أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رائف امير اسماعيل - المشهد الكيميائي لقصة الحياة على الأرض















المزيد.....

المشهد الكيميائي لقصة الحياة على الأرض


رائف امير اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 3396 - 2011 / 6 / 14 - 15:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتشابه المذهبان المثالي والمادي في البحث عن الوجود واصله ، ويتعاكسان في اتجاه مسيرة الفهم . فالمذهب المثالي يتجه من المجهول لفهم المعلوم والآخر يتجه من المعلوم لفهم المجهول . والحقيقة أن المذهب المثالي( يسرق) أفكارا من الواقع الحاضر وينسبها إلى الغيب وإبعاد غير منظورة ويعتبرها مطلقة ومفروضة ( الإيمان )على الغير ، بينما يعترف المذهب المادي إن أفكاره من الواقع ولها درجات من الاعتقاد وهي قابلة للنقض أو الإبدال أو التطوير .
كلما تقدم العلم انحسر المذهب المثالي وتقدم المادي ، ومن خلال دراسة قام بها علماء في جامعة شيكاغو أبرزهم العالم بروس لاين على أشكال جماجم (البشر) على مدى 37 ألف سنة مضت تبين إن حجم دماغ الإنسان في ازدياد مستمر وان تحولا جينيا كان قد حدث في جسم الإنسان قبل5800 سنة وهو تكون جينين جديدين أضيفا إلى جيناته قفزا به إلى عتبة جديدة من سلم التطور ومكناه من ابتداع الحضارة بمكوناتها المعروفة وأهمها الفكر وتوصلت هذه الدراسة أيضا إن احد الجينين الجديدين مازال غير متكون في 30% من البشر . وهذا يجعلنا نعتقد إن أتباع المذهب المثالي هم من هؤلاء ، أو هم من البشر القديم . والبشر هي تسمية تطلق غلى آخر (فصيل ) استحدث من الإنسان القديم . اي إنهم بشر قديم من إنسان حديث هو الهومو سابنس . وبذلك فان أدمغة هؤلاء وكفاءتها سترجح دائما المذهب المثالي في الأجواء الحرة لجدل المذهبين . ناهيك عن تقبلهم المذهب المادي في حالات طغيان المذهب المادي سياسيا أو اجتماعيا . والاهم من كل هذا إنهم سوف يبقون يعتاشون على إبداع فكر غيرهم ونتاجاتهم المادية . بل إن البعض منهم والأدنى في التطور سيستمرون في وضع العصا في عجلة التطور العملاقة .
كتاب نشأت الحياة على كوكب الأرض لمؤلفه العالم ويليام داي ( ومترجمه إلى العربية يعقوب يوسف أبونا ومراجعة د. ريمون شكري ) في صفحاته ال560 هو نسخة جديدة من فلم قصة الحياة على كوكب الأرض ، هذه القصة التي عبرت عنها الكثير من السيناريوهات بدءا من ملاحم وروايات الحضارات القديمة ومرورا بتثبت البحث العلمي وظهور النظرية الطبيعية والفلم الرائع لأصل الأنواع ومخرجه تشارلز دارون .
النظرية الطبيعية عادت هنا في هذا الكتاب متسلحة بالكيمياء ، بالعلم الذي تشهد له الكثير من النتاجات المادية التي ابتدعها الإنسان على الأرض ، ابرزها مساهمته في الطب والقنبلة الذرية وغزو الفضاء . نعم هذا الكتاب هو نسخة فلم جديدة لهذه القصة لكنها ملونه وبسيناريو جديد وتقنية عالية وبملايين الممثلين ومخرج هوليودي ونهاية مفتوحة لتكملة قصص أخرى. هذا الكتاب هو لكمة أخرجت المذهب المثالي من حلبة الصراع في هذا الموضوع . وليتدارس بعدها أتباع المذهب المادي بهدوء خرائط العلم ليقرروا واحدة من نتيجتين ، هل هناك تخطيط مسبق للقصة( الكيميائية) أم إنها ليست سوى مسارات حتمية كيميائية غير مقصودة لأننا نستطيع أن نوجز الكتاب من بدايته إلى نهايته بسلسلة طويلة جدا من التفاعلات الكيميائية التي تبدأ بالبساطة ثم سرعان ما تتعقد وتتفرع ويمكننا بعدها أن نؤشر على مقاطع منها فنقول هذا هو المخلوق الفلاني وذاك آخر وهكذا ، وطبعا يمكننا أيضا إضافة المعاني المصاحبة لها.
