أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - من فلسفة الثورة إلى علم الثورة















المزيد.....

من فلسفة الثورة إلى علم الثورة


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3352 - 2011 / 5 / 1 - 10:36
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


عبّرت البرجوازية الغربية الصاعدة عن نفسها فلسفيا بأكثر من طريقة. لكنه يمكن تبويب هذه التعبيرات في ثلاثة تيارات رئيسية: دين العقل (العقلانية المثالية)، والمادية (العقلانية المادية)، والفلسفة التجريبية. وقد التقت هذه التيارات جميعا وانصهرت جدليا معاً في كارل ماركس، الذي مثل بذلك ذروة مسيرة علمنة الفكر ومشروع التنوير. وقد أجرى ماركس نقداً شاملاً لذروة دين العقل، أي هيغل، وذروة المادية الطبيعية غير الجدلية، أي فويرباخ، وتوصل، على أساس هذا النقد، إلى تصور جديد للإنسان يتسم بأنه مادي جدلي ثوري ويحمل في باطنه علماً جديداً ومشروع تغيير جديداً. وأساس هذا التصور أن الإنسان هو فاعلية اجتماعية إنتاجية ثورية خلاّقة تخلق ذاتها في سياق خلق بيئتها الكونية. بذلك، فإن جوهر الإنسان هو العمل الإنتاجي الخلاق الذي يمارس ضمن شبكة من العلائق الاجتماعية الموضوعية الموروثة بين الأفراد.
ولندقق النظر في هذه المقولة الثورية ومنطوياتها.
إن الإنسان يمارس جوهره، حياته، فاعليته الخلاقة ضمن بناء اجتماعي موضوعي، أي شبكة من العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. ولكن ما العلاقة بالضبط بين هذه الجوهر، هذه الفاعلية، وهذا البناء؟ وبأي معنى يعد هذا البناء موضوعياً؟ هل إنه من شاكلة الطبيعة المادية؟ ولماذا تلجأ الفاعلية الإنسانية إلى تغيير البيئة الطبيعية للإنسان؟
إن أساس ذلك كله بالطبع هو أن الإنسان كائن بيولوجي متميز يمثل طفرة دماغية وجسدية جلية في المملكة الحيوانية. إذ إن دماغة ذو تركيبة متطورة تمكن الإنسان من تحليل انطباعاته الحسية، وبناء المفهومات العامة، وممارسة عملية التجريد من الخبرة الحسية، ومن ثم تصور الممكن استنباطاً من الكائن المباشر في علاقتة بالإنسان، وتحويل هذا الممكن إلى كائن يسد حاجة لديه باستعمال جسده ذي التركيبة المميزة أيضا. إن دماغ الإنسان وجسده إذاً يمكنانه من العمل، أي تحويل الممكن إلى كائن بتجسيد المتصوَّر المعروف واقعاً طبيعيا ماديا. لكن هذه العملية ترتد على الذات الممارسة مغيرة إياها في اتجاهات متنوعة. إن العمل، الذي هو تجسيد مادي للعقل، يغير الإنسان العامل بإطلاق طاقاته الكامنة وبسد حاجاته وتوليد حاجات جديدة لديه. هناك إذاً علاقة جدلية مزدوجة في هذه العملية: علاقة جدلية بين الإنسان وبيئته الطبيعية عبر العمل البشري، وعلاقة جدلية بين العقل البشري وبين الإرادة والجسد عبر العمل أيضا.
إلامَ يشير ذلك فيما يتعلق بطبيعة بيئة الإنسان؟ إنه يشير إلى أن هذه البيئة ليست سوى عمل بشري سابق مخثر مطبوع في الطبيعة، “عمل ميت”، كما نعته ماركس. فالإنسان إذاً يسقط، بعمله، ذاته التاريخية المتنامية على الطبيعة، فتنعكس عنها وترتد إليه مغيرة إياه. هكذا يتطور الإنسان وهكذا يكتسب تاريخيته، أي هكذا يكون كائنا تاريخيا.
بذلك، فإن الإنسان في لحظة تاريخية معينة لا يجد نفسه وحيداً في مجابهة طبيعة خام، وإنما في مجابهة عالم من العمل المخثر السابق المطبوع في الطبيعة. كما إن الأفراد ينشأون ويتطورون وينضجون في هذا العالم، أي يتكونون على أساسه وبه، ومن ثم، فإنه ينطبع في ذواتهم. إنها لعلاقة جدلية محكمة: ذات تخلق عالماً، وعالم يخلق ذاتا. إن عالم الإنسان المباشر هو من خلق الذات البشرية. إنه الذات البشرية مجسدة في الطبيعة. كما إن الذات البشرية هي من خلق هذا العالم. إنها هذا العالم منطويا في الوعي. هذه هي الصورة المعلمنة لجدل هيغل. إنها صورة الجدل المادي، الصيغة المعلمنة للجدل المثالي.
