أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود عباس - وما أدراك ما الدستور















المزيد.....

وما أدراك ما الدستور


محمود عباس
الحوار المتمدن-العدد: 3398 - 2011 / 6 / 16 - 08:24
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ظهرت إلى الساحة الإعلامية مسودة دستور لسوريا القادمة، تحت يافطة " الدستور الليبرالي " السوري، مؤرخ في 1/6/2011 . وعلى الأغلب أنبثق من خلفية التجمع الليبرالي الذي حمدها الكثيرون من الكتاب وأعقب عليها الكاتب "عباس عباس " بمقالة تأييد ودعم، وكنت واحد من الذين حبذوا الفكرة، وهو تجمع يحمل عنوان عميق المدارك. إلا أن الدستور الذي كانت من أوائل ثمارهم على الساحة النضالية، يعتبر تشويها لحقيقة الفكر الليبرالي، ولا يخفى، إذا كانت هذه هي الإنطلاقة فعلى التجمع السلام من حينه.
اخوض غمار هذا التحليل المختصر، ليس للتهجم أو لتهديم المحاولات التي يبديها هذا التجمع الليبرالي ونشاطاتهم، بل لأبين حقيقة مهمة، علينا جميعاً أن لا نهملها، وهي أن هذه الثورات بداية لتغيير كلي الأطراف لمفاهيم الماضي، وللثقافة التي جزأت المجتمع، والتي خلقت الطغاة وانصاف الألهة، وزادت من تراكمات الطغيان الديني، التي أدت بدورها إلى جمود في المفاهيم وتضيق في المدارك، وإعاقة مسيرة التقدم والحضارة الإنسانية في مناطقنا.
وما أراه من مواد تخللت في ثنايا هذه المسودة توضح بأننا لا نزال لا نواكب الثورة، التي تنادي بإسقاط " النظام " وليس فقط الطغاة والحكومات، النظام كلمة جامعة شاملة تدخل في معظم مجالات الحياة الإقتصادية والثقافية والإجتماعية والسياسية وغيرها، وهذه لن تكون بين ليلة وضحاها، المسيرة طويلة وشاقة، ولتكن البداية نظيفة وخالية من الشوائب، لهذا تقدمت بهذا النقد والتحليل للمسودة المطروحة.
وذلك لأننا نرى بأنه هناك مستقبل رمادي يواجه الوطن، تحت أفق مبادئ وأفكار متزمتة تنشر هنا وهناك، والمفاهيم التي تبنى عليها، مليئه بغيوم رمادية داكنة، جاهزة لصراع من نوع آخر، أكثر شراسة، إنه الصراع الفكري والعقائدي الديني والقومي، وهناك من يستعملون قوى نوعية متشبثة بجلباب رهبان متزمتين بالعقيدة الدينية، محاولين بشكل أو آخر الإبقاء على النزعة القومية العنصرية والملغية للآخر، يبدلون منهج البعث وإيديولوجيتة القومية الشوفينية، بالشريعة الإسلامية المطلقة التكوين.
تراءت لدي هذه الومضات الفكرية، وأنطلقت لتسكن في العقل الباطن، عندما أطلعت على هذه المسودة التي سلقت بعض مواده من ما وراء خلفية دينية متزمتة تابعة للإسلام السياسي والذي يدعي الليبرالية جدلاً، مع إضافة شطحات فكرية تعيدنا إلى أعماق الماضي السحيق، المشبع بالجهالة والتخلف والتعصب الديني بكل متاهاته، نظرة سريعة إلى المادتين الأولى والثالثة يخلق هالة من الرهبة من أفكار الذين نسخوها وبعقلية أقصاء الآخر "ثانية " لكن مغلفة بلباقة، لم تتمكن أخفاء ما يكمن فيما وراء الغايات.
القوى العدمية والإقصائية من داخل السلطة الشمولية تنفخ في الأبواق الوطنية والعالمية على أن الذين يصارعونهم هم مجموعات سلفية، لتخويف الداخل الوطني والخارج الراسمالي الصهيوني.
أما القوى المعارضة، بدءاً من قوى التغيير وإنتهاءاً بقوى التفاوض، ينفون الإتهامات، وأصبحت تتوضح هذه الأكاذيب الإعلامية. لكننا عندما نقف على مدارك المواد الأولية الدارجة على صفحات هذا الدستور الذي سمي جدلاً ب " الدستور الليبرالي " وللأسف، يتأكد لنا وكأننا نخدع أنفسنا بدون تصديق أقوال السلطة الشمولية!! أو ربما هناك من يود أن يكذبنا ويثبت دعاية هذه المقولة العدمية من أصله. هل هناك من يود مستقبلاً أن يحكم هذا الوطن بمطلقه الديني، ويسخر دستوراً لهيمنته بدون منازع ودون إنتباه من التجمع الشباب الليبرالي؟.
دستور طبخ في مطابخ الإسلام السياسي الليبرالي، وليس في طناجر الليبرالي المدني أو العلماني كما يدعون، علينا بمواده الأولى لنثبت القول:
زرعوا في مقدمة مواد الدستور بذرة الشقاق والصراع القومي والديني معاً، والذي سوف لن يكون أقل تأثيراً من المادتين الأولى والثامنة في دستور السلطة الحالية. هناك، العروبة، والبعث وإيديولوجيتهما المصدران الأساسيان للمجتمع والوطن إندمجا في خاصية الإله الأوحد في تسيير أمور هذه الأمة.
