أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هوشنك بروكا - شريعة الجَلد














المزيد.....

شريعة الجَلد


هوشنك بروكا
الحوار المتمدن-العدد: 3221 - 2010 / 12 / 20 - 16:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أثارت لقطات من الفيلم القصير لفتاة سودانية مراهقة(16 عاماً)، الذي بثه موقع اليوتيوب على الإنترنت، ردود أفعال كثيرة، بين أنصار حقوق الإنسان والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة في العالم.
http://www.youtube.com/watch?v=DCwMtRKqfiQ
اللقطات كانت صادمةً ووحشيةً، لا يمكن لعقلٍ سويّ أن يتحمل بربريتها الخارجة عن كلّ ما يمتُّ إلى الإنسان وآدميته بصلة.

لم يكن فعل الجلد هذا، مجرد "حادثة عابرة" ضد "فتاة عابرة"، ارتكبها حفنة من الجلاّدين "المؤمنين"، في السر، أو بعيداً عن أنظار القانون السوداني المسلم، كما تراءى للبعض أو توقعته جهات دينية وسياسية رسمية، هنا وهناك.

طقوس الجلد "المقدس"، حسبما تناقلته وسائل الإعلام أمس، كانت طقوساً رسمية، جرت في شباط الماضي، تحت أعين القانون السوداني فقهائه الظلاميين، كما تبيّن.

الرئيس السوداني عمر البشير، الذي يتخذ من الشريعة الإسلامية، أساساً لقانون بلاده، قال في حشد جماهيري كبير، أن الجلد عقوبة إسلامية صحيحة وواجبة(حسب المادة 152 من قانون العقوبات الجنائية لسنة 1991، المستمد من الشريعة الإسلامية، وفقاً لما تناقلته الدويتشه فيلله على لسان جهات قضائية سودانية). البشير، لم ينكر حدوث "الجلد المقدس" في بلاده، بل الأنكى أنه دافع على الملأ عن رجال الشرطة الجلادين الذين ظهروا في فيلم الجلد، وأكد مجدداً على ضرورة الأسلمة الكاملة للدستور السوداني، لتصبح الشريعة الإسلامية دستوراً أكيداً لكل البلاد.

القضية، إذن، ليست قضية جلد فتاة استثنائية، ارتكبها جلادون استثنائيون، خارجون على القانون، وإنما هي قضية "قانونية" مرخصة، وفقاً ل"شريعة الجلد" المقدسة، المسنودة إلى دستور الإسلام، بإعتباره مصدراً أساسياً من مصادر الدستور السوداني، كما يريد له البشير أن يكون.

فالرجل صادقٌ مع شريعته على أية حال، لأنّ عقوبة الجلد هي عقوبة "صحيحة" في الإسلام، ومسنودة إلى نصوصٍ من القرآن والأحاديث النبوية، منها مثلاً:
"الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين"(ألنور:2)
"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة"(النور: 4).
"واللاتي تخافون نشوذهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع وأضبروهن"(النساء: 34).
"من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"(من السنة النبوية: رواية الترميذي وأبو داوود).

عقوبة الجلد، إذن، بحسب "النصوص الصحيحة" الآنفة الذكر، هي ليست عقوبة خارج ـ قانونية، وإنما هي "عقوبة صحيحة" من صلب "القانون السماوي"، تؤكدها "الشريعة الصحيحة"، وفقاً لكلام "الله الصحيح" و"نبييه الصحيح".

على الرغم من ورود عقوبة الجلد في كتب سماوية أخرى، كالإنجيل والتوراة ونصوص دينية أخرى، في كونها "عقوبةً عابرة للأديان"، إلا أنّها تظلّ في الثقافة الإسلامية، العقوبة الأكثر ممارسةً وتطبيقاً، رسمياً وشعبياً.