من ذلك يتضح أن عالم الإنسان، بما في ذلك العلائق الاجتماعية بين الأفراد، هو من صنع الإنسان نفسه، وأنه، من ثم، يتشكل من عمل بشري مخثر متراكم تاريخيا. فالجيل الصاعد من البشر يجد نفسه ينمو وينضج ضمن بناء اجتماعي طبيعي بنته الأجيال السابقة بعملها الاجتماعي، فيتفاعل معه اجتماعيا بعمله الاجتماعي، ويكون نتاج هذا التفاعل الاجتماعي تغير في البناء الاجتماعي ذاته والأفراد والجماعات المتفاعلة معه. إذاً، فإن الإنسان هو في جوهره عضوية اجتماعية من العلائق والفاعليات الإنتاجية محاطة بهالة من الطبيعة المؤنسنة ( من إنسان)، أي المصنعة. ومادة هذه العضوية وهذا العالم هي العمل البشري التاريخي المخثر المطبوع في الطبيعة المادية. فالفرد ينشأ ويتكون ويعيش إلى جانب غيره من الأفراد، وبالعلاقة الموضوعية الموروثة معهم ومع العمل المخثر الموروث من الأجيال السابقة. ومن ذلك ينبع قول ماركس في “أطروحات حول فويرباخ” بأن جوهر الإنسان هو مجمل علائقه الاجتماعية.
إن الإنسان كائن بيولوجي، لكنه يتميز عن غيره من الحيوانات في الجوهر الآتي. إن الحيوان يعيش ويمارس حياته بالغريزة. وهو يبحث بالغريزة عن البيئة التي تناسبه، ويسخر مهاراته الغريزية والجسدية الكامنة فيه من أجل الاستفادة مما توفره بيئته من موارد. أما الإنسان، فهو يعيش بالعقل والعمل المنبثق منه. فهو لا يكتفي بالتأقلم مع بيئته أو بالبحث عن البيئة الملائمة، وإنما يسعى أيضا إلى تغيير بيئته وفق مقاصده وأهدافه، أي يؤقلم بيئته وفق ذاته. ذلك أن دماغه المتطور يمكنه من رؤية الممكن في الكائن، بعكس الحيوان الذي لا يرى سوى الكائن المباشر. ولكن، وبرغم تميزه، يظل الإنسان كائنا بيولوجيا محدوداً ذا حاجات بيولوجية نفسية معينة. وعليه، فإن الإنسان يسخر تميزه من أجل إنتاج أساسيات حياته، أي سدّ حاجاته المنبثقة من وجوده البيولوجي النفسي. فهو ينتج غذاءه وملبسه ومسكنه والوسائل الأخرى اللازمة لبقائه وراحته ومتعته. ومعنى ذلك أن جوهر فاعليته هو العمل الإنتاجي الموجه صوب توفير مستلزمات حياته. وبالطبع، فإن هذه المستلزمات تتطور بتطور قدرات الإنسان الكامنه، والعكس بالعكس. فهي تاريخية في جوهرها. وقد لفت ماركس النظر إلى حقيقة أن الحاجة الكبرى لدى الإنسان هي العمل الإنتاجي، أي تفتق قدراته الكامنة، ومن ثم تحقيق الذات، أي خلق الذات لذاتها. فالإنسان يمارس العمل ليس فقط من أجل سدّ رمقه، وإنما من أجل خلق ذاته وإطلاق قدراته الكامنة أيضا (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان).
من ذلك يتضح أن العلائق الاجتماعية الأساسية بين الأفراد، التي تحدد عالم الإنسان (المجتمع) بكل تفصيلاته وجوانبه، هي علائق الإنتاج، أي الكيفية الموضوعية التي يشترك بها الأفراد في تنظيم عملية الإنتاج وتنفيذها. فالفرد، كما أسلفنا، لا ينشأ ولا يتكون منعزلاً عن غيره من الأفراد، وإنما بالعلاقة الموروثة معهم. من ثم، فهو ينخرط في عملية الإنتاج باستعمال أدوات إنتاج موروثة، وضمن أطر اجتماعية موروثة، وعلى أساس بنية معينة من الحاجات الاجتماعية. فالأفراد أذاً يشتركون معاً في العمل الإنتاجي بكيفية موضوعية موروثة تنسجم والقدرات الإنتاجية المتاحة لديهم من معرفة وأدوات إنتاج وأساليب تنظيمية. فهناك