أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - جمال البنا - ترشيد النهضة















المزيد.....



ترشيد النهضة


جمال البنا
الحوار المتمدن-العدد: 3284 - 2011 / 2 / 21 - 09:00
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


مقدمة هذه الطبعة
ما إن قامت حركة 23 يوليو حتى وجدت نفسي مندفعًا لإصدار كتاب عنها ، وكانت الفترة إحدى فترات نشاطي الفكري بعد أن أخفقت تجربة حزب العمل الوطني الاجتماعي ، وأمضيت فترة في الاعتقال ما بين هايكستيب والطور وعيون موسى ، ثم خرجت متحفزًا لعمـل جديد ، وهكذا وجدت نفسي عاكفـًا على الكتابة ، و "مندمجًا" في الحدث ، أكتب بنعومة وبساطة وسلاسة  ، ولم أكن في حاجة إلى مراجع ؛ لأني كنت أصُـب ما توصلت إليه من خبرات منـذ أن أصدرت كتـاب "ديمقراطية جديدة" سنة 1946م ، أي منذ ست سنوات من قبل قيام الحركة .
والحقيقة أني كنت أكتب كما لو كان هناك من يملي عليَّ ، وكانت صورة الكتاب وما يحتويه مرسومة في ذهني بالكامل ، وهكذا كنت أكتب بسرعة وسلاسة .
وكانت الفكرة أن يطبع بفضل عدد من الإعلانات زودنا بها بعض المشتغلين بالإعلان ممن تعرفت عليهم خلال عملي كمحرر في مجلة "الدعوة" ، ولم تكن مشكلة أن نقترض مبلغاً زهيدًا لنغطي قيمة الطبع والورق (على ورق جورنال) ونوفيه بعد حصولنا على قيمة الإعلانات بعد ظهور الكتاب ، وكان هناك مطبعة قديمة لنا بها معرفة أخذت أرسل إليها المادة المكتوبة "تباعًا" بحيث تكون لديها مادة قبل أن تفرغ مما لديها ، بمعنى أن أعطيها مادة تكفي ملزمتين أي 32 صفحة ، وقبل أن تتم جمعها أوافيها بجزء آخر .
وهكذا بدأت الكتابة ، وأرسلت للمطبعة ما يغطي خمس ملازم (80 صفحة) ، وكنت آخذ ملزمة بعد طباعتها لأراجعها وأصحح الخطأ المطبعي بفكرة التنبيه إليه في آخر الكتاب ، وكنت كما ذكرت سريعًا في الكتابة ، كما كانت المطبعة سريعة في الطبع حتى خِلت أن الأمور تسير على مايرام .
لم أكن أعلم أن هناك "رقابة" وأن المطبعة ترسل ما تطبعه أولاً بأول إليها ، ولكني عندما وصلت ذات مساء وقبل الملزمة الأخيرة فوجئت بوجود عدد من رجال البوليس و"بوكس" عربة كبيرة ، وسألوني عما إذا كنت أنا الكاتب ؟ فأجبت بالإيجاب ، فأخبروني أنهم بصدد مصادرة ما طبع منه ، وأن عليَّ أن أمتنع تمامًا عن ذلك حتى لا أتعرض لمساءلة تؤدي بي إلى السجن ، وخلال ساعة شاهدت ما تم طبعه من ملازم ، وما لم يتم تطبيقه ولازال "أفرخًا" يؤخذ ويقذف به إلى جوف العربة الكبيرة .
سألت بعد ذلك عن هذه الرقابة فقيل لي إن كبير رؤسائها هو البكباشي أنور السادات فذهبت إليه وقابلته ، فقال لي : "إن كتابك قد قرأه أربعة من الضباط كل على حدة وقرروا جميعًا أنه ليس من المصلحة نشره" .
علمت بعد ذلك أنهم قرءوا الملزمة الأولى التي جاء بها إن الحركة "انقلاب" عسكري وليس ثورة شعبية ، فجُن جنونهم وأمروا بالمصادرة ، وكنت قد وصلت إلى صفحة رقم 80 ؛ لأنهم كانوا مشغولين بما هو أهم من قراءة كتاب لكاتب مجهول .
فكرت في أن أرفع قضية ، ولكن لم يكن معي رسم القضية ، فقد كنت مديناً للمطبعة بأمل السداد بعد طبع الكتاب .
* * *
كان من الأعمال الأولى التي قامت بها الحركة القبض على قتلة الإمام حسن البنا ، وإعادة التحقيق في القضية ، ورأى الوالد أن من الحق علينا أن نذهب لشكرهم ، فجمع أفراد الأسرة وذهبنا أولاً لمحمد نجيب ، وهو الرجل الذي أحبه شـعب مصر للنظرة الأولى رجل بسيط .. صريح .. مريح .. ومهذب .. أمضينا فترة في حديث عام ثم خرجنا وقام الرجل ليوصلنا حتى خرجنا من مكتبه وذهبنا لعبد الناصر ، وكان يسكن شقة في مبنى قيادة الحركة ، رجل مختلف كل الاختلاف طويل ، نحيف ، ينظر إلى ضيفه نظرة ثاقبة ، لا يتحدث قدر ما يسمع ، وعندما عرفه الوالد عليَّ ، نظر لي شذرًا وقال "أنت شيوعي" ؟ ، فتعجبت ونفيت له هذا تمامًا ، وقلت إني مؤلف رسالة "نقد للنظرية الماركسية" ، فسأل "أمال إيه الكلام اللي كتبته"؟ .. تذكرت وقتئذ أني صدرت الباب الأول من الكتاب بكلمة من ماركس عن أن العنف هو القاطرة التي تنقل التغيير ، أو شيء كهذا .
لم يكن عبد الناصر وقتئذٍ هو الرجل الذي عرفه الشعب بعد أن أمضى في السلطة سنوات ، عاشها ، واعتاد طوالها على الفوز والانتصار والمديح والاستسلام ، تغير تمامًا .. وطالت جلستنا معه وتحدث بمرارة عن الإخوان ، وأنه هو وعبد الحكيم عامر أرســلا ملء عربة سكة حديد ذخيرة وسلاح للإخوان .. إلخ .
* * *
هذه هي قصة "ترشيد النهضة" .
وعندما عدت إلى البيت وجدت لحسن الحظ أنني أحتفظ بنسخة من الملازم التي طبعت لأقوم بتصحيح الأخطاء المطبعية لاستدراكها كما أشرت آنفـًا فحفظتها في ظرف وأودعتها "درجًا" ظلت به لخمسين عامًا حتى أذن الله أن نعيد طبعها في عدد ممتاز من المختار .
* * *
واليوم وأنا أقلب فيها أسائل نفسي .. هل لو ترك الكتاب للنشر وليقرأه ضباط 23 يوليو ، أفما كان هناك احتمال أن يجدوا فيه الحل لمشكلتهم !!؟؟
لا أعتقد .. لأنهم ذاقوا طعم السلطة التي تعمي وتصم والتي تجعل صاحبها أسيرها الذي لا يستطيع التحرر منها ، وما كانوا يفكرون في تكوين  حزب يحل مشكلتهم ، لأنهم عمليًا في الحكم وليس هناك منافس ، وهذا هو  أهم ما يشغلهم ، ومن ثم فليس هناك مشكلة .
السادات وحده هو الذي فطن إلى ذلك ، ولكن "بعد إيه!!" ، بعد عشرين سنة من تولي السلطة ، وأصبح تكوين الحزب لا معنى له ، لأنه لن يدخله إلا الأفاقين ، والتجار ، والذين يريدون التكسب من ورائه ، ولأن الانقلاب نفسه وقع في أخطاء أساءت إليه وأفقدته تأييد الجماهير التي صفقت له من كل قلبها خلال الأيام ، أو الشهور الأولى ، قبل أن يقع النظام في أخطاء وقبل أن يتذوق الفاكهة المحرمة "السلطة" ، بل ويوغل فيها .
ومراجعة الكتاب توضح أن أبرز عناصر الأصالة هي في الباب الأول القائم على افتراضات مبدعة ولها أصالتها وأصوليتها خاصة ، وتكييف ما حدث في 23 يوليو وأنه انقلاب وليس ثورة ، وتعريف الثورة تعريفاً سائغاً بعيدًا عن التكلفات أو أقوال الفلاسفة والمنظرين .. إلخ .. أما ما تلا ذلك فلا يخلو من إبداع ولكن شابه نزعة مثالية وحماسية جعلته يتقبل صورًا من العنف ، والثورية لابد وأن يكون لها ردود فعلها ، وفي مقابل هذا ، فإن ما جاء عن رفضي لمبدأ الملكية يبدو أنه كان مقتضبًا بمعنى إني أم أتمه ، ويغلب إني لو واصلت الكتابة لأوضحت أن الملكية الاستهلاكية بمعنى ملكية ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية ، ويمكن أيضًا أن يكون شقة أو بيتاً أو حقلاً صغيرًا يفلحه لا يجوز تحريمها لأنها تعذر وضع ومكانة الفرد دون أن يجعله يستغل ، أما الملكية الانتاجية فيجب أن تكون "وظيفية" وليست ملكية مطلقة توضع الضوابط للحيلولة دون إساءة استغلاله ، كما يمكن بالطبع أن تكون للدولة .
والذي لا ريب فيه أن الكتاب لو تم ونشر واطلع عليه عدد من القائمين بالحركة وأعوانهم فربما استطاع أن يوحي للعسكريين الذين تقلدوا زمام الأمور ــ خاصة في الأيام الأولى للانقلاب وقبل أن تفسدهم السلطة ــ بتغيير كان يجنبهم المزالق التي وقعوا فيها ، ولكن المصادرة العاجلة ــ أو قل الوأد لكتاب قبل أن يتم حال دون ذلك ــ بل حال دون أن يعرف مؤرخو 23 يوليه بهذه الواقعة ، وبالطبع فإن الأستاذ هيكل الذي استحوذ على وثائق العهد الناصري لا يعلم عنها شيئاً ، لأن مصادرة الكتاب كان قبل أن تتكون تلك العلاقة الوثيقة التي ربطته بجمال عبد الناصر ، ومن ثم فإن بعثه من قبره سيعرف شعب مصر ومؤرخي الناصرية بكتاب كان يمكن أن يغير الأمور لو تفهمه قادة الثورة بدلاً من قيامهم بوأده .
لقد فهمت من هذه المصادرة أن الحركة مستبدة ، لا تقبل رأيًا حرًا ، فقررت أن أبتعد عنها وركزت جهدي في الحركة العمالية والنقابية ، وبوجه خاص في الثقافة العمالية ، وقد أثمر ذلك تكوين "الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل" الذي تكوَّن في جنيف ولم تشترك فيه مصر لأن الحركة النقابية كانت تبيعة .. ذليلة .. للسلطة .
وعندما توفى عبد الناصر وجاء السادات بدأتُ العودة إلى المجال الإسلامي الذي كان دخولي إياه أيام عبد الناصر لا يعني سوى دخول المعتقل والتعرض لتعذيب البسيوني وصلاح نصر .
* * *
مع أن "ترشيد النهضة" لم يحقق ما أريد له من تأثير على 23 يوليو في أيامها الأولى لوأده ، فإن تراكم الأخطاء ، وتعقد الموقف تعقدًا لم يعد يجدي فيه الحل ولكن القطع ، مما يؤذن بأننا قد نشاهد من جديد 23 يوليو أخرى ، فهل نأمل أن يكون لترشيد النهضة ، وقد ظهر وطبع وأصبح في متناول الأيدي .. حظ في إلهام النظام الجديد ببعض الأفكار الصائبة حتى يتوقى ما وقعت فيه حركة 23 يوليو ؟!
إننا بأمل حدوث هذا نعيد طبعه ونحتفظ بصورة الغلاف التي أعدها الرسام المبدع كنعان ، كما احتفظنا بالصورة الداخلية للغلاف والإهداء كما كانا في الطبعة الأصلية .
رأينا أن نثبت في هذا العدد أيضًا "حزب العمل الوطني الاجتماعي" الذي أسسناه سنة 1946م ، والذي تحول عند أول اصطدام مع السلطات إلى "جماعة العمل الوطني الاجتماعي" ، لأنهما ــ بالإضافة إلى ترشيد النهضة ــ يمثلان الفكر السياسي الخالص لنا ما بين سنة 1946 و سنة 1952م .
 
القاهرة في
ربيع الأول  1431 هـ
فبرايــــــر   2010 م
 
 
 
 
 
 
[1]

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
صورة الغلاف للكتاب الأصلي

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
صورة الإهداء كما في النسخة الأصلية
 
D
في خلال الأيام الأربعة التاريخية التي بدأت بيوم 23 يوليو سنة 1952م شعر كل مصري صميم بفيض من عاطفة الشكر .. والتقدير .. وعرفان الجميل يملأ نفسه .. نحو هؤلاء الأبطال .. الذين قذفوا بأنفسهم إلى مسرح الخطر وقامروا برؤوسهم ليحققوا ما كان كل فرد من الشعب يتوق إليه ويتمناه .. ولا يستطيع إليه سبيلا .
وبلغت هذه العواطف أوجها في الساعة السادسة من يوم 26 يوليو عندما انطلقت أجهزة الراديو تنقل في كل حارة وشارع صوت محمد نجيب المتهدج وهو يذيع نبـــأ ســـقوط الطاغية .. ومبارحته البلاد .. وزوال الكابوس الثقيل الذي جثم على صدر الأمة نيفاً وعشرة أعوام .
وبالنسبة إلىَّ ــ كما أعتقــد أنه بالنسبة لكل الأحــرار ــ لن تـُنـْسى أبدًا هذه اليد لمحمد نجيب وزملائه الأبطال الأطهار وسيظل عملهم العظيم ــ في تلك الفترة المظلمة المكفهرة من تاريخ البلاد ــ خالــدًا في نفس كل واحد .. يستميل قلوب الأحرار .. ويعطفها نحوهم .
ولكن في العالم أشياء أخرى غير العواطف .. ولا يتحكم في نفوس الرجال الهوى لأشخاص .. والتعصب لأفراد .. وإنما يكافح الرجال في سبيل ما يؤمنون به من مبادئ .. ويخلصون لمن يرونه ممثلا لهذه المبادئ من الناس ويرتبط إخلاصهم به بإخلاصه لها .. وهم قد هتفـوا أول مرة لفـاروق الشـاب .. لأنهم اعتقـدوا فيه الطهارة .. والمثالية .. والشباب ، ثم لعنوه كل يوم ألف مرة عندما تبين لهم فساده وتحوله .. وهتفوا لنجيب ــ وهم الذين لا يعرفونه ــ لأنه في قلوبهم منقذ مصر .. ومحررها .. وهو الآن رجل الساعة وبطل الموقف .. ولكن عمله وحده ــ مادام قد فضل العمل ــ هو الذي سيضمن له هذه البطولة .. وما من لحظة يتحقق فيها المثل العربي "صديقك من صَـدَقك لا من صَدَّقك" ، كما ينطبق في هذه اللحظة على محمد نجيب .. فالصديق الحقيقي له .. هو الذي يعمل كل ما وسعه العمل لكي يبقي عليه البطولة .. والذي يفكر في الطرق العملية والمجدية لذلك .
عن هذه العواطف صدر هذا الكتاب .. إنه أثمن تعبير للإخلاص والتقدير يمكن أن يقدمه باحث إلى قادة هذه الحركة .. وأثمن ما فيه هو ما يبدو استحثاثا للحركة .. ومطالبة بالعمل .. وتعليقاً للرضا النهائي على تنفيذ خطة هائلة .. ذلك لأني أؤمن بأن هذا وحده هو سبيل نهضة الشعب المرشدة .. وأؤمن بأن محمد نجيب ــ عندما دخل التاريخ من الباب الذي طرد منه الملك السابق فاروق ــ إنما ربط قدره ومصيره بقدر الشعب ومصيره .. وقبل أن يكون ممثلا له .. عاملا على خدمته .
* * *
هذه مقدمة لازمة عن الروح التي صدر عنها الكتاب وبقيت إشارة موجزة عن النهج الذي اتبعناه والفلسفة التي ارتضيناها ورسمناها كخطة لترشيد النهضة .
فمن أكثر من عشر سنوات وفكرة العمل في المجتمع تتملك نفسي .. وتحدد حياتي وتجعلني انصرف نحو ما أسميه "الدرس واللمس" أعني الدراسة النظرية والتجربة العملية .. وهما ضرورتان مكملتان بعضها لبعض لكل فرد يهدف للخدمة في المجتمع .. والتصدي للإصلاح .. وكان من أثر ذلك أن ظهرت "جماعة العمل الوطني الاجتماعي" في سنة 1946م كثمرة للدراسة النظرية عنما تزدوج بالواقع المصري ، عندئذ لا تكون النظريات الموضوعية المحددة على طريقة المدرسيين كافية ولا تكون الأوضاع الواقعية ــ ثمرة الأخطاء والجمود ــ مرضية .. ومن أجل هذا لم أتشيع لنظرة معينة مجردة في الإصلاح .. ولم أجد الغاية في حزب أو هيئة .. وكانت جماعة العمل الوطني الاجتماعي هي فيما أعتقد ثمرة ازدواج وتوافق .. وتوجيه يبدأ من الواقع المصري .. ثم يسير مسرعًا نحو الحاضر العصري الذي نحن متخلفون عنه .
وقد قـُضي لسوء الحظ على جماعة العمل الوطني الاجتماعي بالذبول المبكر وكان اعتقالي في محنة الإخوان المسلمين سنة 1948م لمدة عام كافيًا لأن تموت موتاً بطيئاً ، وبعد الإفراج عني لم أشأ إعادة الجماعة لأني لم أجد فائدة من عمل علني وسط البيئة المسممة الحافلة بذيول البوليس السياسي والمحفوفة بقوانين الإرهاب العسكرية ، فضلا عن أنني رأيت أن أتعمق أكثر وأكثر في دراسة العوامل المؤثرة على الوضع المصري .
ولما قام الجيش بهذه الحركة المباركة وأدى عن الأحرار جميعًا القسط الأوفى من غرض كفاحهم ، رأيت أنني قد أستطيع أن أؤدي غرضًا مزدوجًا بكتابة هذا الكتاب الذي أجمع بين دفتيه ثمرة تجاربي في ميدان الإصلاح .. فأؤدى حقاً علىَّ للبلاد ، وفي الوقت نفسه أعبر للجيش ــ بإهدائي له الاقتراحات والحلول الواضحة بهذا الكتاب ــ عن تقديري وإعجابي ، التقدير والإعجاب الذي ينتظر من باحث وكاتب .
* * *
وثمة كلمة أخيرة .. إن بعض الذين يقرأون هذا الكتاب قد يعتقدون أني أروم تنفيذ مذهب سياسي معين كالاشتراكية أو أنني أريـد أن أقلـد روسيا في ثورتها السـوفيتية ، وهـذا وذاك خطأ .. ولقد كنت دائمًا عدوًا للنظريات المجردة ، كما كنت محاربًا لفكرة ربط هذه البــلاد إلى عجلة بلاد أخرى بنظام سياسي أو اقتصادي لما أعتقده من تبعية مهينـة للبـلاد غير مربحة إلا للدولة الأم ، أي أكبر الدول التي تؤمن بالنظام أو تبتدعـه وليست هي مصـر على كل حال .
وكاتب هذه الكلمات مصري أولاً .. وقبل كل اعتبار .. وهو يدخل ميدان الإصلاح حرًا من قيود المذاهب السياسية حتى تفرض عليه مصريته اختيار أصلحها جملة ، ثم تعدل في هذا الأصلح بما يوافق البلاد حتى يغدو صالحًا جملة وتفصيلاً .. وهذا هو ما اتبعناه عندما فضلنا الاشتراكية .. ثم تناولنا الاشتراكية بتعديل تتطلبه البيئة المصرية بحيث أصبحت هذه الاشتراكية اشتراكية مصرية .. متميزة عن أي اشتراكية أخرى .
"وبعد" .. فقد تحسر الشاعر القديم على أنه لا يملك خيلا أو مالا ًيكافئ بها المحسن .. ويرد الجميل .. ولكي لا أتحسر مثله وأنا أقدم هذه الكلمات إلى قادة الحركة كرد لجميلهم إليَّ وإلى الأحرار جميعًا ، فمن المحقق أنهم ليسوا في حاجة إلى مال قدر ماهم في حاجة إلى الكلمات الصريحة .. والنقد الخالص .. والتوجيه السليم .. وقد خلدت كلمات أبي الطيب "فاتكاً" وكانت أثمن مما أنعم به هذا على الشاعر فعسى أن يكون لهذه الكلمات أيضا أثر عملي في حركة الجيش .. ونهضة البلاد .
 
 
 
!_
نحـو الثـورة الشـعبية
 
 
 
 
«العنف هو القابلة لكل هيئــــة اجتماعية
حبلى ستتمخض عن هيئة اجتماعية أخرى»
كارل ماركس
 
 
 
 
 
 
 
 
[1]
تقدير حركة 23 يوليو سنة 1952م
ــــــ
حفلت صحائف التاريخ بأنباء حركات عديدة في كل بلد ، وفي كل عهد ، قصد بها تغيير نظم الحكم عندما عجزت القوانين والأوضاع عن أن تتمشي مع التطور أو تلحظ إرادة الشعوب ، أو يظهر في الميدان فجأة شخصيات قوية طامحة .. وقد كانت الانقلابات هي الوضع الطبيعي لمثل هذه الحركات .. حتى العصر الحديث الذي مكن الشعوب من أن تنال بالتدريج مالم يكن يمكن أن تناله إلا طفرة ، بإسقاط الوزارات إسقاطاً دستوريًا بدلاً من إسقاط العروش والتيجان والأسرات الحاكمة .. وخير مثال على ذلك هي إنجلترا التي لم يحدث فيها انقلاب أو شبهه منذ حركة كرمويل التي دعمت الحقوق الشعبية والدستورية .. على أن معظم بلاد العالم لم يصل فيها التجاوب بين الأوضاع السياسية وبين التطور إلى الدرجة التي تحول دون قيام الحركات العنيفة .. فهي موجودة ولكنها لم تعد الطريقة الوحيدة كما كانت قبلاً ويجب أن نفرق بين مختلف أنواع هذه الحركات ونحن نرى أساسًا أنه يمكن إرجاعها إلى نوعين : انقلاب أو ثورة ..
ونقصد بالانقلاب تلك الحركة التي يقوم بها فرد أو عدة أفراد ويكون هدفها إما الطموح الشخصي كما في حالة انبعاثها عن فرد وإما تغيير الوضع كما في حالة انبعاثها عن أفراد .. ولكنها في الحالين لا تقوم على أساس نظريات محددة .. ولا على أساس جموع شعبية .
وقد أصبح النوع الأول ، ذلك الذي يقوم على الأفراد الطامحين نوعًا عتيقاً لا يكاد يظهر لأن بروز المبادئ والجماهير كان على حسابه وضيق مجال المواهب الذاتية والشخصية أو أدخلها في إطار الدعوات والشعوب .. وأصبح العظماء من نوع قيصر ونابليون لابد أن يمثلوا سياسة معينة يقدمونها إلى الشعوب التي أصبحت لا تقتنع بملكات العظماء ومواهبهم وقدرتهم على الخير والتمييز وحدها .. ومن المشكوك فيه أن توجد أدوار لمثل "محمد علي" ليمثلها ويضع بها بذرة أسرة مالكة ، اللهم إلا إذا كان الأمر بين شعوب متأخرة لا حساب لجماهيرها .. ولا تقدير فيها للمبادئ السياسية .
والنوع الثاني من الحركة الانقلابية يقوم بها عدة أفراد يكونون عادة من الجيش أو النبلاء ويكون الغرض تملك السلطة أيضًا .. ولكن هذا في الغالب لا يكون تحقيقا لطموح شخصي .. وإنما يكون هدفه تحقيق شيء من الإصلاح كطلب دستور أو إجبار الملك على التنازل ، ومن الأمثلة على ذلك حركة كرمويل ومؤامرة قتل قيصر ، وحركة الجيش التركي في عهد السلطان عبد الحميد ، وحركة عرابي في عهد الخديوي توفيق .. وأخيرًا حركة الجيش المصري .. الأخيرة .
هذان هما النوعان اللذان تتضمنها الفصيلة الأولى من الحركات "فصيلة الانقلابات" ، أما الفصيلة الثانية فهي الثورات .. ونحن نقصد بالثورة الحركة التي تقوم على أساس جموع .. أو على أساس نظريات أو هما معًا ، فالثورة الفرنسية والثورة الشيوعية .. والحركات الدينية قامت كلها على أساس عقيدة تمثل فكرة جديدة في الحياة .. والعلاقات الاجتماعية .. والأوضاع الاقتصادية .. وهذه العقيدة تنتظم جموعًا كثيفة من الأفراد .. وإذا بلغت درجة معينة من النضج والتنظيم قامت بالثورة وبغير وجود هذا العنصر ــ قيام الحركة على أساس نظريات محددة تنتظم الجموع ــ لا يمكن اعتبار الحركة ، مهما وصلت من العنف .. ثورة حقيقية .
* * *
فإذا أردنا أن نعرف إلى أي الفصيلتين تنتمي حركة 23 يوليو فعلينا أن نراجع الكيفية التي تمت بها الحركة .. والأسباب التي صدرت عنها .. والمنفذون لها وبالجملة كافة نواحيها .. حتى يكون حكمنا مدعمًا بالحيثيات الواضحة بعيدًا عن كل لبس أو اتهام .
فمن الثابت المؤكد أن الجيش وحده هو الذي قام بالحركة .. وأن الشعب قد فوجئ بها تمامًا .. فلم يكن في صباح يوم 23 يوليو ، ولا الثلاثة أيام التي تلته ، ما ينبئ بالأحداث العظيمة التي تتم وراء "كواليس" السياسة العليا .. ما بين القيادة .. وسراي التين ، فيما عدا وجود بضعة أفراد من جنود الجيش حول مؤسسات عامة معدودة على الأصابع كالبنك الأهلي والسفارة الأمريكية ودار الإذاعة وسراي عابدين .. وقد كان ذلك مألوفاً بشكل أعظم وأكثر كثافة منذ أيام 26 يناير وما تلاها .. أما المواصلات .. والتجمهر والهتافات والاصطدام بالبوليس : الأمور التي كانت مألوفة في المظاهرات حتى المدرسية منها – فلم يكن لها أثر .. مما جعل أحد المراسلين الأجانب يبدو وكأنه غير مصدق لهذا الهدوء بينما تتحقق أعظم الأحداث .. الواقع أنه لم يكن وحده .. فقد كان الكثيرون من المصريين .. وكاتب هذه السطور أحدهم .. يشاركونه التعجب .. ولم تحدث أية بادرة نبأ الإنذار الموجه إلى الملك فاروق وتنازله .. عندئذ تملكت الحماسة كثيرًا من الأفراد .. ولكن هذه الحماسة لم تقو على تنظيم أكثر من حلقات أو جماعات صغيرة تتحدث باهتمام وتعلق على الأخبار .. فإذا مرت عربة من عربات الجيش صفقوا لها !
فالشعب لم يشترك في الحركة .. ولم يكن يعلم في يوم 23 يوليو ماذا سيتمخض عنه 24 .. بل إن الجيش نفسه لم يشترك في الحركة فيما عدا جنود الفرق التي كانت تحت الإمرة المباشرة للضباط الأحرار أنفسهم وهم بضعة عشرات .. ومن الحق – وإن لم يعجبنا ذلك – أن نقول إن الفضل في تنفيذ الجنود إنما يعود إلى هيمنة الأمر العسكري لا فهم الجنود لمهمتهم السامية .. ومدى قداستها .
وخلاصة هذه الحقيقة أن عددًا ضئيلاً هم أفراد جمعية الضباط الأحرار هم الذين حبكوا خيوط هذا الانقلاب ودبروه ببراعة وإتقان وأحاطوه بجو من السرية ضمن له النجاح .
هذا عن المنفذين للحركة .. أما عن أسبابها التي انبعثت عنها والملابسات التي أدت إليها فإنها عسكرية وليست شعبية .. فتحكم عطا الله رئيس أركان حرب الجيش المصري في الضباط .. وانقياده لأهواء الملك السابق أوجد احتكاكاً بينه وبين فريق من الضباط ثاروا لتربيتهم الدينية .. وروحهم الحرة على هذه التصرفات فكانت الضباط الأحرار أول مرة .. ثم اندلعت حرب فلسطين فكشفت عن خيانات صارخة .. وفضائح مدوية .. واستغلال بشع لأقدس الواجبات الوطنية وتقريب من القائد الأعلى – الملك – لضباط كل مؤهلاتهم النذالة والتملق والتزلف .. وإبعاد للضباط الشجعان الأحرار العاملين .. فوجدت الحركة مرعى خصبًا ومجالاً حيويًا .. وكان من المستحيل أن تقوم بعمل مجد ما لم يخلع الملك أصل الفساد وحاميه .
على أن السبب المباشر للحركة الذي عجل بتنفيذها سبب عسكري بشكل أضيق جدًا من حرب فلسطين التي يمكن أن يقال إن لها جانبها القومي والسياسي وهي مسألة انتخابات أعضاء مجلس إدارة نادي الضباط .. فعندما فاز في هذه الترشيحات اللواء محمد نجيب .. ورفض الأعضاء انتخاب ممثل لواء سلاح الحدود .. وهو مرشح الملك .. تضايق الملك لهذا وأصدر أمره بحل النادي وتشتيت الضباط الذين تحملوا كبر الانتخابات .. وهم زهـرة الضباط الأحرار .. وأحس الضباط بذلك .. وعرفوا أنهم قاب قوسين من اضطهاد يعرضهم للفرقة والفشل .. وكانت الأحوال السياسية ملائمة تمامًا ، فالوزارة والملك في الاسكندرية .. والقاهرة خالية خاوية وقد وصلت الوزارة إلى أقصي درجات الضعف بعد استقالة وزارة سري التي لم تستمر في الحكم إلا أيامًا معدودة ، وعودة وزارة الهلالي التي كانت قد استقالت من قبل دون أن تؤدي شيئاً إلا الجعجعة الفارغة .. فكان الظرف السلبي ملائمًا وكان لديهم من الحزم والقطع في الأمر ما جعلهم يبتون فيه .
وخلال المدة الطويلة من تأسيس جماعة الضباط الأحرار حتى قيامها بالحركة لم يرد في منشوراتها ذكر لأهداف قومية أو عناصر نهضة عامة كالحديث عن الفلاح أو العامل أو مستوى المعيشة أو الفقر .. إلخ ... وإنما كانت هذه المنشورات دائمًا تتحدث عن الفضائح التي تتم في الجيش .. والصفقات المريبة ، واستغلال التضحيات المقدسة .. وما إلى ذلك .
فأشخاص القائمين بالحركة .. والأسباب التي أوجدت إيجادًا الهيئة المدبرة .. والملابسات المباشرة التي أدت إلى تنفيذها في الوقت الذي نفذت فيه .. كلها عسكرية خاصة بالجيش لا تتعدى دائرته أو بالأصح دائرة عشرات الضباط .
وعندما نفذت الحركة احتفظت بطابعها العسكري .. ففي البيان الأول الذي ألقاه الرئيس نجيب تحدث عن الخونة في الجيش وما سببوه من هزيمة وفشل .. وأكد ابتعاد الجيش عن السياسة وأوجد بالفعل وزارة مدنية تمارس كافة السلطات وقد استقالت هذه الوزارة ورأس اللواء نجيب وزارة أخرى فتوخى أن يكون كل أعضائها – ما عداه – من المدنيين .
وقد يقال إن هذا النمط من السياسة والتدرج كان ضروريًا في أول الحركة .. ولولاه لما نجحت أو لتعرضت لصدمات قاسية ، كما يمكن أن يقال – بحق – إن الحركة ما أن تملكت الزمام حتى بسطت أغراضًا اجتماعية وسياسية واقتصادية عظيمة .. رائعة ذات طابع شعبي واضح مثل تحديد الملكية وإلغاء الألقاب التي لم يناد بها إلا من كان متطرفاً في الإصلاح .
وهذا اعتراض وجيه ، يدعم من وجاهته ما قيل من أن قانون تحديد الملكية لم يمر سهلا .. وإنه لولا إصرار الجيش عليه لما قسم له أن ينفذ .
ومع هذا كله فنحن نصر على نقطة معينة نعطيها كل الأهمية تلك هي أن هناك فرقاً أساسيًا بين أن يؤمن الإنسان بنظرية معينة في الإصلاح وفي الاقتصاد والسياسة ، وأن يكون إيمانه هذا سببًا في انبعاثه ، ودافعًا على تحركه ، وبين أن يكون انبعاثه لسبب معين ثم يحاول أن يصلح بعد ذلك في النواحي الأخرى لأن كل حركة مربوطة بأسبابها .. موصولة نهايتها ببدايتها .
ثم نلاحظ مرة أخرى أن الطبيعة التي صدرت عنها الحركة ما كانت لتحتمل أكثر من معنى عام من معاني الإصلاح ، وبينما كانت فكرتها السلبية واضحة محددة تمام التحديد متمثلة في خلع الملك الذي هو أصل الفساد وحاميه ، فإن فكرتها الإيجابية لم تكن محددة لأنهم ما كانوا يستطيعون تحديدها .. إذ هذا التحديد يتطلب اتباعا معينا لمذهب من المذاهب النظرية السياسية .. الأمر الذى لم يكن من السهل التسليم به أو الوصول إليه ، وأغلب الظن أنه – لو حدث – لكان محل خلاف في مسألة تستدعي التسليم المطلق ، والإيمان الوثيق ، فما كانت ميول الضباط وأفكارهم لتتفق في هذه الناحية .. كما كان من الممكن أن تصير هذه المسألة ثغرة تؤتي منها الحركة بشتى الدعايات .
أما تعليل إصرار الجيش على إصدار قانون تحديد الملكية وإلغائه للألقاب وما إلى ذلك من إصلاحات تتسم بطابع اقتصادي أو اجتماعي فلا يتنافى ذلك مع صدورها عن حركة عسكرية أو انقلاب وليس عن ثورة فقد حدث ذلك من قبل في هذه البلاد بالذات عندما وقف عرابي أمام الخديوي توفيق يطالب بتشكيل مجلس النواب جنبًا إلى جنب مطلبه الخاص بزيادة عدد الجيش ، وما كان عرابي بطلا من أبطال الحريات الدستورية والفكرية ، وما كانت قومة الجيش إلا لمسألة عسكرية بحتة هي التمايز العنصري بين الضباط الفلاحين والضباط الجراكسة .
وأشعلت الحركة وحددتها عوامل عارضة ، ذلك أن كون حركة ما عسكرية لا يمنع قيامها بتنفيذ إصلاحات شعبية .. وإنما الذي يتنافي مع هذه الحركة أن تتسم هذه الإصلاحات بسياسة واحدة أو أن تصدر عن نظرية معينة في الإصلاح والسياسة .
وقد يقال وما فائدة هذا ؟ وذلك ما سنتناوله في الفصل القادم .
 
