أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي عودة - مسرحية الحكماء والسكران















المزيد.....



مسرحية الحكماء والسكران


علي عودة

الحوار المتمدن-العدد: 3206 - 2010 / 12 / 5 - 19:50
المحور: الادب والفن
    



علي عودة


الحكماء والسكران
(مسرحية في ثلاثة فصول)



الشخصيات

الراوي
أبو البيان الفاهم
أبو اللسان الشاعر
أبو الكلام الكاتب
5. السكران "يقظان العربي"
6. كبير الخفراء
7. سارق بن عسران – حاكم قرية البحر
8. تابع بن ذيلان – حاكم قرية الجبل
9. ظالم بن بطشان – حاكم قرية البادية
10. ابن الخطيب – النادل في حانة الأندلس
11. مقدمة برنامج "أعلام من بلادي"
12. مواطنون وشرطة
تنويه:
جميع الشخصيات ترتدي الملابس التراثية عدا أربع شخصيات هي: أبو البيان، أبو اللسان، أبو الكلام، السكران.
يمكن للممثل أن يقوم بدور أكثر من شخصية.

الفصل الأول


المشهد الأول
تفتح الستارة على قاعة خافتة الأضواء، وقد ظهرت فيها آلات تصوير تلفزيونية وأجهزة أخرى، ومخرج يتحرك في القاعة، يرتّب ويعد لتقديم برنامج هام … تبدو على يمين المسرح غرفة صغيرة يكمن فيها اثنان من رجال الأمن ظهرت في أيديهما أجهزة تتصل بكاميرات وخيوط التصوير.
بينما تجري الاستعدادات للبرنامج، يدخل الراوي ويتوجه بالخطاب للجمهور:
الراوي: أيها السادة أيتها السيدات أهلاً بكم معنا، هنا في إحدى قاعات التصوير والبث التلفزيوني المباشر، حيث تجري الاستعدادات لتقديم البرنامج الهام "أعلام من بلادي" وحيث تبدأ حكايتنا، حكايتكم، أو حكاية أربعة منّا، منكم .. وإلى أن تكتمل الاستعدادات اسمحوا لنا أن نقدم لكم فرسان هذه الحكاية..
يتحرك الراوي نحو مدخل المسرح، ثم يعود مصطحباً أول فرسان الحكاية أبو اللسان الشاعر..يحيّي أبو اللسان الشاعر الجمهور، ثم يتحرك ليعود إلى مؤخرة المسرح ويجلس على كرسي في الجهة اليسرى من المسرح.. في حين يتحرك الراوي ثانية إلى مدخل المسرح مصطحباً الشخصية الثانية..ثانيهم: أبو الكلام الكاتب..
يحيي الجمهور، ثم يتحرك ليعود إلى مؤخرة المسرح ويجلس على كرسي في الجهة اليسرى بجوار صاحبه.. في حين يتحرك الراوي مرة ثالثة إلى مدخل المسرح ليعود ومعه الشخصية الثالثة..ثالثهم: أبو البيان الفاهم..
يحيي أبو البيان الفاهم الجمهور، ثم يتحرك عائداً حيث صاحباه..
الراوي: أيها السادة أيتها السيدات هؤلاء هم ضيوف حلقات هذا البرنامج وفرسان حكايتنا، وهؤلاء الفرسان لهم حكاية فما هي هذه الحكاية ؟…
يقترب منه مخرج البرنامج ويهمس في أذنه، ثم ينصرف.. ليستأنف الراوي: يبدو أن الاستعدادات قد اكتملت وأن البرنامج سيبدأ، اسمحوا لي إذن بالانصراف.
يتحرك متجهاً نحو مدخل المسرح، لكنه يتوقف فجأة ويعود إلى مخاطبة الجمهور:
المعذرة .. المعذرة أيها السادة أيتها السيدات، نسيت أن أقدم لكم الفارس الرابع في هذه الحكاية..
يتحرك مسرعاً إلى مدخل المسرح، ثم يعود مصطحباً ومتأبطاً "السكران" الذي يتمايل ويتعثر في مشيته..
الراوي: الشخصية الرابعة .. ورابعهم سكران… وهو كما ترون أنّه في حالةٍ لا تسمح له بالبقاء معكم فلتسمحوا لي باصطحابه الآن، لتروه فيما بعد، نعم فيما بعد..
ينصرفان (السكران والراوي)… في حين تزداد أضواء المسرح وتدخل مقدمة البرنامج وتجلس. في حين تبرز لافتة كتب عليها (أعلام من بلادي)