علاقة جدلية ضرورية بين هذه الكيفية، أي علائق الإنتاج، وبين هذه القدرات، أي قوى الإنتاج، كما بين ماركس في أكثر من عمل (الآيديولوجيا الألمانية، إسهام صوب نقد الاقتصاد السياسي، مخطوطات 1858، الرأسمال، نظريات فائض القيمة). من ثم، فإن فهم الإنسان يستلزم دراسة علائق الإنتاج بين الأفراد بالنظر إلى القدرات الإنتاجية المتاحة لديهم. فسرّ الإنسان نفساً وثقافة وفكراً وتاريخا يكمن بالضبط في ذلك، في نمط الإنتاج السائد وتناقضاته وإمكانات تطوره. هكذا انتقل ماركس، بفضل منطق تصوره للإنسان، من نقد الدين إلى نقد الفلسفة إلى نقد الاقتصاد السياسي. وهذا ما يفسر انتقال ماركس من نقد هيغل وفويرباخ والهيغليين الشبان إلى نقد أدام سميث وديفد ريكاردو وجون ستيوارت مل وغيرهم من علماء الاقتصاد السياسي البرجوازي. كما إنه يفسّر الطابع الفلسفي لكتاباته المبكرة (حتى الآيديولوجيا الألمانية) والطابع الاقتصادي لكتاباته الأخرى (بؤس الفلسفة، البيان الشيوعي، إسهام صوب نقد الاقتصاد السياسي، مخطوطات 1858، الرأسمال، نظريات فائض القيمة، نقد برنامج غوثا). لقد كان نقد ماركس الفلسفي مفتاحاً لنقده الاقتصادي، أي لتأسيس علم جديد، علم التشكيلات الاجتماعية، علم الثورة الاجتماعية. إن فلسفة الثورة هي المفتاح الدائم لعلم الثورة.
وخلاصة القول إن عالم الإنسان هو نظام حي (عضوية، كل مفتوح على الطبيعة) من بؤر العمل الحي، المحقق والكامن، والعمل المخثر المطبوع في البيئة الطبيعية، تسخر فيه بؤر العمل الحي (المنتجون) العمل المخثر (أدوات الإنتاج) من أجل تحويل البيئة الطبيعية بما يضمن سدّ متطلبات الأفراد والجماعات والفئات المكونة لهذا النظام. وبالطبع، فإن هذا الكل المفتوح على الطبيعة عضوية نابضة تنخرها التناقضات والصراعات الداخلية، وتتطور بفضل تلك. وقد رأى ماركس أن التناقض الرئيسي في هذا الكل المفتوح هو التناقض القائم بين قوى الإنتاج (المعرفة، التقانة، شبكة المهارات الإنتاجية) وبين علائق الإنتاج، أي الكيفية التي يشترك بها الأفراد في عملية الإنتاج. فالفاعليات الإنتاجية تنمو ضمن شبكة معينة من علائق الإنتاج، لكنها سرعان ما تصطدم بحدودها، فتنقلب هذه العلائق من أشكال لنموها إلى قيود عليها. فإذا استمرت قوى الإنتاج في النمو، دخلت حتماً في صراع مع علائق الإنتاج حتى تمزقها وتحولها إلى منظومة علائق إنتاجية أكثر قدرة على احتوائها، وذلك بالثورة الاجتماعية. هذا هو جدل ماركس المادي، الذي أقيم على أنقاض جدل هيغل المثالي وبنقد هيغل وفويرباخ وكلاسيكيي الاقتصاد السياسي البرجوازي.
لكن ماركس لم يكتفِ بتبني فكرة الجدل من هيغل، بعد أن علمنها وحولها إلى أداة نقدية ثورية للواقع المادي، وإنما تبنى أيضاً فكرة الاغتراب الهيغلية، بعد أن علمنها وأخضعها للنقد المادي، فتحول اغتراب الروح الهيغلي لديه إلى اغتراب العمل الإنتاجي في المجتمعات الطبقية، وهو ما سيشكل موضوعنا القادم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,337,828
- نحن وعقيدة التنوير
- المكان بوصفه مادة
- تميز العقلانية المادية
- مشروعنا الفلسفي
- هندسة ريمان
- المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية
- من الفلسفة إلى علم الإنسان
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير
- الشيوعية وفخ الوجودية
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية
- علمنة الوعي
- من الفلسفة إلى نقد الاقتصاد السياسي
- مفهوم النهضة عند الحركات اليسارية العربية
- ماذا يعني لك أن تكون يساريا اليوم؟