يبدأ العالم داي بتبني نظرية جديدة تعتبر إن اصل كوكب الأرض هو تراكم وتجمع لدوامات الغازات والأتربة والأحجار التي نتجت جزءا من انفجار إحدى النجوم ( المنتهية) البعيدة وسقطت في مجال جاذبية الشمس ، هذه هي الخلفية المكانية والزمانية للسيناريو ثم يقترب المشهد بأرض ليس لها غلاف جوي وقمر لا يبعد عنها سوى 11 ألف ميل ( يكاد يمسها) ويكمل دورته حولها بست ساعات ونصف وشمسا تلفحها بأشعتها الفوق بنفسجية ويتكرر رؤيتها في الأفق كل خمس ساعات ( مدة دوران الأرض حول نفسها) ، ثم تبدأ الأحداث بسخونة الأرض الصلبة بالنشاط الإشعاعي لعناصر البوتاسيوم والثوريوم واليورانيوم في باطنها وانحباس الحرارة وتعاظمها إلى الحد الذي تنصهر الصخور فتتغير الكثافات فتطفو الكتل ذوات الكثافات المنخفضة إلى الخارج مكونة وجه جديد للأرض وتسقط في الداخل المنصهرات ( الحديد والنيكل ) لتكون باطن الأرض( أي أن الأرض ليست بالأصل منفصلة من الشمس وسخونتها الداخلية ليست منها)( الفصل الأول) . كان ذلك قبل خمسة مليارات سنة . استمرت الغازات المنحبسة في الداخل والناتجة من التفكك والتفاعل تبحث عن مهرب فشكلت ضغطا متزايدا على الأسطح الرقيقة أو الهشة من القشرة لتندلع البراكين فيتكون تدريجيا الغلاف الغازي وبعد ملايين السنين تحدث لأول مرة ظاهرة المطر وتتكرر لتكون المحيطات . وهكذا تستمر هذه الخلفية الأساسية في القصة ، الجيولوجيا والتي هي كيمياء الكتل الكبيرة في حقيقتها. وكيمياء العناصر والمركبات . بعد حوالي مليار سنة ينبت فرع متحول جديد هو الكيمياء العضوية أو الحيوية(بدون وجود حد فاصل بين عالم الجماد وما أسميناه بالحياة ) ، فيظهر إلى المشهد من بعيد بطل القصة الرئيس وهو عنصر الكاربون الذي يبدو أول الأمر انه عنصر عادي ثم سرعان ما يتعاظم دوره ( يوجد 92عنصر كيميائي في الطبيعة 40 منها فقط تتركب منها الأجسام الحية ) . فيلتف حول نفسه ويسحب معه عناصر أخرى ليكون مركبات جديدة وكثيرة ومتنوعة ومعقدة تفضي بتأثير تلك الظروف إلى تكوين الحوامض الامينية والنووية تم أول تجمع (خلوي)( يتركب 98% منها من عناصر الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين ) بأول أنواع من البكتيريا( البروكاريوت أو الخلايا الامتصاصية للغذاء )( الفصل الرابع ) ( وأتصور إن المؤلف أو المترجم قد اخطأ بالتعبير بان الحياة قد بدأت من خلية واحدة والأصح هو من نوع واحد لان القاعدة الكيميائية التفاعلية التي نتجت عنها تلك الخلية الأولية كانت هائلة إلى الحد التي بإمكانها أن تنتج أكثر من خلية وربما الملايين في وقت متقارب جدا