امتهان الجلد بين جمهور عالمنا الإسلامي، المفتون ب"صحيح" سماواته، تجاوز حدود المعقول البشري، بأحكامه الوحشية المدمرة لصورة الإنسان وآدميته، الذي يفترض أنّ يكون الله قد خلقه في أحسن تقويم، كما جاء في الكثير من الصكوك الدينية.
ففي السعودية مهبط رسالة الإسلام مثلاً، هناك عقوبات وصلت إلى 40 ألف جلدة بحسب تقرير لجريدة الرياض السعودية(العدد 14895، 05.04.2009).
فأيّ إنسان يفترض أن يكون الله قد خلقه على صورته، سيتحمل هذه العقوبة الفوق ـالوحشية، من جلادٍ يكبّر الله ويحمده مع كل جلدةٍ "مقدسة" تنالها الضحية "المدنسة"؟
كيف يمكن لمعبودٍ كبيرٍ، أن يكون جلاّداً كبيراً إلى هذا الحد؟
كيف يمكن لإلهٍ أن يكون معبوداً وجلاداً في آن؟
كيف يمكن للحب في ممارسة الجلد، كما هو حاصل ولا يزال، أن يكون حباً لدين لله ورسله وآياته؟
لماذا هذا "الإصرار السماوي" على تحويل الدين إلى سجنٍ كبيرٍ، أو غرفةً للتعذيب الكثير؟

عقوبة الجلد، ههنا، كغيرها من العقوبات "السماوية" الأخرى الممتهنة والمنتهكة لكرامة الإنسان وإنسانيته، هي سادية ما بعدها سادية.
أنها سادية الله ضد الله؛ والإنسان ضد الإنسان، والعالم ضد العالم، والطبيعة ضد الطبيعة.
مع كلّ جلدة "مقدسة"(أو مدنسةٍ) ينالها الإنسان، في هذا العالم، أشعر لكأن الله قد مات منذ زمانٍ كثيرٍ مضى.
مع كلّ إهانةٍ "سماوية"(أو أرضية) يمارسها الإنسان ضد الإنسان، أشعر لكأن السماء قد سقطت وإلى الأبد، منذ تاريخٍ كثيرٍ مضى.

الجلد، عقوبة أكثر من وحشية، تمسخ الله في الإنسان، والإنسان في الله، وتحوله إلى حيوانٍ للنقل ضد العقل، أو إلى مجرد وحشٍ كاسر.

فهل من إلهٍ يسمع؟!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عن بيتي الأجنبي وأشجاري المكتومة!
- في -خرافة- صلاح بدرالدين
- سيد القمني: من عقل العقل إلى عقل النقل!
- في ركاكة مكتوب بارزاني الأخير أو بيان اللابيان
- إلى من يهمه العقل: وفاءً لوفاء سلطان
- ومات أبادير واقفاً..
- كل عام وأنا أكرهكَ!
- الحريري بين لبنانَين
- تركيا من الإنفتاح إلى الإنغلاق
- العلم السوري قاتلاً ومقتولاً
- القذافي فاتحاً للجنّة
- ما وراء منع المآذن
- نوبل أوباما -الشاعر-
- -فوضى- نوال السعدواي الخلاقة
- أكراد الشمال: بين فرضية الدولة والدولة المفترضة
- سوريا: تقتل العراق وتمشي في جنازته
- جلببة العلم على -سنّة- حماس
- عاشت سوريا -الضرورة-..يسقط لبنان!
- خروج أبطحي على -المخمل-
- ما لن يتغيّر في كردستان!


المزيد.....




- رابطة العالم الإسلامي: مجمع الملك سلمان للحديث النبوي يحرس ا ...
- الإسلام السياسي والحرب الدينية
- جندية تضرب برجليها متطرفين يهود (فيديو)
- الروهينغا والإيغور وأفريقيا الوسطى.. مسلمون تتجاهلهم الإنسان ...
- سيف الإسلام يعود للعمل السياسي في ليبيا
- الجماعة الإسلامية والتغيير تدعوان لحكومة انقاذ وطني تمهيداً ...
- تواصل محاكمات رموز -الإخوان- في مصر
- تركيا تدعو الدول الثماني الإسلامية للتعاون قبيل قمتها
- عبد الرزاق الكاديري: الفاشية الدينية محاولة لكشف مضمونها الط ...
- مقتل 43 جنديا أفغانيا في هجوم انتحاري لحركة طالبان


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هوشنك بروكا - شريعة الجَلد