مقدمة البرنامج: ( وهي تقوم بضبط هندامها) سيداتي سادتي ، أيها الأحباب أنتم على موعدِ مع البرنامج الناجح والهام (أعلام من بلادي).. وفي هذه الحلقة يسعدنا أن نقدم لكم شخصية ذائعة الصيت والشهرة.. شخصية غزيرة الشَّعرَ(تنظر إلى شعره الكثيف والشَّعرِ).. إنه الشاعر الكبير أبو اللسان الشاعر..
يجلس أبو اللسان بجوار مقدمة البرنامج يتنحنح ثم يقول في نبرة خطابيةٍ وتمثيليةٍ:
ننهـض من وجع الفقراء
نصعد من روح الشهداء
نعلو نكبر في الفضـاء
ينظر حيث رجلا الأمن اللّذان يكمنان في الغرفة المجاورة، يضطرب يتلعثم، يخرج من جيبه زجاجة خمر صغيرة، يرتشف منها ثم يستأنف:
طـــوبى للشعب السالكْ
طــــوبى للمَلِك المالكْ
والمجــد لليْـلِ الحـالكْ
ينظر حيث رجلا الأمن، يهزَّان له رأسيهما بالموافقة، فيستأنف وقد بدا عليه السكر:
الشعبُ .. الملكُ .. الفقـرُ
الحرية .. السلطُة .. القمعُ
يتقدم أحد رجليْ الأمن منه يدس رزمة نقود في جيبه، يتحسسّها، يخرج زجاجة يرتشف منها، ثم يستأنف:أنتم .. أنا .. الوطن .. الحاكم
يتجشأ مخموراً ثم يستأنف : يعيش (يتجشأ) يعيشُ السمكُ في البحـرْ
يسقط (يتجشأ) يسقط ُ المطُر من السماءْ
تتدخل مقدمة البرنامج بعد ملاحظة حالته لتعلن إنهاء الحلقة الأولى من برنامج (أعلام من بلادي) ثم تخفت الأضواء وتنصرف مقدمة البرنامج , لتعود وتعلن عن الحلقة الثانية: سيداتي سادتي أحبائي، يسعدنا أن نقدم لكم الحلقة الثانية من برنامجكم المحبوب (أعلام من بلادي) وضيف هذه الحلقة الأديب اللاّمع وصاحب الصيت الذائع والقلم البارع، إنه أبو الكلام الكاتب.
يتقدم أبو الكلام ويجلس بجوار مقدمة البرنامج، ثم يتكيء إلى الخلف ويشعل غليونه، ويبدأ الحديث بنبرة استعلائية:
أبو الكلام : في الحقيقة كثيرة هي إبداعاتي ومؤلفاتي، ولا يتسع البرنامج للحديث عنها ولا عن الأفكار العظيمة التي تتضمنها، لكنني مع ذلك سأتوقف مع بعض أعمالي البارزة:
المؤلف الأول: ( الشقراء والنمر) : وهذا الكتاب يعالج بشكل قصصي قضية هامة علاقة الإنسان بالحيوان، كيف تتطور العلاقة بين فاتنة شقراء ونمر قوي وما ينتج عن هذه العلاقة من تعقيدات وطبعاً هناك إسقاطات ورموز عديدة في الكتاب.أما المؤلَف الثاني فهو ( السندباد في بلاد العجم) وهو كتاب يكشف الجوانب الهامة والحياة الجميلة في بلاد الأعاجم.
تتدخل مقدمة البرنامج ( مقاطعة): طبعاً يا أستاذنا السندباد هو ذلك العربي الشرقي الذي تتقمصه روح الاكتشاف والبحث عن الحقيقة…
أبو الكلام : لا .. لا يا سيدتي، السندباد هو أنا والكتاب هو خلاصة لجولاتي وتجلياتي ومغامراتي في بلاد العجم…
( يميل على مقدمة البرنامج ويهمس في أذنها فترتبك ويبدو عليها الخجل..) أما المؤلف الثالث فهو مسرحية هامة بعنوان (لا تغضبوا)
مقدمة البرنامج : (مقاطعة) عظيم، هذا عمل يبدو أنه يعالج هموم الناس، أقصد الفقراء المسحوقين.. الكادحين…
أبو الكلام: لا.. يا سيدتي هذا الكتاب يعالج مشكلة أهم من هذه القضايا الصغيرة.. إنه يعالج مشكلة هامة في عصرنا الحاضر.. مشكلة الفراغ الذي تعاني منه الطبقات الإقطاعية والحاكمة.. كيف نملأ هذا الفراغ؟ كيف نعوّض هذه الطبقة ونوفر لها الوسائل والظروف التي تتيح لها أن تنمو وتكبر وتسيطر بدون إزعاج أو تنغيص هذا هو موضوع هذا الكتاب الهام والحيوي.
مقدمة البرنامج : أستاذنا الأديب الكبير، هناك ملاحظة صغيرة يطرحها البعض، تعرف الأقلام المشاكسة، يقولون – معذرة لذلك – يقولون أن أعمالك لا تعبّر عن هموم حقيقية وجادة لأبناء المجتمع،الناس.. ويقولون.. بل ويتهمون هذه الأعمال أنها تخون الإبداع والهدف الصحيح للأدب..