و هذا هو اقرب لفهم التنوع الكبير الذي حصل بعدها ) ، ومن هنا تبدأ شجرة نسب الكاربون وتزاوجاته الهائلة لتكتب على ورقة الدهور والأحقاب الجيولوجية . الدهور تبدأ، بالدهر الأركي 2500 مليون سنة( البروكاريوت) ،البروتيروزوئي 2000مليون سنة( ظهور اليوكاريوت والمقصود بها الخلايا الابتلاعية وهي أما وحيدة الخلية أو متعددة الخلايا وهي اصل المملكة النباتية والحيوانية وقد ظهرت بسبب تكون طبقة الأوكسجين في الغلاف الغازي) ، الدهر الباليزوئي ( ظهور النباتات البرية والحيوانات البرمائية وأقدم الزواحف ) ، الدهر الميسوزوئي ( ظهور الدينوصور والزواحف البحرية الطيارة ) ، الدهر السينوزوئي( نشوء الإنسان ). أما الأحقاب فهي أكثر تفصيلية في بيان زمن نشوء الأنواع التي وجدت في الاحافير وتبدأ بالحقبة الكميرية قبل 570 مليون سنة مضت وتنتهي بالبلوسينية قبل 10 مليون سنة ومنها انطلقت تحولات الانسنة وصولا إلى البشر الحالي قبل حوالي 500 ألف سنة. أما الجينات وهي أساس تحديد أنواع الكائنات وصفاتها. والطفرات التي حدثت لها هي السبب في تنوع واستحداث ملايين الأنواع الموجودة والمنقرضة والتي قسمها علم التصنيف الحديث الى خمسة ممالك فهي ليست سوى مركبات كيميائية هي عبارة عن حامض أل(د ن ا) المتكون من قواعد نتروجينية أربعة وسكر خماسي وجذر الفوسفات( الفصل 16) . وهو قد تعرض إلى تضاعفات أثناء انقسامات التكاثر يضاف إليها طفرات بأشكال أخرى لتعطينا كل هذه الأنواع الحية خلال زمن مقدر افتراضيا ب188 مليون سنة( جدول في ص 275 ) كما انه يبين أهمية الطاقة في تلك التحولات والتي بدأت بتكسير روابط كيميائية لتكون بدلها روابط جديدة ذات مستوى أعلى من التوازن ، والمشكلة هنا إن التوازن المثالي لم يتحقق ففي كل نظام بيولوجي جديد داخل أجسام الكائنات كان هناك دائما مزيد من فائض الطاقة التي لن تستقر إلى بنظام أعلى وبالتالي تكون مخلوقات جديدة وهكذا تستمر المسيرة بالتصاعد إلى إن تصل المسيرة الطاقوية هذه إلى الإنسان الذي زاد عليها بالاستخراج الخارجي لها بحرق مصادرها الطبيعية مثل الفحم والنفط والنظائر المشعة فزادت معدلات الإخلال بالتوازن بالشكل الذي ربما سيعجل من الانقلاب عليه بطفرة وراثية جديدة تحقق توازن أعلى( فصل 14) . إن صيغة النشوء هذه على الأرض ذات النسب الدقيقة للعناصر والموقع بالنسبة إلى مصدر الطاقة ( الشمس هنا) وحجم الأرض وغيرها من العوامل يمكن أن تتكرر في كواكب أخرى إذا توفرت عوامل وظروف متشابهة والدلائل المختبرية لفحوصات النيازك المحملة بابتدائيات التشكل العضوي تنبئ بذلك ( الفصل 27).