 
 
 
 
 
 
 [2]
لماذا يجب أن يتحول الانقلاب إلى ثورة ؟؟
ــــــ
من التقدير السابق للحركة يتضح أنها انقلاب وليست ثورة أي أنها لم تقم على أساس نظرية تأخذ شكل العقيدة المحددة .. ولم تساهم فيها الجموع والجماهير .. وإنما قام بها عدة أفراد لغرض سلبي محدد هو تقويض بناء الاستبداد والفساد ممثلا في خلع الملك السابق فاروق .. وغرض إيجابي عام هو الإصلاح .. وقد كان لهؤلاء الأفراد من سلامة الطوية .. ونبل القصد ونزاهة الغاية .. والذكاء والبراعة .. ما ضمن نجاح الهدف السلبي للحركة نجاحًا تامًا .. وما مكن لهم المضي في الهدف الإيجابي من أهداف الحركة .. وهو الإصلاح على ضوء الرغبات الشعبية .. وليس تلمس هذه الرغبات أو إدراكها صعبًا .. ولاسيما على هؤلاء الحكام الجدد الذين هم حقا أفراد من أوساط الشعب .. مثلي ومثلك .
وهذا التقدير للحركة ليس سيئا .. وهو يرضي كثيرًا من الناس .. الذين يقارنونه بالعهد الماضي فيرونه أفضل ألف مرة .. أما نحن فلا نرضاه لأننا لا نعتبر هذا العهد .. نهاية عهد أو تكملة له .. وإنما نراه بداية عهد جديد يختلف تمام الاختلاف عن العهد الأول بحيث لا يمكن ــ ولا يجوز ــ المقارنة بينهما ومن أجل تقديرنا العظيم له .. وما نأمل فيه من خير نطالب بسرعة تحويله من الانقـلاب إلى الثورة : الثورة كما عرفناها في الفصل الأول .. روح تنتظم الجموع على أساس الإيمان بنظرية معينة في الإصلاح .
والمسألة التي يجب أن نعالجها أولا ليست هي لماذا يجب أن يتحول الانقلاب إلى ثورة .. ولكنها "هل يمكن أن يتحول الانقلاب إلى ثورة" فإذا لم يكن هذا التحول ممكناً فلا معنى للإفاضة في الحديث عن مبررات التحول .. والأمر ليس سهلا .. إن الانقلاب من فصيلة .. والثورة من فصيلة أخرى .. ولا يمكن إجراء عملية نقل دم .. إلا إذا كان الــدم المنقول من فصيلة الــدم المنقول إليه فالتحول من الانقلاب إلى الثورة يجب أن يسـبقه إيمان بفكرة الثـورة .. وهذا الإيمان يجب أن يعم الشــعب والقائمين على الحركة .. أما الشعب فليس ما يمنع من إيمانه .. وهو قد تقبل الحركة على أنها ثورة .. ولم يرتفع صوت شعبي واحد بالأسف على العهد القديم أو الترحم عليه ، بل كل الشعب ينخس الحكومة لكي تتقدم أكثر وأكثر في روحها الثورية .. وأن تكون أعظم مضاء وشمولاً وعمقاً .. أما قادة الحركة فمن العسير أن يتنبأ كاتب يتوخى الحقيقة بما تتجه إليه قلوب بضعة أفراد لا يعرف عنهم للأسف الشديد إلا القليل جدًا .. ولكن يمكن القول – على ضوء ما سلف من إصلاح – أنه من الجائز جدًا أن يؤمنوا بالعقيدة الثورية .. وتنتقل الحركة بذلك على أيديهم أنفسهم النقلة الثانية التي لا بد منها .. إذ أنهم قد دفعوا البلاد دفعة أصبح من الضروري عليهم بعدها أن يسايروها .. وأن يحذروا كل الحذر أن تسبقهم .. وهم – بكل تأكيد – لا يستطيعون منعها .. لأنهم في حركتهم ما كانوا – إلى حد كبير – مختارين .. كانوا يسيرون بإرادة الله .. كما كانوا أداة التطور .. ومن أجل هذا نجحت حركتهم ، ولعل هذا هو ما يقولون عنه إنه التوفيق الذي صادف الحركة .. فأعظم من أن يكون التوفيق حظا وملابسة أن يكون ثمرة لحساب دقيق ونتيجة لتوافق الحركة مع سير التطور .. فإذا وقف القادة فستسير الحركة وستخلفهم وراءها وهم الآن في موقف أدق مما بدأوا .. إنهم في موقف "الحكام" .. وقد كانوا من الشعب عندما اختارهم التطور .. أما الآن فالأمر إليهم .. فإذا نهضوا به كانوا المختارين مرة أخرى .
ومن هنا يمكن الإجابة على السؤال .. "هل يمكن تحويل الانقلاب إلى ثورة ؟ " مع تقديرنا لقوة عوامل الأصالة والطبيعة التي جعل هذه الحركة – وهي انقلاب عسكري – تبدو عاجزة عن أن تملأ مكان ثورة شعبية – فإننا نرى أن التحول ممكن في حدود الإمكانيات التي للإنسان في تكييف التطور .. ولكنه يتطلب جهدًا كبيرًا .. وإيماناً جديدًا .. وخروجًا صريحًا من صدفة الجيش والرأسمالية .. إنه يتطلب انقلابًا على الانقلاب ولكن انقلاب إلى الأمام .
وبعد هذا يمكن أن نبدأ الحديث عن الأسباب التي تجعلنا نطلب تحويل الانقلاب إلى ثورة .. وإنها لكثيرة جدًا على عكس ما يبدو للسذج والسطحيين ، ولعل أول هذه الأسباب وأكثرها ورودًا على الذهن وتعلقاً به هو تأمين الانقلاب والحيلولة دون حدوث انتكاس .. وقطع الطريق نهائيًا على من يفكر في ذلك .. إما من الطامعين الجدد .. وإما من أنصار الوضع القديم ممن نالهم الانقلاب في رئاساتهم وأرزاقهم ونهبهم وسلبهم .. ويدلنا تاريخ الانقلابات المثلية أن انقلابًا ثانيًا كان يحدث عقب الانقلاب الأول .. حدث ذلك في سوريا ، وحدث في الإنقلاب التاريخي الذي قام به ضباط جمعية الاتحاد والترقي ، وحدث لحكومة كيرنسكي في روسيا ، التي كانت مرحلة انتقال ما بين القيصرية والسوفيتية .. ذلك أن السهولة التي يتم بها الانقلاب عادة – والتي هي بدورها نتيجة حبكة تآمرية – تغري بعض الطامحين بالمقامرة وفي وهمهم أن يكسبوا "البنك" كله مادام من سبقهم قد كسب .. فضلاً عن أن الانقلاب يبقي على جذور الوضع القديم .. وبذلك ينبت له أعداء .. وهو لا يستطيع التخلص من هذه الجذور إلا إذا اعتمد على القوة الخارقة للإيمان .. والدفع الشعبي .. أي أن يكون ثورة .
ومن المسلم به ــ بصفة عامة ــ أن الانقلابات قصيرة المدى .. وأكثرها نجاحًا هو الذي يعيش ما عاش صاحبه .. ويموت بموته .. وتتعرض البلاد لنكسة وخيمة العواقب .. لأن الانقلاب كما قلنا لا يقوم على جماهير ولا على مبادئ .. وهذه وتلك هي الخالدة الباقية الطويلة الأمد .
ومن أجل هذا يبرد الانقلاب بسرعة ويفقد روحه المنشئة .. وتذهب حماسته الأولى ما لم يكن قائمًا على فلسفة عقدية تمده بالإيمان والحماسة فلا تلبث استثارات قادة الانقلاب أن تأخذ شكل نداءات منبتة عن الجذور العميقة .. وأن تكون بعد قليل ، مبتذلة .. عادية .. باردة .. ليس فيها أصالة الفكر أو استثارة قوى العقيدة الهائلة .. وينتج من هذا كله أن يسدل الجو العادي ظلاله الثقيلة وعاديته الباردة على حرارة الانقلاب ويذهب بجدته .. فلا تلبث الأحوال بعد الانقلاب أن تكون كما كانت قبل الانقلاب . وبذلك يمهد الجو لانقلاب ثان .. كما مهد الجو للانقلاب الأول .
وإن الإنسان ليدهش للسرعة التي ينسى بها الناس ويجحدون والتبريرات العجيبة التي يوردونها لانتقاص الأعمال .. فإذا أرادوا استعمال الرأفة لم يغيروا حكمهم .. وإنما بدلوا الصيغة في الحكم "صحيح إن الإصلاح الفلاني عظيم ولكننا نريد .." ، ومن أجل هذا يجب على القائد أن يعمل دائمًا على أن تظل الحماسة في مستوى مرتفع .. وأن يغذيها دائمًا بجديد في الإصلاح .. لأن الإصلاحات الأولى تنسى بسرعة ويجحد فضلها ويتعود الناس عليها كأنهم عاشــوا فيها دائمًا .. وكأنها جاءت إليهم دون تضحية أو كــد أو عناء .. ومن الواضح جدًا أن الروح الثورية هي المعين الذي لا ينضب والذي بمجرد إيمان الفرد بها أمكن الوثوق أنه باستمرار سيجد في عقيدة الثورة الغذاء الحماسي له الذي يفتقد بشدة في الانقلاب .. إذ لابد أن يكون المعين ذاتيًا .
ومن ناحية أخرى فإن الثورة بمنطقها الدموي ، وقيامها على استئصال عناصر الفساد – قيام العملية الجراحية على ذلك – هي وحدها التي تضمن القضاء على أعداء الشعب وأعداء الثورة .. وهذه مسألة في منتهى الخطورة والأهمية لأن الانقلاب إذا ظل في الوضعية العادية سيكون بين أمرين أحداهما مر : الأول أن يأسن بمضي المدة .. ويفقد قوته الدافعة وحماسته المنشئة .. الهادمة .. البانية .. والثاني أن يعاجل من قبل أعدائه .. والخلاص من هذا الوضع لا يكون إلا بتحويله من انقلاب إلى ثورة .. لأن الثورة ستضمن – بإحلالها العقيدة في نفوس الناس – معيناً للحماسة لا ينضب .. كما أن قيامها على أسس العمل السريع الحاسم وقطع العقدة بدلاً من إضاعة الوقت في حلها .. واستئصال رؤوس الشــر بمحاكمات الثورة السريعة الواضحة .. هي التي ستؤمن الحركة من أعدائها .. وعندما تنصب محاكم الشعب في الميادين ويشنق ألف فرد من أعداء الشعب والمأجورين السياسيين والرأسماليين والاقطاعيين والمرتزقة ممن يثبت ماضيهم الطويل خيانتهم الشعبية وممالأتهم للاستعمار والملك السابق .. والأوضاع التي أذلت الشعب .. وامتصت خيراته .. فلن تخسر البلد شيئا ذا قيمة ! بل إن فقد هؤلاء ثروة لا تقدر ! وقد خسرت البلد في مآس الكوليرا والملاريا مئات الألوف من أخلص أبنائها .. وهي تخسر كل يوم مئات ممن يروحون ضحية الوضع الاقتصادي المجحف الذي حاف على أقواتهم ومناعتهم وحصانتهم وجعلهم فريسة سهلة للأمراض والأوبئة .
إذا شنق ألف من أعداء هذه الحركة ، فسيخضع توا بقية الأعداء وسيرون في مجرد الإبقاء عليهم أحياء – مهما كان نوع حياتهم – أعظم آمالهم .. سيرون كما رأي "عدلي لملوم" أن السجن المؤبد خير من الإعدام ألف مرة ، ولن يرفعوا رأسًا لمناهضة الانقلاب أو إعداد التدبيرات لحربه .. أما إذا لم يتم فسيعملون جاهدين لحرب الانقلاب والنيل منه وسيقع قادته في هذه الغفلة التي وقعت فيها الديموقراطية عندما استخذت أمام الفاشية وكانت كريمة معها كرمًا أول بأنه ضعف ، ولعله كان كذلك .
وقد يقال إن هذه الاجراءات العنيفة ممكنة في الانقلاب .. ولكن هذا غير طبيعي مع جو الانقلاب .. فقداسة العقيدة .. وعظمة الهدف وحرارة الإيمان وهي العناصر الأساسية في الثورة ، هي وحدها ، التي يمكن أن تجعل الناس يتقبلون هذه المذابح برضا وتهون عليهم هذه التضحية كما يهون عليهم عليهم استشهاد الأبناء والآباء في سبيل البلاد .. وفي ميدان الحرب المقدسة .. أما الوضع الديموقراطي بما يحفل به من عناصر الأثرة والأنانية والفردية والانتهازية "ودوافع الربح" فلا يمكن أن يقر هذه الأوضاع أو يسمح بها .. ومن هذا يتضح أن الاجراءات العنيفة هي مما تضاد طبيعة الإنقلاب .. وإن أوحت كلمة (انقلاب) بغير ذلك ..
وللذين يستفظعون مثل هذه المجازر .. نقول إننا معهم نستفظعها .. ولكننا لا نتردد في القيام بها .. إنها عملية جراحية نضحي فيها بعضو من صميم أعضائنا عزيز علينا .. في سبيل أعضاء أخرى أكثر عددًا ونحن بها أعظم اعتزازًا .. والذين سيظلمون في هذه المعركة السريعة الماضية – وهي مسألة فيما يبدو لابد منها – لا يمكن اعتبارهم فائــدة ربوية لعملية عظيمة القيمة .. إنهم يمثلون الجانب السيئ في مسألة حسنة ولازمة ، وعلى كل حال فإننا لنأمل أن ثورة مصر لن تؤدي بمثل (لا فوازيية) أو (موزلي) ولن تتخذ لها شعارًا كالذي اتخذته الثورة الفرنسية "إن الثورة ليست في حاجة إلى علماء !" .
* * *
هذا كله من الناحية السلبية .. أما من الناحية الايجابية فضرورة الانتقال من الانقلاب إلى الثورة تتضح لنا عندما ندرس سيكلوجية الإصلاح .. فعملية الإصلاح السليم عملية مركبة معقدة وليست عملية هينة بسيطة ، وأنت لا تستطيع أن تزجي الإصلاح ازجاء ، أي أن تقدمه لقوم لا يؤمنون به ، وكذلك لا تستطيع أن تقوم بالإصلاح لوحدك .. كفرد أو حكومة .. إذ لابد أن يساعدك الذين يقع عليهم الإصلاح ، والإصلاح نفسه بعد ذلك يجب أن يكون متسقا بعضه مع بعض فلا يتنافي الاجتماعي مع الاقتصادي أو يؤت بقطعة من الإصلاح من الشرق ، وقطعة أخرى من الغرب .. ويجب كذلك أن يلحظ فيه معنى الوقت ويفسح له فيه حتى يمكن البدء بالأهم قبل المهم .. فهذه أربعة عناصر لابد منها لنجاح الإصلاح ، وهي الإيمان ، والمشاركة الشــعبية ، والوحــدة ، والزمن .. والثورة وحدها هي التي تتيح لنا هذه العناصر كلها .. لأنها روح تنتظم الجموع على أساس الإيمان بعقيدة ، وبذلك يتحقق العنصر الأول بشكل مباشر .. ويتحقق الثاني ، كنتيجة مترتبة على الأول ، إذ أن الإيمان سيدفع للمشاركة .. ويتحقق العنصر الثالث من أن طبيعة العقائد طبيعة واحدة .. فكل من الإسلام والديموقراطية ، تصدر نظراتها عن طبيعة واحدة لا تختلف ويتفق اتجاهها الاجتماعي مع اتجاهها الاقتصادي .. وهذا مع الاتجاه السياسي .. أما العنصر الرابع للإصلاح فهذا ما سيحققه الجو الثوري بما فيه من تجنيد للشعب .. وتملك للسلطات . 
ولندرس الآن هذا الكلام بتفصيل .. فلماذا يجب أن يتحقق إيمان الناس بالإصلاح حتى يكون الإصلاح مجديًا ؟ لماذا لا نقول ، مثـلا ، إن الإصلاح الطيب سيتحدث عن نفسه .. وسيثمر آثاره الطيبة ؟ وبذلك نكون في غنى عن إيمان الناس سلفاً ومقدمَا .. ؟ ؟ الجواب أن أثار الإصلاح ونتائجه لا تتوقف على الإصلاح نفسه ، ولا على الإصلاح وحده .. لأن الإصلاح لا يتم في جو من الفراغ .. إنه يصطدم بالآراء والأمزجة والمصالح والناس ليسوا أجسامًا صماء يجري الإصلاح عليهم يده بما يشاء أو ينقش أثاره دون مقاومة أو استجابة .. إنهم أجسام حية ، وعقول واعية .. ونفوس لها اعتزازاتها .. كما أنها كائنات مربوطة إلى العادات والتقاليد والماضي والعرف والعقائد .. لذلك يجب في الإصلاح الناجح ملاحظة هذه العوامل ، ولكن هذه الملاحظة إذا أريد لها النجاح لا تتأتي إلا بالإيمان بالإصلاح لأن هذه العومل التي يجب أن يلاحظها الإصلاح عوامل نفسية بالدرجة الأولى ولا يمكن مقابلتها والتغلب عليها إلا بعوامل من نوعها ، والإيمان هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تضع فكرة مكان فكرة أو تملأ النفس بتلك القوة الديناميكية الغلابة التي تكتسح كل شيء أمامها .
وقد نظن للوهلة الأولى أن ما سنقدمه إلى الناس من إصلاح سيظفر بتقديرهم جميعا .. لأنه إصلاح فوق مستوى الشبهات ، ولا يستطيع أحد أن يرفضه ، وقد يتظاهر الجميع بقبوله .. ولكن هذا لا يمنع حقيقة أساسية عن العمل والتأثير ، تلك هي أنه ليس هناك إصلاح هو إصلاح 100 % ! وليس هناك إصلاح يصفق له جميع الناس بأيد حارة ، وقلوب مستجيبة .. وإذا كان العلماء يرون .. أن ليس هناك رجل هو رجل 100 % ولا امرأة هي امرأة 100 % ، وإذا كان الشعراء يقولون :
إن  نصف  الناس  أعــداء  لمـن      ولي الأحكام : هذا  إن  عدل !!
فيجب أن لا نعجب من ذلك .. وعلينا أن نعتصم بما وراء سذاجتنا وطيبتنا وبداهتنا التي تجعلنا نعتقد أن الإصلاح الطيب مقبول حتمًا من الجميع .. إن كل إصلاح يقتضي مشاكل .. ويمس طوائف فتوسيع الشوارع سيضر بأصحاب الأملاك ورفع الأجور سينتقص من أرباح الرأسماليين ، وتخفيض الإيجارات – من مساكن أو عقارات – سيوجه ضربة شديدة إلى الملاك . وقد كان البغاء "الرسمي" وصمة عار في جبين هذه البلاد ، ومع ذلك فإن المتأسفين على إلغائه هم أكثر مما يتصور بعض الناس .. وكل هذه الطوائف ستناصب الإصلاح العداء .. وستدافع عن آلافها وترفها .. ولن تدخر جهدًا أو مالاً في أن تسقط الإصلاح الذي يهددها بالمساواة ! أو يجر عليها شبح العدالة المخيف ! أو يطبق عليها أوامر الدين القاسية !
وما لم يكن الإصلاح على أساس وثيق من الإيمان ، فإن الدعايات المضللة والجهود العدائية التي سيقوم بها أعداء الإصلاح ستكسب المعركة وتنتصر على إصلاحنا لأن طاقة الشر أعظم من طاقة الخير .. ولأن الهدم .. أسهل من البناء . والانتقاص من عمل الخير أكثر رواجًا وانتشارًا من التقدير والإنصاف .. لأن في الانتقاص من عمل الغير معنى من معاني إعلاء الذات : بينما التقدير عكس ذلك .. ولأن الجماعة كسلى بطبيعتها تخلد إلى العادة والواقع .. ولأن القديم على سوئه أعرق وأمتن من الجديد على صلاحه .. وله منزلة في نفوس الناس لا يمكن أن تزلزل إلا عن طريق الإيمان .
وقد اتضح أن أثر الإصلاح يتأثر بالدعاية التي تصحبه أكثر من فعله الخالص أو أثره الحقيقي لأن هذا الفعل قد يكون بطيئا أو ضئيلا .. والمقصود بالدعاية هنا الدعاية التي تتولد من الإيمان .. ثم تعود فتولده وذلك بالشرح والتكرار والتوكيد لا التهريج الحزبي والاذاعي المتكلف .. فإذا أحيط إصلاح جديد بدعاية مضادة قوية أمكن تشويهه وإسقاطه كما حدث في إصلاح قاسم أمين الذي أراد به تحرير المرأة في الشرق فشوهت اسمه .. ولوثت سمعته .. وسمعة الإصلاح الذي أراده وعلى العكس من الممكن أن تضاعف الدعاية القوية الإصلاح الصغير .. وقد أثبتت الأديان والثورات أن الإيمان يمكن أن يقلب ما يراه الناس نقمًا وآلامًا إلى نعم ولذائذ .. فالعقائد الوثنية وصلت من القوة إلى تضحية الآباء بالأبناء ووجد المسيحيون كل السعادة في أن يلقوا بأنفسهم إلى السباع والوحوش .. واستعذب المسلمون الأول أنواع العذاب .. وفي العصر الحديث وصل إيمان الألمان والروس بمبادئ الفاشية والشيوعية إلى درجة ما كان يمكن لولاها القيام بالإصلاحات العظيمة التي أمكن القيام بها في روسيا وألمانيا .
وهذا يعود إلى أن الجانب المادي في الإصلاح يرتكز على الجانب النفسي .. وما لم تمهد العوامل النفسية الجو للنواحي المادية من الإصلاح .. فلن يتقبل أو تتشكل النفوس في قالبه ، ولو أننا منحنا فجأة كل فــلاح مصري منزلاً صغيرًا جميــلاً به المــاء العذب والمطبخ المستكمل لكافة الأدوات من أفران كهربائية أو ثلاجات .. إلخ .. دون أن نضرم في نفسه حب الحياة ، فلن يماثل البيت المصري البيت الأمريكي .. ومالم نقنع الفلاح بأفضلية الماء العذب ، والأكل على المائدة بالشوكة والسكين على ماء النيل والأكل على الطبلية وباليد .. فلن يمكن للفلاح أن يستغل منزله الأنيق الحديث ، ذلك لأنه لا يؤمن بطرائق الحياة الحديثة .. والأمر لا يقتصر على الفلاح ففي كثير من العائلات الوسطى في المدن تفضل "الطبلية" على "السفرة" فتقدم عليها الوجبات بينما تنعي السفرة من صنعها وجلبها وأقامها للزينة أو الضيوف !!
والعنصر الثاني الضروري لنجاح الإصلاح المشاركة : أي مشاركة الشعب للحكومة وقادة الإصلاح ، ولزوم هذا العنصر متأت من أن الأعمال الكبيرة لا يمكن أن تقوم بها الحكومة ، أو أي فرد ، أو أية هيئة وحدها مهما كانت ، وإذا حاولت فستتكلف الأضعاف المضاعفة ثم يكون العمل لا متقناً ، ولا كاملاً .. لأنها لا تستطيع الإشراف عليه في كل قرية ، وفي كل حارة ، وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار .. بينما لو تحققت المشاركة على آخرها ، فستجد الحكومة الألوف المؤلفة تعمل متطوعة في بناء الإصلاح ، بل أيضا مستعدة للتضحية والبذل في هذا السبيل ، لأنها وهي تشارك فيه تؤمن أنه اصلاحها وأنها تقيم شــيئاً من ذات نفسها .. وقد لاحظ أحد البحاث ، بحق ، أن ضمائر الملكية كثيرًا ما تلحق ما لا يعتبر ملكاً خالصًا ، فترى الموظف يقول "مكتبي" وهو مكتب الحكومة و "بيتي" وليس هو بيته .. وإنما هو مؤجر لشــقة منه .. إلخ .. وهذا هو أثر العامل الذاتي وراء الشعور والكلمات .. ونحن نريد من كل فرد أن يرى في هذا الإصلاح الذي ترسمه الدولة اصلاحه هو الذي يؤمن به ويعمل له .
إن أي قوة تعجز عن أن تحل محل المشاركة المبنية على الإيمان . فمهما يكن إغراء المال .. أو قوة وازع الواجب الوظيفي .. فإنه لن يصل إلى درجتها .. لأن المشاركة هنا تصل إلى ما وراء درجة التطوع .. إلى درجة التضحية في حين أن قصاري أثر العوامل الأخرى أن يؤدي الناس أعمالهم بأجر .. وأن يتناسب إتقانه مع الأجر المدفوع .
ومن أجـل هـذا يعتمد القــادة ورؤساء الوزارات على الأحزاب .. وقد كان مصطفى كمال بعد انتصاره على اليونان وتنازل السلطان عبد الحميد في وضعية قوية كقائد منتصر وحاكم إداري مقتدر .. ومع ذلك فلم يسعه – عندما أراد بناء تركيا جديدة – إلا تأليف حزب الشعب ليكون عصبته وسط الجماهير .. كما أظهرت الأحزاب الفاشية والشيوعية إنها كانت القاعدة التي استطاعت الثورة أن ترتكز – شعبيًا – عليها بعد أن ارتكزت سياسيًا بالانتصار .. وطرد قياصرة روسيا أو رؤساء الإمبراطورية الألمانية .
ولقد يبدو أن تحقيق هذا العنصر – المشاركة الشعبية – بتأسيس حزب .. أمر غريب يتنافي مع الفكرة الديمقراطية .. أو يبعث على روح المهاترة الحزبية .. وهذه كلها أفكار يمكن أن توجد في مثل العهــد الحالي أما في العهد الذي نريده .. فلن يكون لها مكان .. وسيكون كل المكان لحقيقة أساسية كبرى هي أنه إذا أسس الحزب على قواعد سـليمة ورزق التنظيم الدقيــق والإخلاص العميق .. كما كانت له المبادئ العقدية الناجحة فإنه سيبرز قوة عظيمة تتكون من نصف مليون مؤمن منظم يحس كل واحد من هؤلاء اعتزاز معنويًا وماديًا : معنويًَا لأنه يؤمن بالأهداف ، وماديًا لأنه جزء من الأداة العاملة في تكوين العهد الجديد وهؤلاء النصف مليون يتفرقون في الحواري والقرى والكفور والشوارع يكون كل واحد منهم قائد ثورة صغير .. وحاميًا لرسالة الثورة .. ومندوب غير رسمي لقيادتها وهذه القوة ستسوق خلفها جمهرة الشعب .. بما لها من تنظيم وتوحيد .. وستكون هي الجيش الشعبي الحقيقي للحركة .. وبدون هذه القوة المتطوعة المباركة المخلصة ، العاملة .. لن تقوى أي حركة على بناء مصر الجديدة .. وستفتقد الأيدي التي تعمل .. والعيون والآذان التي تسمع بها وترى وتحس مقدار التجاوب الشعبي .. ولقد كنت أسمع عن مشاريع يضعها الوزراء لمحو الأميــة .. في كذا سنة .. أو تصنيع البلاد .. أو القيام بالخدمات العامة .. وكنت أضحك من هذه الإذاعات وأراها نوعًا من الدعايات فحسب .. لأن هذه المشاريع ورقة محجوزة للثورة والثورة وحدها ، بفضل عناصر الإيمان والمشاركة .. إلخ .. أما أن يقوم بها فلان من الوزراء أو أن يشفع له في هذا الأمل أنه رجل عظيم فهذا ما لم أصدقه قط .. لإني أومن أن الرجال – كآحاد – لا يستطيعون شيئاً حيال الوضع .. وقد أثبتت مجريات الأمور ذلك .. فإن صلاح الدين .. وطه حسين .. ومريت غالي .. وإبراهيم مدكور كانوا جميعًا من خيرة أفراد هذه الأمة .. الباحثين والمثقفين والمؤلفين كتبًا عن الإصلاح .. ومع ذلك فلم يستطع واحد منهم أن يقفز بالبلاد .. لأن منطق الثورة .. وهو المنطق الوحيد الذي يقفز ويثب ويتخطي العقبات – أعوزهم ولا يجدي شيئاً لو بدل هؤلاء بمن هو خير منهم – أو حتى أكثر شعبية وأشد لمسًا للأمور ومساسًا بالشعب كوزراء وزارة محمد نجيب ما دام منطق الثورة مفقودًا ، بل إن غمار الشعب نفسه إذا ووجه بالحالة الواقعية بما فيها من تشابك وتناقض وتعقد وتركيب لا يستطيع إلا التسليم لها .. فقد ثارت عضوات جمعية ربات المنازل على الغلاء وطلبن مقابلة وزير التموين فقابلهن هذا وعرض عليهن ما لديه من مستندات .. وعمليات شراء وبيع وتصدير واستيراد وفواتير ونقل .. إلخ .. فاقتنعن بأن "معالي الوزير" لا يستطيع شيئاً .. وشكرن الله على أن الأمور تسير كما هي .. لا إلى أسوأ !!!
أما العنصر الثالث اللازم لنجاح مشروعنا الإصلاحي إذا أريد له أن يكون شاملاً كاملاً بعيد المدى .. فهو التناسق بين نواحي الإصلاح المختلفة .. والوحدة التي يجب أن تصدر عنها الفكرة الإصلاحية .. لتوضيح ذلك نقول إن لكل عقيدة طريقة خاصة في الإصلاح تحمل خصائصها .. وتصدر عن أعماقها .. فالإصلاح في الفكرة الديموقراطية يختلف عن الإصلاح في الفكرة الاشتراكية وهو في هاتين يجتلف عنه في العقائد الدينية .. وقد قال فرعون لقومه محذرًا من موسى "إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ !" ، وبالطبع كان محقا من وجهة نظره .. وقد أخطأ بعض الناس عندما تصوروا أنه من الممكن أن ينقلوا الأوضاع التي تعجبهم أو أن يأخذوا من كل النظم أحاسنها ويدعوا سيئاتها – ووقعوا بذلك في خطأ مزدوج : أولاً : لأنه ليس من الممكن نقل حضارات أو أنظمة من بلد إلى آخر .. ولا يكفي الإعجاب لكي تنجح هذه الحضارات والأنظمة في بيئتها الجديدة .. لأنها كائن عضوي حي مرتبط بالذين أبدعوه ، متأثر بالبيئة التي أبدع فيها ، والتي يدين لها الذين أبدعوه كما يدين هو لهم .. فلا يكفي الإعجاب برياضة "السكي" لكي تنقل إلى مصر .. بل أغلب الظن أننا لا نستطيع نقل الروح الرياضية التي يتسم بها الشعب البريطاني إلى الشعب المصري .. لأن الشعب البريطاني إنما اكتسبها من جوه البارد .. وبيئته القاسية .. هذا هو الخطا الأول ، أما الثاني فهو أن النظم إذا نقلت فستنقل ككل .. وستحمل معها سيئاتها وحسناتها .. وبقدر ما في الرياضة من عبادة لقوي الجسم .. وإقبال على المباريات .. وإسراف في معاني القوة .
ومن خصائص الأوضاع والحضارات التي تثمرها هذه العقائد أنها كل لا يتجزأ وأنها كالكائن الحي تلفظ كل غريب .. فإذا أريد ترقيعها فيجزأ منها كما يحدث في العمليات الجراحية .. وجراحة التجميل .. فالإسلام مثلا له نظرياته في الاجتماع والاقتصاد والسياسة التي يصدرها جميعًا عن روح واحدة ونواة أساسية هي فكرة الله وما يتبع ذلك من حساب وعقاب وجنة ونار زائدًا البيئة الجغرافية التي أحاطت بظهوره ثم زائدًا للمرة الاخيرة ، عنصر الوقت والزمان .. فهذه العناصر الثلاثة .. فكرة الله .. زائدًا العامل الجغرافي ، زائدًا العامل الزمني هي ما تكون الأديان .. وما تجعلها تختلف بعضها عن بعضها وان كان أساسها "فكرة الألوهية والجزاء" واحدًا تقريبًا في كل الأديان والإصلاح عندما يصدر عن الفكرة الإسلامية يهدف نحو العدل .. وعندما يصدر عن الفكرة المسحية يهدف نحو الحب .. بينما عندما يصدر الإصلاح عن الديموقراطية يهدف الحرية .. وهو عندما يصدر عن الشيوعية يهدف الكفاية .
وإنك لتجديد الإصلاح التي تصدر عن هذه العقائد تجول في شتى الميادين اجتماعية كانت أو اقتصادية أو سياسية فلا تخطئ السمة الأساسية التي صدر عنها هذا الإصلاح ، وبرز واحدًا في كل الأنواع .. وإذا كان علماء المذاهب المختلفة في الشريعة الإسلامية يستنكرون أن يتمذهب الفرد بمذهب معين في مسالة ومذهب آخر في مسألة أخرى .. ويسمون ذلك تلفيق .. فأي حضارات يمكن أن يكون نتيجة للجمع بين أنماط من الإصلاح تصدر عن حضارات وثقافات وعقائد مختلفة متباينة .. ؟
وهكذا يبدو لنا أن الإصلاح مسالة أصعب مما نتصور ونلمس حاجتنا أولاً إلى تقرير القاعدة النظرية والعقيدية قبل أن نحدد الإصلاحات .. وأننا لا نستطيع أن نقطف الإصلاحات اقتطافا كما نقطف الزهور .. وقد كانت تجربتنا في اقتباس دستور "على أحدث الطرق العصرية" تجربة غير ناجحة .
وهذا كله هو المسالة الأولى .. فما أصعب الإصلاح !! لا يزال بعد ذلك اختيار العقيدة .. أو بمعني أصح الاهتداء إليها .. أننا لسنا مطلقي الحرية في الاختيار .. ثم وضع السياسة الإصلاحية وتنظيم الإصلاحات وتنسيقها إذ لابد أن يتم الإصلاح في كافة النواحي ولكل أفراد الشعب .. لأن تأخر ناحية أو حرمان طائفة – يفسده ، على أن هذه كلها مسائل يمكن الاهتداء فيها بأقوال الخبراء وهم لحسن الحظ موجودون دائمًا .
والعنصر الرابع والأخير اللازم لنجاح الإصلاح هو عنصر "الزمن" .. ونحن نقصد به أمرين : الأول أن الزمن مقوم لا غنى عنه من مقومات كل دعوة وقد كشف هذا العصر عن أهمية الزمن من عدة نواحي .. ففلسفة "التطور" من ناحية ، والنظرية النسبية من ناحية أخرى .. قد أوضحنا من أهمية الزمن ما كان خافيًا من قبل ، فاعتبر بعدا من الأبعاد ومقومًا من المقومات الرياضية فلا عجب إذا سلم بأهميته في مسائل الاجتماع والسياسة وأصبح من المضحك علميًا أن نظامًا ما يمكن أن يكون صالحًا لكل زمان .. ومكان .. اللهم إلا إذا كان هذا النظام لا يزيد على بديهيات من نوع "في التأني السلامة .. وفي العجلة الندامة أو الصبر مفتاح الفرج .." وصارت الفلسفة "ديناميكية" بعد أن كانت "استاتيكية" .. وتخلي المنطق الأرسطاليسي الجامد لمنطق "برجسون" الحيوي المتدفق : فملاحظة الزمن هنا هي إحدى المقومات اللازمة لسلامة العقيدة ومن المستحيل أن تطبق حاليا عقيدة قديمة مالم تتكييف مع الضرورات الجديدة وهذه الناحية من معني الزمن يمكن أن تلحق بالعنصر الثالث .. أما الناحية الثانية مما نقصده من معني الزمن – كعنصر رابع – فهي أن الإصلاح يتطلب وقتا فسيحًا تتناسب استطالته مع العرض الذي ستبسطه المشاركة الشعبية .. ويتلائم مع السياسة الانشائية الشاملة .. فلابد أولا من أن يحفر له عميقاً ثم توضع ركائز راسخة .. ترتفع فوقها طبقات الإصلاح .. بعيدة كل البعد عن المناورات السياسية والتقلبات الحزبية .. التي تشبه تقلبات البيئة التي تقضي على المحصول وتفسد الزراعة .. ومعني هذا أن ينتظم الوضع السياسي للبلاد مدة عشرين عاما فمثلا .. حتى يمكن هدم مصر القديمة ووضع أسس العهد الجديد .. التي يمكن بعد ذلك أن تترك لنفسها لتنمو .. ومسألة المحافظة على الوضع السياسي .. ثم متابعة السياسة الإصلاحية الواحدة لمدة عشرين عامًا مثلا .. وإخضاع مرافق الدولة ، بل والحياة ، لهذا الوضع ، عمل لا يمكن أن يتم في الجو العادي – البرجوازي .. ولابد أن يفسح للثورة في الوقت لتهيئ الجو تمامًا فتقضي على المخالفين وتقنع الجمهور .. وتثبت الإيمان في نفوس الأتباع والمشاركين .
وأخيرًا .. فلعل أهم الأسباب التي تجعلنا نؤمن بضرورة تحويل الانقلاب إلى ثورة .. هي أن الثورة وحدها هي التي تستطيع أن تبدع .. وتخلق .. وتوجد الأعمال العظيمة الرائعة .. إنها هي التي تظهر البطولات والتضحيات .. هي التي تبرز الأهداف وتسقط الأغراض والمعاني الفردية والشخصية .. هي التي تيقظ مخيلة الشعوب .. وتطلق لهم الأعنة .. فينفضون عنهم غبار العادية والترويض .. والخمول .. وتكشف ما فيهم من قوي مخبوءة مدخرة .. فيمضون يحققون الأحلام .. ويجسمون الآمال .. ويضربون بأقوال الخبراء وتحديدات العلماء .. عرض الحائط !
إن هذه الثـورة .. هي ما تحتاجه مصر بعد خمول سـبعة قرون ..    
 