ينظر رجلا الأمن في الغرفة المجاورة إلى بعضهما، ثم يتقدمان من أبي الكلام يهمسان في أذنه، ينظر أحدهما إلى مقدمة البرنامج، يشير إليها بتهديدات بقبضة يده،
ثم ينصرفان.
أبو الكلام: المعذرة كنت أود الإجابة على هذه الملاحظات والأسئلة لكن، لكن هناك موعداً هاماً ينتظرني، فأرجو المعذرة..
مقدمة البرنامج : سيداتي سادتي أحبّائي، نكتفي بهذا القدر من برنامجنا المحبوب والى اللقاء في حلقةٍ جديدة..
تخفت الأضواء، تنصرف مقدمة البرنامج والآخرون.. وبعد لحظات تعود.
مقدمة البرنامج : سيداتي سادتي أحبّائي من جديد نحن على موعدٍ مع الحلقة الثالثة من برنامجكم المحبوب (أعلام من بلادي) وضيف هذه الحلقة شخصية متعددة المواهب.. وله باع في مختلف جوانب الإبداع.. في الشعر في الرواية في المسرح وله باع في مجالات الفكر أيضاً، من هنا فإن الحديث معه له مذاق مختلف، مذاقٌ متمّيز.. أيها السادة أيتها السيدات أيها الأحباب نقدم لكم الأديب والمفكر أبا البيان الفاهم..
يجلس أبو البيان بجوار المذيعة ثم يتحدث بطريقة واثقة..
أبو البيان : في البداية أود القول أن الفعل النضالي هو أكبر وأعظم من الإبداع والكتابة.. وما الكتابة والإبداع إلا محاولة للموازنة بين المثالي والواقعي.. أما عن محاولاتي والتي طمحت من خلالها إلى التعبير عن أحاسيس الجماهير وطموحات الناس فسأعرض عليكم نماذج متواضعة منها..
يُخْرِج من حقيبته بعض الكتب، يضعها على الطاولة أمامه، وهنا يتدخل رجلا الأمن ويطلبان منه الحضور إلى الغرفة اليمنى، يذهب معهما ويدور بينه وبين أحدهما حديث، ليناً تارة وعنيفاً تارة أخرى، في حين يقوم رجل الأمن الآخر باستبدال الكتب بكتب أخرى ويضعها في نفس المكان على الطاولة في حين تتظاهر مقدمة البرنامج بعدم رؤيتها لما يحدث.. يعود أبو البيان رافضاً لكل محاولات التهديد والإغراء ويجلس مكانه. (يبدأ في عرض الكتب) الكتاب الأول بعنوان (الشورى أوالديمقراطية) كيف تتحقق؟ يعرض غلاف الكتاب على الجمهور فإذا العنوان هو (يعيش الحاكم ) ويبدأ في الحديث عن محتويات الكتاب لكن صوته لا يسمع، فقد ضغط أحد رجال الأمن على جهاز يقطع الصوت عن المستمعين (للحظات)
أبو البيان: (وقد ظهر الصوت مرة أخرى) والمحاولة الثانية (قضية مرج بن كنعان) يعرض غلاف الكتاب على الجمهور فإذا العنوان( الساحرة الصغيرة قصة للأطفال) يبدأ في الحديث عن محتويات الكتاب..
أبو البيان: طبعاً هناك أبعاد خطيرة في قضية مرج بن كنعان وأبرز هذه الأبعاد..(يقطع الصوت في حين يستمر أبو البيان في الحديث)..(للحظات)
أبو البيان: (وقد عاد الصوت مرة أخرى) أما المحاولة الثالثة فهي بعنوان (النهضة العلمية.. أبعادها.. أهدافها) .. يعرض غلاف الكتاب فإذا العنوان (العودة إلى الحياة البدائية) يبدأ في الحديث عن محتويات الكتاب (يقطع الصوت في حين يستمر في الحديث للحظات)
أبو البيان: (وقد عاد الصوت) أما المحاولة الرابعة فهو ديوان شعر(الأرض تزهر شهداء).. يعرض غلاف الديوان على الجمهور فإذا العنوان(ليلة دافئة في مدينة باردة) واسمحوا لي أن أقرأ لكم مقاطع من هذا الديوان.. يقلّب الغلاف ليفتح الكتاب يفاجأ بالعنوان المتغير، فيُصاب بالذهول– يقلب الكتب الأخرى التي أمامه في غضب، ينظر إلى المذيعة بحنق، ثم يصرخ:
أبو البيان: (غاضباً) .لا.. لا.. هذه ليست كتبي، ليست أفكاري ليست أحاسيسي ليست إبداعاتي..يصرخ.. لا.. لا..
يتدخل رجلا الأمن.. يجرّانه خارج المسرح في حين تنهي مقدمة البرنامج الحلقة وهي في حالة مضطربة.. تطفأ الأنوار..
وتسدل الستارة..