إن أهم نتيجة نحصل عليها من هذا الكتاب أن ليس هناك غاية لأن تنتهي تلك القصة بالإنسان فهناك ما ورائه ويتضح ذلك من خلال المنحنى المرسوم في الصفحة 496 والتي تبين تناقص المدد الزمنية للطفرات الوراثية والإتيان بمخلوقات جديدة وهو يقول في تلك الصفحة وما قبلها ( تتوازن شدف من الأحياء وتتوقف عن التطور، لكن التقدم الإجمالي للرتل البيولوجي لا يبلغ التوازن ، بل العكس ، يواصل التسارع مرحلة تلو الأخرى بوتيرة توحي إلى أن فترة تفوق الإنسان ستكون وجيزة . فأننا في الظاهر قد بلغنا نقطة حرجة في التطور البيولوجي . وأما أن تيار التطور لم يعد يصدق ، وأما إن تغيرا جذريا في مسيرة التطور على وشك الوقوع .أيا كان الأمر فأننا في خضم شيء خطير يتمخض ) ومن المهم جدا هنا أن نقتطع بعض من أقواله في الفصل الأخير هذا من الكتاب :- ( نحن نتوهم بأن أفعالنا نابعة منا وأن يدنا هي التي تقبض على زمام الأمور . لكن الكون لا يشاركنا في انحيازنا البيولوجي ، إن الحياة والوعي من خصائص المخلوقات الحية ، وفي التطور الكوني تأتي الأحياء أو البيولوجي بمثابة طور يقع بين التطور الكيميائي والتطور الذي سيليه ) و ( ليس الجنس البشري لوحده هو الذي يصل إلى الفضاء ، إنما الأرض بنطاقها الحيوي هي التي قد بدأت تمد نفسها ونتوءاتها إلى المنظومة الشمسية ) و(تمتلك مختلقاتنا القدرة لتفضي إلى شبكة بحجم المجموعة الشمسية ، كالجنين النامي ، حيث تتمايز الخلايا لأداء وظائف معينة ، بوسع متجهنا التكنولوجي أن ينمو الى المنظومة الشمسية في اتحاد بشري مكائني ، إلى أن في النهاية ربما يتضاءل دور الإنسان ويلتغي ، فيمسي هو في حالة التطور الراكد الآسن كالميكروبة البروكاريوتية في كونها القطيري ، بينما تواصل خلائقه السير إلى أبعاد أعظم ) و( فيما نعيش حياتنا نحن كإفراد وكنوع يبدو إن دورنا في السيرورة الكونية مقدر لنا مسبقا) . إذن ، كل المرحلة الكيميائية العضوية بكل إحيائها هي جزء من تطور كيميائي عام لا يقف عند حد. وهكذا يتم الحسم بأن الحتمية الكيميائية هي من صنع الحياة على هذا الكوكب ، إلا إذا أخذنا بنظر الاعتبار إن كل هذا المشهد هو في حقيقة الأمر ليس سوى سطح أو وجه لباطن فيزيائي له قوانينه وجسيماته دون الذرية و لم تحسم نظريته النهائية بعد والتي حينذاك هي من سيحدد ابتداء من نقطة (اصل الوجود ) فيما إذا كان هناك تخطيط مسبق أم لا. إن نهاية الفلم المفتوحة إذا هي استمرت على نفس منوال التطور المشار إليه تجعلنا نحلم بان ثمة من سيوقظنا في المستقبل من نومنا القلق تحت التراب لنرى التكملة فنرى عندها عالما غير عالم ووجوه غير وجوه وربما ذاتنا نفسها بغير ذات ، ولينام بعدها كل واحد منا بملء جفونه عن شواردها .
8/6/2011





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,772,130
- هل اشعل الاحتباس الحراري محمد بو عزيزي ؟
- اختراق حاجز الجسد
- اختراق حاجز الموت
- هروب الذات - قصة قصيرة


المزيد.....




- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رائف امير اسماعيل - المشهد الكيميائي لقصة الحياة على الأرض