 
 
 
 
 
 
[3]
البحث عن عقيدة
ــــــ
عندما تحدثنا في الفصل الماضي عن ضرورة تحويل الانقلاب إلى ثورة ، كان هذا على أساس تعريف معين للثورة وضحناه وكررناه عن عمد أكثر من مرة . ذلك التعريف هو أن الثورة التي نقصدها هي روح ينتظم الجماهير على أساس عقيدة معينة . وقد وضحنا لماذا تكون مثل هذه الخطوة لازمة بما يكفل إقناع القارئ إلى حد كبير .. بيد أن تنفيذ ذلك يصطدم إلى جانب مطالبه الانشائية بمشكلتين ..الأولى تحديد العقيدة التي تكون هي مصدر الروح التي تنتظم الجماهير .. والثانية تحديد الأداة التي يمكن بها تنظيم بث هذه العقيدة وتمكينها .. وتوجيه إيمان الجماهير بها .
ومع أن عنوانا مثل هذا "البحث عن عقيدة .." يمكن أن يثير ضحك بعض الناس إلا أنه ليس هناك ما هو أكثر جدا منه .. فلابد أن يكون إيمان الإنسان مركزًا في عقيدة .. وإلا تبدد وضاع .. أو استغل في شتي الأهواء واستغفل أصحابه دونه ، والناس بعد ، لا يمكن أن يحيوا دون عقيدة .. وقد كان لهم دائمًا .. ومن أقدم العصور حتى الآن – عقائدهم التي تتولي توجيههم وإرشادهم وتتركز فيها قيادتهم .
والعقيدة – وهي لب الثورة – هي التي تقيم الأعمال العظيمة فعقيدة إزيس أقامت الأهرام في القديم .. وعقيدة الإسلام فتحت العالم في الوسيط .. وعقيدة الشيوعية أقامت نظام الخمس سنوات .. وقد وصلت العقائد دائمًا إلى درجة من القوة تخضع الحياة لمبادئها إخضاعًا تامًا .
وقد تعرضت العقائد لهجمات قوية من العلماء الذين نددوا بما فيها من بُعد عن المنطق العلمي وما يحوطها من تعصب لازم لها ، ولكن العلماء يعترفون بأن بُعدها عن المنطق وبوجهها الأعمى ــ وهما من خصائصها ــ قد يكون له لزوم في بعض فترات حياتها .
* * *
وإذا أريد تحويل هذا الانقلاب إلى ثورة فلابد أن تستعار له عقيدة يصدر عنها العهد الجديد وينسق الإصلاح على أسسها .. فأي عقيدة هي أصلح من غيرها في هذه الظروف ولهذه البلاد ؟؟
إن هناك ثلاث فصائل من العقائد : الأولى عقائد دينية .. والثانية عقيدة إنسانية .. والثالثة عقيدة مادية .. وكل واحدة من هذه الفصائل تضم عدة عقائد متشابهة في الأسس وإن اختلفت في عنصري الزمان والبيئة ، والإسلام نفسه – على عظمته – صريح في أنه تقويم للمفتريات والخرافات التي فرضت على الأديان الإلهية السابقة لما تطاول عليها الآمد واستغلها الكهان والأكليروس .. فالفصيلة الدينية تضم العقائد الدينية على اختلافها .. والفصيلة الثانية تضم العقائد الإنسانية من ديموقراطية (كما هو المفروض أن تكون الديموقراطية لا كما هو حادث فعلا) أو عقائد فكرية ومثالية .. والفصيلة الثالثة تضم العقائد الفاشية والشيوعية على ما يبدو من تناقضهما لأن وحدة الأسلوب هي أبرز ما في هذه العقائد .. وهي تطغي دائما على عنصر الغاية فيهما .
وقد أشرنا في الفصل السابق بإيجاز إلى الخصائص الأساسية للعقائد عامة .. ونريد الآن أن ندرس هذه المسألة من وجهة نظر مصر .. وهذه الفترة .
فلا نكران أن العقائد الدينية جميعًا تحتل ركناً عميقاً جدًا في النفس الإنسانية .. وتحتل ناحية أصيلة من نواحي النشاط الفكري .. وهي تستمد أهميتها من فكرة الألوهية العظيمة وانفرادها بتقديم تفسير مقبول ليس فحسب لعالم ما بعد الموت الغامض الرهيب .. ولكن أيضًا لفلسفة الكون ابتداء من الناحية الطبيعية حتى الناحية التشريعية والسياسة والاقتصادية وكذلك هي تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من عراقتها ، ووجود جذور عميقة في الماضي تتراكم في اللا شعور وتتمثل في العادات والتقاليد والعرف .
وفي هذه البلاد بالذات لعب المقوم الديني دورًا كبيرًا جدًا .. وكانت له القوامة على التشريع والسياسة والاقتصاد منذ العهد الفرعوني حتى العصر الحديث تقريبًا .. فقد كانت ديانة إزيس هي ملهمة الفنان والشاعر .. ومرجع القاضي والمعلم .. ومصدر السياسي والمقنن .. ولم يختلف هذا الوضع كثيرًا لا في العهد المسيحي الذي كان كاهنه الأكبر هو الوالي المنتدب من روما .. ولا في العهد الإسلامي الذي كان الخلفاء يملكون باسم الإسلام .. ويحكمون بأسسه وقواعده .
والإسلام بعد ، دين ممتاز ، تضافرت العوامل الجغرافية والتاريخية ، والملابسات الخاصة به على أن تجعله أصلح الأديان .. ونحن لا نقول ذلك تعصبًا للإسلام .. ولا تقريرًا لما يراه الإسلام نفسه من أفضلية .. ولكنها تلك العوامل التي أشرنا إليها هي التي جعلته كذلك ، فنشأته في بلاد بدوية على الفطرة اضطرته إلى تنظيم المجتمع الإسلامي من كافة نواحيه وأعطته طابعًا من البساطة البريئة من أدران الحضارات العفنة والمجتمعات الطبقية الفاسدة .. وظهوره بعد المسيحية واليهودية جعله يستكمل نقصهما ، فضلا عن أن نبيه وخلفاءه الأول كانوا ولا شك من أعظم الشخصيات التي عرفها العالم نضوجًا وعبقرية وكمالاً .. كما يسلم بذلك الأعداء .. والأصدقاء .
وقد نجحت الدعوة الإسلامية في هذه البلاد نجاحًا باهرًا جعل المراقبين والباحثين يعتقدون أن الدين هو الوتر الحساس الذي ينبض في ملايين القلوب في النجوع والكفور والقرى والدساكر حين لا يكاد ينبض شيء آخر فيه .. ودعوة الإخوان المسلمين هي أكبر تكتل شعبي الآن .. على أنه إذا كان نجاح هذه المعركة يعود إلى عبقرية منشئها الأول ومواهبه ، فإن هناك هيئات إسلامية أخرى كثيرة نشطة رائجة .. والمكتبة العربية تكاد تكون مكتبة إسلامية .. ولا تمثل الكتابات الحديثة بأسرها إلا نصيبًا متواضعًا جدًا منها .
وليس مما يصرف النظر عن اتخاذ العقيدة الإسلامية عقيدة للثورة الاحتجاج بذعر الأجانب أو الأقليات لأن الإسلام يضمن لكل منهم حقوقه كاملة .. ولأن هذه البلاد بلاد أهلها .. وهم السادة فيها ، وهم الذين يقررون ما يعجبهم .. والأجانب أولاً وآخرًا ضيوف .. ليس لهم أن يفتاتوا على صاحب البيت أو سيد الأرض .. ولأن الأقلية عليها أن ترضى بحكم الأكثرية كما تقرر ذلك المبادئ الديموقراطية .
أما الفكرة العتيقة عن الفصل بين الدين والسياسة فقد أصيبت بضربتين في الشرق والغرب بإقامة دولتين دينيتين أولهما باكستان وثانيهما إسرائيل .. فضلاً عن التصدع الذي أصيبت به الفكرة من جراء قيام النهضات في مصر وإيران ومعظم بلاد الشرق على العناصر الإسلامية .. والوعي الديني المتيقظ .
وإذا اصطنع قادة الانقلاب الدعوة الدينية الإسلامية فسيجدون تأييدا خالصا حقا من الملايين ، وسيضمنون ولاء الفلاحين .. وسيتحقق لهم هذا الجمهور المؤمن المتعصب المضحي .. أمنية كل قائد .. وأمل كل زعيم .
ومع هذا ..
ومع هذا فيبدو لنا أن من الصعب العسير على قادة الانقلاب أن يصطنعوا العقيدة الإسلامية لسبب يتعلق بالدرجة الأولى بهم .. وبالدرجة الثانية بالعقيدة أما بهم فذلك لأن قادة الانقلاب أبعد ما يكونون عن اصطناع العقيدة الدينية كأساس للنهضة فمن الممكن أن يكون رجل الجيش رجل دولة .. وقد يصطنع المذاهب السياسية المعاصرة من ديموقراطية واشتراكية .. وأن يحور فيها أو يجدد أو يضيف أو ينقص .. أما أن يكون رجل دين .. فذلك ما يبدو عسيرًا متنافيا مع ما يجب لرجل الدين .. من سمت ومؤهلات في أذهان الناس .. وفي الحقيقة أيضًا ، لأن رائد الفكرة الإسلامية في العصر الحديث يجب أن يكون عالمًا محققاً عظيمًا متضلعًا في فقهه بما يكفل له احترام الاتباع وطاعتهم وانقيادهم .. ويأمن شر المعارضات التي تستند على تأويلات اسلامية .. أما أن يكون الإنسان زعيما لنهضة اسلامية وهو ـ بفضل دراسته المدنية ـ لا يكاد يعرف فرائض الوضوء ، فأمر لا يستساغ ومن أجل هذا كان "الكاشاني" العالم الديني – وراء "مصدق" السياسي المدني . ولو كتب لفضيلة الأستاذ حسن البنا البقاء حتى هذه اللحظة لأمكن اصطناع الفكرة الإسلامية .
قد يقال إن اصطناع الفكرة الإسلامية ممكن بطريق اصطناع الهيئات الإسلامية .. ولكن يحول دون ذلك صعوبات عديدة .. فالهيئات الإسلامية عديدة مختلفة ، لا يضم شملها رباط من روح التعاون والوحدة .. والاتحاد الإسلامي العام للهيئات الإسلامية تسيطر عليه أصغر الهيئات الإسلامية ! ! فضلا عن أن هذه الهيئات لم تقدم .. لا البرامج ولا الرجال وفضلا .. عن أن مثل هذا التعاون لن يكون بمنآى من الاحتكاك والفرقة .. والأمر يستلزم الوحدة الكاملة التامة .
أما عن العقيدة فإننا نلاحظ للأسف الشديد .. أن خدمة الفكرة الإسلامية على ضوء طبيعة العصر الحديث ومجتمعه المعقد لم تتقدم .. ولم تكن محل اهتمام جدي من الهيئات الإسلامية التي تضم تكتلات هائلة .. رغم أن من بين هذه التكتلات عناصر ممتازة الثقافة .. وقد أدي هذا إلى عدم وجود الدستور الإسلامي المفصل الذي يصلح لهذه البلاد .. في هذه الفترة ، والذي يعالج كافة شئون المجتمع .. المدرسة .. الحقل .. المصنع .. الملهي .. البيت .. السياسة .. القانون .. إلخ .. ولاريب في أن الهيئات الإسلامية تلام على هذا النقص لومًا كبيرًا .
وينتج من هذا أن نضطر إلى استبعاد العقائد الدينية كعقيدة للثورة .. ولا يبقي أمامنا إلا فصيلتا العقائد الديموقراطية ، والعقائد المادية .. ولكل منها محاسن وعيوب .
أما العقيدة الديمقراطية .. فقد كانت الأساس الذي قامت عليه الثورتان الفرنسية والأمريكية .. وغايتها تحرير الفرد من ربقة الملوك .. وقد كان الصراع الطبقي مذكيًا لنارها .. إذ أنها أنشأت في العهد الذي تساقط فيه العصر الإقطاعي .. وبدأت البورجوازية في النهوض .. فقامت البورجوازية بهذه النهضة تحارب الملوك والنبلاء وتحطم القيود المفروضة على التجارة والصناعة والتقاليد الاجتماعية التي كانت تجردها من حق المساواة بطبقات النبلاء .. وأدت هذه الملابسات إلى قيام الفلسفة التي احترمها الأحرار والمفكرون والاقتصاديون كل في ناحيته : الاقتصاديون في ميدان الاقتصاد .. وكانت دعوتهم حرية التعامل .. والمشروع الفردي وزعماؤهم آدم اسميث .. وبنتام .. وريكادو ، وفي الميدان الاجتماعي والفكري ظهر فولتير .. وديدرو .. وغيرهم من بقية المدرسة التي ناصبت الكنيسة العداء وحطمت الخرافات الدينية . وفي الميدان السياسي ظهر روسو .. ومنتسكيو .. وكوندرسيه وبقية فلاسفة الثورة الفرنسية الذين اسقطوا الملكية وأعلنوا الجمهورية .. في هذا العهد كانت الديمقراطية عقيدة حارة ممتلئة بالحياة بعيدة كل البعد عن القوالب الجامدة التي صارت فيما بعد جسم الديمقراطية : قوالب الانتخابات .. والمجالس النيابية وما إلى ذلك .. عقيدة تموت في سبيلها الجماهير .. ويشرع المفكرون حولها فلسفتهم كأنها المثل الأعلى المقدس .. كل هذا لأنها كانت بنت وقتها وعصرها .. كانت تمثل التجديد والمستقبل وتأخذ بيد الطبقة الناشئة التي كانت تستشرف المستقبل والنهضة .
ومع أن الديمقراطية فقدت هذه الحرارة .. وأصبحت بعيدة جدا عن أن تمثل المعني التقدمي .. بل كانت سببًا في كثير من آلام المجتمع الجديد ونقصه وفساده إلا أن الفلسفة التي أبدعها المفكرون في هذا العهد حول غائية الإنسان وحرية الفرد لا تزال لها لمعة تستهوي قلوب كل الأحرار وتجذب تأييدهم وولاءهم .
والعقائد المادية على اختلافها رد فعل لفشل الديمقراطية وعجزها الذي ظهر في الميدان الاقتصادي قبل أن يظهر في الميدان السياسي أو الاجتماعي .. إذ أن الانقلاب الصناعي قد عجل به .. وقد ظهر أن فلسفة الحرية والمشروع الفردي كانت سببًا في نمو طبقة الرأسمالية التي لا تقل تجبرًا وتميزًا واستئثارًا عن طبقة النبـلاء .. وعندئذ .. وجد العالم نفسه في مثل الفترة التي مست فيها الحاجة إلى عقيــدة ثورية للطبقة الوسطى .. بيد أن الحاجة هذه المرة إلى العقيدة الثورية كانت للطبقة العاملة .. ضد البورجوازية القديمة ، والرأسمالية الحديثة .. ولم يبطأ العصر أن قدم الفلسفة التي تبلور هذه العقيدة في شكل الشيوعية التي نهض بها نهضة رائعة .. كارل ماركس وإنجلز .. وأقاما لها بناء ممردًا اقتصاديًا .. وفلسفيًا لا يزال حتى الآن الكعبة التي تطوف حولها الطبقة العاملة .
وكما كان أمل الطبقة الوسطى المحرومة من الحقوق في العقيدة الديمقراطية منصبًا حول الحرية والمساواة ، فإن أمل الطبقة العاملة في العقيدة المادية كان منصبًا على الكفاية والطمأنينة وقد كفل قادة العقائد المادية لهم ذلك .. فتبعتهم الجموع كالقطعان .
وعندما ننظر إلى هاتين العقيدتين من وجهة النظر المصرية ، ومن ناحية التوافق الزمني .. نرى أن البرجوازية المصرية قد نهضت في سنة 1919م وأقامت ثورتها لكي تزيل السادة الإنجليز – نبلاء ذلك العهد – وتفسح أمامها المجال .. ولعل الثورة لم تنجح في شيء كما نجحت في الناحية الاقتصادية .. فبنك مصر هو الابن البكر والشرعي للثورة .. وطلعت حرب هو خير ممثل للبرجوازية المصرية الناهضة وليس أدل على ذلك من أن طابعه الشخصي وأفكاره وسلوكه كانت كلها أمثلة حية للبرجوازية .. وقد وصلت البرجوازية المصرية إلى درجة الرأسمالية فأصبحت العقيدة الديمقراطية أقدم مما يجب .
ولكن من ناحية أخرى فإن وجود الاستعمار السياسي وطغيان أسرة محمد علي قد ضيق مجال الحرية الفكرية وعطل التقدم السياسي ووصل الطغيان إلى ذروته في الأيام الأخيرة لفاروق .. وأدى ذلك أن اكتسبت فكرة الحرية – وهي عماد العقيدة الديمقراطية – أهمية جديدة .
كذلك لم يصل التصنيع بالبلاد إلى درجة التوسع التي يسمح فيها ببروز الطبقة العاملة ، وريثة الطبقة البرجوازية .. أو قل ان الاستعمار ، وطغيان الملوك نجحا في اعاقة الطبقة العاملة عن الاتحاد والتبلور .. فمد بذلك في عمر الديمقراطية .. ومنحت مهلة جديدة .
وفوق هذا وذاك ، فإن قوة العقيدة الدينية ، تلك القوة التي أشرنا إليها من قبل ، لم تجعل من السهولة على الطبقة العاملة ان تحدد أهدافها بوضوح وشجاعة .. وأرغمتها على أن تلف كثيرًا قبل ان تنتهي إلى الغاية فضلا عن أن الديمقراطية كعقيدة وخلق ومعنويات لم تدخل المجتمع المصري .. وإن دخلته كنظام سياسي ، لهذه الأسباب كلها تجاوزت البلاد الديمقراطية من الوجهة الزمنية ولكنها مربوطة بها .. وتستشرف الشيوعية ولكنها تعجز عن الوصول إليها .
وفي مثل هذا الموقف يكون كلا من العقائد الديمقراطية والمادية عاجزة عن أن تفي بحاجات المجتمع أو ان تطابق تقدمه الزمني .. فالاقتصار على الديمقراطية تأخير للبلاد .. وعودة بها إلى عصر الاقتصاد الحر .. والمشروع الفردي وجذبها نحو الشيوعية هو مجاوزة لما تستطيعه البلاد .. وسبق لتقدير امكانيتها ، وأحوالها ومقاومة لعناصر عقدية قوية .. مكينة في الشعب .
هذا كله من ناحية التطور والموافقة الزمنية للديموقراطية والشيوعية .. أما من ناحية لياقتهما من الناحية الموضوعية فإن كلا منهما لا يسلم من نقص يهدده تهديدًا خطيرًا .. فالديموقراطية والشيوعية تفتقدان عنصر المعنويات .. إن دافع الربح والشعار المأثور "اشتر بأرخص الأسعار وبع بأغلاها" لا يمكن أن يشبع الحاجة إلى المعنويات والإيمان في النفس الإنسانية .. كما أن غلبة الناحية المادية .. على الشيوعية وجبريتها الضيقة .. واقتضاء الكفاية – هدفها المنشود – على حساب المعنويات نقص معيب وفي ناحية التنظيم بليت الديموقراطية بدعوى الحرية التي لم تلبث أن صارت تحللا من كافة الاعتبارات والديمقراطية تمنح الرأسماليين الحرية في إمتصاص دماء الشعب .. ثم تسمح للطابور الخامس في أن يتآمر على الرأسماليين .. وتمنح المفسد المدمر .. الهدام .. الحرية التي تمنحها للمصلح .. الباني .. المشيد بحجة أن عمل كل واحد منهما سيحكم عليه .. وفاتها أن المجتمع الإنساني قد وصل من التشابك والتعقد والتصنع إلى درجة يمكن أن يحجب فيها التمويه الحقيقة .. وأن يطرد الأشرار الأخيار .. كما تطرد العملة المزيفة .. العملة الصحيحة .. أما الشيوعية فإنها أصيبت بلعنة الدكتاتورية المصمتة التي لا يمكن أن تنفذ منها أي معارضة – ولاريب في أن الدكتاتورية نقص خطير يهدد الدولة .. كما أنه اعتداء صارخ على النصيب المشروع للفرد من الحرية .. وهكذا نرى أنه لا بد من عقيدة أخرى خلاف الديمقراطية والشيوعية ، عقيدة لا يكون فيها تقديم أو تأخير ولا إفراط أو تفريط .. عقيدة تبرأ من الديكتاتورية .. ومن التحلل معًا .. وتستكمل المعنويات والماديات معًا .. فأين نجد هذه العقيدة .. ؟
إننا نجد هذه العقيدة في "الاشتراكية الوطنية" .
وكمذهب فكري عالمي ، فإن الاشتراكية الوطنية هي مذهبنا المفضل من زمن بعيد .. ولكن لو لم يكن هذا التفضيل موجودًا من قبل ، لكان يجب أن يوجد اليوم .. لأن الاشتراكية الوطنية هي عقيدة كل انقلاب مماثل .. وهي العقيدة التي يمكن أن يصطنعها قادة الانقلاب وأن يسيروا في الطريق الذي سار فيه مصطفى كمال وهتلر .. مع تعديلات خاصة بالوضع المصري من شأنها ان تجعل الطريق لا ينتهي كما انتهي بهتلر – وهو أيضا صاحب اشتراكية وطنية – إلى الهزيمة التي كان مردها الأساسي الخطأ في السياسة الخارجية أما من الناحية الداخلية فقد كان الشعب الألماني مطمئناً إلى نظامه على ما فيه من تحكم .. وإن كان من العسير أن نفصل بين الناحيتين الداخلية والخارجية .
وسنضطر في سبيل ذلك إلى إضافة عناصر قد تميع من الحركة وأصالتها .. ولكنها تمنعها من الخاتمة الرهيبة ، خاتمة الانزلاق إلى الطغيان الأسود المقيت والتحكم السئ الشامل وما يجلبه هذا من فساد .. بحيث تخرج الاشتراكية الوطنية المصرية من دائرة الاشتراكية الوطنية التي عرفها العالم مذهبًا فاشيًا وتتميز في الوقت نفسه عن الاشتراكية بكونها تطبق بأسلوب وطني مرشد يتسم بكثير من الإخلاص والحرارة والحماسة .. وبعد عن الأساليب التجريدية النظرية التي تلتصق بالاشتراكية كمذهب سياسي دولي .
ولكي نوضح فكرتنا عن الاشتراكية الوطنية المصرية كما نريد أن تكون نضع أربعة خطوط أساسية :
الخط الأول : الاشتراكية الوطنية المصرية – عكس الديمقراطية والشيوعية وشتي المذاهب النظرية العامة والمجردة – تحترم فكرة الوطن وتعطيها نصيبًا كبيرًا من التقدير والاعتبار .. وتبنيها على علاقات تكاد تكون عضوية بين المواطن ووطنه .. ولكن هذا التقدير لا يبلغ قط مرحلة هجومية .. ولا يكون على حساب بقية الأوطان الأخرى .. كما لا نهدف الانزواء عن العالم أو محاربة فكرة العالمية لأنها ترى أن تميز الوطن عن بقية الأوطان إنما يكون في دائرة من هذه الدوائر التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم القرية .. إلخ .. والتي لا يتنافى الوجود الذاتي لكل واحدة على حدة مع كونها داخلة في الدائرة الأكبر منها .
فالاشتراكيون الوطنيون .. مصريون أولا .. يضعون الاعتبار الوطني في المحل الأول .
الخط الثاني :  تقوم الفلسفة الاشتراكية الوطنية على الفكرة الإنسانية نفسها التي قامت عليها الديمقراطية والمذاهب الحرة : فكرة الغائية الإنسانية .. واحترام الإنسان ولكن الاشتراكية الوطنية ترى الإنسان اسم جنس لا الفرد ، فالإرادة الواجبة التقدير ليست هي إرادة الفرد أو الأقلية وإنما هي إرادة المجموع والأغلبية .
الخط الثالث : للاشتراكية الوطنية صفات ثلاث يجب أن تكون ملحوظة ملموسة في كافة اصلاحاتها وأوضاعها .
الصفة الأولى : الحــــــــــــــــرية : وهي ثمرة الفكرة الفلسفية للاشتراكية الوطنية ، وما كنا في حاجة للاشارة إليها لولا أن تضارب حرية الفرد بحرية الجماعة يحتم علينا أن نحدد حريات الفرد وهي الحريات التي لا تلحق بالجماعة ضررًا أو أنه إذا كان هناك ضرر فيمكن تبريره بما تجلبه من منافع وحسنات ، وحريات الفرد في الاشتراكية الوطنية هي حرية العقيدة وحرية الكلام والنشر وحرية المعارضة السياسية ، وحرية الانتخاب أي الحريات الممنوحة للفرد في الديمقراطية ما عدا الحرية الاقتصادية التي اتضح أنها تتبع الصفة الثانية "العدالة" أكثر مما تتبع الصفة الأولى "الحرية" ذلك أن "الريع" أو الثروة الفائضة هي في أساسها ثمرة جمعية ساهم فيها المجموع فليس للأفراد الاستئثار بها أو اعتبارها حقا فرديًا بعــد الاستيلاء عليه أو التصرف فيه تعديًا على الحرية الفردية .
الصفة الثانية : العدالة :  وهي في نظرنا أمران ، أولا : تعيين حد أدنى للمعيشة لا يمكن لأي فرد أن يعيش على أقل منه ، وضمان هذا الحد . ثانيًا : إتاحة تكافؤ الفرص للجميع ، وهذا يتطلب تقريب الفروق بين الناس وتحديد الحد الأعلى لأنه لا يمكن أن يكون هناك عدالة في توزيع الفرص إذا جعلنا أحد الناس يبدأ غير مسلح إلا بالحد الأدنى بينما يبدأ الآخر مسلح بمائة ألف من الجنيهات ورثها عن أبيه أو أمه .. فلا شك أن الأول سيكون عاملا عند الثاني ولو كان الأول عبقريًا فذا .. والثاني غبيا لا يفهم شيئا ، فالعدالة ليست اعطاء الفقير ومنحه الكفاية فحسب بل هي أيضًا أخذا من الغني وتحديدا لسرفه ، وإن تناسى هذا المعنى الأخير واقتصارالعدالة في أذهان الناس وكتابات البحاث على القسم الأول لمن الأشياء التي تثير الدهشة حقا ، ولن يتحقق هذا تمامًا إلا إذا محيت الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وانتفى نظام التوريث : وعندئذ فحسب يمكن أن يبدأ الجميع من خط واحد كما خلقهم الله ، لا كما صنعتهم النظم الطاغية المغرضة للمجتمع ، وسنعود إلى شرح هذا الاجمال في الباب الثالث من الكتاب .
الصفة الثالثة : العلـــــم : وهذه الصفة مشتقة من الصفة الإنسانية لفلسفة الاشتراكية الوطنية .. إذ يمثل العلم النشاط الحيوي للانسان خاصة ، والإنسان بدونه لا يفضل الحيوان وقد استغلت الشعوب قديما وسيرت كالقطعان .. لأنها لم تكن مسلحة بهذا السلاح الإنساني القوي "العلم" .
وفي البلاد الرأسمالية كان العلم – كقوة تحريرية – مربوطا دائمًا إلى القوى الرجعية أو المصالح الطائفية أو مقصورًا على القلة المميزة .. وحتى الآن في انجلترا لا يطمع الأب العادي من الطبقة الوسطى في أن يدخل ابنه "المدارس العامة" ذات المصاريف الباهظة .. كما قيدت الكشوف العلمية بالوضعية الرأسمالية فأي اكتشاف من شأنه أن يقلل الاستهلاك يحارب بشدة فإذا لم يكن للشركات الانتصار على المخترع اشترت حق تطبيق اختراعه ووأدته ، وقد سخر برنارد شو طويلا من الديموقراطية في مسرحيته "عربه التفاح" إذ افترض وجود ما سماه "شركة الكسر المساهمة" وهو اتحاد الشركات التي تقوم بصنع أدوات الاستهلاك والتي تحارب أي تقدم صناعي من شأنه أن يجعل المنتجات أشد متانة وأعظم بقاء .. كأن لا يتكسر زجاج اللمبات الكهربائية مثلا .. كما ربط العلم طوال القرون الوسطى إلى عجلة الدين والكنيسة وكان في خدمة الخرافة وتبرير الادعاءات السخيفة التي ارتآها رجال الدين الجهلة .
أما في الاشتراكية الوطنية فالعلم أساس من أسس الدولة ، وحق لكل فرد وجزء من إنسانيته ، ولعله أبرز أجزائها ، ونشره واذاعته واعتباره أساسًا من أسس الدولة يتفق تمام الاتفاق مع فكرة الحرية والشعبية التي تقوم عليها الاشتراكية الوطنية ، وتحرير الشعوب من أسار الحرمان .. وقيود الخرافات والترهات التي ملكت البشرية طويلا .. والتي تملك الآن الريف المصري وتقبض عليه بيد من حديد .
ومن يراجع دخول الاشـتراكية يلحظ شـيئا عجيبًا أن العلم معها .. كلما انتشرت انتشرت العلوم .. فإذا انتصرت وحكمت قفز عدد المدارس والمتاحف ودور السينما والمسرح ، وتقدمت البحوث وتحررت العقــول – كما تم في روسيا – الأمر الذي يشهد به الباحث المنصف الذي يقول الحق كله ، فلا يذكر النقائص وينسى المحاسن .
الخط الرابع : منهاج الاشتراكية الوطنية عند العمل يقوم على اقتصاد موجه ترسمه الدولة بعد استعراض كافة وجهات النظر ودراسته دراسة تشترك فيها كل الهيئات والأفراد .
فتعلن الدولة في الصحف والاذاعة عن رغبتها في عمل المشروع الفلاني وانها ترجو الشعب أن يوافيها في حدود شهر مثلا بما يراه في الفكرة أصلا .. ثم في الطرق العملية وتكون هي من ناحيتها لجنة للبحث ، وتتولى لجنة ثالثة دراسة المقترحات الحكومية والشعبية ، وتنتهي بما تراه أصلحها ، وهذا الاقتصاد الموجه ينفذ بطريق سلسة من المشاريع الانشائية الجبارة يقصد بها مضاعفة الانتاج أضعافا مضاعفة حتى يمكن تنفيذ ضمان الحد الأدني : الذي يجب أن يكون كريمًا ما أمكن ذلك .