المشهد الثاني
تفتح الستارة على حانة، وقد ظهر في مدخلها من الناحية اليمنى لافتة كتب عليها عبارة "أهلاً بكم في الأندلس" وقد كُتبت كلمة الأندلس بحجم كبير كلمة الأندلس بحيث تبدو هي البارزة، وفي الجهة اليسرى من الحانة مدخل آخر يؤدي إلى ملهى، وقد وضعت على المدخل ستارة ملونة تخفي ما في الداخل.. وفي وسط الحانة إلى الجهة اليسرى مشرب ومقصف الحانة، وفي منتصف الحانة طاولتان حول كل منهما أربعة كراسي، تنبعث الموسيقى ثم تزداد إضاءة المسرح فيظهر الثلاثة الذين كانوا فرسان البرنامج السابق وقد جلسوا حول الطاولة، ويظهر كذلك نادل الحانة وقد وقف خلف المشرب، يعد ويرتب الكؤوس والأطباق ..
أبو البيان: ( وهو يتجه نحو مشرب الحانة) يا ابن الخطيب، أيها النادل أين شرابك اللذيذ..؟
النادل: تفضل يا سيدي بالجلوس وستجد الشراب حالاً على الطاولة.. تفضل يا سيدي ..
يعود أبو البيان إلى الطاولة ويجلس مع زميليه وقد بدا عليه التذمر والقلق…
أبو اللسان الشاعر: أكثِر من المقبلات يا ولد ( يترنم ويتمايل مع الموسيقى) اسقني واشرب على أطلاله واروِ عني طالما الدمع روى..
النادل: على عيني أيها السادة أمركم مطاع وطلبكم مجاب..
يتحرك بالصينية نحو طاولتهم.. يضع الصينية والأقداح.. ثم يعود إلى المشرب في حين يبدأ الثلاثة في تناول الشراب.. وبعد لحظات يدخل"السكران" متمايلاً مترنحاً متعثراً في خطواته يتوقف عند اللافتة المعلّقة في مدخل الحانة ثم يتجه إلى حيث النادل. يقف أمام مشرب الحانة ولا يلتفت إلى الثلاثة الجالسين على الطاولة.. ينظر السكران حوله يتفحص المكان ثم يقول:
السكران: مكان جميل .. نعم جميل.. الألحان.. الغناء.. الشراب (يمد رأسه وراء النادل حيث الملهى الداخلي) يا سلام مكان هادئ.. شقراوات سمراوات وخيرات كثيرة.. أعطني كأساً أيها النادل..
يعدّ النادل له كأساً، يناوله إياه، فيخرج السكران النقود ويعطيه ثمن الكأس ثم يعود ليسأل النادل..
السكران: قل لي أيها الساقي الطيب ما اسمك؟
النادل: (وهو يمارس عمله في إعداد الأطباق والأقداح)
ابن الخطيب..
السكران: (وقد فوجئ بالاسم، فيبصق ما في فمه من شراب) ابن الخطيب..
النادل: (مستنكراً تصرف السكران) نعم ابن الخطيب.. هذا هو اسمي يا سيدي! ألا يعجبك؟
يتحرك السكران نحو اللافتة المعلقة في مدخل الحانة، يتمعن فيها ويقرأ بتلعثم وبصوت مسموع: "الأندلس".. ثم يعود مترنحاً حيث يقف النادل..
السكران: يا سلام ! "الأندلس" ابن الخطيب، إذن هو أنت! أنت ابن الخطيب المتوفى عام 776هـ .. يا سلام !
جادَك الغيثُ إذا الغيثُ هم يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
يتوقف فجأة عن الترنم والغناء والترنح ليخاطب النادل
السكران: قل لي يا ابن الخطيب..
النادل: (على مضضِ وبقرف) نعم، نعم يا سيدي تفضل..
السكران: قل لي أين صاحبك أبو البقاء؟
النادل: (ينظر إليه في استغراب ودهشة وقد ضايقه السؤال الغريب).. أبو البقاء؟ من أبو البقاء أيها السيّد؟