وهنا ومن خلال المادة " الأولى " " الجزء الثاني والثالث والرابع " حلقات متناقضة ومتناسقة مع الجزء الأول، بالإضافة إلى أنها تحمل خفايا التعصب العرقي للقومية العربية، بالمقارنة مع الجزء الأول الرئيسي حيث يؤكدون على أن سوريا دولة تعددية، فعليه يجب أن تكون للقوميات الأخرى نفس الأبعاد والمزايا مثلما هي للقومية العربية، وبناء على الجزء الثاني حيث التأكيد على أن العرب السوريين أمتداد للأمة العربية والذي لا نقاش أو أعتراض عليه، لكن أعتماداً على الجزء الأول وعلى عملية تحقيق المساواة كان يجب أن يلحق بها مادة مشابهة تثبت على أن الكرد في سوريا جزء من الأمة الكردية على أمتداد كردستان، علماً بأن التذكير في الحالتين أعتبرها إشهاراً للتعصب القومي والنهج العنصري تجاه القوميات الأخرى، وفي الواقع الفعلي للمدارك الغائية لهذه الثورات نرى التناقض الواضح بين أجزاء المادة الأولى، حيث الجزء الأول كامل وشامل، وبظهور الأجزاء الأخرى، ربما غير مقصودة، ثبوتية للتعصب القومي وإلغاء الآخر. نلاحظ بأنهم فتتوا المادة الأولى من الدستور الجاري تحت يدي السلطة الشمولية بطريقة ساذجة ونثروها إلى عدة أجزاء، وبتدقيق بسيط وتجميع لتلك الأجزاء سوف نحصل على المادة الأولى نفسها، الجمهورية " العربية " السورية.
من الغريب عدم الإنتباه إلى التناقض الواضح ما بين الجزء الأول من المادة " الثالثة " والجزء الثاني، لا يمكن أن يكون هناك دولة مدنية يكون الفقه الديني أياً كان، مصدر رئيسي للتشريع، وفي الحقيقة لا تحتاج الدولة المدنية إلى الجزء الثاني والثالث كلياً، ولا يمكن بأي شكل أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع القانوني " المدني كما يجب ". وهو مخالف لكل ليبرالية مدنية، بل وهي في حقيقة مصدره ألغاء لها وبدون حدود، إنه الصراع بعمقه بين المدنية الليبرالية، والتزمت الديني المتمثل بالإسلام السياسي، حيث ألغاء الآخر حتى وان مرقت بالجزء الثالث التجميلي اللاحق، لكن تجميعهم يخلق التناقض بكل أبعاده، ويبرز دكتاتورية الرهبنة الإسلامية، والتي تلغي الديمقراطية المدنية والحرية بمفاهيمها الإنسانية الحضارية. ولا تخفى بأنهم ومن خلال هذه المادة يضعونها في مقبرة العدم، ولا نود أن نغور في متاهات هذه المادة من الدستور، ما ورائها ومقاصدها واعتماداتها المستقبلية على الفتاوى المقززة والمتدنية، وأصحاب الغايات باحكامهم الإلهية والتي لا تقبل التأويل أو التعديل لأنه سيعتبر مصدر إلهي مقدس يحرم اللمس، وما بالك بالتغيير. وغيرها من الرموز التي ستدخل المجتمع والدولة المدنية القادمة في أعماق دوامة من الصراع بين العلمانية والدين، كل هذا من المؤكد ستبرز أعتماداً على الجزئين الثاني والثالث في المادة الثالثة. اليست مادة واحدة هي التي يعتمد عليها البعث في الطغيان وألغاء الآخر جملة وتفصيلا، وهي المادة الثامنة.
كما ولا يخفى بانه اعتماداً على هذه المادة وحدها سيقزم دور المرأة في المجتمع، مبنية على تفسيرات مشوهة لأيات قرآنية وأحاديث غير صحيحة من قبل أصحاب التجسيم الإلهي، مثلما تدعي الأغلبية من مفكري الإسلام السياسي، الدولة المدنية تتعارض والتدخل الديني.
ولدت هاتين المادتين بشكلهما الحالي في هذا الدستور ميتتان.
إضافة إلى ذلك هناك تناقضات واضحة في العديد من المواد اللاحقة، يجب الإنتباه لها وتصحيحها قدر الإمكان، كالتناقض الصارخ ما بين المادة " 59 " والمادة 107 – 1 ، والمادة 83 التي يفرض أن يكون رئيس الجمهورية عضواً في مجلس النواب ؟ أما الغريب! فهي المادة " 39 " مادة حق الإجتماع والتظاهر، هل يمكن لهكذا تجمع أن يأتي ويضع مثل هذه المادة وبهذا الأفق الضيق؟! وماذا عن المواد " 71- 150- 151 " وبأختصار يحتاج الدستور إلى مراجعة دقيقة، والتشاور مع أطراف متنوعة من المجتمع، وبالتأكيد الشريحة الشبابية الثائرة هناك في ساحات المدن السورية، ولا يمكن أن تكون هذه الوثيقة تعبيراً أولياً لوجه " شباب التجمع الدستوري الليبرالي السوري" .
علينا أن نعي بأن " الثقافة " التي نشرها البعث وزرعتها السلطة الشمولية العدمية بالقوة، منتهجين مبدأ الإستئصال بالعمليات الإجرامية وعلى مدى عقود والتي أدت إلى تدمير المجتمع السوري من أعماقه وخلقت بؤر من الفساد، يحتاج إلى أجيال للتخلص منه وذلك بخلق شروط نوعية مغايرة للماضي، تنبثق من ثقافة مدنية إنسانية حضارية. لكن أن غذت بإيديولوجية دينية وتعصب قومي، ملفقة بالليبرالية، فإنها ستؤدي إلى الإتيان على إزالة المتبقي من الأمل في بناء مجتمع حضاري إنساني، وعندها على الأمة السلام.
يجب التهيوء منذ اللحظة إلى الثورة القادمة الأفظع مأساة والأشرس تدميراً. لا محيض على التأكيد على عزل الدين عن الدولة، والبداية ستكون من أعماق الدستور، وما سيتفرع عنه.
نحن في عصر ما وراء المطلق الإلهي، بدأنا نخوض عصر فيزياء الكم وعلينا أن نتقبل أبعاده، الذي ربما تجاوز ستة أبعاد، لكن هناك من يضع الدستور على مقاييس سوية الأبعاد الثلاثة بالمطلق، والتي ترسخ القومية بعنصريتها، والدين بجموده المطلق.
د . محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,267,034
- علينا بمؤتمر كردي - سوري -
- أوباما يبحث عن المعارضة السورية
- جدلية بين الإيمان والإيمان
- مع من وعلى ماذا ستحاور السلطة السورية؟
- ماهرالأسد للحجاج تقمصاً
- فرض اللاإنتماءات على الكرد
- ماهية الوطن و- الأنا - المقدسة لدى الأسد
- هل سيلغي بشار البعث من الدستور، حفاظاً على السلطة؟
- مقدمات ترحيل بشار
- الصراع ضمن الثورات
- للشنكال عهد مع الأزل