ولما كان الهدف الأول من المشاريع هو المصلحة الشعبية لا الربح الفردي فسيمكن سلبيًا التخلص من تبذيرات الاقتصاد الرأسمالي الفردي من اعلان أو منافسة أو تخزين .. الخ .. وإيجابيًا الانتفاع بقوى المشاركة الشعبية الهائلـة .
هذه هي الصفات المميزة للاشتراكية الوطنية وهي التي تبرز أفضليتها من الناحية الموضوعية ، وهناك مميزات أخرى يالنسبة للوضع المصري ، فهى في روحها التنظيمية وتركيزها القوة توافق طبيعة الحكم المصري الذي تطلبه الرى من أقدم العصور ، وهي بطبيعة ما فيها من نزعة اشتراكية يمكن أن تعد منهاجًا انقلابيًا يتسم بكل الخصائص الثورية .
وكذلك لا تتعارض هذه العقيدة – الاشتراكية الوطنية – مع العقائد الدينية ولا تحوطها العداوة التقليدية الموجودة بين الهيئات الدينية وبين الشيوعية ، بل إن في هذه العقيدة الحيلولة دون تحقيق البرنامج الشيوعي ، لأن مقابلة الصراع في منتصف الطريق وتلافي عيوب الرأسمالية قبل استفحالها سيحول دون وصول الصراع إلى نهايته المحتومة ، وبالتالي سيحول دون تحقيق الشيوعية .. ومن هنا كانت هذه العقيــدة جديرة بعطف الهيئات الدينية ، مستحقة لمعاونة كل الذين يؤمنون بالمعنويات وضرورة نصرتها على الماديات .
وأخيرًا فيجب أن لا ننسي أن عقيدة الاشتراكية الوطنية أكثر إنسانية من أي عقيدة أخرى أكثر إنسانية من العقائد الدينية لأن هذه العقائد بأسرها لا تقوم على الإنسان ، وانما تقوم على المبادئ ، وقد عالجنا أخطار ذلك بتفصيل في كتابنا "ديموقراطية جديدة" ووضحنا أن المبادئ عرضة دائمًا للاستغلال والتحريف وأنها لم ترزق قوة الحياة أو المدافعة عن نفسها . لهذا يجب أن يكون للعنصر الإنساني نصيب بارز ، لأن فيه وحده القوة الحيوية ، وقد نعود إلى شرح هذا المعنى في الباب الثاني من هذا الكتاب ، والاشتراكية أكثر إنسانية من الشيوعية والديموقراطية ، لأنهما وان كانتا قد بنيتا على أساس انساني إلا أن الأولى تحيف على عنصر الحرية ، والثانية تحيف على عنصر العــدالة ، ونتج من هذا أن قل نصيب الشعوب من هذين .. كل في بلده ، أما الاشتراكية فإنها مؤسسة على العقيدة الإنسانية ، مجيزة للمعارضة السياسية وحرية الفكر ، عاملة على تحقيق العدالة .. شاملة لمزايا الجميع .   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[4]
حزب  من نوع جـديد
ـــــــــــــــــــــــ
عندما ينطق الإنسان بكلمة "حزب" تتراءى أمام خاطره الصور الهزيلة للأحزاب المصرية ، فيشعر بالتقزز ، والاشمئزاز ، والزهد في أي حزب .. مهما كان ، ويلعن – كما لعن محمد عبده من قبل السياسة – ومشتقاتها .. وما جاء من ساس ويسوس .
ونحن في حاجة إلى قوى كبيرة لتقاوم الدعاية السيئة التي أوجدتها الأحزاب المصرية حول فكرة الأحزاب نفسها ، إذ ما من ريب في أن التنظيم الحزبي ، كان ، ومايزال ، الطريقة الشعبية الوحيدة لمواجهة التنظيم الحكومي وإظهار الارادات الشعبية التي تستجد بين فترة وأخرى ، وحالة الأحزاب المصرية حالة فريدة لأنها ما كانت لتنحدر إلى هذا المستوى لولا وجود الاستعمار والطغاة من الملوك ، فهى في الواقع أحزاب استعمار وملوك .. لا أحزاب استقلال .. أو شعوب .. وقد كانت سياسة فتح الباب لتأليف الأحزاب ، سببًا في إيجاد قلقلة وفرقة في البلاد الديموقراطية . ولكن هذه المساويء لم ترتفع إلى ما ارتفعت إليه قائمة مخازي الأحزاب المصرية في عهدها الاستعماري – الملكي .. البائد ، لهذا يكون من الخطأ أن نحكم على فكرة الأحزاب بواقع الأحزاب المصرية التي ليس لها من أصول الأحزاب إلا الاسم ، والتي تضافرت عليها عوامل استثنائية أودت بها .
وقد جعلنا سياستنا في هذا الكتاب أن العمل يمحو الكلام وأن الحقائق تستأصل الأوهام ، فإذا مست الحاجة إلى تأليف حزب فيجب أن لا يقف في سبيل ذلك فكرة الناس السيئة عن الأحزاب .
فهل تمس الحاجة إلى أن يؤسس قادة الانقلاب حزبًا من نوع جديد  ؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نستعرض الحالة .. دون تأسيس الحزب .. ثم بعد تأسيسه وفوائد ومضار كل من الحالتين .
إذا لم يؤسس قادة الانقلاب حزبًا جديدًا لهم ، فسيكون أمامهم أمران الأول أن يدعو الأحزاب المصرية البالية على ما هي عليه .. والثاني أن يلغوها جميعًا .
وفي الحالة الأولى ستناصب الأحزاب الحركة العداء ، ولن تغفر لها قط أنها أزالتها عن عرشها .. لن يغفر الوفديون ما ألحق بزعيم الأمة .. المزعوم ! ولن يغفر السعديون سجن رئيسهم البغيض المقيت ، ولن يغفر الأحرار الدستوريون سادة الريف .. وملاك الاقطاعيات قانون تحديد الملكية ، سيناصب هؤلاء جميعًا الحركة العداء .. ولن يستطيع قانون تنظيم الأحزاب أن يحسم شرورها ، مهما كانت رقابته وسيكون في أيديهم الصحف .. والمجلات .. وتحت تصرفهم اللجان والشعب وما إلى ذلك في الوقت الذي لا يكون فيه للحركة إلا "بوليس أمن دولة !" .
قد يقال إن الوعي العام .. معهم .. وآحاد الشعب في أربعة أركان البلاد يؤيدونهم ، وهذا صحيح ، ولكنه من الوجهة العملية لا قيمة له ! لأن الوعي العام ما لم ينظم ويركز ويبلور في مبادئ محددة واضحة ، وأشخاص يمثلون هذه المبادئ ويقومون عليها ، بدون ذلك لا يكون للوعي العظيم أثر كبير ، وقد رأينا مصداق ذلك عقب حوادث 16 يناير فالوعي الشعبي الذي كان قد وصل إلى القمة هوى إلى الحضيض وانتكس لأنه لم يقم على أساس العقيدة التي يقف وراءها حزب شعبي وإنما أشعلته الصحافة الحرة بالدرجة الأولى .. الاشتراكية واللواء والكاتب والملايين والدعوة . والكلمة المطبوعة ليس لها كيان ثابت حتى يدافع عنها .. وينظمها .. ويستولي شيئا فشيئا على الأرض التي تكسبها حتى تثبت أقدامها وتستفيد منها .. ولو أن الإخوان المسلمين .. أو الوفد كانوا وراء هذا الوعي لما أمكن للملك السابق أن يبطش بالحركة .. وأن يهوي بها . وقد قال المثل "إن في السويداء رجالا .. " ولم يقل إن في السويداء صحفا أو رأيًا عامًا" .
فالرجال .. والنساء منظمين في شكل حزب ، وعلى أساس عقيدة .. هم القوة الحقيقية التي تستطيع أن تتقدم .. وتحول دون التبــدد أو الاستغلال أو الانتكاس ، أما الرأي العام وحده فهو لا يكفي .
وإذا ألغى قائد الحركة الأحزاب كلها دون أن يألفوا هم حزبًا فسيكون هذا خطرًا ماحقاً يهدد مستقبل الحركة ، إذ لن يقابل تنظيم الحكومة أي تنظيم شعبي ولن يستطيع الذين في الحكم أن يتلمسوا الرغبات الشعبية ، ولن توجد المعارضة التي تحول دون الاستبداد السئ ، أو الغرور أو الإنزلاق ، كما ستتبدد كتلة الشعب السياسية ، وبالتالي لن يلمس وجوده في المحيط السياسي .
ومن الناحية العملية يبدو أن تحقيق ذاك ليس سهلاً ، نعم من الممكن إلغاء الأحزاب بجرة قلم ، ولكن هذا ليس معناه أن لا تقوم هيئات سرية .. وجمعيات تعمل للقصد السياسي متملصة من إسم "حزب" أو تنظيمه ، وسيكون في هذا كله صدمة للرأي العام الذي وإن كان لا يأسى على الأحزاب .. إلا أنه مرن على الحرية .. وكانت المهاترات الحزبية سببًا في أن يسخر من حاكميه ويضعهم في قفص الاتهام حينا .. وفي صور الكاريكاتير حينا آخر ولعل هذه هي الحسنة الوحيدة للأحزاب وإن لم تكن مقصودة بالطبع ، وقد كان أشد ما يضايق الناس في الأحكام العرفية – بعد الاعتقالات – الرقابة على الصحف ، تلك الرقابة التي كانت تحرمهم من "التنكيت" حيناً .. والمعارضة حينا آخر للوزارة التي في الحكم .. ومن المشكوك فيه أن يتقبل الشعب بالرضا كبتا طويلا حتى .. وإن عوض عن ذلك بأقساط متتالية من الإصلاح .
هذا كله فضلا عن أن الحركة إنما قامت لحفظ الدستور ورعاية لروحه ، وضمان الحريات ، وقد تعهــد قادة الانقــلاب بذلك كله بصراحة ، وفي تأكيد يجعل النكوص عنه ، صدمة للرأي العام ، ويوجد مجالا للتشكيك في قيمة أحاديث وتعهدات رجال العهد الجديد .
وطريقة الحكم في الحالتين توضح لنا الحرج الشديد الذي سيقع فيه قادة الانقلاب إذا لم يأسسوا حزبًا .. فهم لا يستطيعون تجاهل الأحزاب مادامت موجودة ، ولن تصبر هي على تجاهلها ، فإذا ألغوها فسيضطرون – بدون حزب لهم – أن يحكموا الشعب حكمًا ديكتاتوريًا دون أن يسندهم تكتل – فيما عدا بالطبع تكتل الجيش – ومهما قيل من أن قادة الحركة سيصلحون ، وإنهم إنما ينفذون إرادة الشعب ، فإن الباحث المفكر يعلم جيدًا أن أي حكم يعطي الحاكم فيه نفسه صفة الأستاذ ، وينظر إلى الشعب كالتلميذ ، ويرى مهمته أن يوجهه ويؤدبه ، لا يمكن قط أن يسمى حكمًا شعبيًا فقد يخطئ الأستاذ غدا ، وإن أصاب اليوم ، ولن يستطيع الشعب أن يصلح خطأه أو حتى يلفت نظره ! ومادام قد منح نفسه صفة الأستاذية ، وحق التأديب ، فلن يتردد في أن يشهر عليه العصا – إذا ظن ضرورة لذلك ، أن هذا الحكم قد يوصف بصفات كثيرة . حسنة أو سيئة ، ولكن ليس من هذه الصفات "الشعبية" .
ولننظر الآن إلى الوضع إذا أسس قادة الحركة حزبًا في حالتي إلغاء الأحزاب .. أو عدم الإلغاء .. فلا ريب أن وجود حزب – في حالة الإلغاء – هو مما يخفف من معني الانفراد بالحكم . وانفصال الحكومة عن الشعب .. ومما يساعد الحكومة على معرفة الرغبات الشعبية فضلا عن أنه – وتلك في منتهى الأهمية – سيضمن تأييدًا شعبيا للحكومة ، فتحكم وهى واثقة أن جنودها المدنيين يحمونها في السلم كما يحميها جنودها العسكريون في الحرب وهو كذلك يمكن الشعب من التكتل ، حول مبادئ معينة . والتكتل بصفة عامة خطوة نحو "الشعبية" وقد استطاع الحكام الأقدمون حكم الشعوب حكما استبداديا لأنهم كانوا يواجهون أفرادًا .. لا تكتلات .. فوجود تكتل في الشعوب يفضل دائمًا على عدم وجوده .
على أنه لابد أن نقول ، ونؤكد هذا القول ، إننا لا نوافق البتة على إلغاء الأحزاب ، ولا على نظام الحزب الواحد ، ونرى في هذا تأخيرًا في الوقت الذي نريد فيه التقدم ، بل نرى أن قانون تنظيم الأحزاب لم يكن له داع ، فقد كان من السهل تقديم كل زعماء الأحزاب المصرية إلى المحاكمة لتصمهم بما هم أهله من الصغار والخيانة والدناءة ومساعدة الاستعمار ، وممالاءة الطاغية واستغلال النفوذ وعندئذ كانت تتهاوى هذه الأحزاب .. وتتساقط تحت الأحكام المدوية التي يحكم بها القضاة ، وكان هذا أفضل في التطهير من القانون الذي صدر ، والذي فيه إلى حد ما ، معنى من معاني تدخل الحكومة .. وهذا التدخل إذا كان الآن جميلا لأن الذين في الحكم أناس يتصفون بالاتزان والرصانة ، ولأن المقصود بهذا القانون يستحقون الشنق .. لا التنظيم ، إلا أن تظرتنا إلى القوانين يجب أن تتجرد من صفة الملابسة ، واللحظة الحاضرة ، والمعاني الفردية ، فالقوانين تسن لتعيش ، ولتطبق على كل الناس ولئن كانت الأحزاب الحالية سيئة فيجب أن لا يحملنا ذلك على الحكم على الأحزاب التي لا تزال في ضمير الغيب ، لو رزفت الحياة لطالبت بحقها في الحرية ، ولكنها تكل هذا الحق إلى المعاصرين ، كما يكل الابن إلى أبيه وأمه ، حقه في الحياة الكريمة يطالبان له بها .. ويعملان له من أجلها .
وهكذا نرى أن الوضع السليم هو أن يؤلف قادة الحركة حزبًا جديدًا ، وأن يدعوا ، في الوقت نفسه ، الميدان مفتوحًا للأحزاب الأخرى ، وسيكون لهم وحدهم الكفة الراجحة على الأحزاب جميعًا وأحسن من هذا أن يرتبط رجحان الكفة بدوام عملهم ورصانتهم ، فإذا تحولوا .. أو كسلوا خسروا أفضليتهم . وعلى كل حال فيمكن لهم أن يطمئنوا إلى أنهم يستطيعون الحكم دون منافس لمدة طويلة بفضل ذكرى ما قدموه للبلاد من أياد لا تنسى ، وعليهم خلال هذه المدة أن يعملوا من الأعمال العظيمة ما يكفل لهم الحكم – والإصلاح – فترة أخرى .. وهلم جرا .
والواقع أننا – من كل قلوبنا – نريد لقادة هذه الحركة – زعماء الحزب في المستقبل – أن ينفردوا بالحكم عهدًا طويلا حتى يستطيعوا القيام بالمشاريع الانتقالية ، ولكننا نحتفظ بالأحزاب الأخرى بصفتها قوى المعارضة التي توضح دائمًا وجهة النظر الأخرى ، وصمام الأمان الذي يحول دون التهور والانفجار ، وعلى هذا فسيكون الحزب الجديد – من الناحية العملية – في مثل وضعية الحزب الواحد أي أنه هو الذي سينفرد بالحكم بفضل أغلبية ساحقة . ولكن مهمته لن تكون سهلة .. بقدر ما لن يتعرض للخطأ والزلل وهذا وذاك بفضل وجود الأحزاب الأخرى .
ومن الممكن أيضًا أن يضم هذا الحزب إلى جانب وزرائه وزيرًا أو اثنين من أعضاء الأحزاب الأخرى .
ومن ناحية أخرى ، فإن قيام هذا الحزب القوي سيثير الحماسة والمنافسة الإصلاحية ، فالأحزاب القديمة ستتهاوى ، إذ سيشترك في الحزب الجديد كل الشباب المؤمن ، المخلص وستقفر دور الأحزاب تمامًا وتزداد خواء على خوائها ، وسيجن رؤساؤها حينما يجدون أنهم خسروا أوراقهم الرابحة قبل أن يدخلوا المعركة ، ودون حرب تكسبهم مظهر المكافحين أو شرف الشهادة .
على أن أهم ما في الموضوع هو أن تأليف هذا الحزب سيكون فيه الحل الموفق للإشكال الحادث حاليًا حول طريقة الحكم . والوضع الذي يبدو غير طبيعي ؛ لأن البلاد حتى الآن لا تزال في دائرة الحكم العرفي – الذي شاءت حكمة قادة الحركة ان تكون واسعة جدًا ومطاطة بحيث لا يشعر أحد بضيقها – ولكنها على كل الأحكام العرفية البغيضة وقد أظهرت ذيلها عنما أعادت الحكومة مرسوم الرقابة على الصحف ، وان كانت الرقابة حكيمة متزنة – شأنها شأن كل اجراء وقائي اتخذه هذا العهد – ولكن الرقابة هي الرقابة .. والطريقة الشعبية لعقاب الصحف التي تسئ استغلال صفتها هي تركها للجماهير تعاقبها بطريقتها الخاصة ، لا فرض الرقابة عليها . وعندما وجهنا سؤالا صحفيًا إلى سيادة الرئيس محمد نجيب حول حرية الصحافة تعمدنا ان يتضمن هذا المعنى(1) .
فالوضع الحالي ليس بالوضع السليم الدائم . ولا سيما إذا قورن بتعهدات قادة الحركة نحو الدستور والحريات ، والحل الوحيد هو أن يؤلفوا حزبًا ، ولا أشك أن سيكون لهذا الحزب الأغلبية الساحقة إذا قام على أساس الخطط التي أوضحناها في هذا الكتاب . وبذلك يستطيع قادة الحركة اكتساب الصفة الدستورية ويستطيعون الحكم بتأييد شعبي صحيح كما سيضمنون السيطرة على الجيش تبعًا وسيستطيعون بلورة الحركة الإصلاحية حول الحزب الجديد وعقيدته الثورية وسيقف حوله جيل جديد من شباب الجامعة .. والعمال والفلاحين وصغار الملاك .. والموظفين . وعندئذ يستطيعون أن يرفعوا إلى كراسي العضوية ومجالس النيابة رؤساء نقابات عمالية .. وفتيات مكافحات .. ومهندسين تلمع في عيونهم الشابة .. الحلم الكبير : حلم بناء دولة مصر بالأسمنت .. والحديد وانتشالها من هوة الضعف بقوة الأحصنة الكهربائية .. وأساتذة تموج في قلوبهم آمال تحرير شعب بأسره ، رجالا ونساء ، شيوخا وأطفالا ، من قيود الخزعبلات والأساطير والترهات .
بهذا الحزب لا يضطر محمد نجيب أن يذهب إلى الجامعة .. ليهدئ ثائرة الطلاب .. ويئد ما قد يفكر الشيوعيون أو الوفديون أو غيرهم من المؤامرات ، لأن الجامعة ستكون ثكنة من ثكناته تمتلأ بجيش متحمس له .. يعمل عنه ، وله كل شيء ، ويحمل أوامره إليها مندوبون من الكليات أنفسهم مطاعون من الطلبة كما تقتضي آداب الدعوات ذلك .. وتسهر على أمن الجامعة عيون الطلبة أنفسهم وآذانهم التي يسمع وترى مالا يسمعه أو يراه بوليس الجامعة .. أو بوليس أمن الدولة .. أو حتى البوليس السياسي العتيد .
إن أنصار محمد نجيب يتخبطون .
الفلاحون والعمال الذين خلصهم محمد نجيب من الطاغية وحررهم من الرأسمالية والذين يأملون على يديه أن يستكملوا حقوقهم .. ويريدون بحرارة واخلاص أن يسيروا وراءه إلى آخر الشوط ، هؤلاء لا يعرفون الطريقة التي يظهرون بها تأييدهم له سوي الدعاء الحار .
ومحمد نجيب نفسه ليس أقل منهم حيرة وتخبطاً .
إن كرسي الرئاسة ، والروتين ، والرسمية كلها تضايقه .. وتقيده . وفيما عدا مجلس القيادة .. فإن جيش الأتباع والموظفين والمتملقين يلاحقه ، وافتقاد القاعدة الشعبية المعينة والعقيدة الإصلاحية المحددة يجعله يكتفي – عندما يريد الإصلاح – بأن يقدمه إلى الشعب عن طريق الإذاعة اللاسلكية مشفوعا بكلمة يبدأها "بني وطني ..." .
ولابد من نظام يقف هذه الحيرة .. ويجمع بين محمد نجيب والشعب ويلف الأتباع حول الزعيم ، وينظم هؤلاء الأتباع تنظيمًا يمكن الاستفادة منهم .. والاعتماد عليهم .
أما الدعاء الحار من ناحية .. وأما الإذاعات اللاسلكية من ناحية أخرى .. فكلها تذهب مع الريح .
تذهب .. كما تذهب الكلمة المطبوعة .. وكما تنسي الحفاوات الحافلة .. والمواكب الكثيفة .. والاستقبالات التي يحتشد لها الآلاف المؤلفة .
قد يقال إن تأسيس الحزب سيوجد الفرقة ويخلق المهاترة وينزل بالحركة وقادتها من المستوي الرفيع وإجماع التأييد الذي صادفهم .
ولكن الواقع غير هذا . إن الحزب لن يكسب قادة الحركة أعداء جددًا .. ولن يغير الأنصار والأتباع .. إلا إذا كانوا قد نصروا وأيدوا لأغراض في نفوسهم .. واستبعاد هؤلاء من قائمة المؤيدين مطلوب ، فالحزب سيقوم بعملية تصفية تظهر المؤيد فننتفع به ، والعدو أو المحايد فنحاربه أو نعمل على كسبه وتحسم هذه الميوعة التي يشكو منها الشعب وقادة الحركة : الشعب لأنه يريد أن ينصب إيمانه على مبادئ لا على أفراد ، ولأنه يريد أن يكون تأييده مصحوبًا بخطة واضحة في الإصلاح .. ولأنه يريد فوق هذا أن يعلم على أي أساس يحاسب هؤلاء القادة واي التزام معين التزموا به أمامه . والحزب على أساس عقيدة ، هو التبلور النظري والعملي الذي يستطيع الشعب أن يختبر به كل ذلك . وقادة الحركة أيضًا يشكون من ميوعة هذا الوضع فهم لا يعلمون موقف كثير من الهيئات أهي صديقة أم عدوة .. ؟ أيستمر تأييدها أم ينقطع ؟ أتعمل لحساب نفسها أو لحساب البلاد أو لحساب الحركة ؟ ولأنهم ولا شك يستشعرون الضيق عندما يجدون الشعب يقف موقف المتفرج .. فإذا أخطأوا خطأ طفيفا .. بعد الإصابات المتعددة عتب عليهم .. وإذا سكنوا قليلا بعد الدأب المنصب فترت حماسته لهم .
والمفكرون وراء الحركة ، ووراء الشعب يضيقون بهذه الميوعـة لأنهم يرونها تتقسم جسـم الشــعب .. وتستهلك الزمن الثمين .. وتفسح مجالا للاصلاحات القصيرة المتناقضة ، إنهم في لهفة يخشون أن يقع قادة الحركة في الخطأ الذي وقع فيه الأذكياء من السياسيين الحزبيين المصريين أمثال الهلالي ، وصدقي وغيرهم عندما كانوا يعتمدون على ذكائهم وأفرادهم لا على الشعب .. إنهم يريدون أن يروا بأعينهم .. صفوف الشعب منظمة وراء الحركة .. ويشاهدون التنظيم السياسي الشعبي الذي ترتكز عليه .. يريدون أن يروا المبادئ الخالدة تضمن لهذه الحركة الخلود .. وتكسبها الجلال والروعة . يريدون البرنامج .. والكتل وراء القادة حتى تكون حافزا لهم على العمل ، عصمة لهم من الانزلاق ، دافعا لهم على توخي الدقة .. والحرص على المصلحة لأنهم يعلمون مما قرأوه من التاريخ مصارع الأبطال على مذبح السلطة .
فإذا وافقنا على مبدأ تأسيس الحزب فيبقي كلمة حول المميزات التي تجعل هذا الحزب "من نوع جديد" كما كتبنا في العنوان .
لقد كانت الأحزاب المصرية القديمة .. أحزابًا شخصية برلمانية ، وعكس هذه تمامًا يجب أن يكون حزبنا الجديد .. أي أن يكون حزبا عقديًا شعبيًا تتوفر فيه العناصر الثلاثة التي عجزت الأحزاب المصرية عن الحصول عليها ، وهي :
أولا : يجب أن يكون هناك عقيدة شعبية .. ثورية تقدمية .. وقد قلنا إن العقيدة ، حسنة أو سيئة .. هي التي تحدث التبلور والتي يدور حولها التكتل ، والفرق بين الحسنة والسيئة أن الحسنة تدفعنا إلى الأمام والسيئة تدفعنا إلى الوراء – أو حين تعجز عن ذلك – تعرقل التطور .. وقلنا ان العقيدة لازمة للتخلص من المعني الفردي .. ومما يثيره هذا المعني الفردي من مسائل شخصية وفردية وارتجال .. وتغيير .. إلخ .. كما وضحنا نقط الضعف في العقائد بصفة عامة وأنها تعالج بإيجاد المعنى الإنساني بجانب المعنى النظري في العقيدة وانتهينا من كل هذا إلى أن الاشتراكية الوطنية هي أصح العقائد ، كما وضحنا في الفصل السابق .
وثانيًا : يجب أن يكون له نظام إداري دقيق يقوم على ما يفرضه الإيمان بهذه العقيدة على المؤمن بها من تضحية ، وأدب ، وطاعة ، ونظام ، وبهذا يكون النظام الاداري للحزب قريبا من النظم الادارية للاخوان المسلمين ، أو الشيوعيين أو أي حزب عقدي يقوم على عقيدة لاعلى الأساس النفعي الحقير الذي كانت تقوم عليه الأحزاب المصرية من أذناب ومرتزقة "وهتيفة" ولجان لا وجود لها .. ومصاريف إدارية لم تنفق على الحزب أو اللجان .. وإنما انفقت على البيوت وفي البارات !
ولكل حزب يقوم على عقيدة طرائقه الخاصة في ربط الأعضاء ، وتوثيق العلاقة بينهم ، وتوحيد شتاتهم حول الفكرة ، بما في ذلك من اجتماعات ومحاضرات وهتافات وشعارات ، وتقسيمات خاصة للشعب والفروع والخلايا .. إلخ .. وفي مثل حزبنا هذا الذي يجب أن يحاط بسياج أخلاقي متين ، ولهذا يحسن عمل ميثاق شرفي يؤمن به الأعضاء ، ويحاولون تطبيقه على أنفسهم ويوضح لهم واجباتهم نحو الدعوة والمجتمع ، وكمثال لهذا الميثاق المقترح أضع تحت أنظار القارئ للاستئناس "الميثاق الشرفي" الذي كنت قد وضعته في معتقل الطور ، عندما تبلورات في ذهني فكرة إنشاء "حزب العمال الوطنيين الاشتراكيين" ، الأمر الذي لم يتم لموانع متعددة .
وهذا هو الميثاق :
الميثاق الشرفي
لحزب العمال الوطنيين الاشتراكيين
ـــــــــــــــــــــ
الوطنيون الاشتراكيون يؤمنون بمصر إيمانا لا يعتوره الشك ولا تزلزله الوقائع ويثقون في مثالية الشباب ومقدرة الشعب على النهوض بالبلاد من الحاضر المهين .
الوطنيون الاشتراكيون اجتماعيون يستشعر كل واحد منهم واجبه العام المقدس نحو المجموع ولاسيما في محنتي الانتقال .. والاحتلال ويقدمه على واجبه الخاص وشعاره "أكبر نفع لأكبر عدد بأشرف طرق" .
الوطنيون الاشتراكيون يحلون عقيدتهم محل الشرف ويعطونها الأولوية ويرون من حقها عليهم أن يعملوا بما تفرضه إيجابًا وسلبًا وأن يثبتوا على مبدئهم : لا يتقهقرون إلا بإذن ولخطة ، وإن أثخنتهم الجراح وأحاط بهم الأعداء .
الوطنيون الاشتراكيون يفضلون الايجاب على السلب ، والبناء على الهدم .. والحب على البغض ، والصراحة والعلانية على النفاق والخفاء ويتطلعون إلى المستقبل أكثر مما ينظرون إلى الماضي .
الوطنيون الاشتراكيون أحرارٌ يدعون إلى الحرية ويحاربون كل استبداد سياسي أو استغلال مادي أو تقييد للحريات .
الوطنيون الاشتراكيون يؤمنون بضرورة العــدالة الاجتماعية لاستكمال النظام الديمقراطي وحق كل فرد في المســاواة في الفرص .
الوطنيون الاشتراكيون يقدسون الشرف والاستقامة والوفاء ويحاربون الكذب والخداع والنفاق الاجتماعي .
الوطنيون الاشتراكيون عاملون مفيدون للمجتمع ليس فيهم العالة أو الكل وهم يستزيدون كل يوم من المعرفة وينظمون أوقاتهم ويعملون جاهدين للتحسين المضطرد اقتصاديًا واجتماعيًا .
الوطنيون الاشتراكيون أخوة متضامنون تحميهم وحدة العقيدة والهدف ويتعاونون بعضهم مع بعض دون سؤال أو انتظار .
شرف الوطنيين الاشتراكيين ، وقيادتهم ، ودعوتهم واحد لا يتجزأ مصون لا يمس يحرسونه جميعًا ويذودون عنه بالنفس والنفيس كما لو كان شرف كل واحد منهم الخاص لا يأخذهم في ذلك تهاون أو نسيان .
* * *
والعنصر الثالث : الذي يجب توفره في الحزب ولعله أهمها أن يتسم الحزب في طريقة إصلاحه بالمضاء .. ويجب أن يفهم مالم تفهمه بعض الأحزاب المصرية ، أن العاطفية هي أسوأ ما يمكن أن يصاب به زعيم .. أو تجري به خطة ، يجب أن يكون شعار الحزب ما قاله الحكيم العربي "الرحمة خور في الطبيعة" أو ما قاله الحكيم الغربي "الشفقة فضيلة المومس" ، وهذا متأت من أن طبيعة العمل الإصلاحي المطلوب من هذا الحزب هو عمل ثوري .. أي سلسلة من عمليات البتر والاستئصال ولا يصلح في هذه العمليات مهادن أو مساوم .. أو عاطفي كما لا يصلح في عملية جراحية طبيب يغثو لرؤية الدم ... أو ترتجف يداه عندما يمسك بالمشرط .
وفي نظري أن هذه الصفة "المضاء" هي ما سيجعل هذا الحزب جديدا بحق ، لأن الأحزاب المصرية جميعا لم تلتفت إليه أو تحرص عليه لأن واحدًا منها لم يخطر له في بال إنشاء عهد جديد كامل .. والذي خطر له هذا من بينها لم تتوفر له الدراسة النظرية ولا التجربة العملية التي يعرف بها إما الفشل .. وإما المضاء ، ويؤمن أن أقل إنسياق للعاطفة قد يودي بالعمل كله .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
@_
التحـــرر من الماضــــي
 