السكران: أبو البقاء! أبو البقاء الرَنْدي المتوفى سنة 684 هـ يا سلام (يترنم ويتمايل ويتظاهر بجدية مفتعلة) لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ.. (يتلعثم) نقصا.. املأ الكأس أيها الساقي، لا أحب النقصان..
النادل: (وهو يصبّ الشراب ويقدّمه للسكران)
أنا ابن الخطيب يا سيدي من هذه المدينة، هل تفهمني يا سيدي؟ يشير بحركات تعني أن السكران لا يعي شيئاً..
أبو اللسان الشاعر: ( ينهض من مكانه يتجه إلى السكران ويتوجه بالحديث إليه) أكمل.. أكمل أيها الرجل المفوّه..
فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ.. يا سلام! رحمك الله يا أبا البقاء..
السكران: ( وقد انتبه إلى الرجل وإلى الطاولة التي يجلس عليها الاثنان الآخران، يحملق فيهما، يدعك عينيه وكأنه لا يصدق، يتجه نحو الطاولة، يقترب منها أكثر، يدعك عينيه مرة أخرى، يرشف من كأسه ثم ينفجر ضاحكاً):من؟ ( ينظر في وجه كل واحد من الثلاثة على حدة) يا الهي! أنا لا أصدق.. مجلس الحكمة بكامله هنا! هل لديكم اجتماع فكري (يقهقه) أبو اللسان الشاعر، صاحب الدواوين الفاخرة ذات الطباعة الأنيقة.. رجل المناسبات ( يتحرك في اتجاهات متعددة من المسرح) صوره في كل المجلات.. أنت هو أبو..
أبو اللسان: (يقاطعه مزهواً) نعم.. نعم أنا هو! هل تعرفني
السكران: (يقاطعه) طُز! طُز! فيك وفي شعرك ودواوينك وفي كل الذين يصفقون لك ويتملقونك (يجرع من كأسه) ننهض من وجع الفقراء (يقلّده في سخرية) نصعد من روح الشهداء.. ! أنت لا تعرف شيئاً عن الفقراء يا هذا ولا تنتمي إلى الشهداء.. عبارات ترددها ولا تعرف وجعها.. أنت لا تعرف عن هؤلاء شيئا (يشير إلى الجمهور) لا تعرف عنهم شيئا..
أبو اللسان: (بعصبية) أيها النادل، اخرج هذا المعتوه من هنا.. أخرجه بسرعة..
يسرع النادل متّجهاً إلى السكران، يمسكه، يجرّه نحو الباب، يتحرّك معه السكران قليلاً، ثم يتوقفان قرب مدخل المسرح، يخرج السكران من جيبه بعض النقود، يلتفت إلى الثلاثة الجالسين على الطاولة، يدس النقود في يد النادل فيتراخى عنه ويتحرك ليعود السكران حيث يجلس الثلاثة .. يقترب من أبي الكلام الكاتب:
السكران: وأنت! ألست أبا الكلام الكاتب؟ رجل المقابلات الناريّة والدراسات البخارية.. رجل المؤتمرات والندوات والمتحدّث في كل الموضوعات! أنت هو..
أبو الكلام: (ببرود) نعم.. نعم أنا هو هل قرأت كتابي..
السكران : (يقاطعه) أنت وكتاباتك وندواتك على ( يحرك يديه بإشارات إلى أعلى ثم أسفل، ثم تستقر يديه إلى أسفل) على حذائي.. هذا الحذاء المهتريء.. أنت في عالم وهؤلاء الناس (يشير إلى الجمهور) في عالم آخر…
أبو الكلام : (بانفعال) أيها النادل اللعين أخرج هذا الشيطان من هنا، أخرجه بسرعة..
يسرع النادل متّجهاً إلى السكران مرة أخرى، يمسك به ويجرّه نحو مدخل المسرح، يتحرّك السكران معه، ثم يتوقفان قرب المدخل، يخرج السكران من جيبه بعض النقود، يدسّها في يد النادل خفية، يتراخى معه، ثم يتركه. ليعود السكران حيث الثلاثة الجالسون.. يقترب من أبي البيان الفاهم ليقول:
السكران : (يحملق في أبي البيان) وأنت يا سيدي.. أنت أيها المعلّم.. صاحب المعارف والآداب صاحب الاسم الرنّان.. أنت أبو البيان الفاهم.. بل أبو البيان العاجز (يبصق ما في فمه من شراب) تفه.. الناس ليسوا في حاجة إلى بيانك، بل في حاجةٍ إلى وجودك بينهم. بفكرك بعلمك، في قراهم ونجوعهم، ليس على الورق وفي الندوات، كلكم منافقون، أنتم هاربون عاجزون.. جبناء.. جبناء…
يسند أبو البيان الفاهم رأسه على الطاولة متأثراً، في حين يعود أبو اللسان الشاعر إلى الصراخ مرة أخرى:
أبو اللسان: لا! هذا لا يحتمل، أيها النادل أيها المتآمر أخرج هذا المخبول من هنا.. لقد أفسد ليلتنا، أخرجه فوراً. وإلا..
يسرع النادل متّجهاً إلى السكران، يمسكه بقوة ويدفعه نحو الباب، يتوقفان قرب المدخل، يدسّ السكران يديه في جيوبه ثم يخرج بطانتهما، ثم ينظر إلى النادل ويهز رأسه فيدفعه النادل بقوة إلى خارج الحانة، لكن صوته يصل إلى المسرح وهو يردد: (من خارج المسرح) أيّها المنافقون الدجّالون، الناس يسحقون وأنتم تتفرجون أيّها الجبناء أيّها العجزة …
يسيطر على الحانة جو من السكون (تصمت الموسيقى) ويجلس الثلاثة على الطاولة (لحظات...) تنبعث الموسيقى مرة أخرى، يتسمّر النادل في مكانه ينقل نظره بين الثلاثة الواجمين، ثم ينصرف إلى عمله..
أبو البيان: (يرفع رأسه ويدعك عينيه) لقد نبش هذا الرجل أعماقنا، هزَّ كياننا..
أبو الكلام: لقد نبش جراحاً اعتقدنا أنها برئت..
أبو اللسان : لكنه تكلم بوقاحةِ غريبة..
أبو البيان: (في تأثرٍ واضح) تقصد تحدّث بصراحةٍ موجعة! أعترف لكم لقد مللت هذه الحياة وهذا النفاق. هذا الرجل كشف حاجتنا لأن نرى أنفسنا، أن نتساءل من نحن؟ ما دورنا في هذه الحياة؟
أبو الكلام: وماذا يمكن أن نفعل في ظل هذا الواقع؟
أبو البيان: نحن قابعون متبلدون، لماذا لا نجرّب؟
أبو اللسان: نجرّب؟ ماذا نجرّب؟ وهل سيتركوننا لنجرّب؟
أبو البيان: نذهب إلى القرى، ننزل إلى النجوع والحارات الشعبية، نشارك الناس في حياتهم وهمومهم.
أبو الكلام: هاأنت تقتنع بما قاله ذلك المعتوه..
أبو البيان: ذلك الرجل أعقل منّا جميعاً، ثم أنا أتحدث الآن عمّا يدور في داخلي.. لماذا لا نذهب إلى قرانا ونجوعنا؟ يجب أن نحاول وقف هذا الانهيار لا بد أن نحاول …
أبو اللسان: ولكن .. هل أنتم واثقون من..؟
أبو البيان: لا داعي للتردد، لا بد من المحاولة هيا لنقسم على ذلك..هيا.
يضع الثلاثة أيديهم على الطاولة. تشتبك الأيادي في حركة تدل على العهد. وهنا يصدر صوت يشبه الرعد والريح والمطر، يأتي الصوت من خارج المسرح من أعلى مزمجراً فيلتفت الثلاثة في حركة تساؤل واستغراب، ثم يتحركون نحو الباب يستوقفهم النادل عند الباب، يطلب منهم الحساب، يخرجون كل ما في جيوبهم من نقود ويقدمونها للنادل، ثم يخرجون…