المزيد.....




- -القوات- و-الاشتراكي- ينضمان إلى الحراك اللبناني والحكومة عل ...
- لماذا هاجم رئيس البرلمان الجزائري الأسبق -بوليساريو-؟
- السفير السوري بالقاهرة يشكر حزب التجمع على مواقفه الثابتة وا ...
- الحرب من أجل بقاء أردوغان تعني الفقر والموت بالنسبة لنا!
- «الديمقراطية» تدعو السلطة وحكومتها إلى مكاشفة الرأي العام بم ...
- وزيرة الداخلية اللبنانية تدعو المتظاهرين إلى عدم التعرض للأم ...
- عون يدعو لعقد جلسة طارئة للحكومة اللبنانية في ظل تصاعد الاحت ...
- السكرتاريا العامة لاتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني - تستنك ...
- بدعوة من الجبهة الديمقراطية: لقاء حواري لبناني فلسطيني حول ا ...
- متحدث باسم حزب العمال البريطاني: التصويت على اتفاق الخروج سي ...


المزيد.....

- راهنية التروتسكية / إرنست ماندل
- المادية التاريخية هي المقاربة العلمية لدراسة التاريخ / خليل اندراوس
- الشيوعية ليست من خيارات الإنسان بل من قوانين الطبيعة / فؤاد النمري
- دروس أكتوبر [1] (4 نوفمبر 1935) / ليون تروتسكي
- التشكيلة الاجتماعية العراقية وتغيرات بنيتها الطبقية / لطفي حاتم
- ما هي البرجوازية الصغيرة؟ / محمود حسين
- مقدمة كتاب أحزاب الله بقلم الشيخ علي حب الله / محمد علي مقلد
- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - من فلسفة الثورة إلى علم الثورة