ وإنَّما في "تركيبها".

الله موجود؛ ولا ريب في وجوده؛ لكنَّه موجود على هيئة "فكرة"، موجودة فحسب في "رأس الإنسان"، أي في "ذهنه"؛ وإنَّ السؤال الذي يتحدَّانا أنْ نجيب، ونُحْسِن الإجابة عنه، ليس "هل الله موجود؟"؛ وإنَّما "كيف وُجِدت (كيف نشأت وتطوَّرت) فكرة وجود الله في رأس الإنسان؟".

واثنان من الناس ليسا بمؤهَّلَيْن لإجابة هذا السؤال: "المُؤْمِن (بوجود الله)" و"المُلْحِد" الذي يَعْرِفه مجتمعنا.

"المُؤْمِن" يقول "أنا مُؤْمِنٌ بوجود الله، أخشى عقابه، وأطمع بثوابه"؛ وهذا "المُلْحِد" يقول "أنا غير مُؤْمِنٍ بوجود الله، فلا أخشى عقابه، ولا أطمع بثوابه"؛ أمَّا "ثالثهما" فيقول "أنا مُؤْمِنٌ بوجود فكرة الله في ذهن الإنسان؛ ويعنيني، في المقام الأوَّل، أنْ أعْرِف كيف وُجِدَت (وتطوَّرت) في رأس الإنسان".

"الغول"، على ما نَعْلَم، هو "كائنٌ خرافي"؛ فما هو الفَرْق بين "المُؤْمِن" و"المُلْحِد"، في مثال "الغول"؟

"المُؤْمِن" يقول ويُؤْمِن بوجود الغول، ويخشاه ويخافه، من ثمَّ؛ أمَّا "المُلْحِد" فيقول "أنا أُنْكِر وجود الغول؛ وإنَّني، من ثمَّ، لا أخشاه ولا أخافه".

"الدِّين" هو الإيمان بوجود الله؛ و"الإلحاد" هو الإيمان بعدم وجوده؛ أمَّا "العِلْم"، في هذا الصَّدَد، فهو البحث في الأسباب الواقعية والتاريخية التي خَلَقَت وطوَّرت "فكرة الله" في أذهان البشر.

فكرة "الله"، خالِق الكون، وخالِق كل شيء، لا تأتي (إلى عقول البشر) من حُسْن التعليل والتفسير (للكون وظواهره) وإنَّما من العجز (النسبي والمؤقَّت) عن التعليل والتفسير.

حُسْن التعليل والتفسير يأتي بـ "العِلْم"؛ أمَّا العجز عنهما فيأتي بـ "فكرة" الله، وأشباهها ومشتقَّاتها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,812,625
- فساد ميتافيزيقي يعتري -الرياضيات الكونية-!
- مصر تَطْلُب مزيداً من الثورة!
- -ثورة- إبليس!
- كان ينبغي ل -الزيدي- أنْ يَخْرُج في استقباله!
- ردٌّ على أسئلة وتساؤلات
- لماذا نحتاج إلى تخطِّي التناقض بين نيوتن وآينشتاين؟
- ردود على ردود
- معالي الوزير.. سعادة النائب!
- في القرآن.. لا وجود لفكرة -الخلق من العدم-!
- هذه هي خُطَّة بشار للبقاء!
- هذا المسخ والتشويه ل -مادية- المادة!
- هذا التشويه لحقيقة الثورات العربية!
- الفصل بين -الرأسمال- و-الصحافة-!
- -الاقتصاد السياسي الإسلامي-.. حديث خرافة!
- -حزب الله-.. هل اختار أنْ يشارِك بشار مصيره؟!
- -حُرِّيَّة الإرادة- بين -الدِّين- و-العِلْم-!
- هكذا تكلَّم الرئيس بشار!
- في الحركة والسكون
- ميثولوجيا عربية تسمَّى -الإصلاح-!
- المشتبهات في حرِّيتنا الإعلامية!


المزيد.....




- وزير الخارجية القطري: لا ندعم الإخوان المسلمين ولا جبهة النص ...
- كاميرا للتعرف على الوجوه عند مداخل المساجد في الصين
- أحكام بالسجن بين 20 و30 عاما بحق المتهمات في قضية السيارة ال ...
- -لا أعلم أين هو-... حفتر يكشف موقفه من ترشح سيف الإسلام القذ ...
- فرنسا.. أحكام مطوّلة ومؤبد لأربع مدانات ومدان بالشروع في تفج ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى بحجة الأعياد اليهودية
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- نيجيريا: إنقاذ 300 شاب تعرضوا للتعذيب في مدرسة إسلامية
- نيجيريا.. إنقاذ مئات الطلاب من مدرسة إسلامية تحولت لسجن تعذي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جواد البشيتي - -المؤمن- و-الملحد-.. و-ثالثهما-!