 
« لتتبعن سُــنن الذيــن من قبلـكم
شـــــبرًا بشــبر .. وذراعًا بذراع ..
حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه »
( حديث شريف )
 
 
 
 
 
 
 
[1]
مثل عليا حضارية
ــــــ
مما ينذهل له الباحث أن أحدًا لم يعالج "المسألة الحضارية" معالجة صريحة أو يجابهها وجهًا لوجه على شدة أهميتها ، ولعل السبب الأساسي في ذلك – إلى جانب ضحالة الثقافة بصفة عامة ، وغلبة المصالح الخاصة على نفوس المصلحين ، والباحثين – هو أن هذه المسألة تتعلق بالمثل العليا الدينية التي تستمد منها حياتنا كثيرًا من أوضاعنا ، لذلك ظلت منطقة معتمة .. محفوفة .. شائكة .. لم يثرها البحث العلمي أو تروضها جرأة الكاتبين .
وإذا أريد قيام نهضة حقيقية فلابد من معالجة الأسس الحضارية التي يرتكز عليها فهم الناس للحياة والأشياء ، وعدم الاكتفاء باجراء الإصلاحات .
ودائرة الفهم الحضاري أوسع جدًا من دائرة العقائد الخاصة لأنها تشمل العالم بأسره .. والعصور كلها ، فهي مسألة "إنسانية" بالدرجة الأولى .
ولإيضاح ذلك نقول إن الإنسانية قد مرت بثلاثة عصور حضارية أساسية كان لكل عصر منها طابع حضاري ، فالعصر القديم كان عصر القوة الغاشمة ، عصر الإمبراطوريات التي قامت على الاستبداد .. الفراعنة الذين أقاموا الأهرام .. الرومان الدين فتحوا العالم بحد السيف وقهروا ملوكه وشعوبه ، في هذا العهد نرى عقيدة الدين تستمد من الملوك والقواد والفاتحين – رمز القوة – نرى الكاهن يأتي بعد الملك ، ونرى فرعون مصر وإمبراطور روما إلهين يُعبدان .
ثم جاء العهد الوسيط ، حضارته عقدية .. ومثله العليا مستمدة من المسيحية والإسلام وما دار حولهما من نقاش وإصلاح استغرق سحابة القرون الوسطى ، في هذا العهد نرى العقيدة فوق الحكم ، نرى البابا فوق الملوك ، كما أن صفة الخليفة هي وسيلة الحكم للخلفاء .
ثم أخيرًا يأتي العهد الحديث .. حضارته إنسانية مثله الأعلى لا يستمد من الفرد المستبد الحاكم ، ولا من العقيدة ذات المبادئ الجامدة الصارمة .. ولكن من الإنسان كجنس ، الرجل الصغير كما يقولون ، رجل الشارع والمصنع والحقل .
إذا طبقنا هذه العصور على تاريخ مصر لرأينا أن العهد الأول – وهو العهد القديم – يبدأ منذ أن وحد "مينا" الوجهين القبلي والبحري حتى آخر البطالمة ، وهو أعرق عصور مصر وفيه تكونت مشخصاتها ، ذلك لأن مصر كانت في هذا العصر – ما عدا الجزء الاخير منه – بلدًا مستقلا مقفلا لا يتوقف مستقبلها على الأحداث العالمية ، فاستطاعت مشخصات هذا العهد أن تتأصل وتعيش ثلاثين قرنا قبل أن تتعرض لتيارات الغزو أو تأثير الحضارات المختلفة والحركات العالمية عليها .
والعصر الثاني : يبدأ بتوافق سياسي وحضاري ، فمصر تسقط في أيدي الرومان والعقيدة المسيحية تدخلها ، في هذا العصر فقدت مصر استقلالها ، وأصبحت مشاركة في أحداث العالم رضيت أو رفضت ، لأن الموقع الجغرافي أصبح المؤثر الأول في تاريخها السياسي ، فأصبحت مصر مشتجرًا للدول ، وميداناً للعقيدتين الأساسيتين اللتين بقيتا فيها حتى الآن .. المسيحية .. والإسلام ، تخضع قوانينها وتشريعاتها ، وتستمد حضارتها من الواحدة بعد الأخرى .
والعصر الثالث – العصر الحديث – يأتي مع نابليون ويستمر حتى الآن ، فلم يمض عليه أكثر من قرن ونصف ، ومن أجل هذا كان شيئا جديدًا على الحضارتين السابقتين : الاستبدادية التي ظلت ثلاثين قرناً مؤثرة في حياة الشعب ، والعقدية التي ظلت خمسة عشر قرناً باسطة مبادئها ، والحضارتان تعد متقاربتان في أنهما تقومان على أساس طبقي ، وإن اختلف مدلول الطبقة في كل منهما عن الأخرى ، فالطبقة في الحضارة القديمة هي النبلاء ، وكان أشراف الرومان يمثلون هذه الطبقة بالنسبة للرومانيين ، وكان الرومانيون أجمـع يمثلونها بالنسبة لبقية أفــراد العالم ، ومثل هذا التقسيم أتبــع أو فهم في مصر القديمة ، ولدي العـــرب الناهضة : رؤسـاهم أشرافهم ، وسوادهم أشراف العالم ، ولكن الطبقة في الحضارة العقدية كانت المؤمنين بصرف النظر عن الأصول والأجناس ، ومع أن هذا كان مختلفا كليًا عن المعنى السابق إلا أن وجود عنصر عدم المساواة بين الطبقات كان قاسمًا مشتركاً لا يمكن تجاهله .. وجمع بينهما في النتائج التي تحدثها كل منهما كما جمع بينهما في الاختلاف عن الحضارة الحديثة – الإنسانية ، التي قامت على الإنسان نفسه .. تنظر إليه من حيث هو إنسان ، وكان هذا شيئا جديدًا جدًا ، بل هو فتح الفتوح من وجهة نظر الملايين والشعوب .
إلى جانب هذه العوامل التي كان من شأنها أن تعرقل تقدم الحضارة الحديثة ، وهي تأصل الحضارتين السابقتين : حياة الشعب وتأثيرهما على مقوماته ومناقضتهما للحضارة الجديدة – فإن هناك عوامل أخرى ساعدت على عدم تأصل جذور الحضارة الحديثة في المجتمع المصري ، فقد حملها فاتح غاز خلط حقيقة الغاية الموضوعية للحضارة الحديثة بطمع الاستعمار وملابسات الغزو ، فأعطاها – أول مرة – انطباعا سيئا ، وقرنها بأجانب غزاة ، ثم أعقب نابليون طاغية آخر – أجنبي أيضًا هو محمد علي – قتل روح الشعب وأقام على أنقاضه نظامًا مكن فيه أسس الإقطاعية التركية ، والرأسمالية الأجنبية ، والاحتراف السياسي ، فأحيت هذه الأنظمة الحضارة الارستقراطية العقدية ، بقدر ما هدمت – هدمًا – الحضارة الإنسانية ، ثم جاء الاستعمار برسالة نشر المظاهر الحضارية الغربية ، وإفهام الناس أن هذه المظاهر هي الحضارة الحديثة فانتشر كالطفح سيل من المظاهر العصرية في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية : أي في قواعد اللبس والأكل والسلوك الاجتماعي وتبرج المرأة وانتشار السينما والملاهي وكثرة الصحف وتأسيس جامعات وبرلمانات وأحزاب .. إلخ ، دون أن ترتكز هذه كلها إلى الأسس العميقة والجذور الراسخة للحضارة ، التي قامت عليها مكينة أصيلة أول ما قامت في أوروبا ، واستحقت بنضال طويل مرير – قام به كتاب وعلماء ، وزعماء – الحياة واحترام الناس لها وإيمانهم بها .
ولو أنك نبشت وراء هذه المظاهر لرأيت حياة القرون الوسطى تنتظم الأكثرية الغالبة للشعب وتسود كافة نواحيه في الأزقة والقرى والكفور حيث يعيش 90 % من السكان حياة لا تفضل حياة أجدادهم ، بل ولدى المثقفين في المدن الذين لا يفتأون يقولون رغم اتباعهم للنظم العصرية في كثير من نواحي حياتهم أنهم شرقيون .. لهم عادات وتقاليد .. وينسون أن المسألة لم تصبح بالدرجة الأولى مسألة مكان ، وإنما مسألة زمان وأن هذا النوع من الحياة يكتسح العالم ، ويسير ككل وراء الصناعة ، والآلات ، والمدن ، والنظم السياسية .. إلخ .
ومن أعجب النتائج التي أثمرها هذا الوضع أن صار إيمان المؤمنين بالحضارة الحديثة ضعيفا سطحيًا ، وأن أصبح ايمان الرجعيين قويًا سليمًا ، لأن الأفكار العقـدية والطبقية كما قلنا مخدومة ، معروفة ، طويلة الجذور ، عريقة الأصول ، وقد أساء هذا إلى الحضارة الحديثة إساءة كبرى ، وأظهر أن رسالة الاستعمار الإيجابية ، أي إحلال المظاهر الحضارية محل الحقائق والأصول ، أدت في طريقها رسالة سلبية ، هي زعزعة ثقة الناس في القيم الحضارية الحديثة ، لاسيما وأن هذه السياسة – سياسة إحلال المظاهر محل القيم – جعلت المؤمنين بحضارة العصر سطحيين .. يهتمون بالمظاهر ، ويفهمون الناس أن التحرر هو التحلل ، وأن التعليم هو الشهادة ، وأن الديمقراطية هي "الردح" والخطابة والمزايدات الحزبية والانتخابية ، وأن النجاح هو الانتهازية فكانوا بذلك أسوأ دعاية للحضارة التي زعموها ، واشتدت نقمة الناس عليهم .. وعلى حضارتهم .
وإنك لتلمس هذا في العداوة التي قوبل بها العدد الضئيل جدا الذي حاول أن يزحزح الفهم الرجعي إلى الأمام خطوات وأن يوضح أسس الحضارة الحديثة ، فرمي قاسم أمين وهو القاضي العف النزيه بالتحلل والفجور ، وانهزمت سريعا تلك العصبة من المفكرين التي آلت في يوم ما على نفسها أن تحرر الفكر وأن تحارب سيطرة المعنى العقدي ، ورفع زعيمها كلتا يديه ، واشهد الناس جميعًا أنه يؤمن بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر ، ونبذ الفن – بأنواعه – في ركن قـَصِيٍّ زَرِيٍّ من أركان الحياة والنفس ، صفق له المصفقون ، وأقبلت عليه أفواج المتفرجين والسامعين ولكن المجتمع لم يدخله نطاقه ولم يعترف به وعدمت الفنون الجماهير المؤمنين الفاهمين ، المقدرين لرسالتها الحقيقية ، بل إن المجتمع دمغ بالعار فنوناً معينة ، فالتمثيل والموسيقى تعد من الفنون التي تحط المنزلة الاجتماعية لصاحبها ، وأية فتاة أو رجل يشتغل بها يفقد منزلته في المجتمع ويغدو الشاة السوداء في الأسرة .. وعجز الشعر العربي عن أن يصور المعاني الإنسانية كما فشلت فنون الرسم ، والموسيقى ، وهوايات العصر في أن تحتل ركنا أصيلا في نفوس الفتيان والشباب رغم المجهودات التي تقوم بها المدارس .
ويمكنك أن تتقصى جامعاتنا وبرلماننا وصحافتنا لتتأكد من أن التقدم فيها سطحي ، وأن الأصالة غير موجودة وأنها تصدر عن روح ثقيلة من التكلف والتقليد ، والانسياق والاصطناع ، فليس هناك إيمان ببرلمان أو دستور ولكن الدستور والبرلمان قد فرضا على البلاد بمنطق العصر والتطور ، وليس هناك إيمان برسالة فنية أو صحفية ، وليس هناك تكريس جامعي ، والإيمان بالمذاهب السياسية الحرة .. لدي المؤمنين إيمان مشكوك فيه يمكن أن يرجع إلى أغراض مادية .. أو ما هو أسوأ منها(1) .
وعلى هذا فالتشخيص الحقيقي لوضعية البلاد من الناحية الحضارية والتاريخية هو أن البلاد وإن بلغت من الناحية التاريخية مرحلة الحضارة الحديثة وجاوزتها بمائة عام إلا أن قوى العهدين السابقين ، معززتين بالإقطاع والاستعمار لا تزال تجاذب العصر الحديث ، بل وتكاد تنتصر عليه لولا الروافد التي تنجده بين آونة وأخرى من العالم الخارجي ، فمن حسن حظ الحضارة الحديثة أنها بفضل سهولة المواصلات ، وانتشار السينما والإذاعة والكتب ، قد استطاعت أن تعرض صورًا صادقة منها ، بعضها على لوحة السينما ، وبعضها على صفحات الكتب كما كان من حسن حظها في مصر ، أن هذه البلاد تقع في وسط العالم ، في موقع اقتضى أن يكثر فيه الأجانب ، ويعظم احتكاكهم بأهل البلاد ، لولا هذه النوافذ المفتحة على الشاطئ الآخر من الحياة لاختنقت النفوس تحت ضغط الفهم الضيق والادراك المحدود والفلسفات التعصبية طبقية ، وعقــدية .
ونشأ من هذا أن صارت هذه البلاد تعاني فترة انتقال قاسية .. قلقة عصيبة تنتصر الحضارة الحديثة فيها يوما وتنتصر الرجعية أياما وتتأرجح المقاييس والقيم بينهما وينعدم السير الجدي إلى الأمام نتيجة لكثرة العوائق من ناحية ، وعدم توحد الجهود من ناحية أخرى .
فإذا أريد بدء عهد جديد ، فلا بد من إنهاء فترة الانتقال ولن يكون هذا الإنهاء تامًا إلا عندما يتوفر له ــ إلى جانب التخلص من الأسس المادية الرجعية ــ قبــول الناس للقيـم الجديدة وإيمانهم بالعصر ، وحضارته .
ويجب أن نشير هنا إلى أن هذه القيم تمثل أسسًا في العقيدة الاشتراكية الوطنية ، كما تمثل أركانا في كل العقائد الحديثة ، وتكون قاسمًا مشتركا أعظمًا فيها ، واختلاف العقائد الحديثة بعضها عن بعض إنما يعود إلى اختلافها في طريقة تنفيذ ما تقضي به هذه القيم ، والسمة الأساسية في هذه الحضارة هي السمة الإنسانية أي الملايين من الرجال والنساء المجهولين في القرى والأزقة ، وقد توفرت هذه السمة في العقائد المادية ، والديقراطية معا ، ولكن الديمقراطية ترى الحرية أبرز القيم الإنسانية ، وخير السبل لإسعاد الشعوب ، وإتاحة الفرص لهم وإبراز كفايتهم بينما ترى الشيوعية أن ذلك يتحقق في العدالة لا الحرية . فالإيمان بالقيم الحضارية مندمج في العقائد السياسية الحديثة – ومنها – الاشتراكية الوطنية ، ولكن يلزم مع هذا أن نفرد لهذه القيم بابًا لأنها تمثل الأساس القوي الممتد تحت الأرض .. لا النواحي التنفيذية للعقائد ، وهي من أجل هذا ستكون الهدف الأول لحرب العقائد الرجعية والطبقية ، ونحن نفضل أن نجابه هذه العقائد بالعداوة ، بدلا من أن نداورها ، وندع للإصلاحات المادية على أساس الاشتراكية الوطنية تغيير أفهام الناس ، وبث الإيمان بالقيم الإنسانية شيئا فشيئا وبطريق غير مباشـر ، نفضل المجابهة لا حبًا في الكفاح .. أو بحثا عن المتاعب ولكن لأن من الضروري جدًا أن يكون إيمان الناس بالاشتراكية الوطنية خالصًا كاملا لا شائبة فيه ، وان يكون مرتكزا إلى أسسها العميقة لا إصلاحاتها الظاهرة ، هذه الأسس التي تمثل فيتامينات العقائد ومعنوياتها ، وقد لوحظ أنه لم توجد ، في هذه البلاد ، فلسفة أخلاقية مسـتقلة ، إذ استمدت فلسـفة الأخلاق من فلسـفة الديـن ، وهو أمر لا يستغرب مادام البعض يستمد العلوم الطبيعية نفسها من الدين ، ولكن ذلك كان له أسوأ الآثار في بناء الأمة ، إذ وجد الأفراد أنفسهم بين وضعين .. إما أن يلتزموا بأوامر الدين العبادية من صلاة وصوم وعقيدة .. وأوامر الخلق من صدق واستقامة وشرف وثبات .. وإما أن يتحللوا من الاثنين معًا ولم يجدوا كيانا خاصًا أو فلسفة معينة يستلهمونها القواعد الخلقية ، وإنك لتلحظ أثر هذا فيما نشاهده من تزمت في ناحية ، وتحلل في ناحية أخرى ، والناس هنا إما أن يتعصبوا للخلق والدين .. وإما أن يتحللوا منهما معًا ، مصداق قول المثل "لا أخلاق لمن لا دين له" .
وقد تخلصت الحضارة الحديثة ، عندما بدأت نهضتها وكانت في مثـل وضعنا ، من هذه المشـكلة بإيمانها بالقيـم الحضارية الجديدة ، واستمدادها – من هذه القيم – المثل الأخلاقية ، وقواعد السلوك ، كما يتضح ذلك من نضال "كانت" في سبيل إيجاد فلسفة الواجب ، وهو نفسه الذي استطاع أن يوجد خير تعبير يصور به هذف الحضارة الحديثة وانتشر عنه وذاع وهو "أن يكون الإنسان غاية في ذاته" ، فنقل الغائية إلى الإنسان بعد أن كان الإنسان وسـيلة للمبدأ : دولة أو إلهًا ، أو قانوناً .. وصار الإنسان نفسه الغاية التي يجب أن تحارب في سبيلها كل هؤلاء .. تدور عليه ، وتتكيف به ، فالحضارة الحديثة من هذه الناحية قلب كامل جريء لما سارت عليه الحضارات السابقة ، وهذا هو السر في أفضليتها ، كما أنه مكمن ضعفها ، إذ أن هذا الفتح العظيم له ثمنه العظيم أيضًا الذي كثيرًا ما تنوء به الشعوب أو تعجز عنه فتنتكس ، وتتردي في هاوية الماضي الاستبدادي الطبقي أو العقدي .
 ولكي تكون نهضتنا كاملة يتعين علينا أن نبشر بهذه العقيدة وأن نجعل الناس يؤمنون بها .. ويجب أن تقوم حركة فكرية كبرى ، تاريخية وفلسفية واجتماعية تشرح القيم الحديثة ، وتبين أفضليتها على القيم القديمة ، فتدرس الغايات التي كانت تقوم عليها الحضارات الأرستقراطية والعقدية ، ويوضح أن في الحضارة الأولى كان المجموع يسخر لطائفة قليلة ، وياليتها استحقت الامتياز بجدارة ، إذ أن كل امتيازها هو توارثها للدم الأزرق ، وحملها للاسم العريق ، وقد جعل ذلك الأوطان كالقصور الكبيرة ، تمتلئ بالخدم والحشم للسهر على سيد واحد فحسب ..ثم توضح لهم نتائج هذا الوضع من إذلال للشعب ، وما خلقته من استبداد وسيطرة وتحكم يبدو مشروعًا أمام استخذاء الأغلبية الجاهلة استخذاء حتميًا أمام هذه الأوضاع فبعض المذاهب الإسلامية تجعل المقلدين للمذهب طبقات تصل إلى الثمانية تقلد كل طائفة منها من فوقها ، وتأتم بها ، وليس لها حرية الابتداع أو التصرف .
وعند دراسة الحضارة الثانية – العقدية – تدرس لهم الصور المختلفة التي تنتهي إليها العقائد عندما تجمد وتغادرها روح الابتكار والأصالة ، وكيف أنها تتخلف عن عصرها ، وتغدو حجرة عثرة ، ثم كيف تكون هذه المبادئ وسيلة سهلة في أيدي الاستغلاليين والانتهازيين ، وتضرب لهم الأمثلة بآلاف الدجاجلة والأدعياء والزعماء الذين عرفوا كيف يستغلون الشعوب باسم المبادئ ويقودونها إلى حتفها كالقطيع .
وتنقل لهم صورة الحياة في هاتين الحضارتين كما كانت بالنسبة لسواد الشعب ، دأب منصب ، وعمل شاق ، وإرهاق لا يقف إلا بالعجر أو بالموت .. وتغذية ضئيلة تكفي فحسب لإبقاء الرمق حتى يمكن لهذا الحيوان المسخر المسير أن يواصل العمل وأن يقذف الوجود بنسل يسخر هو الآخر ، ويضمن بقاء أجيال المسخرين ، ثم تدرس فضيلة حضارة العصر ، والتقدم الرائع الذي أتاحته للبشرية فلسفة الحرية والمساواة وإنهاض الملايين الخاملين ، وإفساح المجال لما فيها من كفاءات وملكات وإشعارها حقها المقدس في أن تكون سيدة حياتها وربة وطنها ، وأن تستمتع بكل ما يتيحه لها العصر والعلم من وسائل استمتاع ، ويكشف لها الستار عن المعنى الجديد – الإنساني – للحياة حياة يقصد بها تثقيف النفس ، وتهذيب الروح .. حياة تبرز فيها إنسانية الإنسان لا حيوانية الحيوان حياة تكرس جهود العلماء ليخترعوا ما يسهل العمل وينشر الهناء والرخاء ، وتقوم الحكومة لتنظيم ذلك لحساب الشعب .
وأخيرًا تطبق هذه الدراسة على مصر ، وكيف أدى الحكم الأرستقراطي الإقطاعي العقدي إلى إذلال الشعب تحت زعامة الملك السابق وكيف انتشر الفقر ، والجهل ، والمرض ، والخرافة .
هذا هو ما يجب أن نبشر به .. وندرسه .. ويجب أن يقوم بهذا كله شباب تقدمي ، ومثقف .. مؤمن بهذه العقيدة ، يخطب في مفارق الطرق ، ويذهب إلى نقابات العمال ويزور الكفـور والقرى والنجوع .. يحاول أن يكشف الغشاوات التي راكمها الجهل على أذهان الفلاحين والعمال طبقات كثيفة ، وجعلتهم يرضون بحياتهم الوضيعة ، بل ويرون أن فيها العز ، والعرف ، والدين .. شباب ينبهون الشــعب ويكافحون أكثر مما يكافح أي مرشـح في معركة انتخابات ، لأن هؤلاء سيقولون للجماهيــر "انتخبوا العصر الحديث" .
بدون هذه المعركة .. لن يكون انتصارنا حاسمًا .. ولن نأمن الانتكـاس .. أو عودة الرجعية .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[2]
تصفية التركة
ــــــــــــــــــ
من القواعد المقررة في كل الميادين العملية أن لا يخطو الإنسان خطوة ثانية ، قبل أن يؤمن خطوته الأولى ، وأن يحسب حساب العودة عندما يبدأ المسير ، وأن يؤمن ظهره وهو يولي وجهه إلى الأمام حتى لا يؤتى من خلف ، فإذا أريد تأمين هذه الحركة وحماية ظهرها حتى تتمكن من السير ، فلا بد من تصفية طوائف كثيرة من الناس هي وهذه الحركة على طرفي نقيض ، وتحطيم أوضاع حامية لهذه الطوائف ، وحاضنة لهم من الناحيتين القانونية والاجتماعية .
على أن لزوم التصفية للثورة متأت أيضًا من ناحية أخرى هي الناحية السيكلوجية فكل عهد جديد في حاجة لأن يضرب بقوة ، وأن يظهر العنف حتى يكسب مهادنة أعداء صغار لولا هذا الجو لصارحوه بالعداء ، ويتوفر له الوقت ولو بهذا الثمن الباهظ – الخوف منها – فلو لم يكن هناك أعداء له ، لوجب أن يوجد هذا العدو إيجادًا ، وأن يمارس فيه بطشه ، ويستكمل به الشطر الثاني من العاطفة شطر البغض والعداء الذي يجب أن يتوفر لأعداء الحركة كما يجب أن يتحقق الحب والفداء لأنصار الحركة – وليس عبثا أن يمثل "الشيطان" دورًا تقليديًا لازمًا في كل الأديان .
على كل حال ، سنحاول في هذا الفصل ، كما كان دأبنا في كل الفصول ، أن نبتعد عن الفلسفة المجردة والافتراضات وأن ننهج نهجًا عمليًا ، وتطبيقا لهذا لن نتحدث عن أعداء مفترضين ، وإنما نتحدث عن أعداء لا شك في عداوتهم وسنرتب هؤلاء طبقات حسب درجات تأثرهم .. ففي الأول كبار الاقطاعيين والرأسماليين ثم بعد بعد ذلك الأغنياء وكبار الموظفين وأصحاب المنزلة الاجتماعية التي ستعصف بها الحركة .. ويدخل في هؤلاء الأجانب الذين سيخسرون صفتهم كرأسماليين ، كما سيخسرون منزلتهم الخاصة في هذه البلاد ، ثم يوضع بعد هؤلاء المتأثرون سياسيًا من رجال السياسة والأحزاب وعلى رأسهم المستعمرون أي الإنجليز كدولة أجنبية لها اعتبارها في العالم الدولي ، وكقوة داخلية تدور حولها عصبة سياسية ، وتنبت لها ذيولا وأذنابًا ، ثم أخيرًا في ذيل القائمة ــ يأتي المتأثرون من الناحية العقدية ــ وزعماء هؤلاء في منتهي الخطورة ، ولكن سوادهم يمكن أن يقابل في منتصف الطريق .. كما يمكن كسب معظم المعركة بأسلحة الدعاية .
فهذه هي الطوائف التي يجب أن يصفى أفرادها بكل قسوة وحزم ، وأن لا تكون جسامة المهمة سببًا في تأخيرها أو المهادنة أو المساومة ، لأن شرف الحركة ليس في المسالمة .. وليس في أن لا تسكب قطرة دم ، إن هذا من الناحية الثورية عدم وإفلاس ، واقتصار على تغيير حاكمين بحاكمين ، وقد قلنا إنه مهما تكن صلاحية الرجال وعظمتهم فإنهم كأفراد لن يستطيعوا مقاومة الوضع ، وسيكون فشلهم حتميًا ومؤكدًا ، ومن أجل هذا يجب أن نلحظ في التصفية ، تصفية الوضع قبل تصفية الأفراد .. وترتيب تصفية الأفراد على ما يقتضيه الوضع ، لأن الوضع هو التربة الخصبة التي تنبت الأفراد ، وإذا حرثناها حرثا ، أمكن استئصال الجذور ، أما إذا قلمنا الأغصان ، فستنبت الجذور أغصانا أخرى ، وسيجد الحكام الجدد أنفسهم في جو لا يسمح بالإصلاح .
ومهما تكن جسامة هذه المهمة ، فإن هذا يجب أن لا يثني القائمين على الحركة من المضي فيها ، لأنه ليس هناك أي أمل في أن هذه الطوائف ستهادن الحركة ، إن الموضوع الذي يتنازعان عليه وهو – من هو السيد ؟ لا يحتمل ازدواجًا ولا مهادنة ، ومن قبل قال الخليفة العربي إن الملك عقيم ، وبدلا من ذلك فإن مهادنة هذه الطوائف ستكون على حساب القوة الوحيدة التي هي عماد الحركة وذخرها ومآلها ، القوة الشعبية – التي سترى في هذه المهادنة ضعفا ، ومجاملة على حسابها ، واتباعًا للسياسة القديمة ، سياسة المجاملات .
لقد وضح القرآن ، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا "مسئولية الانحلال بين الشعوب والقادة" – إن قادة الكفار من ملوك وأمراء .. وقادة وأغنياء كانوا يفضلون دائمًا أن تسقط السماء عليهم كسفاً .. أو أن يموتوا وسط أموالهم وقصورهم ميتة النبلاء على أن يؤمنوا بالدين الجديد أو أن يعيشوا عيشة السواد الشعبي المؤمن ، فاذا كان نبلاء مصر وقادة العهد القديم يشاركون أبطال الكفر آراءهم فلنحقق لهم ما اختاروا لأنفسهم ! !
والمسألة تتوقف على مقدار التضحية المطلوبة ، فقد حدد العهد الجديد الملكية بمائتي فدان وتكفلت الدولة بسداد قيمة الأراضي التي ستنتزع ملكيتها بسندات حكومية ، فثار شخص واحد وحدث استياء قوي بين أوساط الملاك ، ولو انخفضت النسبة إلى خمسين فداناً للفلاح وعشرة لغير الفلاح "أي المالك الذي لا يعمل فيها" لكان من المحتمل أن يثور أكثر من واحد ، وأن يصل الاستياء إلى درجات أعلى ، ولو أن الحكومة حددت الملكية بمائتي فدان واستصفت الباقي لحسابها لكان من المحقق أن يثور الملاك ، ولما كان رأينا هو محو الملكية الفردية لوسائل الانتاج – ومنها الأرض – وعدم إباحة الملكية الفردية إلا للأدوات الاستهلاكية – أي أن يكون لكل مالك فدان أو اثنين لاستهلاكه فإن من الضروري أن تصفي جبهة الملاك – الرأسماليين ، وسيان ثاروا – كما هو المظنون – أو استسلموا فإن هذا لن يغير النتيجة الواجبة – وهي التصفية – في شيء وإنما سيغير الوسيلة ، ففي الحالة الأولى ستتخذ اجراءات قاسية ، وفي الحالة الثانية لن يكون لهذه الاجراءات محل مادامت النتيجة ستحقق بدونها .. وسنشير في أحد فصول الباب الثالث (توصيات في الناحية الاقتصادية) لماذا نصر على التصفية الكاملة ولماذا نعتبر التحديد خطوة أولى فحسب .
ومما يتعلق بهذه الناحية بسبب وثيق وضعية الأجانب ، والمآل الذي سيؤلون إليه في العهد الجديد ، والأجانب موضوع كبير له نواحيه السياسية والاجتماعية أيضًا ، ولكن لا ريب في أن الناحية الاقتصادية هي أهم نواحي الموضوع ، فالصفة الأولى للأجانب في هذه البلاد – فيما عدا أعضاء الهيئة الدبلوماسية ، ومأجوري الاستعمار – هي أنهم رجال أعمال قدموا وراء رؤوس الأموال التي قصد بها استثمار مواطن الثروات في هذه البلاد ، ومن أجل هذا يمكن أن نضم تصفية الأجانب إلى تصفية المتأثرين بالناحية الاقتصادية .. من رأسماليين .. وملاك ، وإن كان يجب أن لا يحيف ذلك على بقية نواحي الموضوع ، ولقد كنا ، ومازلنا نعتقد أنه موضوع هام جدا لم يمنح العناية الكافية ولم يعالج بعمق أو شمول ، فقبل عهد محمد علي لم نكن نرى إلا أثرًا ضئيلا جدًا للأجانب يسيرون ، على تلك الخطة التي اختطتها لهم القرون الوسطى في أحياء خاصة وينظر إليهم في ريب وشك ، ويعاملون في كثير من الزراية والاحتقار ويعدون إلى حد ما جواسيس أممهم ، ويتعرضون لشتي ضروب المصادرة ، هكذا كانت معاملة المماليك للأجانب ، ولهذا كان أثرهم ضئيلا جدًا ، ولكن حكم محمد علي كان نقطة التحول ، إذ أن هذا التركي الذي لم يكن يفهم شيئا فيما سوى الحرب والدسيسة قد استورد عددا من الأجانب ، في غمرة تهافته على التجديد الغربي ليقوموا بدور الوسطاء بينه وبين أوروبا التي خصها بالجزء الأعظم من تجارته ، وخلفه سعيد وإسماعيل .. فأفسحا للأجانب في هذه البلاد ووطآ لهم أكتاف المصريين ، وأباحوهم مرافق البلاد في سفه لا مثيل له ، وأخذوا يقلدون الأساليب الأوروبية في الحياة الاجتماعية حتى انقلب الوضع فأصبح الأجانب هم السادة ماديًا واجتماعيًا وأصبح الشعب ينظر اليهم في إعجاب واحترام ، وأصبحوا هم ينظرون اليه باستعلاء ، ويأنفون منه .. ولا يتخذون من أفراده إلا الخدم والعمال ، وأصبحوا يسكنون أرقى النواحي .. بعد أن كانوا ينزون في أحيائهم الخاصة ، وكلما زاد اعتماد التجارة المصرية والاقتصاد المصري على الغرب استيرادًا وتصديرًا ، وزاد التقليد في ظواهر الحياة المعيشية والاجتماعية ، كلما ارتفعت اسهم الأجانب وزاد مركزهم سموًا ورفعة ، ويتبع هذا تدخلهم في النواحي السياسية وتدخل دولهم من ورائهم ، وظهر في التاريخ المصري لأول مرة ، صور من النزاع تأخذ طابعًا خاصًا بين الأجانب وبين "الرعاع" كما أطلق عليهم – واتخذ ذريعة للتدخل الأجنبي والمطالبة بتعويضات فادحة فضلا عن تشويه سمعة الشعب ورميه بتلك التهم القديمة البالية – تهم التعصب الديني ، وقد حدث ذلك أول مرة في : 1 يوليه 1882م ، واتخذ ذريعة لضرب الإسكندرية ، ثم استكانت البلاد طويلا لحكم الأجانب فلما تيقظت سنة 1919م .. تجددت صور النزاع بين المصريين والأجانب فحدثت في مايو سنة 1921م في الاسكندية حوادث جعلت الجالية الأمريكية تطالب بايجاد قوة دولية مسلحة في الإسكندرية وعدم المساس بنظام الامتيازات الأجنبية !! وفي سنة 1946م قذف ناد إنجليزي بقنبلة فأثر هذا الحادث تأثيرًا كبيرًا على مفاوضات صدقي بيفين التي كانت قائمة وقتئذ ، ولعل آخر هذه الحوادث كانت حـريق القاهــرة في 26 يناير سنة 1952م التي ما فتئت أجهزة الإذاعــة تدوي بعـد ذلك بطمأنينة الأجانب والتنبيه على الناس بضرورة إكرامهم ، فضلا عن التعويض السخي الذي منحوه .. والمذكرات المهينة التي قدموها .
وهذه الصور للنزاع تستحق الدراسة من ناحية بواعثها ونتائجها ، فقد كان الهجوم على الأجانب أسهل وسيلة يمكن أن تتخذ للتدخل في شئون البلاد ، وكان من السهل أيضا تدبير ذلك وإخفاء معالم الجريمة .. فضلا عن أن الشعب نفسه كان يقبل الإنسياق في هذه المعارك مقادًا بعوامل كراهية لا شعورية ، وحقد على الأجانب الذين يتمتعون بكل طيبات الحياة دونه .
وقد كان وجود كثرة أجنبية في هذه البلاد من العوامل الفعالة في نشر التحلل الخلقي والتميع الاجتماعي وضعف الطابع القومي .. لأن هؤلاء الأجانب لم يكونوا يمثلون أطيب عناصر بلادهم ، ولأن الأجانب في كل بلـد يتحللون مما يتمسـكون به في بلادهم وبين ذويهم ، وأخيرًا لأن هؤلاء الأجانب قدموا للاستغلال فحسب ولكسب المال ، حلالا أو حرامًا ، ومن أجل هذا فتحوا البارات ، وتاجروا في المخدرات وأداروا المسارح والكباريهات ، حتى أصبح الخمار "الجريجي" شخصية تقليدية في كثير من القرى فضلا عن المدن والمحافظات ، كما لوحظ أن الأجانب هم الذين يديرون فنون اللهو .. ويشرفون عليه ، ولست أشك في أن جانبًا كبيرًا من تحلل المرأة المصرية في المدن وتبرجها إنما يعود إلى تقليد المرأة الأجنبية ، أما بالنسبة للشباب المصري فإنهم قد أثاروا فيه روح الشك في مقدرة المصريين ونظمهم وحياتهم وطابعهم الاجتماعي ، بل لعلهم .. أكثر من هذا – قد أوجدوا مركب نقص يحس به بعض المصريين عندما يرون أقل هلفوت منهم يمرح .. ويسعد "ويرقص" مع صديقته ، ويسكن أرقى الأحياء ، ويلبس أجمل الأزياء ويقبض أعلى الأجور .
فهم من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمثلون قوي كبيرة لا تدين بالولاء للشعب ، وتستلهم مثلها العليا وسياستها العملية من مصالحها الخاصة أو من سياسة دولهم .
وهذا الوضع خطر جدًا ، وقد ظهرت بعض نتائج خطورته في حرب فلسطين ، إذ كشف اليهود كثيرًا من أسرار مصر وجيشها للصهيونيين ودار القتال في مرات كثيرة بين بنت يهودية ، ومتطوع مصري .. كلاهما من أبناء حي السكاكيني !! ، وكل دارس لأساليب الطابور الخامس ، ومدى فعل عوامل التدمير الداخلية وبث الذعر والاشاعات بين المدنيين يقرر خطورة هذا الوضع ويطالب بايجاد حل سريع .
وحل هذه المشكلة من ناحيتها العامة – أي من ناحية صفة هؤلاء الناس كأجانب – إنما يكون في نظرنا بمجابهة الأجانب بأن مصر لا تقبل أن تستوعب هذا العدد الكبير من الأجانب ، وأن وضعها كدولة حرة مستقلة لا يستقيم بهذا الشكل ، وأن عليهم إما أن يكونوا مصريين يخضعون لقانونها ويستظلون برايتها ، ويتعلمون لغتهـا ويكون موقفهم من بلادهم موقف الأمريكيين من بلادهم الأولى ، وإما أن نطبق عليهم القواعد التي تطبقها إنجلترا وفرنسا وأمريكا وغيرها من الدول على المصريين ، وليس في هذه القواعد شيء من الكرم المسموح لهم به حاليًا .
وأما علاجها من الناحية الخاصة – أي بصفتهم رأسماليين أو إقطاعيين أو ملاك – فيتوقف على نتيجة اختيارهم فإذا اختاروا التمصر ، طبقت عليهم القواعد التي ستطبق على الرأسماليين والملاك المصريين ، وإذا احتفظوا بجنسيتهم قدرت أملاكهم – أرضًا – أو أسهمًا – واتخذت طريقة لتسديدها على آجال طويلة .
وواجب الأمانة يقتضيها أن نقول إن السياسة التي تتخذها حكومة هذا العهد نحو الأجانب ورؤوس أموالهم سياسة يمكن أن تعد امتدادًا للسياسات القديمة أكثر مما تعد سياسة شعبية جديدة : فهي تسرف في تدليل الأجانب كما أنها – على ما يظهر – تضمر الاستعانة برؤوس أموال أجنبية جديدة ، وهذا خطأ مميت وجناية من النوع الذي اقترفه اسماعيل وسعيد ونوبار وغيرهم على الأجيال القادمة ، ومن التناقض لحكومة تصم من يزيد ملاليم من التجار على التسعيرة المقررة بأنه عدو الشعب – أن تثقل كاهل الشعب بملايين من الدولارات .. ستكون في المستقبل القريب المخالب الفولاذية التي تجرنا إلى الحرب أو على أقل تقدير – تجعل للأجانب دخلا بيننا .
ونحن نقدر الظرف الدقيق الذي تجتازه الحكومة الحالية وشبح التدخل البغيض الذي يهدد العهد الجديد ، نعم أننا لنقدره ، وما كنا لنقترح عليها أن تتخذ سياسة جرئية نحو الأجانب ستضايق ولا شك الدول الأجنبية لولا أننا نضع في أيديها السلاح الذي تستخذي أمامه هذه الدول ، الســلاح الذي يجعلها تتراجع وترضى بما نفرضه عليها ، هذا السلاح هو إجماع الشعب وبلورته وتركيزه ، وإبراز هذا كله في التنظيم السياسي حتى لا يقول الناس بعد "حركة الجيش" وإنما يقولون العهد الجديد .
وبعد تصفية الرأسماليين والملاك مصريين وأجانب يبقى أمامنا فلول المحترفين السياسيين الذين يشتم منهم رائحة مقاومة الحركة الجديدة وممن يمثلون سياسة العهد القديم وهؤلاء يجب أن يعاملوا بقسوة وتصرفاتهم الإجرامية تغنينا عن أن نسن قانونا خاصًا لعقوبتهم ، فهم متلبسون بشتى الجرائم من رأسهم إلى فرعهم ، وعندما يشهر عليهم سيف التطهير سيكون قصارى آمالهم النجاة بجلدهم والرضا من الغنيمة بالإياب .. والملحوظ على كل هؤلاء أنهم قلة ممن بلغوا أرذل العمر ولا ينتظر منهم مقاومة ، أما أتباعهم فكلهم من الانتهازيين والأذناب والمأجورين ، وسيقضي إصلاحنا في الناحية الاقتصادية على مصدر قوتهم ، على أنه يجب أن لا نعفو عنهم ، ولا عن زملائهم من الاقطاعيين والرأسماليين الذين تثبت عليهم تصرفات مشينة أو عدائية ، لأننا قد يكون في حاجة لضرب ضربات حاسمة ، وإنزال عقوبات قاسية على بعض الأفراد حتى يكون فيها رداع ، ولها صدى ، ولا شك أن هذه الطوائف هي أحق الطوائف بالعقاب القاسي الشديد .
بعد كل هذه التصفيات يبقى أمامنا طائفة يجب العناية بها أشد العناية ومعالجتها بمزيج من الحكمة والشدة والسياسة تلك هي الطائفة العقدية التي ستحارب الحركة عن عقيدة مشيدة على غباء ، وقصور ، وتمسك بالمدلول الضيق الصغير للأديان أو تفضيل للحياة الحالية بسيئاتها على العهد الجديد الذي سيمس في عرفهم أحد الأطراف البعيدة لما يرونه عقيدة محكمة : مثال ذلك أن تحارب إحدى الهيئات الإسلامية المتعصبة التي أقامت صلب دعوتها على مسـألة المرأة ، هذا العهد بكل حسناته ، لأنه يدعو إلى تحرير المرأة ، وهي السيئة التي ستغطي كل ما يمكن أن يبدعه العهد الجديد من معجزات في الإصلاح والإنصاف ، ومن المؤسف حقا أننا سنجد كثيرًا من هؤلاء الذين طبعهم الأفق الضيق بفهم سقيم لا يمكن معه التقدم أو الادراك ، وإذا كان على بن أبي طالب نفسه قد قاسى الأمرين من جنوده لغلبه عنصر "القراء" وعجز هو ورسوله البليغ ابن عباس عن أن يقنعهم بخطل رأيهم ، الذي كان ظاهر البطـلان بدرجة لا يحتمل معها نقاشا ، فضلا أن يقود هذا النقاش على البليغ وابن عباس العلامة إذا كانا قد عجزا عن إلانة هذه العقول الحجرية الصلبة فلا شك في أننا سنكون أعجز ، وقد رما مصطفى كمال بالرصاص رؤوسًا أصرت على لبس العمامة ، وكان هذا خطأ كبيرًا منه ، اما نحن فسياستنا يجب أن تكون مزيجًا من الشدة والحكمة ويجب أن نعني بزعمائهم كما يجب أن نقاومهم بأفراد من رجال الدين وأدلة منه ، وان كنت لا أميل إلى هذا المسألة أساسًا وأرى أنها مسألة مصالح يجب أن يبتعد عنها الدين .
ولما كان العمل هو سيد الميدان فإننا سنكسب بمضي الوقت بمقدار ما سيخسرون وسيطويهم التطور كما طوى كل الفئات المتزمتة في البلاد الأخرى ، دون أن نحتاج إلى أن نستخدم معهم القوة .. لأن الموضوع هنا يتعلق بالدرجة الأولى بالعقيدة ، ويجب أن يكون منهاجنا – مع العقائد والآراء حرًا سمحًا .
أما من عداهم من المرتزقين والانتهازيين ، والمتحللين فيجب استخدام القوة ، والحسم وعدم التردد .
ولقد يعتقد البعض أن هذه الحركة كلها – التصفيات – ستكون وصمة في تاريخنا ، كما كانت في كل الحركات الثورية كتصفية النبلاء في الثورة الفرنسية وتصفية الملاك في الثورة السوفيتية ، وتصفية الشيوعيين في الثورات الفاشية .. والذين يعتقدون ذلك يقدمون دليلا واضحا على قصر النظر والجهل بتكوين المجتمعات المعقدة ، وطبيعة النفس الإنسانية عند بعض الناس الذين يؤمنون بالشر إيمانا ، ويعتنقون الإفساد اعتناقا ، والقوة المدمرة للهدم ، ولقد قيل إن الطريق إلى جهنم مرصوف بالنيات الطيبة ، ولست أشك في أن طريق سقوط الأمم وانحلالها مرصوف بالتهاون مع قوى الشر الهدامة .. كل واحد يرى تضحيات الشعوب في الحروب ، ويرى المرضى يتساقطون آلافا في معركة المرض ويشاهد البؤس والشقاء يخيم على الملايين .. لا يتردد في أن يقضي بيديه ، لا مرة واحدة ، بل ألف مرة ، على الطائفة التي تسبب هذا كله ، والتي هي أحق بالعقاب من اللصوص والقتله والمجرمين ، لأنها هي التي تصنع شقاء هؤلاء جميعًا .
ولقد قيل في مدح هذه الحركة إنها لم تكن سببًا لإراقه دماء واحد .. وهو ولا شك – كما يقولون في الأدب – مدح قصد به الذم ، فلقد يغتفر للحركة الثورية أن تسرف في الدماء معتذرة بأن أداء الرسالة العامة فوق حياة بعض الأفراد ولكنه لا يغتفر لها أن تحجم عن التخلص من الأفراد حتى لا توصف بالوصف الدموي ، لأن الثورة دموية .. خصيصتها التي تميزها البتر ، وليس هناك ثورة بيضاء وأخرى حمراء ، فكل الثورات حمراء ، وإذا لم تكن حمراء لم تكن ثورة وإنما يكون الاختلاف في درجات الحمرة فيمكن أن يقال إن عهد الارهاب في الثورة الفرنسية ، وفترة المجاعة في الثورة السوفيتية ومعسكرات الاعتقال الرهيبة في داشاو وغيرها بالنسبة للثورة الفاشية كانت إسرافا وتخبطاً ، ولكن لا يمكن قط أن يوجه إليها لوم على تصفيتهما النبلاء والملاك والشيوعيين ، لأنه لم تكن لتوجد الثورة لو استمرت هذه الفئات .
ونحب أن نلفت نظر قادة الحركة ، هنا ، إلى أن الفتور قد أخذ يزحف على نفوس الناس ، ويسترد الأرض التي كسبها الحماس أول مرة عندما قالت الحركة بالافتتاحيات الجريئة ، ان عليها أن تستمر أو يلفها الخمول .. وتنسج عليها العادية المرذولة أستارها .. لقد طالب الشعب برؤوس المجرمين .. وارتفعت حماسته عندما قبض على آلهة العهد القديم وجبابرته وزج بهم في السجون ، ولكنه صدم باجراءات طويلة .. مملة ، كأنما أعدها أعداء الحركة لبيئوا الملل واليأس في نفوس الناس ، ولن تصل الحماسة للحركة إلى الدرجة المطلوبة إلا عندما تتساقط الرؤوس ، ويتمكن في نفوس الناس الإيمان بحزم الحركة في تنفيذ العدالة الصارمة ، وبقوة الشعب فوق الأفراد ، وتلمس في الرؤوس الهاوية .. نهاية عهد ..
 
 
 