المزيد.....




- مبادرة جديدة.. عودة مرسي مؤقتا ومراجعة فكر الإخوان
- سلفيون ينسحبون من مواقع في تعز.. وانفصاليون يهاجمون حفلا في ...
- بالصور: استعدادات العيد في دول عربية وإسلامية
- 5 سنوات سجن لزعيم حركة "عرفان" بتهمة إهانة المقدسا ...
- 5 سنوات سجن لزعيم حركة "عرفان" بتهمة إهانة المقدسا ...
- الصين ترفض تحكم قوى خارجية في شؤون البلاد الدينية
- هيئة سويدية تنصف فتاة مسلمة رفضت المصافحة
- بريس أجينسي: القضاء على الإرهاب بمنطقة الساحل و الصحراء رهين ...
- مصدر : إيران أبلغت القيادات الشيعية بوجود -فيتو- على ولاية ا ...
- «أوقاف القدس»: صلاة الفجر ستؤدى داخل المسجد الأقصى


المزيد.....

- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري
- الإعجاز العلمي تحت المجهر / حمزة رستناوي
- العلاقة العضوية بين الرأسمالية والأصولية الدينية / طلعت رضوان
- أضاحي منطق الجوهر / حمزة رستناوي
- تهافت الاعجاز العددي في القرآن الكريم / حمزة رستناوي
- إشكالية التخلف في المجتمع العربي(2من4) / سعيد مضيه
- عصر علماني – تشارلز تايلر / نوفل الحاج لطيف
- كتاب ( البرزخ ) : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود عباس - وما أدراك ما الدستور