[3]
الدستور والوضع السياسي
ــــــ
كان الدستور للأحرار السلاح الذي يشهرونه في وجه الملك الطاغية ، وإلى هذا ، وحده ، يعود تقديس الأحرار ، له لأن الأحرار كانوا يلمسون فيه وجوه نقص لم تخف على فطنتهم ، ولا عيونهم النفاذة ، ولكنه كان "على عيبه" السلاح الوحيد في أيديهم ، والحصن الذي يلوذون به ويتقون به هجمات الطيش والاستبداد ، كان الدستور أداة هجومية دفاعية فتمسكوا به ، بل وعملوا على تقديسه ، والآن وقد تغير الوضع ، وزال الطاغية ، فإن الأحرار يستطيعون اليوم أن يرفعوا اللثام عن حقيقة الدستور ، بل يرون واجبًا عليهم – وهم ينظرون إلى الغد – أن يظهروا العيوب ونقط الضعف والنقص في هذا الدستور ، على عكس السياسيين المحترفين ، الذين يتمسكون اليوم بالدستور لأنهم ينظرون إلى الماضي السعيد الذي مكنهم هذا الدستور من ارتكاب جرائمهم ، وكان مطية ذلولة لهم .
إن تقصي النشأة التاريخية للدستور توضح لنا ماذا نقصد ، فقد نشأ الدستور المصري في ملابسة لا يستطيع الفخر بها ، وكان "الدش البارد" الذي ألقى على بقية ثورة 1919م فأطفأها عندما عجزت مضخات الإنجليز عن ذلك وقد أضرب الوزراء جميعًا عن الحكم واستمرت البلاد ثلاثة شهور بلا وزارة حتى قبل ثروت باشا أن يرأس الوزارة بشرط منح الدستور ، وقيام المفاوضات بين مصر وبريطانيا ، وعلى هذا الأساس أصدر الإنجليز تصريح 28 فبراير – شهادة ميلاد الدستور المصري – وأثبتوا فيها ، بصفة رسمية ، الوصاية عليه بتحفظات أربـع كان كل واحد منها كفيـلا بأن يجعل الدستور لغوًا ، فضلا عن أن الإنجليز هم الذين تولوا وضعه .. فكان السير شلدون ايموس مستشار الحقانية العتيد ، ورمز العدو الغاصب هو العقل المفكر في لجنة وضع الدستور الذي قصد به أن يكون رمز كفاح الشعب .. ضد الإنجليز !!
ولم يقصر الإنجليز في استخدام حقوقهم التي تبيحها لهم هذه التحفظات فتدخلوا عندما أراد الشعب تعديل قانون الاجتماعيات ، وتدخلوا في لقب الملك وتسببوا في فرض حكم محمد محمود وصدقي ، والأول عطل الدستور .. والثاني ألغاه إلغاء ، فضلا عن أنهم ضمنوا الدستور نصًا يحيل حالة الحكم العرفي إلى قانون كانوا قد وضعوه هم من قبل ، قانون يحطم كافة الحريات ، وحكمت مصر بهذا القانون أكثر مما حكمت بالدستور ، وابتلع الحكم العرفي الحياة الدستورية كما يبتلع حوت ضخم سمكة صغيرة لا حول لها ولا طول .
هذا من ناحية الحاصل الإيجابي للدستور ، وقد رأينا أنه كان ضئيلا جدًا ، وأسوأ من هذا أنه كان الأداة الرسمية التي مزقت البلاد لكي يحكم الإنجليز وراء الأسماء المصرية .. والأحزاب التي قامت على عجل لتسود التاريخ المصري بصفحات يندر أن توجد مثلها سوادًا وقذارة وتمثيلا للضعة والتحلل والتكالب على السلطة .. والصغار أمام الإنجليز .
كانت الدعوة بعد الحرب العظمي الأولى 1914 – 1918م للدساتير الديمقراطية تمثل صحوة الموت ، إذ انتشرت انتشارًا ذريعًا مع مبادئ ولسن ، وظهر للعالم أجمع كأن الحضارة كلها قد تركزت في البنود الأربعة عشر ، وأصبحت الديمقراطية هي الموضة السياسية ، يقاس تقدم الأمم وتأخرها بمقياسها ، فإذا كانت تحكم دستوريًا عدت متقدمة ، وإلا عدت متأخرة .
ولكن هذه كانت بداية النهاية .. إذ ما لبثت الدساتير الديموقراطية .. أن تهاوت واحدًا بعد آخر .. وقبل أن تنتهي الحرب كان دوي ثورة سنة 1917م الروسية يصم الآذان .. معلنا نهاية العهد الديمقراطي في روسيا وتقلصه عن معظم بلاد العالم .. وبدء فترة انتقال من الديمقراطية إلى الاشتراكية اتسمت بالعنف شأن كل مجتمع مثقل بمولود جديد .. وبعد أن انتشرت الفاشية في إيطاليا وألمانيا ، وحدثت الحرب العالمية الثانية بدأ العهد الجديد – العهد الاشتراكي في الزحف .
وقد تضافرت عدة عوامل على أن يقوم دستور سنة 1923م في مصر ، فقد كان فيه التسوية الشرعية للوضع الشائك للاحتلال ومغانم كثيرة له .. ولغيره .
فالسلطان الذي سيصبح ملكاً ، والإنجليز سيحكمون بأيد مصرية ، والسياسيون الذين سيصيرون وزراء ورؤساء وزارات .. والأعيان الذين سيتقلدون مقاليد البرلمان ويستحق كل واحد منهم لقب "حضرة النائب المحترم"  ، وأخيرًا الأحــرار الذين خدعوا بخيال الحرية التي تمنحها الدساتير كل هؤلاء حبذوا الدستور في الوقت الذي بلغت الدعايات العالمية للدستور الديمقراطي أوجها ، وفي الوقت نفسه الذي كانت البرجوازية المصرية قد بلغت الرشد وأدركت مقاعد السياسة ومراكز الزعامة ، فتعاونت هذه العوامل جميعًا على أن يظهر دستور سنة 1923م : فكرته الأساسية إنجليزية .. وصياغته برجوازية .. والحماسة له صدى الدعاية العالمية والتغرير بالأبرياء والحرص على المصالح الخاصة دون حاجة حقيقة أو إيمان سليم أو دراسة للواقع المصري أو ملاحظة الكفاح مع الدولة المحتلة ، ولما كانت الدساتير الديموقراطية كلها ثمرة كفاح البرجوازية ضد الملوك ، فقد كان هدفها المساواة .. وفكرة الحرية الفردية .. وعدم تدخل الحكومة وإقامة البناء الاقتصادي على أساس دافع الربح والمصلحة الفردية ، وعلى هذا النهج نسج الدستور المصري فلم ينظم شئون العمل أو الاقتصاد .. واكتفى بالبلاغة الكلاسيكية عن الحريات والمساواة بين المواطنين جميعًا !
ونشأ من هذا أن استغل الدستور اقتصاديًا كما استغل سياسيًا ، ووجدت الرأسمالية الناهضة خير مكان تنمو فيه وتتضخم وتلوذ به من عصف رياح الطبقة العاملة والأغلبية البائسة ، كما استغل سياسيا فركز الاستبداد .. ووصل هذا التركيز المزدوج سياسيًا واقتصاديا درجته القصوى في الأيام الأخيرة لحكم فاروق الأمر الذي جعل حركة الجيش ضربة لازب إذ فشلت كل الجهود للاصلاح وصغرت أمام الوحش الذي تركزت فيه الرأسمالية والاستبداد فمنحته قوة ساحقة .. وثقة في نفسه تجعله يهزأ بكل إصلاح .
تلك هي قصة الدستور منذ أن أدخله الإنجليز واحتضنته البرجوازية .. حتى لقى مصرعه بعد أن أصبح أداة طيعة في يد المستبدين والمستغلين وقد كان الأحرار لا يذكرون هذا من قبل لتأثر الأذهان بفكرة قداسة الدستور الديمقراطي ، ولأن هذا الدستور ، كما قلنا ، كان السلاح الوحيد في أيديهم ، وقد أفلست في كل شعوب العالم ، وأنها تكيفت بشكل – يكاد يكون انقلابيًا – في البلاد التي لا تزال متمسكة بها ، وفي مقدمتها انجلترا – مسقط رأسها الأصيل – كما تغير الوضع الداخلي لهذه البلاد فزال الطاغية ، وأصبح التمسك بهذا الدستور على ما هو عليه من نقص لا معنى له عند الثورة .. وإلا أصبحت الثورة هي التي لا معنى لها !
وإصلاح هذا الدستور لا يكون بتغيير مادة أو إضافة مادة ، لأنه ليس فحسب معيب من نواحي متعددة ، بل هو أكثر من ذلك صادر من ملك ، وآخذاً لوضعية فريدة حيرت الفقهاء الدستوريين .
وإنما يكون إصلاح الدستور بإيجاد دستور آخر شعبي اشتراكي يصدر من الشعب ويبدأ ديباجته "نحن – شعب مصر" .
والدساتير الاشتراكية أقل تعلقا بالألفاظ الكبيرة الطنانة والكلمات العامة فهي لا تتحدث عن الحرية ، المساواة ، العدالة ، الأخوة ، ولكنها تهتم بتحديد معاني هذه الكلمات وحدودها وضماناتها من العبث ومن تكون ألفاظا فحسب .
والدستور الاشتراكي يبدأ عادة بتعريف الأمة بأنها أمة عمال وفلاحين أو يصف الشعب بأنه الشعب العامل ، وهذا التحديد وان أغضب القلة الغنية إلا أن فائدته لا تقتصر على مدلوله المادي ، وإنما هي تبعد أي ظل لمعنى "التفضل" لذي كان يطل خلال سطور الدساتير الديمقراطية التي يمنحها ملوك – بنعمة الله – لشعوبهم .
ويشمل الدستور الاشتراكي على نص يوضح أن الجزء الأعظم من الانتاج ملك للدولة والمنظمات العامة والتعاونية ، ويشمل الإنتاج الاشتراكي الصناعة والنقل والتجارة الخارجية والبنوك ، وتنهض التعاونيات على أساس الاشتراك الاختياري بجزء هام من الصناعة الحرفية وتجارة القطاعي .
ويضمن الدستور الاشتراكي لكل مواطن حقه في العمل ، والمرتب الملائم حسب مقدار ونوع العمل الذي يؤديه والحد الأدني الذي لا يجوز لمواطن قبض أقل منه كما يذكر حق المواطن في الراحة والإجازة بأجر ، كما أن من حق كل مواطن العلاج مجانا والمعاش عند الشيخوخة ومكافآت خاصة لكل طفل يزيد عن عدد معين .
وينص دائمًا في الدساتير الاشتراكية على أن المرأة حرة مثلها مثل الرجل وأبواب العمل والثقافة مفتوحة أمامها على مصراعيها وأجرها يساوي أجر الرجل كما أن لها – عادة – الحق في ثلاثة شهور إجازة بأجر عند الحمل .
وتتبلور القوى الشعبية ، لدى الدساتير الاشتراكية – في المنظمات أو الهيئات ، نقابات أو مجالس بلدية ، أو جمعيات أو لجان أو غير ذلك ، وهذه في أيديها كل السلطة ، فهي التي تنتخب النواب ، وهي التي تشرف على أعمالهم بعد أن يقدم حسابًا عن نشاطه مرتين كل سنة ، فإذا لم يرض الناخبون عن سيرة النائب ، فإن لهم الحق في سحب التوكيل عنه كممثل لهم وهذه نقطة رفضت الدساتير الديمقراطية أن تأخذ لأن الفقهــاء قالوا للسياسيين إن ذلك يخالف نظرية "سـيادة الدولـة" ، فأطاعوهم ! وما كانوا ليحطمون هذه النظرية العزيزة على قلوب الفقهــاء ! وإن أدى ذلك إلى أن يمرح النواب ، أو لا يحضروا المجلس ، أو يعكسوا واجباتهم المفروضة !
وهذه المسئولية أمام الشعب لا تقتصر على النواب ، ولكنها تشمل رجال القضاء ، الذين أبعدتهم نظرية أخرى مقدسة – الفصل بين السلطات – عن رقابة الشعب وهيمنة الدولة ، فأصبح القضاة يحكمون .. كأن كل واحد منهم إله لا يجوز نقده ولا الإشارة إلى حكمه .. متذرعين باسم العدل .. وأي عدل ؟ إن العدل أمر نسي والعدل من جهة نظر الشعب غيره من وجهة نظر الملك ، فضلا عن أن العدل نسبيًا أو غير نسبي لا يظهر تمامًا إلا إذا طرح على بساط البحث ، وأمكن الشعب أن يناقشه .
إن نظام "المحلفين" في إنجلترا فيه إلى حد كبير معني من احترام إرادة الشعب ولكن نظام المحلفين يعود إلى عادات تقليدية قديمة تجعل الفكرة عن التمثيل الشعبي في القضاء غير صريحة ، من أجل هذا يجب أن يوضع نظام للمحلفين يجلي هذه النقطة ، ويصرح بها .
تلك هي بعض خطوط الدستور الاشتراكي فيما يتعلق بالناحية الشعبية ، وهو كما رأينا يقوم – في هذه الناحية – على منظمات تملك أو تدير الإنتاج الجماعي ، وتنتخب النواب والقضاة ، وتسقطهم ، وتناقش السياسة العامة ، وتكون هذه المنظمات – بدورها – من أفراد – رجال ونساء على قدم المساواة يضمن الدستور لكل منهم عملا ، وأجرًا وتعليمًا وعلاجًا .. وراحة بأجر .
وفيما يتعلق بالحاكمين يكون الدستور الاشتراكي الهيئة الحاكمة من رئيس جمهورية شرفي سلطانه أقل من أي ملك في البلاد الملكية الديمقراطية ، ووزارة قوية برئاسة رئيس هو عادة رئيس الحزب الاشتراكي .. الذي إما أن يكون الحزب الوحيد أو الحزب الأكبر ، وفي كلتا الحالتين يضمن أغلبية ساحقة تتيح له الحكم طويلا وتمنع عنه المضايقات المعطلة ، وهذه الوزارة مسئولة أمام جمعية وطنية ذات مجلس واحد تنتخب بالاقتراع السري .
وإلى هذا يكون الدستور الاشتراكي جميلا ، ولكننا لا بد أن نعترف أنه ما لم تكن حرية الصحافة والمعارضة السياسية وتأليف الأحزاب على أتمها ، فإن الاشتراكية تقع في خطأ مميت خطأ يهددها بأن يكون هذا الكلام كله ألفاظاً لا حقائق ، ويلحقها بالديمقرطية التي لم تمنح الشعب ضمانات لحقوقه .. فلم يستطع المحافظة عليها أو الاستمتاع بها .
وهذا أمر مربك ، ونحن نعترف بذلك ، ولكن المجتمع كله نسيج معقد .. مركب . يعمل العامل فيه .. كاللاعب على الحبل ، ولا يمكن الميل نحو ناحية إلا على حساب ناحية أخرى ، ولكل تعميم ثمنه ، ولكل إطلاق رد فعله وإذا أردنا أن نجمع بين الحرية والعدالة وأن نحذر الانزلاق في مهاوي الطغيان .. أو التحلل فعلينا أن نرضخ لما تمليه علينا وأن نتقبل تعقيدات هذا الوضع ، والحذار من أن نلجأ للتبسيط على حســاب إحدى الناحيتين ، ولاسيما ناحية الحرية ، فإن هدفنا الأساسي هو الشعب السيد ، ولن يكون الشعب سيدًا ، وصحافته معطله .. ومعارضته مقيدة ، وإنما يكون الشعب سيدًا عندما يضع ساسته في الصور الكاريكاتيرية ويقول .. لا .. عندما يروق له ذلك .. ومالم تثبت خيانته على المعارضين فلا يجوز إسكات أفواههم وعلى الساسة والقادة أن يتحملوا ما تنشره عنهم الجرائد وأن يدافعوا عن أنفسهم على صفحاتهم وما داموا يستطيعون تقديم حقائق مشرفة فلن تتغلب عليهم صحافة مفتاته .. وإذا لم يكونوا يستطيعون تقديم الحقائق فعليهم أن يستقيلوا .
والعادة في المجتمع الديمقراطي أن الهيئات الشعبية عندما تكبر إلى حد معين ، تنشأ لها مصالح خاصة كثيرًا ما تنافي المصلحة العامة للشعب ، ولا يمكن عندئذ اعتبار قادتها ممثلين للشعب ، وعلاج هذا الانحراف لا يكون بكبت المعارضة بحجة عدم تمثيلها للشعب ولكنه يكون بحسم الجذور التي تنمي هذا الانحراف ، والمصلحة الاقتصادية هي الجذر الأساسي فإذا حسمناها إنقطع أصل الانحراف ، وصارت المعارضة لغايات غير مادية .
إن قصة الحرية قد انتهت للأسف الشديد على غير ما يحبه لها الأحرار ، ولعل كاتب هذه السطور منهم ، لأنها بعد أن بدأت بالحرية الكاملة في ظل عهد بسيط التركيب ، سهل الحياة ، ممتلئ بالآمال .. مستشرف للمستقبل ، كما كان الحال في انجلترا في مطلع فلسفة الحرية  ، انتهت إلى عهد مركب ، معقد ، يكشف عن خبث الطوية البشرية عندما تتمكن ، وعن ترابط العلاقات بعضها ببعض بحيث لا يمكن الإصلاح ناحيته دون التأثر ببقية النواحي ، واستغلال عهد مادي لا مثاليات فيه وتحلل لا ضابط له ، وأثره غالبة ، حتى ظهرت الثورة على الحرية ، كما ظهرت الثورة على الظلم من قبل ، وهتفت طلبه بعض الجامعات في ألمانيا .. "نحن نلعن الحرية" ، وفعلت شعوب أخرى ذلك بدلاً من أن تقوله ، وود الأحرار في أربعة أركان العالم لو تراجع بهم الزمن إلى عهد سميث وبتنام وعصر التنوير age of reason ، وتمنوا لو لم يتأخر بهم العمر حتى يروا معضله المجتمع المحيرة .. مشكلة الجمع بين الحرية والعدالة ..
وفي نظرنا أن الفكرة الأساسية في دستور الاشتراكية الوطنية وهي اعتبار المسألة الاقتصادية مسألة عدالة .. واعتبار المسألة الفكرية السياسية مسألة حرية هو خير توفيق يمكن أن يوجد للجمع بين الحرية والعدالة .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[4]
الحــرب في الســـلام
ــــــــــــــــ
حددت السياسة الطبقية الرأسمالية نطاق الإصلاح بعوامل مادية طبقية كرغبة الطبقة الحاكمة ، وفهمها الإصلاح ، وكفاية رأس المال الموجود .. ونسبة الاستثمار المنتظر من هذا الإصلاح فباستغلال المرافق العامة مثلا كالنور والكهرباء والمواصلات ، يدر ربما أكثر من إصلاح الأراضي .. وأمدتها الفلسفة السياسية بفهم لواجبات الدولة نحو الإصلاح يلائم هذه العوامل ، فكان الإصلاح عملية لا تجري إلا عندما يتسع الخرق على الراتق .. وتجديد لا ينتبــه إليه إلا عند التهديد بالسقوط ، أي كان عملا عارضًا .. وإذا أعطى حســابًا مقدمًا فهو حســـاب احتياطي الاستهلاك .
والواقع أن المسئولية الحكومة في المجتمع الطبقي محدودة جدا نحو موضوع الإصلاح لأن الطبقة الحاكمة لا تشعر بالحاجة الملحة إلى الإصلاح فهي تعيش هانئة في أحياء مستقلة وتسكن قصورا ذات أسوار عالية تحجب عنها مناظر الشقاء وتصورها أوسكار وايلد" في قصته (الأمير السعيد) .. فحاسة الإصلاح لديهم من أضعف الحواس وهي لا تتيقظ إلا إذا لوح لها بصيد جديد يأتي من هذا الإصلاح ، صيد استغلالي يجمع إلى صفته الإصلاحية الإضافية .. صفة استغلالية أساسية .. ولولا ذلك لما أقيم اصلاح في البلاد الطبقية الرأسمالية .. إذ أن مشاريع الإصلاح تمثل صفقات رابحة للشركات .. وميدانا سهلا يغزوه رأس المالي الفردي .
ولكن الإصلاح في العهد الجديد شيء آخر ، إنه خلق ، وإبداع وتكوين شيء لم يكن موجودًا وهو السياسة الدائمة لا للمعارضة لأن التبرير الوحيد للحكم هو الإصلاح .. فهو دائم مادامت الحكومة حكومة الشعب .. وحكومة الشعب تجد نفسها دائمًا إزاء حاجات متزايدة ، ورغبات مضطردة لا تنتهي لأن الناس لا يكادون يستمرأون الكفاية .. حتى تضعف قيمتها ويطالبون بما هو أكثر ، فالحكومة الشعبية في سباق دائم مع الحاجات المضطردة ودرجة الكفاية النسبية التي لا تقف عند درجة إلا لترتفع درجة أخرى .
والحكومة الشعبية إزاء ذلك ترسم سياسة منسقة للاصلاح كما ونوعا أفقيا وعموديًا ، زمانا ومكاناً ، فلهذه السنة إصلاح يتمثل في كسب أراضي من الصحراء .. أو توفير مياه من البحر الأبيض .
وللسنة القادمة إصلاحها الذي يترتب على إصلاح السنة السابقة وهلم جرا .. وقد جاء وقت على روسيا كانت الكهرباء "هي دين الشيوعية الناهضة" ، ورمز القوة المحركة التي ستحمل روسيا عبر المستقبل ، والإصلاح في الاشتراكية الوطنية مشاريع متلاحقة يسلم بعضها إلى بعض وتوضع بمقتضي خطة معينة تهدف تحقيق الآمال الشعبية التي حلمت بها الشعوب طويلا .. طويلا .. الرخاء .. السعادة ، الوفرة ، الصحة ، الأمن ، الاطمئنان إلى المستقبل ، وبدون تحقيق ذلك لا يمكن لشعب أن يزعم .. أن العالم يتقدم أو أن له حكومة شعبية جادة .
والمشاريع الإصلاحية المرسومة بالمدي الشامل الذي نريده تؤدي خدمات للمجتمع لا يمكن لغيرها ان يقدمها ..
الخدمة الأولى : العمالة الكاملة .. إذ أن استخدام الآلات ، وتقييـد الإصلاح برؤوس الأموال ، وإخضاعها للغرض الاستثماري ، أدى إلى انتشار البطالة في المجتمع الحديث .. والبطالة هي أبشع الأشباح التي تتراءى لرجل الشارع فهي لا تعني فقد المورد المالي فحسب ، بل تعني أيضًا فقد الاعتبار وزيادة المصاريف وانحطاط الروح المعنوية .. إلخ .. أما الفكرة الاشتراكية فترى أن البلاد لا يمكن قط أن تضيق بالأيدي العاملة وأن هناك عملا لكل يد .. ويجب أن يخلق هذا العمل ، فالمشاريع الإصلاحية حدها الأدنى تشغيل الأيدي العاملة كلها .. ويجب أن يدخل في حسابنا في هذه البلاد الأيدي التي تشتغل بأعمال تافهة كالباعة المتجولين أو المتسولين .. إلخ ، أو بأعمال تقتضيها طبيعة النظام الرأسمالي كالمعلنين ، فضلا عن النساء اللاتي سيدخلن ميدان الأعمال بشكل واسع .. وفضلا عن أننا سنتبع أساليب عملية من شأنها أن توفر من الأيدي العاملة المشتغلة حاليًا .
والنتيجة أننا سنجد أمامنا جيشًا "لجبا" من مجموع هؤلاء ، ولكن هذا لن يخيف المشاريع الانتقالية الإصلاحية ، فهناك عمل دائمًا ينتظر هؤلاء جميعًا وأكثر منهم ، فهناك بيوت ، ومستشفيات ومدارس .. ومعاهد .. وحدائق لا عداد لها .. هناك ملايين الأفدنة من الصحراء .. يجب أن تصلح ، هناك خمسة آلاف قرية ، يجب أن تقلب رأسًا على عقب .
إننا نريد جيشًا "لجبا" من العمال والمهندسين والأطباء والمدرسين ، والأدباء والفنانين .. رجالا ونساء لإقامة المشاريع الانتقالية .
وإذا افترضنا جدلا أننا سنزيد الأيدي العاملة عن الأعمال فيجب إنقاص ساعات العمل حتى يحدث التوازن المطلوب على أن هذا ــ إلى حد ما ــ مطلوب لذاته .
والخدمة الثانية : التي تقدمها المشاريع الانتقالية هي توفير المعنويات .. وقد يعجب بعض الناس بالمعنويات وهذه المشاريع الانتقالية ؟ إن هذه المشاريع لها جانبها الاجتماعي والسياسي ، بل والحضاري ، فهى تريد أن تنقل الدولة من مستعمره إلى مستقلة .. ومن دولة حكومية إلى دولة شعبية .. وهي تريد أن تحارب الخرافات لتحل محلها العلم والنور والعرفان ، وهى تنقل المرأة المهملة ، الجاهلة المستعبدة .. إلى الحرية والاستقلال هذه كلها أهداف لها نواحيها المعنوية التي تضرم الحماسة في قلب كل شاب .
ولكن حتى لو لم يكن لمشاريعنا هذه الناحية الاجتماعية المباشرة واقتصرت على النواحي المادية للإصلاح من تعبيد الطرق إلى استخراج معادن إلى بناء بيوت فإن هذه الأعمال الشاقة الجامدة لها معنوياتها .. تلك المعنويات التي يعرفها الثوريون حق المعرفة ، عرفها الأنصار .. وهم يشقون بقوتهم الخندق بعد أن حوصروا ، وصورها لنا ثوري حديث "فيكتور كرافشنكو" عندما قال عن أعمال التعدين التي تطوع لها في فجر الثورة الروسية ، "لقد كان الفحم في غير بلادنا فحمًا لا أكثر .. أما عندنا فكان وقودًا لتسيير قطارات الثورة" .
والواقع أن فكرة العمل في سبيل المبدأ وإقامة أعمال محسوسة ملموسة ، واضحة الفائدة ، كالبيوت وإصلاح الأراضي وتعبيد الطرق وبناء عهد جديد لأجيال قادمة في المستقبل ، إن هذه كلها تشمل مثاليات تبث الشجاعة في الجبان ، والعمل في الكسول والنار في أحشاء الخامل البليد ، وهي بعد ذلك تحول اقتصار الحماسة على الشقشقة والكلاح والخطب : الأمر الذي يؤدي بها ويفسح المجال للخلاف والشقاق وظهور الانتهازيين والمرتزقة ، أما هنا فلن يبرز إلا العمال ، ولن يظهر إلا المنتجون ، وسيكون هدف الثورة من الوضوح والبروز بحيث لا يمكن تحويره أو التطفل عليه .. وقد لاحظ بحق مؤلف "دعائم السلام" إن الحرب على ما فيها من قسوة فإنها بتشغيلها الأيدي ، وفكرة التضحية ، قد حلت مؤقتا مشكلة الديمقراطية المزدوجة أي الخواء المعنوي ، والبطالة لأنها أشبعت إشباعا الناحيتين المادية والمعنوية ، فمضى الناس يعملون تشغلهم سورة الحماسة ، وقداسة المهمة وتعبئة القوى عن الحزن لفقد من فقدوا من آلهم .. أو هدم من بيوتهم .. حتى إذا جاء السلام .. ورفرف الأمن ، عادت المشكلة إلى الظهور .. وآب الجنود ليحاربوا في معركة كل يوم .. معركة العيش .. وعادت البطالة تهددهم كأشنع ما هددتهم الأسلحة النارية الفتاكة وعاد اليأس .. والملل .. والخواء يطبق على آفاق الحياة المدنية .
ونحن نريد أن نوجد الحرب في السلام .. أن نخلق من هذه الأعمال التشييدية معركة حقيقية ضد الفقر والجهل والمرض والخرافة .. وضيق موارد الطبيعة وقسوة الظروف ، وأن تسودها روح حربية حماسية .. وأن تضفي عليها القداسة والمهابة التي للحروب .. وبهذا تحل مشكلة الديمقراطية بدون أن ندفع الثمن الباهظ للحرب البشــرية .. ملايين الأرواح .. أو تنشر الخراب والفقر .. والدعارة .. والتحلل .
والخدمة الثالثة : هي أن هذه المشاريع الانتقالية بشمولها وحرارتها ستتمكن من قهر العوامل الاجتماعية المتأصلة التي لا تقهر إلا في حرارة مرتفعة تصهر صلابتها ، فكما أن النبلاء الفرنسيين لم يتبرعوا بأملاكهم الا في هذا الجو الحماسي الرائع الذي تصفه لنا ليالي الثورة الفرنسية ، كما أن المرأة المصرية لم تخلع الحجاب إلا في جو ثورة سنة 1919م وعلى يد الزعيم الذي آمن به الشعب وقتئذ فإن حرب التقاليد والخرافة وصقل الشباب وإعطائه طابعًا من الرجولة والعمل وإعادة الثقة في الشعب إلى النفوس هذه كلها لن تتم الاوسط حماسة القيام بالمشروع العظيم ، وعن طريق تنفيذه ، هذا التنفيذ الذي سيتطلب أوضاعًا تعمل من تلقاء نفسها ، وبطريقة غير مباشرة على تحطيم الأوضاع القديمة ومن هنـا نفهم ان هذه المشاريع .. أكبر من أن تكون عظيمة أو هائلة ، انها "انتقالية" فهي تمثل نقلة بعيدة وشاملة للنواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. وقبل هذا ، الفكرة الحضارية بما تستتبعه من توريث حضارة حديثة .
* * *
لقد نفذت هذه المشاريع في كل البلاد التي أرادت أن تكون نهضتها شاملة وسريعة وغطى الماضي فيها على الحاضر وشمل فيها الفســاد كافة نواحيها ، نفذتها روسيا وألمانيا وتركيـا والأرجنتين ، وجاء تنفيذها بالثمرة المطلوبة .. ففي ألمانيا الفاشية حققت المشاريع المعجزة التي جعلت ألمانيا تحارب العالم أجمع ، وفي روسيا الشيوعية كفلت هذه المشاريع لها أن تقف في وجه ألمانيا وتصدها .. ولكنها لمصر أهم مما كانت لغيرها من الأمم لأنها ستصدر عن فكرة اشتراكية وطنية ولأنها تمثل كما قلنا ، خلقا جديدًا ، وإبداعًا وانتقالاً من عصر إلى عصر .. ومن أجل هذا أيضًا تتطلب هذه المشاريع وقتا فسيحًا .. ومراحل متوالية ويبدو لنا أن يقسم المشروع كله على عشرين عامًا تقسم إلى خمس مراحل .. كل مرحلة أربع سنوات ، وفي نهاية كل مرحلة نستعرض ما وصلنا إليه وما اكتسبناه من تجارب وخبرة حتى يمكن الاستفادة بها في مرحلة التالية .
* * *
والسؤال الذي يتبارد إلى أذهان الناس عندما يرون جسامة هذه المشاريع المقصودة هو .. مسألة التمويل .. التي تبدو وكأنها المعجزة في الموضوع ، وهذا ولا شك أثر لسيادة الفهم الرأسمالي .. وفكرة الثمن والسوآل التقليدي "بكم ؟؟" الذي يطفر على اللسان أمام كل شيء .. كان كل شيء يباع ويشترى ، وكأن مسألة الثمن هي المسألة الهامة الوحيدة .
ونحن نقول إن تمويل هذه المشاريع سيكون أهون مما يتصورون ، فنحن لن نلجأ إلى الشركات الرأسمالية والعالمية التي تزن كل خطوة بما يقابلها من مال وتحسب حساب السفر وبدل الاحتياطات منظورة وغير منظورة ، ثم تكدس أرباحها بعد ذلك أضعافاً مضاعفة شأنها شأن كل شركة استغلالية ، نحن سنلجأ إلى أرضنا وتربتنا وسواعد شبابنا .. سنكون جيوشا جرارة من المتطوعين وعندما يقف محمد نجيب ليقول في وسط الشباب "أيها الشباب تعالوا لنبني مصرًا جديدة بالعلم ، والكدح ، والإخلاص ، تعالوا لتقلبوا تربتها الطيبة وتستخرجوا معادنها الثمينة وتضعوا أسس التصنيع الثقيل ، تعالوا لتجعلوا الثورة حقيقة وعملاً لا خيالاً وكلامًا .. تعالوا كللوها بتاج عملكم وباركوها بمجارفكم ومعاولكم" فسيجيبه الشباب ، وسينسل إليه من كل حدب وصوب .
صحيح ستعترضنا مسألة الآلات والخبراء أما الأولى فيمكن تذليلها بطريق المبادلة الخارجية ، وأما الثانية فلا مناص من استيرادهم من الخارج على أن يكون هذا الانتداب بعقود قصيرة ولمهمات محددة .. يسافر بعدها الخبير إلى بلاده ، فبعضهم يمكث ستة أشهر ، وبعضهم يمكث ستة .. وأكثرهم من يقضي مرحلة كاملة من مراحل المشروع (أربع سنوات) .
وبمثل هذه الطريقة يمكن تذليل العملة ، إننا نستطيع أن نطبع من أوراق النقد مائة جنيه بضمانة كل شاب مصري كل عام .. وهو ضمان أقوى ولا شك من الغطاء الذهني .
وعلى كل حال فسيكون من سياسة المشروع أن يبدأ بالأعمال المنتجة حتى يمكن أن يتحول المرحلة الأولى .. إلى المرحلة الثانية وهلم جرا .
* * *
وبصفة عامة فإن الناحية المادية هي أقل النواحي أهمية أما أعظمها أهمية فهى الروح الثورية ، الاخلاص ، تكريس القوى ، الإيمان بمصر ، العهد الجديد .. مصر العهد الثالث .
* * *
ومجال القول في الخطوات العملية لتنفيــذ المشروع متسع جدًا ، وقد سبقتنا أمم في هذا السبيل فيمكننا الاستعانة بخبرتها ، وقد وصف الأستاذ راشد البراوي صورًا من هذه المحاولات في كتابه "مشروع السنوات الخمس" فيمكن الرجوع إليه .. وقد قال عندما تحدث عن المشروع الروسي .
طريقة وضع المشروع :
من الخطأ المتواتر الظن بأن الخطة المرسومة لتنظيم موارد الجماعة وقواها الإنتاجية ومطالبها الاستهلاكية تتولاها الهينة العليا الموجهة بطريقة تعسفية ، أو يقوم بها جماعات من الموظفين المقيمين في عاصمة البلاد وليس أبعد من هذا الظن عن الحقيقة والواقع ، ولهذا سنشرح الطريقة التي تتبع عند وضع مشروع السنوات الخمس ومنه نرى أنها تنقسم إلى مراحل متعاقبة كل منها تكمل الأخرى .
أولاً : يطلب إلى الهيئات والمنظمات الإنتاجية أن تقدم مقترحاتها بشأن ما تريد وما تستطيع إنتاجه في فترة معينة ، وأن تحدد تقديرها لما يحتاجه التنفيــذ من مواد خام ومعدات وعمل وغير ذلك ، فإذا ما وردت المقترحات والتقديرات صار لدينا ما يصح أن نعده المشــروع الابتدائي للخطة ، وهو مبني على آراء أولئك الذين يتولون عملية الإنتــاج ذاتها وهم عبــارة عن المؤسسات الحكومية المركزة والإقليمية وما دون ذلك ، وجمعيات المستهلكين التعاونية ، وجمعيات المنتجين التعاونية
ثانيًا : تقوم الهيئة العليا لرسم الخطط بدراسة هذه المقترحات والتوفيق بينها فمثلا يتعين عليها أن تراعى أن يكون الطلب الكلي على الصلب والفحم مثلا من جانب الصناعات التي تستهلك هذين العنصرين مساويًا لما اقترح إنتاجه منهما ناقصًا ما يؤخذ من هذا الإنتاج لأغراض الاستهلاك المحلي .. وعلى الهيئة أن تراعي أمرًا آخر وهو تقدير نسبة ما يخصص من موارد البلاد الإنتاجية خلال المدة المقررة لكل من أدوات الإنتاج وسلع الاستهلاك ، فإذا تم هذا كله صار لدى الهيئة مشروع متناسب الأجزاء ، ولكن الهيئة لا بد لها من النظر إلى مسائل أخرى يجب أن يهدف المشروع إلى تحقيقها كإعداد وسائل الدفاع عن البلاد والوسائل التي تؤدي إلى رفع مستوى الحياة الثقافية (مثل المدارس – الصحف – الكتب .. إلخ ..) ، وتحسين المستوى الصحي للشعب بإعداد الأطباء اللازمين وإنشاء المستشفيات ، هكذا تحاول "الجوسيلان" أن توفق بين مطالب القائمين بالافتتاح وبين الأغراض التي توفر الدولة تحقيقها ، وهي أغراض قد لا تكون ذات طابع اقتصادي بحت ، وفي هذه الحالة يكون أمامنا مشروع مؤقت.
ثالثاً : يرسل المشروع المؤقت إلى الإدارات الحكومية المركزية والمحلية والهيئات الانتاجية المختلفة في طول البــــلاد وعرضها وعلى كل من المشروعات المختلفة ان يدرس بالتفصيل الجزء الخاص به .
ويلاحظ ان مناقشة ذلك الجزء لا تقتصر على إدارة المصنع ، بل ينبغي أن تعقد مؤتمرات تضم العمال كذلك ويأخذ الجميع في المناقشة وإبداء الرأي .
رابعًا : بعد أن تصل الملاحظات والتعـــديلات تقوم الجوسيلان بدراستها من كل ناحية مع مراعاة الدقة التامة والعمل على إزالة أي نوع من التناقض فإذا تم ذلك عرض المشروع على مجلس قوميسيري الشعب ، (أشبه بمجلس الوزراء) واللجنة التنفيذية المركزية للاتحاد السوفيتي ، فإذا أقرته الهيئات أصبح قانوناً من قوانين الدولة ، وبدأ التنفيذ في ظل رقابة حازمة من جانب الســلطات المركزية والمحلية كل فيما يخصه" .
والنقطة البـارزة هي المعنى الشعبي الذي يجب أن نلحظه فمادامت الحكومة تحكم باسم الشعب ، ومادام الشعب هو الذي سينهض بالمشروع فإن من حقه أن يطلع عليه ، وأن ينقذ كل فرد ما يراه خطأ .. ويقترح ما يراه صوابًا ، ويتتبع على صفحات الجرائد عمليات التنفيذ تلك الصحف التي يجب أن تعني بهذا الموضوع وتفسح له مجالا بدلا من أن تقصر صفحاتها على الكلام الفارغ الذي تفيض به الآن ، وإلا عد المشروع فرديًا أو حكوميًا ، وانعدمت روح المشاركة الحقيقية والتطوع بإخلاص ، وتعرض المشروع كله لما تعرضت له مشاريع محمد علي الصناعية من انتكاس ، بل اندثار ، بوفاته .
وقد وصف لنا فيكتور كرفشنكو ، الأيام الأولى للبدء في مشروع الخمس سنوات في روسيا .. وروح الحماسة التي كانت تسود الشباب .. وحرية النقد التي كانت ممنوحة له ، بل حدد لنا أبواب كتابته ومواضيعها ، "كنت أكتب في الإسراف الذي لا يرتضيه الضمير وفي التلف الذي يصيب السلع .. وفي العمال الذين لا يقدرون عدهم وآلاتهم التقدير الواجب ، وفي التكاليف الباهظة التي تتكلفها كل وحدة من انتاج مصانعنا إذا قيست إلى ما يتكلفه مثلها في مصانع السويد وأمريكا وفي الموقف غير اللائق الذي يقعه الرفيق فلان من العمال ، ليقتصد بذلك آلاف الأيدي العاملة" أ.هـ .
وهذه النبذة تكشف لنا عن ناحية أخرى غير الناحية السياسية ، تستلزم نقد المشروع ، فقد كان المشروع الحكومي اردأ من المشروع الفردي وأعظم كلفه ووقتا ، ولا شك أن هذا يعود إلى الصفقة غير الشعبية التي كانت قديما للحكومة وإلى قيامها بمشاريعها في جو من السرية والقصور على الأوساط الرسمية لهذا يجب أن نحسم الأثر السئ لهذين العاملين .
ومع هذا فقد يكون هناك تبذير أو تبديد ، ولكن هذا ليس بالحجة التي تفضل المشروع الرأسمالي على المشروع الشعبي فما يعاقب عليه صاحبه ونتخذ الأساليب لعلاجه ، يعد هناك (في المشروع الرأسمالي) ربما حلالا .. للتاجر الشريف يهنأ عليه . وحذفا يدفع صاحبه إلى الاستزادة منه .
   
 
 
 
 
 
 
 
[5]
توصيات في الناحية الإقتصادية
ــــــــــــــــ
نبدأ بالناحية الاقتصادية لأننا نرى أن المهمة الأولى للدولة الحديثة – دولة الاشتراكية الوطنية – هي العناية بهذه الناحية لحساب الشعب ..
ولو سألتنا عن المقصود بهذه العناية ، لأجبنا بأن الناس تريد ، ليس فحسب في هذه البلاد ، دائمًا في كل البلاد الأخرى أمرين أساسيين .
الأول : وجود عمل ترتزق منه .
الثاني : تحديد حد أدني لأجر هذا العامل حتى لا يمكن استغلالهم ، وهذان هما هدف الحكومة في الدولة الاشتراكية .
وتحقيق هذين الهدفين ليس سهلا ، فقد يبدو للوهلة الأولى انهما طلبان متواضعان .. وانهما كذلك ولكن من وجهة النظر الشعبية أما من وجهات النظر الأخرى فإنه يستلزم حتمًا قلبًا الأوضاع الإقتصادية .. كما سنرى .
فالهدف الأول – يتطلب تنظيم الاقتصاد بحيث يستوعب الأيدي العاملة كلها أيدي الرجال والنساء .. والشحاذين والباعة المتجولين .. إلخ ، والهدف الثاني يستلزم أولا العدالة في تقسيم الدخل الأهلي على الأفراد ، وثانيا مضاعفة هذا الدخل حتى يكفي تغطية الحد الأدني ، والهدفان يحكمان على الدولة بأن تتقلد أزمة الناحية الاقتصادية أكثر مما تتقلد الاجتماع أو السياسة لأنها دولة شعوب .. ولأن الناس تهتم أولا بالمسألة المادية ، أولا وقبل كل شيء .
وقد جربت الدول المختلفة درجات متفاوتة من التدخل الاقتصادي أخفها التوجيه كما في انجلترا وأثفلها الهيمنة الكاملة على كافة نواحي الاقتصاد كما هو في روسيا والدول الشيوعية .
أما الاقتصاد الموجه فقد تولى "كول" دراسته بإفاضة في إحدى كتبه "دعائم السلام" ، وبرهن بما لا يدع شبهه لباحث ، أنه عملية فاشلة .. ومحاولة للتوفيق بين طرفين متناقضين ، ومن أجل هذا لم يكن عملية اقتصادية بقدر ما كان محاولة اجتماعية على حساب الوضع الاقتصادي لا للرأسماليين وإنما للدولة وأن الرأسماليين قد أفادوا من النظم الموجهة أكثر مما اســتفاد منها الشعب ، كما حدث في محاولة الانعاش الأمريكية ، والتوجيه الإنجليزي .
والحقيقة التي يجب أن نسلم بها أن المحاولات الإنجليزية الأمريكية إنما وقفت عند هذه الدرجة متأثرة بنفوذ الرأسماليين عاجزة عن مقاومتهم لأن في أيديهم السلطة السياسية والاقتصادية ، ولأن تنظيمهم بلغ من القوة درجة بها قهر الشعب آونة ، وتحذيره آونة أخرى .. وتضليله آونة ثالثة .. أما لو ترك الأمر لسواد الإنجليز والأمريكيين أو حتى لفلاسفتهم الأحرار .. لطالبوا بهيمنة الدولة الكاملة على كل الشئون الإقتصادية وانتزاعها من أيدي الأفراد ، وهذا على كل حال هو ما تسير إليه شــعوب وتكسب في كل لحظة خطوات نحوه ، والمانع الرئيسي الذي يحول دون الإشراف الكامل هي فكرة عتيقة ، ووهم كبير احترمه الأغنياء وآمنوا به لأنه يمكنهم من الثـورة والقـوة وآمن به الفقراء تعللا منهم بأن يصلوا إليه .. ومتابعة للرأي العام ، ذلك الوهم الكبير والفكرة العتيقة هي "الملكية" .
وقد اكتسبت الملكية قداسة عجيبة ، وأصبحت عقيدة ترتبط في أذهان الناس بالتقاليد والدين والعرف ومن أجل هذا دافع عنها الفقراء أكثر مما دافع عنها الأغنياء ، إن كاتب هذه الكلمات نفسه كان إلى عهد قريب أحد المؤمنين بها .
ولو كان الإيمان والتقديس يعتمد في أذهان الناس على العقول والأقيسة المنطقية .. لما كان هناك مبرر لأي تعديل ممكن أن يسبغ على الملكية .
وعندما أرجع بذهني إلى هذا العهد ، أبتسم له كما أبتسم لعهد الطفولة بخرافاته اللذيذة .. وأعجب من نفسي كيف آمنت به .. ودافعت عنه .
أغلب الظن أنه كان مرتبطا في ذهني بالحرية التي أقدسها كما هو مرتبط في أذهان كثير من الناس بالدين الذي يقدسونه .
فترى هل آن لهم الآوان .. أن يعرفوا أن ليس ثمة علاقة بين الملكية والدين ، كما عرفت أن ليس ثمة علاقة بينها وبين الحرية .
إلا أن ذلك هو واجب الكتاب المسلمين والمسيحيين الأحرار .. أكثر مما هو واجبنا في هذا الكتاب ولكننا لا ننتظر آراء كبار المشايخ ، أولاً لأننا نؤمن بقاعدة أساسية وهي أن إجراءً اقتصاديًّا أو تجاريًّا يجلب نفعًا للشعب فإنه لا يكون حلالا فحسب ، بل أيضًا يكون مؤيدًا من الدين ، وثانيًا لأن كبار المشايخ عندنا قد حكموا على أنفسهم بأنهم غير مستحقين لاحترام الشعب أو التقدير ما يصدر عنهم من آراء ، لأنهم سخروا الدين في خدمة الملك السابق ومكنوه من أن يقبض على لحاههم فيكنس بها الأرض !
بهذين لن نهتم بدحض الزعم الذي يقول إن الملكية من الإسلام أو المسيحية وأن إلغاءها هدم لناحية من نواحي الدين ، وسندع هذه المهمة للعلماء الأحرار مسلمين ومسيحيين .
لقد كانت الملكية الفردية مستساغة في العهود الماضية التي لم تضم بحق المساواة للناس ، بل أكثر من ذلك ، نعترف بالأفضلية والامتياز لطبقات من الناس على غيرهم .
وكانت العوامل الإيجابية والسلبية للوضعية الشعبية تجعل الشعوب جاهلة بحقوقها .. راضية بانحطاطها ، وكانت الحياة من ناحية أخرى زهيدة التكاليف .. محدودة المطالب ، أما الآن فالملكية وضع لا يتفق قط لا مع وضعية الشعوب ، ولا مع طبيعة الحياة الحديثة .. الشعوب الآن متعملة .. عارفة بحقوقها .. مستحقة للمساواة والمطالب الحيوية الآن متعددة كثيرة كماليتها .. وتكون لازمة .
ومن المستحيل أن نبدأ مساواة حقيقية ، والملكية قائمة .
إن المساواة من هذا النوع .. إنما هي سخرية بالمساواة .
والملكية الفردية من ناحية أخرى تتعارض مع فكرة الدولة الشعبية لأن الدولة الشعبية قائمة على فكرة أساسية هي أن يكون النشاط جماعيا لا فرديا لأن النشاط الفردي أوجد نقائض الحياة الحديثة ، والنظام الرأسمالي بما يحفل به .
إلى هنا انتهى ما كتبتـه عندما فوجئت بمصادرة ما طبــع منــه وتوَقـَّـفـْتُ .
 
 
 
 
 [2]

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


تقــديم :
نشأت فكرة تكوين هذا الحزب نتيجة للتخمر الذهني الذي تكوَّن في نفسي نتيجة لتركيزي في هذه الفترة على الدراسات السياسية ، وكانت إحدى ثمراته إصدار كتاب "ديمقراطية جديدة" سنة 1946م ، ولأن أوضاع المجتمع المصري وقتئذ كانت تتطلبه ، كما كانت تسمح به ، ولم تكن المشكلة هي تحديد الأهداف والوسائل رغم أن هذه القضية هي عادة أصعب ما في مقومات حزب ما ، بل وسبب تكوينه ، لأن هذا كان متوفرًا وفي ذهني تمامًا ، ولكن المشكلة كانت في الدعاية لهذا الحزب واكتساب أعضاء له ، ومعروف أنني طيلة حياتي كنت وما زلت انطوائيًا ، أعمل بنفسي ما أريد دون نظر إلى العالم الخارجي ، ودون وجود صلات  كالتي توجد في أفراد المجتمع البورجوازي ، ولو إني كنت موهوبًا في "التنظيم" لكان من الممكن ــ بفضل هذه الموهبة ــ أن أتغلب على هذه الصعوبات ، ولكن موهبتي كانت في "التنظير" وليس في التنظيم ، في الفكر وليس في العمل ، ولكن حماسة الشباب والطموح جعلاني أقدم على تكوينه .
وفرضت الوقائع نفسها ، فالحزب كان رائعًا في هدفه ، وحتى الآن لم يتوجه حزب إلى ما توصلنا إليه من أن "إنهاء فترة الانتقال" هي أكبر مشكلة حضارية تجابهنا .. فهذا التصور أبعد ، وأعمق من تصور الذين تصدوا لتكوين الأحزاب ، وفي المقابل كان الحزب ــ من الناحية العملية ــ فشلا فلم يضم سوى ثلاثين أو أربعين من الطلبة والعمال وصغار الموظفين ، وكلهم لا يفهمون شيئاً عن هدف الحزب ــ رغم محاولاتي ــ فتحول الحزب إلى جمعية أدبية ، اجتماعية ، فنية ، واقتصر عملها على دعوة بعض الشخصيات العاملة في مجال الآداب والفنون لإلقاء المحاضرات ، بالإضافة إلى المحاضرات التي كنت ألقيها ، وكذلك محاولة إقامة "مكتبة" صغيرة لتمكين الأعضاء من استعارة بعض الكتب وقراءتها ، وأيضًا كانت هناك اتصالات ببعض العمال والنقابات ، بعضها كان يشغل  شققاً في البيت الذي استأجرنا فيه حجرة فسيحة ، فاستأجرنا حجرة واسعة من بيت قديم (9 ميدان الخازندار) أمام محل صيدناوي الشهير ، وكان بيتاً حجراته "ورش" حرفية في صناعة الجلود والشنط والأحذية ، وكانت حجرة فسيحة في الدور الأول (وهذا البيت هُدم بعد ذلك وأقيمت على أنقاضه عمارة شغلتها وزارة العمل حيناً من الدهر ، وكانت المنطقة بصفة عامة تضم مقار عدد كبير من النقابات ، وكان بها بيت العمال الذي كانت كل نقابة تشغل حجرة به) .
وأذكر أن الحزب أقام حفلة شاي لتكريم السباح حسن عبد الرحيم عندما اجتاز "المانش" ، وحسن عبد الرحيم له علاقة بالإخوان ولذلك اتصلت به بسهولة ورحب الرجل ، ولهذه المناسبة أعد الشقيق عبد الباسط وكان ضابطاً في البوليس وشاعرًا موهوبًا قصيدة عصماء كتبت على ورق كبير فاخر بخط خطاط محترف ، كما علقنا على باب البيت يافطة من القماش كتب عليها ترحيب بقاهر المانش حسن عبد الرحيم ، ولم يكن مألوفاً وقتئذ وضع مثل هذه اليافطات ، وإنما اقتبستها من مشاهداتي لروايات السينما الأمريكية ، وبعد شرب الشاي والمرطبات ألقيت خطبة ترحيب بالضيف وقدمت إليه قصيدة الشـقيق عبد الباسط ملفوفة بشريط ذهبي ، وتأثر الرجل وقال إنه دعى إلى حفلات باذخة "ولكني لم أحس سعادة كالتي أحسست بها في حفلتكم المتواضعة" .
وفي إحدى المناسبات ، ونحن نتذاكر من ندعوه للحديث ، قال أحد الأعضاء واسمه محمد مرسي وهو موظف في السكة الحديد إن له صلة قرابة بالأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير مجلة "آخر ساعة" فدعاه ، وحضر الأستاذ هيكل وحدثنا عن دعوة الإخوان المسلمين له هو والأستاذ التابعي ، كما تطرق الحديث إلى مجالات أخرى ، وسألته كيف يتقن الإنجليزية ، فأعاد ذلك إلى أنه كان يجتمع بمراسلي الصحف البريطانية أيام الحرب العالمية في البارات والنوادي .
ومرة ثالثة دعونا الشاعر الأستاذ محمد ناجي ليحدثنا عن "سيكولوجية الفكاهة" ، وكانت محاضرة ممتعة ، لم يتحدث فيها عن سيكولوجية الفكاهة قدر ما استعرض بعض قصائده الغزلية التي نظمها في سيدات من العاملات في المجتمع الأدبي والفني ، كما رد على سيل من الأسئلة .
وحاول الحزب محو أمية بعض العمال ولكنه لم ينجح ، وإن كان قد نجح في حمل بعض العمال على استعارة كتب من مكتبة الحزب ومعظمها لم يرد .
ولم يظفر الحزب من الصحافة المصرية بعناية لتقصير من أعضائه في هذا الجانب ، ولعلها بالتالي لم تسمع عنه ، ولكن صحفيًا يساريًا هو الأستاذ حسين الرملي الذي كان يصدر صحيفة مغمورة تدعى "الكفاح" تنسم نبأ الحزب فسعى إليه ليصيد في الماء العكر ، وسجل لقاء معي ومع بعض أعضاء الحزب في مناسبة كان البوليس قد أغلق باب الحزب ، واضطر الأعضاء إلى الجلوس أرضًا على حديقة صغيرة كانت تتوسط الميدان في مواجهة مقر الحزب ، ونشر الأستاذ الرملي في الصفحة الأولى "حزب جدد لمناهضة الإخوان المسلمين يتزعمه شقيق الشيخ حسن البنا" ، ونشر ريبورتاجًا ساخرًا عنه في العدد الأول من مجلة "الكفاح" الصادر في 8 أكتوبر سنة 1948م ، وواضح بالطبع أن الهدف كان هو التنديد بالإخوان .
جمال البنا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
!+
التأسيس
المادة الأولى : أسس بالقاهرة حزب باسم "حزب العمل الوطني الاجتماعي" .
* * *
@+
الغـاية ـ المبـدأ ـ الوسيلة
المادة الثانية : إن غاية هذا الحزب هي :
( أ )  إنهاء فترة الانتقال العصيبة ، وبدء عهد جديد يتيح الحياة الموفورة لكل فرد ، ويضمن له الحرية والعمل والصحة ، والتعليم ويرفع المستوى المادي والمعنوي للحياة .
( ب ) نشر فهم جديد للحياة أساسه الفرد القوي الذي هو "غاية في ذاته" ودعائمه العلم والشرف والخلق في المجتمع والحرية والنظام والعدل في الدولة .
( جـ ) تنشئة جيل قوي لا يكذب ولا يخدع ولا ينافق ويؤمن بالمثل الأعلى ، والشرف القومي ، وعظمة الوطن .
( د ) تحقيق الاستقلال التام الكامل لوادي النيل من منبعه إلى مصبه .
المادة الثالثـة : يرى الحزب أن خير تحقيق لهذه الغاية لا يتأتى إلا بالإيمان التام بالمبادئ التالية :
(1)       محاربة الرياء والنفاق الاجتماعي والتعدد والتنافر في الآداب والتقاليد ومحو النزهات والخرافات .
(2)   إقامة دعائم الديمقراطية الصحيحة ، ولا مركزية الدولـة ، ومحاربة الاستبداد والطغيان أيًا كان ، وتعزيز الحرية الفردية ، وتطهير الجو السياسي من المهاترات الحزبية والأغراض والأنانية .
(3)   العمل لتحقيق العدل الاجتماعي ، وتقريب مستوى المعيشة بين مختلف طبقات الشعب ، بأن تفرض الدولة الضرائب التصاعدية على الدخل والتركات وغيرها ، وتوزع هذه الضرائب في شكل خدمات اجتماعية تشمل التعليم والصحة والعمل .
(4)   تحرير المرأة وإعطائها حقوقها كاملة حتى تستطيع مشاركة الرجل في خدمة الوطن ، وإن كان مفهومًا أن الأمومة هي المهمة السامية المدخرة للمرأة ، وأن البيت هو المكان الطبيعي لها .
(5)   تعميم التعليم للجميع وإصلاحه بحيث يكون الغرض منه تنشئة الرجال ، وإبراز الشخصيات ، وكفاية حاجات العصر الحديث .
(6)   محاربة الضعف والرذيلة ، والأمراض ، والعاهات حربًا لا هوادة فيها حتى لا يحمل لقب "مصري" إلا كل فرد قوي ممتاز والعناية بالنسل ، والسهر على النشء حتى يظل قويًا ونقيًا ، ونبيلاً .
(7)   استلهام مبادئ الدين ونشر أدبه ، والاستعانة بأثره الروحي في سبيل رفع القيم المعنوية التي هي عماد الحضارة .
(8)   دخول الميدان الصناعي واستخراج المعادن ، واستغلال القوى المحركة حتى لا تظل مصر بلدًا زراعيًا فحسب .
(9)   محاربة الاحتكار ، وكل دخل غير مشروع ، ومحو الاستغلال التجاري من مرافق الحياة ، وتمصير الشركات الأجنبية .
(10)  تقوية الجيش والأسطول وسلاح الطيران حتى نستطيع أن ندافع عن أرضنا وبلادنا .
(11) الابتعاد بمصر عن مثار المناورات السياسية الدولية ، إذ أن مركزها الجغرافي الممتاز يحتم عليها أن تكون علاقاتها ودية بكافة الدول وأن لا تقتصر هذه العلاقات على دولة واحدة ، حتى لا تكون أرضها ميدان حرب لا مصلحة لها فيها .
(12) إصلاح القرية وتجديد مساكنها ، والعناية بمرافقها الحيوية ، واستثمار الأراضي البور ، وتجفيف المستنفعات وتنفيذ مشاريع الرى والصرف .
(13) نشر الرياضة والسمو بالفنون على اختلاف أنواعها حتى تشارك في تدعيم أركان المجتمع والفرد ماديًا ومعنويًا .
(14) التعاون مع الأمم العربية الشقيقة ما أمكن ذلك وتأييد ميثاق الجامعة العربية ، ومحاربة الاستعمار ، حيثما كان .
(15) إن مصر ، ستظل في المستقبل كما كانت في الماضي ، كريمة مضيافة ، ولكنها لن تقبل أن نستغل ضيافتها استغلالا شائناً ، ولن تسمح بأن يوجد فيها سوى سيد واحد هو "المصري" .
المادة الرابعة : يعمل الحزب لتحقيق غايته ، ومبادئه ، بنوعين من الوسائل : الأولى توجيهية والثانية إنشائية ، ويشمل النوع الأول ايقاظ الهمم الخامدة ، وإثارة الرأي العام وتهيئة الأفكار والأذهان بنشر هذه المبادئ بين الناس حتى يؤمنوا بها ، رجالا ونساءً إيماناً تامًا ، وذلك بالقاء الخطب ، وعقد الاجتماعات وإقامة الحفلات وإصدار الصحف ، وتأسيس الفروع .
ويعتبر الحزب هذه المهمة ، واجبه الأساسي الذي يتوقف عليه صلاح البناء وبقائه ، وتأتي ، بطبيعة الحال قبل الوسائل الانشائية التي تنقسم بدورها إلى :
( أ )  العمل في الحقل الاجتماعي بنشر الثقافة الاجتماعية ، وإقامة المدارس والمستشفيات ، والملاجئ ، والعناية عمليًا بمشكلات المجتمع المصري في الحدود التي تسمح بها حالة الحزب وماليته .
(ب)  الحكم : والحكم بالنسبة للحزب وسيلة وليس غاية ، وهو يأتي في الدرجة الثالثة بعد الإيمان الشعبي والعمل في الميدان الاجتماعي ويسلك إليه الحزب الطرق الديمقراطية الدستورية المشروعة .
ويأمل الحزب إذا ما تولى الحكم أن ينفذ برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي بتكريس القوى الشعبية والرسمية مدة محددة ، وبدهي أن تحقيق مثل هذا المشروع سيتم بالطرق الديمقراطية ، إذ أنه لن يبرز للتنفيذ العملي ما لم تقبل عليه أغلبية الشعب الساحقة ، وتتطوع للعمل فيه بحماسة وإيمان ، وتتقبل راضية التضحيات التي تطلب منها ، على أنه يمكن اتخاذ الضمانات التي تحول دون استبداد الحزب .
وبعد تحقيق ذلك يعود الحزب إلى مكانه الطبيعي وسط الشعب ويمارس مهمته الأولى في ملاحظة مبادئه ، والعمل على نشرها ، والخدمة في النواحي الاجتماعية ، وإن لم يمنع ذلك من عودته للحكم حسب الأصول الدستورية .
المادة الخامسة : لا ينشئ الحزب تشكيلات عسكرية أو طائفية ، ولا يحتم على أعضائه زيًا خاصًا ، والفرق الوحيدة التي يعترف بها ، ويدعـو إليها هي الفرق الرياضية ، وفرق الخدمة الاجتماعية العامة .
المادة السادسة : لا يؤسس الحزب علاقات خاصة مع هيئات أو أحزاب أخرى ما لم يكن ذلك لمصلحة وطنية عليا وعلى أن تكون في جو من الصراحة والوضوح والعلانية ، وفيما عدا ذلك فإن الحزب يجب أن يترفع دائمًا عن المهاترات والموضوعات الحزبية الخاصة ، وسير الأفراد .
المادة السابعة : يعمل الحزب بروح الواجب ، ويستلهم مبادئ العدل والحرية والشرف ، والمثالية ، ويربط بين أعضائه بعاطفة الزمالة والصداقة ، ويرجو أن لا يضطر يومًا إلى اتباع القاعدة التي ترى أن الغاية تبرر الواسطة .
المادة الثامنة : المواد السابقة غير قابلة للتغيير ما لم يكن لفظيًا ، إلا بعد موافقة إجماعية أو شبه إجماعية من الجمعية العمومية .
* * *
#+
النظـام الإداري والمـالي
المادة التاسعة : يحرص الحزب في نظامه الإداري على الجمع بين مبدأين أساسيين :
الأول : إطلاق الحرية للهيئة التنفيذية حتى تعمل بما تتطلبه ضرورات العمــل ودواعي الوقت والحاجة والظروف ، ويلزم لذلك منحها أكبر قسط ممكن من الثقة والسلطة .
الثـاني : إطلاق الحرية للأعضاء في محاسبتهم للهيئة التنفيذية في موعد انعقاد الجمعية العمومية كل سنة أو في المواقيت التي تحدد لذلك ، إما بصفتهم المباشرة ، وإما بطريق ممثليهم ورؤسائهم .
وعند حدوث اختلاف بين وجهتي النظر يعالج ذلك ، إما بالخضوع لأغلبية الجمعية العمومية ، وإما بتحكيم محكمة عليا يرضى بانتخاب أعضائها الطرفان ، والممثل الأعلى للهيئة التنفيذية هو الرئيس العام .
المادة العاشرة : يشترط في العضو الراغب في الانضمام أن يكون مصريا مؤمناً بمبادئ الحزب بالغاً من العمر 18 عامًا على الأقل وعليه أن يقسم اليمين التالي :
«أقسم أن أكون مخلصا لمبادئ الحزب ، أمينا عليها ، مطيعًا لقيادته ، مناضلاً في سبيل الحرية والعدالة مجاهدًا لخلق جيل أســعد وأقوى ، وأصبح ، محاربًا للحرمان والاستبداد والجهل ، والعوز ، وان أكون محبًا لوطني مضحيًا في سبيله ، محافظاً على الشرف القومي ، وأن أعمل لهذا المثل الأعلى قدر ما أستطيع ، وأن يكون ضميري الاجتماعي هو الموجه الأول لأعمالي ، ، والحكم الأخير على تصرفاتي» .
المادة الحادية عشر : تتكون مالية الحزب من اشتراكات وتبرعات أعضائه ويجوز له قبــول المنح والهبـــات بشرط أن يتم ذلك علانية وأن لا يقيد الحزب بأي التزام يمس مبادئه عن قرب أو بُعــد ، الأمر الذي يجب أن يفهم للمتبرع بخطاب رسمي .
المادة الثانية عشر : توضع حسابات دقيقة لمالية الحزب ، تخضع لتفتيش دوري وفجائي ، وتنشر الميزانية التي تمثلها كل سنة .
المادة الثالثة عشر : يوكل إلى الرئيس العام عمل اللوائح الداخلية وتحديد الاختصاصات ، وتوضيح التفصيليات كلما تطلبت حالة الحزب ذلك ، وتعتبر تلك اللوائح متممة لمواد هذا القانون .
المادة الرابعة عشر : تؤسس بالحزب ثلاثة أقسام رئيسية للدعاية ، والخدمات الاجتماعية العامة ، والرياضة ، يختار الرئيس العام لكل منها سكرتيرًا مسئولاً .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
[3]
 

 

 
 
 
 
 
 
 
 


تقــديم :
بعد تكوين "حزب العمل الوطني الاجتماعي": ببضعة شعور اصطدم عدد من أعضائه برجال البوليس ، عندما كانوا يوزعون منشورًا بمناسبة ذكرى ضرب الإسكندرية بالمدافع توطئة للاحتلال وأدى هذا الصدام للتفكير فيما إذا كان نشاط الحزب سيؤدي إلى هذه الصور التي تؤثر على تقدمه وهو نبتة ناشئة ، واقترح الأستاذ حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين وشقيقي الأكبر لرئيس الاتحاد ، والذي كان له الفضل في الإفراج عن المقبوض عليهم أن نحول الحزب إلى جماعة حتى لا يصطدم بالسلطة ، ولاقى هذا الاقتراح قبولاً مني ، ومن الأعضاء ، وقمنا بتغيير الاسم إلى جماعة العمل الوطني الاجتماعي ، واحتفظنا بمعظم المواد بما في ذلك مواد الغاية بعد حذف الأهداف السياسية والمتعلقة بالحكم ، كما يمكن معرفته بمقارنة المواد الخاصة بالحزب بالمواد الخاصة بالجماعة ، وفي ظل هذا التغيير واصلت الجماعة نشاطها .
جمال البنا
 
 
 
 
I
 
!_
التأسيس
ــــــــــــــ
المادة الأولى :
·               أسس بالقاهرة جماعة باسم "جماعة العمل الوطني الاجتماعي" .
* * *
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
@_
الغـاية ـ المبـدأ ـ الوسيلة
ـــــــــــــــــ
المادة الثانية :
·               إن غاية هذه الجماعة هي :
( أ )  إنهاء فترة الانتقال العصيبة ، وبدء عهد جديد يتيح الحياة الموفورة لكل فــرد ، ويضمن له الحرية والعمل والصحة والتعليم ، ويرفع المستوى المادي والمعنوي للحياة .
(ب)  نشر فهم جديد للحياة أساسه الفرد القوي الذي هو "غاية في ذاته" ودعائمه العلم والشرف والحرية والنظام .
(حـ)  تنشئة جيل جديد قوي لا يكذب ولا يخدع ولا ينافق ويؤمن بالمثل الأعلى والشرف القومي وعظمة الوطن .
المادة الثالثـة :
·               ترى الجماعة أن خير تحقيق لهذه الغايات لا يتأتى إلا بالإيمان التام بالمبادئ التالية :
(16) محاربة الرياء والنفاق والتعدد والتنافر في الآداب والتقاليد ومحو الترهات والخرافات التي تسيطر على المجتمع المصري .
(17) إقامة دعائم الديمقراطية الصحيحة ولا مركزية الدولـة ومحاربة الاستبداد والطغيان أيًا كان ، وتعزيز الحرية الفردية .
(18) العمل لتحقيق العدل الاجتماعي ، وتقريب مستوى المعيشة بين مختلف طبقات الشعب بالدعوة إلى فرض ضرائب تصاعدية على الدخل والتركات وغيرها ، وتوزع متحصلات هذه الضرائب في شكل خدمات اجتماعية تشمل التعليم والصحة والعمل .
(19) تحرير المرأة وإعطائها حقوقها كاملة حتى تستطيع مشاركة الرجل في خدمة الوطن ، وإن كان مفهومًا أن الأمومة هي المهمة السامية المدخرة للمرأة ، وأن البيت هو المكان الطبيعي لها .
(20) تعميم التعليم للجميع وإصلاحه بحيث يكون الغرض منه تنشئة الرجال ، وإبراز الشخصيات ، وكفاية حاجات العصر الحديث .
(21) محاربة الضعف والرذيلة ، والأمراض ، والعاهات حربًا لا هوادة فيها حتى لا يحمل لقب "مصري" إلا كل فرد قوي ممتاز ، والعناية بالنسل ، والسهر على النشء حتى يظل قويًا ونقيًا ونبيلاً .
(22) استلهام مبادئ الدين ونشر أدبه ، والاستعانة بأثره الروحي في سبيل رفع القيم المعنوية التي هي عماد الحضارة .
(23) دخول الميدان الصناعي واستخراج المعادن ، واستغلال القوى المحركة حتى لا تظل مصر بلدًا زراعيًا فحسب .
(24) محاربة الاحتكار ، وكل دخل غير مشروع ، ومحو الاستغلال التجاري من مرافق الحياة ، وتمصير الشركات الأجنبية .
(25) إصلاح القرية وتجديد مساكنها والعناية بمرافقها الحيوية ، واستثمار الأراضي البور ، وتجفيف المستنقعات ، وتنفيذ مشاريع الري والصرف .
(26) نشر الرياضة ، والسمو بالفنون على اختلاف أنواعها حتى تشارك في تدعيم أركان المجتمع والفرد ماديًا ومعنويًا .
المادة الرابعة :
·      تعمل الجماعة لتحقيق غاياتها ومبادئها بنوعين من الوسائل : الأولى توجيهية ، والثانية إنشائية ، ويشمل النوع الأول إيقاظ الهمم الخامدة ، وتنوير الرأي العام ، وتهيئة الأفكار والأذهان بنشر هذه المبادئ بين الناس حتى يؤمنوا بها رجالا ونساءً إيماناً تامًا ، وذلك بإلقاء الخطب وعقد الاجتماعات وإقامة الحفلات وإصدار الصحف وتأسيس الفروع وتعتبر الجماعة هذه المهمة واجبها الأساسي الذي يتوقف عليه صلاح البناء وبقائه ، وتأتي بطبيعة الحال قبل الوسائل الإنشائية التي تتكون من العمل في الحفل الاجتماعي والعناية عمليًا بحل مشكلات المجتمع المصري في الحدود التي تسمح بها حالة الجماعة وماليتها .
المادة الخامسة :
·      تعمل الجماعة بروح الواجب ، وتستلهم مبادئ العدل والحرية والشرف والمثالية ، وتربط بين أعضائها بعاطفة الزمالة والصداقة .
المادة السادسة :
·      تستظل الجماعة بحمى الدستور المصري ، وتخضع لقوانين الدولة ، وتحكم مبادئها بينها وبين غيرها من الجماعات ، ولا تؤسس علاقات خاصة مع هيئات أخرى ما لم يكن ذلك لمصلحة وطنية وقومية ، وعلى أنتتم في جو من الوضوح والصراحة والعلانية .
المادة السابعة :
·      ليست الجماعة سياسية ولا تشترك في مناورات الأحزاب ومهاتراتها ، وإن كان مفهومًا أن ذلك لا يمنعها من أداء رسالتها الوطنية ببث روح العزة القومية ، وإشعار الناس قداسة وطنهم ، والدعوة إلى الاتحاد والتضحية في سبيله .
 
* * *
 
 
 
 
 
 
 
#_
العضوية
ــــــــــــــ
المادة الثامنة :
·      يشترط في العضو الراغب في العضوية أن يكون مؤمناً بمبادئ الجماعة بالغاً من العمر 18 سنة ميلادية على ألقل ، وعليه أن يقسم اليمين التالي :
«أقسم أن أكون مخلصا لمبادئ الجماعة ، أمينا عليها ، مطيعًا لقيادتها ، مناضلاً في سبيل الحرية والعدالة ، مجاهدًا لخلق جيل أقوى أسعد وأصح ، محاربًا للجهل والحرمان والاستبداد ، وان أكون محبًا لوطني مضحيًا في سبيله ، محافظاً على الشرف القومي ، وأن أعمل لهذا المثل الأعلى قدر ما أستطيع ، وأن يكون ضميري الاجتماعي هو الموجه الأول لأعمالي ، ، والحكم الأخير على تصرفاتي» .
المادة التاسعة :
·               ينقسم أعضاء الجماعة إلى ثلاثة أنواع :
( أ ) : عضو مؤازر وهو الذي يمد الجماعة بمساعدات مادية أو أدبية تساعد على تحقيق أغراضها ولا يتقيد في الاشتراك الدائم في عضويتها .
(ب) : عضو مشترك وهو الذي تتوفر فيه جميع شروط العضوية ، ويواظب على دفع الاشتراك المالي بصفة مستمرة سنويًا أو على أقساط .
(حـ) : عضو شرفي وهو من يرى مجلس الإدارة في منحه هذه العضوية فائدة مادية أو أدبية للجماعة ، ومجلس الإدارة هو صاحب الحق في منح هذه العضوية أو العدول عنها .
المادة العاشــــــرة :
·      كل عضو مشترك يتأخر عن سداد اشتراكه يبلغ بعد مضي ثلاثة أشهر من تاريخ آخر شهر سدد فيه فإذا لم يقم بسداد ما عليه تزول عنه صفة العضوية ويخطر بذلك .
المادة الحادية عشر :
·               تزول العضوية أيضًا في الأحـــوال الآتيـــــة بقرار قانوني من مجلس الإدارة :
(1)  الوفاة أو الاستقالة .
(2)  اتيان العضو لما يعتبره مجلس الإدارة إخلالاً بالشرف أو الأمانة أو إساءته إلى الجماعة ومخلفة مبادئها .
* * *
 
 
 
 
 
$_
النظام الإداري
ــــــــــــــ
المادة الثانية عشر :
·               تحرص الجماعة في نظامها الإداري على الجمع بين مبدأيت أساسيين :
الأول : إطلاق الحرية للهيئة التنفيذية حتى تعمل بما تتطلبه ضرورات العمــل ودواعي الوقت والحاجة والظروف ، ويلزم لذلك منحها أكبر قسط ممكن من الثقة والسلطة .
الثـاني : إطلاق الحرية للأعضاء في محاسبتهم للهيئة التنفيذية في موعد انعقاد الجمعية العمومية كل سنة أو في المواقيت التي تحدد لذلك ، إما بصفتهم المباشرة ، وإما بطريق ممثليهم ورؤسائهم .
وعند حدوث اختلاف بين وجهتي النظر يعالج ذلك ، إما بالخضوع لأغلبية الجمعية العمومية ، وإما بتحكيم محكمة عليا يرضى بانتخاب أعضائها الطرفان .
المادة الثالثة عشر : الجمعية العمومية :
·      تتكون الجمعية من جميع الأعضاء المشتركين الذين قاموا بتسديد اشتراكاتهم حتى آخر شهر قبل انعقادها ، وتنعقد الجمعية العمومية بصفة عادية خلال شهر مايو من كل عام .
المادة الرابعة عشر :
·               تختص الجمعية العمومية في دور انعقادها العادي بالنظر فيما يلي :
( أ ) : انتخاب أعضاء مجلس الإدارة أو الموافقة على ترشيح الرئيس لهم .
(ب) : التصديق على الحساب الختامي للسنة المنتهية والنظر في التقرير السنوي بمجلس الإدارة .
(حـ) : إقرار مشروع الميزانية للعام الجديد .
(د)   : انتخاب مراجع الحسابات .
المادة الخامسة عشر :
·      لا يعتبر اجتماع الجمعية العمومية صحيحًا إلا إذا حضره أكثر من نصف الأعضاء الذين يحق لهم الحضور ، فإذا لم يتكامل العدد يؤجل الاجتماع أسبوين ليكون بعدها صحيحًا مهما يكن عدد الحاضرين ويشترط أن توجه الدعوة كتابة ومعها برنامج الاجتماع إلى الأعضاء قبل الانعقاد بأسبوعبن على الأقل .
المادة السادسة عشر :
·      رئيس مجلس الإدارة القائم هو رئيس الانعقاد ، وإذا تغيب فالوكيل ، فإذا تغيب يختار المجتمعون من يرأس من بينهم .
المادة السابعة عشر :
·      يحق لمجلس الإدارة بأغلبية أعضائه أو لمراجع الحسابات أو لربع الأعضاء المشتركين المسددين لاشتراكاتهم طلب دعوة الجمعية العمومية في دور انعقاد غير عادي وتنطبق على صحة الانعقاد أركان المادة 15 ، وتختص الجمعية العمومية غير العادية في النظر فيما يأتي :
(1)       حل الجماعة والتصرف في أموالها .
(2)       تعديل مواد القانون .
(3)       عزل مجلس الإدارة وانتخاب غيره .
(4)   الأسباب الأخرى التي من أجلها طلب الانعقاد ولا تدخل في اختصاص الجمعية العمومية المنعقدة في دور غير عادي .
المادة الثامنة عشر :
·      يدير الجماعة مجلس إدارة مكون ممن تنتخبهم الجمعية العمومية من بين أعضائها الذين لهم حق الحضور ، ويكون اختيارهم بالاقتراع السري ، وعلى كل من يرغب ترشيح نفسه لعضوية هذا المجلس أن يتقدم برغبته كتابيًا للسكرتير قبل يوم أول مايو من كل عام وليس لأحد حق طلب الترشيح بعد هذا الموعد ، وعلى السكرتير إعداد قوائم يتضمن كل منها أسناء المرشحين توزع على أعضاء الجمعية العمومية حين انعقادها ويكلف كل عضو أن يبقى من يرى اختياره للعضوية ويشطب على الباقين بصورة واضحة .
المادة التاسعة عشر :
·      لرئيس مجلس الإدارة الحق في ترشيح من يراهم لمجلس الإدارة ويتقدم بهم إلى الجمعية العمومية وتتبع معهم نفس الإجراءات المذكورة في المادة السابقة .
المادة العشرون :
·      يختار مجلس الإدارة في أول انعقاد له من بين أعضائه الرئيس والوكيلين وأمين الصندوق وتكون اختصاصاتهم كالآتي :
ـــ  الرئيس هو المسئول عن أعمال الجماعة ونواحي نشاطها وتنفيذ نصوص هذا القانون مع المجلس وهو الذي يرأس الجلسات والاجتماعات ويمثل الجماعة في كل المعاملات الرسمية والتوقيع على الأوراق أيًا كان نوعها ، وهو المسئول أمام الجمعية العمومية عن تصرفات أعضاء مجلس الإدارة وسياسة الجماعة .
ـــ  والوكيل ينوب عن الرئيس حال غيابه ويساعده في مهمة الإشراف على النواحي .
ـــ  والســــكرتير يحفظ سجلات الجماعـــة وأوراقها وأختامها ويشرف على تنظيم حساباتها ومستنداتها وملفاتها ، ويدون محاضر الجلسات ، ويلاحظ تنفيذ القرارات ، ويتصل باللجان المختلفة ، ويتلقى ألسئلة والاقتراحات والتقارير لاتخاذ اللازم بشأنها ، وبالجملة يقوم بنفسه أو بمساعديه من الموظفين أو المتطوعين لتنظيم النشاط الداخلي والإداري للجماعة .
ـــ  وأمين الصنـــــــدوق هو الذي يضبط أموال الجماعــــــــة ويحصرها ويحافظ عليها ويتسلم كل الأوراق ذات القيمة وقسائم الإيصالات وأذونات التوريد والصرف وغير ذلك وعليه أن لا يصرف شيئاً من أموال الجماعة إلا بإذن موقع عليه من الرئيس أو من يقوم مقامه كما أن عليه أن يتقدم بتقرير حسابي إلى المجلس قبل اليوم الخامس عشر من كل شهر .
المادة الواحد والعشرون :
·      يختص مجلس الإدارة بإدارة أعمال الجماعة الإدارية والفنية وإعداد المشروعات الجديدة وإعداد التقرير السنوي ومشروع الميزانية لعرضهما على الجمعية العمومية .
المادة الثانية والعشرون :
·      لا يكون انعقاد المجلس صحيحًا إلا إذا حضره نصف الأعضاء على الأقل وإذا لم يتكامل العدد يؤجل الاجتماع أسبوعًا وتجدد الدعوات إليه ويكون حينئذ صحيحًا مهما يكن عدد الحاضرين وتؤخذ القرارات بأغلبية الأعضاء .
المادة الثالثة والعشرون :
·      إذا تغيب أحد الأعضاء عن الحضور ثلاثة جلسات متوالية دون عذر يقبله المجلس اعتبر العضو مستقيلاً ويختار بدلاً منه .
المادة الرابعة والعشرون :
·      إذا خلا مكان عضو في مجلس الإدارة لأي سبب كان انتخب بدلاً منه العضو الذي نال أكثر الأصوات في آخر انتخاب الجمعية العمومية ويحق للرئيس أن يُعين من يراه بعد موافقة مجلس الإدارة .
 
* * *
 
 
 
 
 
 
%_
ماليـــة الجماعة
ــــــــــــــ
المادة الخامسة والعشرون :
·      تتكون مالية الجماعة من اشتراكات الأعضاء وتبرعات الأصدقاء بشرط أن يتم ذلك علانية وأن لا يقيد ذلك الجماعة بأي التزام يمس مبادئها عن قرب أو بُعد ، الأمر الذي يجب أن يفهم للمتبرع بخطاب رسمي .
المادة السادسة والعشرون :
·      توضع أموال الجماعة في بنك باسمها مباشرة ولا يوضع طرف أمين الصندوق إلا مبلغ صغير يكفي للمصروفات المستعجلة ، وكل إذن صرف يجب أن يوقع عليه من الرئيس وأمين الصندوق .
المادة السابعة والعشرون :
·               السنة المالية للجماعة تبدأ من مايو وتنتهي في أبريل من كل عام .
المادة الثامنة والعشرون :
·      يقوم مراقب الحسابات بمراقبة الحسابات أولاً بأول ، ويقدم تقريرًا سنويًا عن الحالة المالية للجماعة يرفعه إلى مجلس الإدارة ليتولى عرضع على الجمعية العمومية .
* * *
 
^_
حــل الجماعــة
ــــــــــــــ
المادة التاسعة والعشرون :
·      إذا اتضح لمجلس الإدارة أن الجماعة أصبحت عاجزة عن تحقيق أغراضها فله أن يطلب عقد الجمعية العمومية في دور انعقاد غير عادي للنظر في الأمر ، وإذا قررت الجمعية العمومية حل الجماعة لا يكون القرار نافذاً إلا إذا حضر الانعقاد 3/4 الأعضاء المشتركين الذين لهم حق الحضور وبموافقة ثلثي أعضاء الحاضرين على الأقل ، فإذا لم يتكامل العدد تجدد الدعوة للانعقاد بعد أسبوعين من تاريخ الانعقاد الأول على الأكثر ويكون الاجتماع حينئذ صحيحًا مهما يكن عدد الحاضرين ويحدد القرار الجهو الخيرية التي تؤول إليها أموال الجماعة بعد الحل على أن توافق على ذلك وزارة الشئون الاجتماعية .
 
* * *
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


[4]
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


تقــديم :
هذه إحدى الرسائل التي نشرتها الجماعة لتعرف القارئ بفلسفتها في الإصلاح ، ولعله كان هناك رسائل أو مطبوعات أخرى تستحق النشر ، ولكن الحقيقة أن كل مطبوعاتنا حتى سنة 1948م قد دُمر ، فبعد أن اعتقلت ، مرت فترة رهيبة في البلاد بعد اغتيال النقراشي رئيس الوزراء في 30 يناير سنة 1949م ، وعمدت السلطات إلى "تمشيط" الحارات ، فوضعت الوالدة ــ رحمها الله ــ كل أوراقي في "قــُـفة" كبيرة وسلمتها لجارة عزيزة حتى لا تقع في أيدي البوليس عندما يفتشني ، ولكن الجارة ما أن تسلمت "القــُـفة" التي أؤتمنت عليها حتى أضرمت فيها النار ، وذهب كل ما كتبته عند اعتقالي في 8 ديسمبر سنة 1948م ومنها أوراق الجماعة .
جمال البنا
 
 
 
 
 
 
ــ 1 ــ
ليس من العسير على الباحث أن يلمس في شباب هذا الجيل ظاهرة طيبة تبشر بكل خير ، تلك هي الرغبة الصحيحة في الإصلاح ؛ والشعور القوي بالتبعة الاجتماعية وبوجوب أداء نصيبهم من الخدمة العامة ، والإحساس بما في المجتمع المصري من ضعف مزر ، وما في أوضاعه من ظلم صارخ ، ولكن هذه الظاهرة كثيرا ما تبدو للأسف الشديد خافتة واهية ، متلبسة حينا بثوب اليأس الخانق ، ومختفية حيناً آخر في تيه الحيرة الواسع والغموض العجيب ، وما أكثر ما تحدث صديقا عزيزًا لك عن الإصلاح وشأنه فيجيبك "ومن أنا حتى أعمل ، وفي البلد فلان وفلان من الباشوات ، وفلان وفلان من الكتاب ، وفلان وفلان من الزعماء والكبراء ، وما جدوى عملي إذا قيس بعمل هؤلاء؟ وهل سأنجح أنا حيث يخفقون ، أو أصيب حيث يخطئون؟" .
ذلك رجل انتصر الواقع الكالح على الأمل الباسم ، وتغلب الضعف على إرادة القوة والنهوض  ، فكفر بشبابه ومقدرته ،  واستمر فيما هو فيه  ، تزيده الأيام ضعفاً  ، ويزيدها باستسلامه فسادًا .
لهذا الصديق نقول إن الإصلاح ليس وقفاً على طبقة دون طبقة وأن النجاح ليس حكرًا لأناس دون أناس ، وما هو بالمال أو الجاه أو المركز أو المحتد ، والله أعلم حيث يؤتي رسالته ، وليس بالبعيد أن يصيب وهو الضعيف وأن ينجح وهو الفقير ، وقديما انتصر المسيحيون وهم أرقاء وفاز المسلمون وهم قلة ، وقد قال الله عز وجل (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) .
وهناك صديق آخر ليس باليائس كالصديق السابق ، ولكنه مع ذلك لا يعمل وإذا سألته عن السبب أجاب إنه لا يعلم كيف يعمل ، إنه يريد ؛ وعلى استعداد ، ولكنه يجهل كيف ينفذ إرادته ، وفؤاده موزع بين الدعوات المختلفة من دينية واجتماعية وسياسية ، وعقله نهب لشتى الفلسفات والمذاهب التي يقوم عليها الإصلاح ، وهو يستمع إلى كافة الدعوات حتى التي لم تخل من غرابة ، كأن يؤكد أحد من الناس أن إصلاح محطة الإذاعة وأغانيها سيصلح كافة الأوضاع أو أن مكافحة تبرج النساء هو العمل الأول في الإصلاح الذي ينهض الأمة من غفلتها كما يستمع في كثير من السأم إلى الأنشودة المتكررة المملولة عن الفلاح والعامل والأعداء الثلاثة (الفقر والجهل والمرض) ، وتختلط هذه الآراء في ذهنه ، وتناقض بعضها بعضا حتى تتملكه الحيرة فيقعد مع القاعدين .
ومثل هذا الصديق من الناس هو الذي يعنينا وله نكتب هذه الرسالة ، ففي المجتمع المصري الآن جماعة مغمورة الاسم قليلة العدد تدلي بدلوها بين الدلاء ، ويؤمن أعضاؤها بأن منهجها في الإصلاح ، وتشخيصها للعلة ؛ ووصفها للعلاج هو خير منهج وتشخيص ووصف وهي إذ تضع هذا الرأي تحت نظر القارئ ، فليس غرضها الوحيد من ذلك هو الدعاية للجماعة ، أو طلب الانضمام إليها ؛ ولكنها الرغبة في نشر هذا المنهج حتى يطبقه الناس في جماعتهم وأنفسهم وأصدقائهم .
* * *
ــ 2 ــ
مناهج الإصلاح كأي عمل آخر يصدر عن الطبيعة البشرية يختلف باختلاف الناس وعلى قدر فهمهم وإرادتهم وثقافتهم وما لم يكن الذي ينصب نفسه للإصلاح متمكناً من فنه مصيبًا في هدفه فإنه يضر بدلا من أن ينفع ، ويفسد بدلا من أن يصلح ويكون كالصديق الجاهل شرًا من العدو العاقل .
ومنذ أن بدأ الوعي القومي يتيقظ في هذه البلاد والدعاة يحاولون الإصلاح كل على طريقته الخاصة ومنهجه المرسوم ، واستعراض هذه المناهج يتيح لنا فرصة طيبة لدراستها وإظهار ما فيها من قوة أو ضعف فهناك المنهج الوقتي في الإصلاح كأن تجد جائعًا فتقدم إليه وجبة من وجبات الطعام أو تلقي سائلا فتضع في يده قرشاً أو تصادف مريضًا فقيرًا فتحوله مع التوصية إلى العيادة الخارجية بإحدى المستشفيات العامة فتصرف له مزيجًا أو حديدًا وزرنيخاً أو مسكناً ثم تتركه وشأنه فينتهي الدواء ، ولما يذهب الداء أو أن تحترق قرية فترسل إليها وزارة الشئون الاجتماعية إعانة وقتية أو يتعطل عامل فتمنحه إدارة المصنع مرتب شهر ، وتلقي به إلى الرياح ، وبصفة عامة ينطبق هذا المنهج على كل طرق المساعدة والإحسان ومثل هذه الطرق في الإصلاح قاصرة النفع محدودة الفائدة تنتهي سريعا دون أن تخلف أثرا دائما أو تحدث إصلاحًا باقيًا ولعلها بعكس المقصود منها ، فاليــد التي تعطي يد عليا ، واليد التي تأخذ يد سفلى والإحسان نقمة على المتلقي وإهانة له ، وإن كان نعمة للمحسن وكرمًا منه .
وهناك منهج آخر في الإصلاح هو المنهج الجزئي ؛ الذي يهدف إلى إصلاح ناحية من النواحي ؛ ويُعنى بقسم خاص دون باقي الأقسام ، ودعاة هذا المنهج عادة من المتخصصين في النواحي التي يدعون إليها فرجال العسكرية والجيوش يريدون الإصلاح بتأسيس جيش كبير وأسطول عظيم وسلاح فتاك ؛ ورجال الدين يريدون الإصلاح بتقوية الروح الدينية في نفوس الناس حتى يتمسكوا بالدين ويؤدوا فرائضه ويتفقهوا فيه ، بينما يرى الاقتصاديون أن الإصلاح الحقيقي إنما يقوم بالدرجة الأولى على أساس اقتصادي ؛ وبفضل ثروة متكاثرة وأموال متزايدة .
وللوهلة الأولى يبدو هذا المنهج في الإصلاح معقولاً ، فمن القسوة أن نطالب الناس بإصلاح كافة النواحي ، ومن الطبيعي أن يهتم كل واحد بالناحية التي يحسنها ، واجتماع هذه الدعوات كفيل بأن يوفـر وجهات النظر المختلفة ويحقق الإصلاح في كافـة النواحي .
ولكن عند إنعام النظر تظهر لنا ثغرات واسعة فيه تحول دون أن يؤتي الفائدة المقصودة ، أو يؤتيها ولكن بشكل مشـوه ، ولعل نقط الضعف التي فيه لا تعود إلى المنهج نفسـه ، وفي صفته الموضوعية ، ولكنها تعود إلى عدم مناسبته لنا في حالتنا الراهنة فقد ظهر دائمًا أن نتيجة تطبيقه هي خلق كتل تؤمن كل منها بإحدى النواحي ، وتفضلها على غيرها ، وأسوأ من ذلك أن يتنازع دعاة الإصلاح بعضهم مع بعض على الأهمية والألوية ، فلا تكون النتيجة سوى إيجاد أفراد يتعصب كل منهم لناحية واحدة ولا يؤمن إلا بطريقته ولا يستمع إلا لداعيته ، وفي هذا المنهج أيضًا نقص كبير نفضل أن نشير إليه عند دراسة المنهج الثالث من مناهج الإصلاح ، ذلك المنهج الذي نسميه "المنهج اللا إنساني" في الإصلاح ، وهو منهج يمليه قصر النظر ، وسرعة الأداء وارتجال الحلول ومعالجة الظواهر والأعراض دون الحقائق والجواهر وتجد مصداق ذلك في الإصلاحات الحكومية بصفة خاصة ، فعندما تريد الحكومة الإصلاح في الناحية الزراعية فإنها تلجأ إلى إصلاح الأرض ، وفي الميــدان الصناعي تعني بالمصانع والآلات ، وتترك العامل والفلاح كما هو ، وهي طرق عقيمة في الإصلاح لأن العامل والفلاح مقدمان على المصنع والحقل ، ليس فحسب لقيمتهما الإنسانية ، ولكن لأنهما – من الناحية العملية – روح المصنع والحقل وليس ثمة فائدة في أن نصلح الأرض ومستثمرها جاهل أو أن نوجد المصنع ثم نعدم العامل الماهر ، والصانع المتقن .
ومثل ذلك الخطأ الذي تقع فيه الحكومة دائمًا وقع أصحاب المنهج الثاني ، المنهج الجزئي في الإصلاح إذ فات دعاته أن إصلاح الجيش مثلا لا يكون بكثرة العتاد ، ولا زيادة الأعداد وإنما يكون بقوة الروح المعنوية ، ودرجة الشجاعة في الأفراد ، وتأصل الحرية في النفوس ، ولئن كان لنا أن نفاضل بين جيش قليل العدد من الشجعان وبين آخر كثير العدد من الجبناء المدججين بالسلاح لفضلنا الأول بلا تردد رغم علمنا بما للأسلحة الحديثة من الأثر العظيم ، لأن الجندي الواحد الشجاع يعدل مائة أو ألفا ، ويكفل بمفرده الاستيلاء على حصن ، أو كسب معركة أو الظفر بمركز استراتيجي .
نعم .. وفات دعاة هذا المنهج أيضًا أن الإصلاح الديني قد يكفل أداء الفروض ، وإصلاح الظواهر ، ولكنه لا يخلق السماحة أو الخشوع أو الكرم أو القوة أو غيرها من صفات النفس الموهوبة بالوراثة والجبلة أو المكتسبة بالمران الطويل والتربية المتواصلة ، والتثقيف الدائم .
نعم ، وفات دعاة هذا المنهج كذلك أن ازدهار الناحية الاقتصادية لا يكون بكثرة المعادن أو عظم الثروة قدر ما يكون بتربية ملكة التوفير والادخار وتحسين السليقة التجارية في الأفراد ، وإنماء الرغبة في الربح والكسب ، وما من شئ كالمال يشق الحصول عليه ويسهل التصرف فيه ، ولن يكون هناك غنى مع تبذير أو ثروة مع تفريط .
ويتضح من ذلك أن مناهج الإصلاح الفاشية في مصر مناهج لا تخلو من الخطأ ولا تؤدي إلى الإصلاح الحقيقي المنشود فهي ما بين منهج لا يحقق إلا نفعا وقتيًا أو منهج لا يفيد إلا في ناحية واحدة أو ثالث يعني بالسبب دون المسبب ، والوسيلة دون الغاية .
ترى هل هناك منهج رابع يسلم من نواحي النقص هذه ويحقق في الوقت نفسه الإصلاح الكامل المنشود ، ويصح أن يطلق عليه "المنهج الأمثل" ؟
* * *
ــ 3 ــ
المجتمع الحديث كائن معقد مركب ، متشابك الأطراف ، متعدد المناحي تنصهر فيه ملايين الإرادات والأهواء المتناقضة ؛ ويفعم جوه بأبخرتها الكثيفة ، وهو على جسامته وضخامته شديد الحساسية ، فلكل إجراء فيه رد فعل ، ولكل طريقة في إصلاحه فائدة لأناس وضرر لأناس وكسب من وجهة نظر ، وخسارة من وجهة نظر أخرى والمصلحون يتعلقون بأمواجه المتلاطمة ويعملون كل بأسلوبه فمنهم من ينظر الفائدة ويعمي عن الضرر ، ومنهم من يصلح متأثرا بعوامل فردية أو وقتية أو يصلح وهو ناظر إلى الماضي متجاهلاً الحاضر والمستقبل ، وهناك من يعمل ليحصل على نتائج سريعة فيكون كالتلميذ الذي يتعلم ليحصل على شهادة لا قيمة لها في ميدان الحقيقة والحياة ؛ وهناك من يصيب الموضوع ويخطئ التطبيق أو يحسن التطبيق ولكن لموضوع خاطئ ، وهناك من لا يفرق بين شعب وشعب ، جنس وجنس .
وهذه المحاذير وإغراءاتها وغيرها كثير إنما يقع فيها المخلصون في إصلاحهم ، أما المتظاهرون والمغرضون فهؤلاء لا يأتون بخير أبدًا ؛ ولا يستحقون منا اهتمامًا لأننا نفترض الإخلاص فيمن ينصب نفسه للإصلاح .
فالإصلاح إذا مهمة شاقة شائكة تستلزم من صاحبها الكثير من المهارة والقوة والإخلاص والمثابرة ، ولكنها تستلزم منه فوق ذلك صفة ندر أن توجد بين مصلحينا هي سعة الأفق ، وطلب الحقيقة المحضة ، فالبطل في الإصلاح هو كالبطل في العلوم ذلك الذي يطلب الحقيقة لنفسها ، ولا يرضي لدونها ؛ ولا ينتظر في تطلبه لها ربحًا ماديًا أو كسبًا أدبيًا .
وجماعة العمل الوطني الاجتماعي وإن لم تزعم لنفسها هذه الخلائق إلا أنها تحاول جاهدة أن تأخذ أعضاءها بها ، وقد راعتها جهدها في المنهج الذي وضعته للإصلاح .
وترى الجماعة أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من النفس ويعني بالفرد ويرتكز على أساس نفسي ، ومنطقها في هذا هو أن النفس هي المرآة التي تنعكس عليها أوضاع المجتمع ونظمه ، فإذا كانت المرآة مقعرة بدت الأشكال فيها مشوهة ممددة : وإذا كانت منطفئة بدت الصور فيها وعليها غبرة وقترة ، وإذا كانت لامعة صافية ، بدت المناظر فيها متلألئة صافية ، أو هي التربة التي نغرس فيها بذور الأعمال الإنسانية ونرويها بالعرق والدماء فإذا كانت خصبة أثمرت ثمرًا طيبًا وأتت أكلها كل حين وإذا كانت سبخة قاحلة لم تثمر ثمرًا أو تؤت أكلاً ، وكل جهد إصلاحي لا يبدأ بالنفس وتوجيهها فهو جهد عقيم ، بل هو على التحقيق تبذير في الجهد والمال إذ سيوجد الجهل في المدارس التي تقوم لمحاربته ، والمرض في المستشفيات التي تؤسس لمكافحته ، والاستبداد والتحكم باسم الأنظمة الدستورية والقوانين الديمقراطية وسيخلق مشاكل جديدة وواجبات الغرض منها ملافاة هذه العيوب وإذراك أوجه النقص ، ولن يكون لها حل حقيقي إلا بتهيئة النفوس .
حقا إن البيئة في أشكالها المختلفة كالمنزل والمدرسة والوضع الاجتماعي والسياسي تؤثر على النفس ، ولكن هذه الأوضاع نفسها تدين بوجودها لنفوس أناس وضعوها وقدسوها وحكموها في المجتمع فهي في الحقيقة ليست أصلا مستقلا ، إنها فرع يتبع عن قرب أو بعد النفس .
وإنك لتشهد الخواء الفظيع في مملكة النفس الفسيحة يظهر في التعلق بالسفاسف والصغائر والإيمان بالخرافات والنزهات والانحطاط في الآداب والفنون والقصور السياسي والانحلال الاجتماعي ويتجلي في عجز الشعب عن تغيير حالته السيئة ، وحياته الشقية إذ أن دلالة ذلك هي : إما أن الشعب راض الهوان ، وإما أنه غير راض ولكنه عاجز عن التغيير وذلك يدل في الحالتين على انحلال عزائم أفراده ، وضعف نفوسهم وانهيار إرادتهم ، ومثل الشعب في ذلك مثل الفرد إذا انحلت إرادته ، وانحطت أخلاقه ، ملكه التردد ، واستحال عليه العمل وتفاقمت لديه المشاكل والمعضلات وهو لا يستطيع حيله ؛ ولا يهتدي سبيلا .
* * *
ــ 4 ــ
إن كثيرًا من الناس على استعداد لأن يسلموا معنا بنظريتنا السابقة في الإصلاح ؛ والحق أننا لم نأت فيها بجديد ، ولكن إذا كان ثمة جدة أو ابتكار فيجب أن يكون في الاجابة على هذين السؤالين الهامين الذين يوجههما الينا الناس وهما : على أي أساس يقوم إصلاح النفس وبأي الوسائل نصل إليه .
لقد لوحظ بحق أن إصلاح النفس كان بقوم دائما ، ومنذ عهد طويل ؛ على أساس قيم غير إنسانية وبطرق غير علمية ، فلم يكن الهدف في الحقيقة ، الإنسان أو الفرد ، ولكنه كان إعلاء شأن المبادئ والأغراض التي آمن بها دعاة الإصلاح أو خلق الطرز الخاصة من النفوس التي يرون أنها خير الطرز ، ان المعلم الريفي في الكتاب والمرأة الجاهلة في المنزل يعتقدان أنهما يصلحان نفس الطفل بالبطش والعقاب ، والمدرس في المدرسة الابتدائية الأميرية يظن أنه يصلح نفس التلميذ بسلسلة طويلة من المران ، وكمية كبيرة من المعلومات ؛ والداعية الديني عندما يصور ضآلة الإنسان وعظمة الكون ، وعندما يسهب في وصف ما ينتظر المؤمنين من نعيم مقيم وما ينتظر الجاحدين من عذاب أليم إنما يعتقد مخلصا أنه يصلح النفوس ، ولكن الحقيقة غير ذلك فإن غرض الأم والمعلم الريفي هو خلق الولد المطيع ، وغرض المدرس هو خلق التلميذ المجتهد وغرض الداعية الديني هو إعلاء شأن الدين أو خلق الفرد المتدين ، ففي غمرة إصلاح النفس ، نسيت بل وكانت ضحية المبادئ التي فرضت عليها والصيغ التي شكلت فيها .
وليس هناك شك في القيم الموضوعية للمبادئ ونحن أول من يقدسها ويؤمن بها ، ونأخذ أنفسنا باتباعها ، ولكن هذا التقديس والاتباع انما جاء لأننا آمنا بها أحرارًا غير مرغمين ، ولأننا رأينا أنها خير الطرق التي تساعدنا في إيجاد المجتمع الأمثل وتنظيمه ، ولكن أن نفرض هذه القيم على النفس الإنسانية ، والحرية الفردية فهو خطأ محض ، ليس فحسب بالنسبة إلينا نحن الذين نعتقد أن الانسان غاية في ذاته ، ولكن أيضًا بالنسبة لأنصار هذه المبادئ أنفسهم ، لأن فرض المبادئ يدمرها تدميرًا أو يذهب روحها ولبها وإن أبقى رسمها وشكلياتها ، فالخطأ هنا مزدوج : خطأ في الغاية وخطأ في الوسيلة .
ولقد كان من أثر هذه الطريقة في الإصلاح أن محقت القيم الانسانية ، كما هو المشاهد في قيمة إنسانية عظمي تتعلق بالفرد هي الحرية مثلا ، إنك لا تجد الفرد الحر الحقيقي لأن المجتمع عمل في كل مراحل تكوين الأفراد على أن يكون الفرد تابعًا فهو في المنزل "ابن" لا يعترف له بشخصيته وهو في المدرسة "تلميذ" تطغى عليه البرامج والدروس ، وهو في العمل موظف أو أجير مقيد باللوائح والأوامر .
وانظر إلى أثر هذه الروح في محق قيمة انسانية أخرى ؛ تتعلق هذه المرة بالمجتمع وهي العدل ، إنك لا تجد العدل في أوضاع المجتمع المصري ولا في تقسيم ثرواته ولا في تقنين لوائحه وتشريعاته .
إن المجتمع الأوروبي ، رغم مساوئه العديدة ، مجتمع عادل لأنه مجتمع إنســاني يقدر الحياة الإنسانية ، ويؤمن بحق كل فرد فيها ، فهو يضمن التأمينات المختلفة للعامل والفقير ويفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء ويكن احتراما لكل فرد مهما صغر شأنه .
وليس أدل على سيطرة الروح اللا إنسانية على المجتمع المصري منذ عهد طويل أنها استطاعت أن تؤول الإرادة التحريرية التي أظهرها الإسلام فبالرغم من أنه منح المرأة كافة الحقوق التي للرجل ، وفرض عليها الواجبات والتكاليف المختلفة ، وترك لها حرية البيع والشراء والامتلاك والعمل وبالرغم من أنه حض على تحرير العبيد وجعل عتقهم كفارة عن عشرات الذنوب ، فإن غلبة هذه الروح على الناس جعلتهم يحبسون المرأة بين أربعة جدران ويحرمونها أولى علامات الحياة وهي (الحركة) وأبرز مميزات الإنسان وهي (الإرادة) وجعلتهم يكاثرون من العبيد والاماء ويتخذونهم وسائل لذة وترفيه وتجارة وكسب .
فالنفس المصرية المصابة بالخمول والجهل والتعصب وضيق الأفق يجب أن تنقذ من هذه الأوبئة ، ويجب أن تؤمن بالحرية للفرد والعدل في المجتمع ويجب أن يكون العلم لسانها والوطن ملاذها والمعنويات الكريمة عاطفتها وولاءها ، ويجب أن يكون هدف الشباب ، تطلب حياة جديدة تتوفر فيها كنوز القيم الإنسانية الثمينة ، كالعمل والصداقة والحب والعدل والجمال والحرية والشرف ، هذه الكنوز التي تجعل للحياة طعمًا ومغزى والتي تجعلها نبيلة حافلة والتي تنقذها من الخواء والضعف والتفاهة .
وانه لمن العجيب حقا ألا يقوم في هذه الديار وفي هذه الفترة الحافلة من الزمان – داعية يبشر بحق الحياة الحرة الكريمة – لكل فرد على ضرورة ذلك الماسة لنهضات الأمم – وعلى كثرة الدعاة – وتعدد الأحزاب والجماعات .
ومالم يؤمن الشعب بذلك ، فلن يكون هناك فائدة للإصلاح وستضيع صيحات المصلحين سدى بين قوم فقدوا العزة والكرامة وجهلوا الحرية والعدل ورضوا بالدون والهوان من العيش .
* * *
ــ 5 ــ
وهكذا نخلص إلى أن الأسس الإصلاحية السليمة للنفس هي القيم الانسانية والحيوية ، وهذا الاستنتاج يؤدي بنا إلى أن نجعل هدفنا الأسمي "أن يكون الانسان – أو الفرد – غاية في ذاته" ، وأن نحكم على الأوضاع والقيم بمنطق هذا الهدف وبذلك نكون قد أجينا على السؤال الأول الذي يوجهه إلينا الناس وهو "على أي الأسس سيتم الإصلاح" ، ويبقى علينا الاجابة على الثاني وهو "بأي الوسائل سيمكننا تحقيقه" إن الوصول إلى عالم النفس لا يتأتي إلا بطرق نفسية ومحاربة القيم المزيفة لا تكون إلا بالقيم الصحيحة ، ولا يفل الحديد إلا الحديد ، فعلينا أن نبث روح الايمان بالعقيدة الجديدة والقيم الحيوية في الناس ، وعندما يتهيأ لهم هذا الإيمان سيكون من السهل عليهم أن يصلحوا الأوضاع والنظم ، وينشئوا ما يريدون من إصلاحات مادية ، بل إن هذه النظم والأوضاع والإصلاحات ستتهيأ من نفسها وبطبيعة التطور الذي نال الناس .
ولا يحسبن أحد أن الناس حاليًا يؤمنون الإيمان التام بالقيم الإنسانية ، إن إيمانهم بها لا يتعدى الاستحسان ولم يصل أبدًا من القوة إلى الدرجة التي يدفعهم فيها إلى التضحية في سبيلها أو العمل لتحقيقها ، وهل يصح في الأذهان أن الناس يؤمنون بالحرية وهي بديهيات هذه القيم ، وأمسها ضرورة ، والصفوة المثقفة منهم تتهافت على الوظائف ، وترحب بالقيود وتستجدي الحكومات .
إنهم لا يؤمنون بالحرية ، إنهم يؤمنون بلقمة العيش الهينة اللينة الملوثة بالذل والهوان .
وهل يعقل أن الناس في مصر يؤمنون بالعدل ، وهم يقبلون أقسي الأوضاع ، وأظلم النظم فلا يتحدثون إلى حكامهم ونوابهم ، ولا يكتبون في صحفهم ومجلاتهم ولا يعملون شيئا لاستبدال هذه الحالة وتغييرها .
وهل يظن أن الجمهور يؤمن بالعلم ومقاييسه والخرافات والترهات تسيطر على المجتمع وتنتشر فيها العادات والتقاليد التي لا توجد في مجتمع علمي كالكرامات وتقديس المشايخ والأولياء والإيمان بالعفاريت والأشباح ، وتفضيل القديم وإن كان فاسدًا على الجديد وإن كان صالحًا .
كلا .. إن الناس لا يحسون بالظلم قاسـيًا قاتلا ، ولا تحس بالجهل مظلمًا قاتمًا ، ولا تحس بالقيود ثقيلة تبهظ عاتقها ، وتنقض على ظهرها ، ولا تستشعر من هذه مجتمعة وقع السياط ، ولذع النار حتى لتفضل أن تلقي بنفسها في النار المادية على أن تحيا في نار المعنويات وربقة الاستعباد والجهل والظلـم .
كلا .. إن الناس لا تؤمن الإيمان الحقيقي ، وواجبنا أن نجعلهم يفعلون ، وأن ننقذهم من الاستهتار والاستهانة وعدم الاكتراث والخمول ؛ وأن تكون الحرية في نظرهم كالعبودية ، والكرامة كالمهانة ، والاستقلال كالاستعمار ، والعلم كالجهل .
إن الفنان ينظر إلى الشجر والسماء ، والشمس والنجوم وغيرها من بدائع الطبيعة فيرى فيها ما لا يراه الرجل العادي لأن فهم الفنان للطبيعة أدق ، واتصاله بها أوثق ، واقباله عليها أعظم فيجب علينا كذلك أن نجعل إيمان الناس بهذه المعاني قويًا وثيقاً ، حقيقيًا أصيلاً .
وليست هذه بالمهمة السهلة الهينة ، ولكن الصعاب لم تكن في يوم من الأيام حائلا عن العمل أو مانعًا من المحاولة ، ولقد تحرمنا الصعوبات من النجاح ولكنها لن تثنينا عن العمل .
وسيكون هذا العمل في أول الأمر محاضرات وخطب ورسائل ومذكرات ، وشرح طويل لهذه القيم وتوضيح كاف لمميزاتها ، لأن الناس لا تؤمن بشيء تجهله أو تعجز عن تقدير فائدته ، وعندما يتأكد الناس من نفع هذه المبادئ ، وتتشرب نفوسهم حبها ويوجد بينهم وبينها علاقة خاصة فإنهم يكونون قاب قوسين من الإيمان .
فالعلم والشرح ، والتكرير والتوضيح سبل موصلة إلى الإيمان والعلم أعظمها أثرًا ومن أجل ذلك تعمل جماعة العمل الوطني الاجتماعي ليس فحسب على محو الأمية ، ولكن أيضا على محاربة الفهم غير العلمي .
والتربية وسيلة ناجعة ؛ وطريقة موصلة إلى الإيمان الثابت الذي يبقي في النفس ولا يزول منها فيجب نشر الدعاية وسط الآباء والأمهات وتلقين الجيل الجديد في المدرسة والمنزل هذه المبادئ وتقويم خلق الأعضاء عمليا بها .
هذه وغيرها مما سوف يسمح به المستقبل ؛ هي الوسائل التي تحقق الإيمان وتكفل لنا الوصول إليه ، وجماعة العمل تبدأ بها وئيدا وعلى خطوات ومراحل  ، وهي تسير ببطء ولكن بثبات وتخطو رويدا رويدا ، ولكن إلى الأمام .
* * *
ــ 6 ــ
سنلخص الآن ما مضي من الكلام في جمل قليلة وسنحاول أن نعطي القارئ فكرة إجمالية عن الإصلاح بمراحله وخطواته كما تتصوره جماعة العمل ، وكما عقدت العزم على تحقيقه .
(1)   يبدأ ذلك الإصلاح بنشر القيم الإنسانية وتحليلها وشرح فضائلها ومزاياها على الناس بكافة الطرق التي تسمح بها مقدرة الجماعة حاليا ، وما يمكن أن تسمح به في المستقبل حتى يوجد رأي عام قوي ، حر ، شجاع , يؤمن الإيمان الكامل بهذه القيم .
(2)   وفي الوقت نفسه تكون الدعاية دائرة بين الآباء والأمهات لتربية الجيل الجديد على هذه المبادئ حتى يمكن أن ينقذ من الفساد الذي تعرض له الجيل الذي سبقه .
(3)   كلما تتهيأ خميرة الإيمان في نفوس بعض الأفراد ، وتعدهم الدعوة فإن الجماعة تتلقاهم بالإصلاح العملي ، وذلك بمحاولة تطبيق هذه المبادئ على نفوسهم وأخذهم بها حتى يوجدوا من أنفسهم وعائلاتهم مجتمعا سليما ببيوته ، ومدارسه ، ونواديه ، ومستشفياته ، ونظمه وقيمه وتقاليده .
(4)   يأخذ هذا المجتمع في الانتشار والتوسع من حي إلى حي ومن المدينة إلى أطرافها ثم إلى القرى ، ومن الأعضاء إلى غيرهم من العمال والفلاحين والطلبة والموظفين حتى يبتلع المجتمع الجديد المجتمع القديم ويلاحقه ، وعندئذ نجد أمامنا مصرنا العزيزة التي نحبها ونأملها والتي نتصورها دائمًا في أذهاننا قوية مجيدة ، موطدة الأسس بخير ما في الشباب من عواطف وملكات وخير ما في العصر من عناصر وقوي وفي كل هذه المراحل لا تعتمد الجماعة على غير الاقناع ولا يتسلح أعضاؤها بغير إيمانهم وإصلاحهم ووثوقهم من رسالتهم ، وتحذر كل الحذر مزالق السرعة والكثرة وإغراءات القوة والابتسار .
* * *
ــ 7 ــ
إن الدعاية لجماعة العمل الوطني الاجتماعي هي بلا شك غرض من الأغراض التي بعثتنا على طبع هذه الرسالة الصغيرة ، ولكنها – وليتأكد القارئ من ذلك – ليست هي الغرض الأول أو الوحيد .
والغرض الأول هو في الحقيقة نشر هذه المبادئ والتبشير بهذا المنهج وبث روح العمل به بين الشباب ، ومن وجهة نظرنا فقد يكون العمل معنا أفضل من أن يعمل كل شاب على حدة ؛ ولكننا كذلك نسر كثيرا إذا عمل الشباب به كل بمفرده ؛ وفي منزله وبين أصدقائه فإن المبادئ هي الناحية الهامة في الموضوع ، ومادامت واحدة فسنلتقى عند الغاية ويستطيع كل شاب مصري إذا عمل بها أن يكون بحق بطلا من أبطال فترة الانتقال وجنديًا حقيقيًا في معركة أشرف وأفضل من معارك الدماء والحدود .
وإن هذه المسألة لتزداد أهميتها يومًا بعد يوم ؛ ومن المحتم أنها ستكون قريبا جدا مسألة حياة أو موت للشعب ، فمنذ عدة سنين فوجئنا بالأعداء على حدودنا وتنكر لنا حلفاؤنا في بلادنا فلم نحر جوابا ولم نستطع ردًا وأنقذتنا العناية الإلهية من الأولين بمعجزة ودفعنا ثمن عجزنا للآخرين تسليمًا وذلا ، ومازال الأعــداء والحلفاء ، وليس من المنتظر أن تتكرر المعجزة كما يجب أن لا يتكرر التسليم ، والعالم اليوم معسكر مدجج بالسلاح ، ولا حساب فيه للأمم الضعيفة ، وستكون مصر دائما بلدا ضعيفا مادام الجهل يسدل أستاره والفقر يضرب أطنابه والمرض يمد رواقه ومادام الشباب يستسلم لليأس ولا يتحرك للعمل .
والمسألة بعد ذلك ليست واجبًا وطنيًا فحسب ولكنها كسب للشباب ، فالشباب الذين ينتظرهم مستقبل طويل وسنين عديدة يجب أن يكسبوا هذا المستقبل بسواعدهم ويجب أن يجعلوه سعيدًا مجيدًا ويجب أن يشيدوه لأنفسهم ويخلفوه للأبنائهم من بعدهم .
يجب أن يوقظ كل شاب في نفسه ضميره الاجتماعي ويطهر فؤاده من الأنانية أو الخمول أو الجهل أو عدم الاكتراث أو اليأس أو غير ذلك من الأسباب التي تقعده عن العمل – يجب أن يؤدي حق الشباب وحق المجتمع ولن يجد في ذلك تعبًا ، بل سيجد لذة وثوابًا وسيكسب أيام شبابه امتلاء ووفرة وسيربح تجربة وخبرة .
إن ساعة واحدة كل يوم يكرسها الشاب في سبيل وطنه يفتح فيها أذهانا مغلقة ويرشد فيها نفوسا ضالة ويهب فيها الحياة والصحة والعلم لإخوانه من المواطنين .
* * *
 


(1)  مجلة الدعوة ، العدد الخاص بالجيش ونص السؤال وهو ضمن ثلاثة أسئلة أخرى "يريد الصحفيون أن تأكدوا لهم أن حرية الصحافة ستكون في أمان دائمًا وأن عقاب الجرائد والمجلات التي تتعدى واجبها الصحفي سيتولاه جمهور القراء لا سلطات الدولة" .
(1)    لا يتنافى ذلك مع وجود أفراد مؤمنين ، ولكن الحديث هنا على الكثرة ، وهي على ما وصفنا من سطحية وتطلف .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,012,104,954
- الحركة الميثاقية
- الثورة تجابه منعطفاً خطيرًا
- نزولاً على إرادة الشعب
- اقتراح
- جمال البنا في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: التنوير وا ...
- المسألة الشعبية بين جورج صاند وجوستاف فولبير
- عندما ثار الأسطول البريطاني
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 3 3 )
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 2 3 )
- كلكم سيدخل الجنة «إن شاء الله» إلا المارد المتمرد
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 1 3 )
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 3 3 )
- الطقوسية العدو اللدود للإسلام
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 2 3 )
- مانيفستو المسلم المعاصر
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 1 3 )
- الحكمة باب يفتحه الإسلام على الزمان والمكان
- امريكا افضل من صدام
- دعوة لإعمال العقول
- الرد على شاكر النابلسي


المزيد.....




- مايكل أنجليو القرن الـ21.. روبوتات فنية تنحت أجمل التماثيل
- كيف تحافظ على الاسترخاء أثناء السفر؟ هذه المعالجة تخبركم
- الحكومة الأسترالية تعتذر لآلاف الأطفال ضحايا الانتهاكات الجن ...
- غراهام لـCNN عن العلاقة مع السعودية: أشعر بالخيانة تماما
- إسقاط جوي للقضاء على -إرهابيين مسلحين- في تدريب عسكري بين مص ...
- الإعلام الصيني يهاجم بومبيو ويصف تصريحاته بشأن بكين بأنها &q ...
- فرنسا: دعوات لمزيد من الحزم ضد العنف المدرسي بعد أن رفع تلمي ...
- بي بي سي تلتقي عددا من أصدقاء جمال خاشقجي الذين تحدثوا عن مخ ...
- الإعلام الصيني يهاجم بومبيو ويصف تصريحاته بشأن بكين بأنها &q ...
- السعودية تكشف كيف قاوم خاشقجي 15 شخصا من الفريق الأمني أثناء ...


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - جمال البنا - ترشيد النهضة