وتسدل الستارة










الفصل الثاني


المشهد الأول
تفتح الستارة على منظر قرية جبلية، شارع كبير وسط القرية وفي منتصف الشارع صخرة، تبدو من بعيد بعض البيوت والأشجار.. ويدخل الراوي إلى المسرح..
الراوي: أيها السادة أيتها السيدات شاهدتم ما كان من أمر الثلاثة والسكران، وها قد قرر الحكماء أن يذهبوا إلى القرى ويهبطوا إلى النجوع والحارات الشعبية ليعيشوا مع الناس ويتعرفوا على همومهم عن قرب .الآن فقط استطاع أبو البيان أن يصل إلى قرية الجبل، قريته التي غاب عنها ليصلها بعد صعوبات عديدة.. وقرية الجبل أيها السيدات والسادة، هذه القرية (يشير إلى القرية) يحكمها التابع بن ذيلان.. ومستشاره فيها ابن غادر المعذرة دائماً أسترسل في الحديث، لماذا لا تتابعون الأحداث بأنفسكم. أدعوكم الآن للدخول إلى قرية الجبل، وها هو أبو البيان يدخلها معكم..
ينصرف الراوي ويأتي صوت أبي البيان من خارج المسرح وهو ينادي على أحد الرجال لكن أحداً لا يجيب. يدخل أبو البيان إلى المسرح مرهقاً معروقاً، يحمل في يده حقيبة تشبه حقائب المدرسين، يقف في وسط الشارع، قرب الصخرة وي
أبو البيان: عجيب أمر هؤلاء الناس.. لا أحد يجيبني، كأن الناس لا يسمعون، لا يعقلون. آه.. لأسترح قليلاً هنا.
يجلس بجوار الصخرة، وبعد لحظات يدخل رجل يرتدي ثياب تراثية مضحكة، يحملق في الهواء، ويشير بيديه إشارات غامضة ولا يلتفت إلى أبي البيان، ينهض أبو البيان ويلحق به..
أبو البيان: أنت.. أنت يا هذا.. أنت يا أخ، هل تدلّني على.. آه إنني أعرفك.. أنت حسن، نعم حسن الزهراوي.. نعم أنت هو، ألا تعرفني؟ أجبني يا حسن أنا أبو البيان.
يواصل الرجل سيره دون اكتراث وكأنه لا يسمع ولا يرى، في حين يعود أبو البيان إلى الصخرة وقد شعر بالضيق...
أبو البيان: شيء عجيب! ماذا جرى لهؤلاء الناس؟
(يجلس ويسند رأسه على الصخرة) وبعد قليل يدخل رجل آخر، يسير مثل المعاقين، يميل برأسه ويعلّق إحدى يديه ويجر إحدى رجليه، يلحق به أبو البيان ويحدّثه..
أبو البيان: أنت يا أخ.. أيها الرجل هل تدلني.. آه أنت سعيد القمحاوي، ألا تعرفني؟ يا سعيد أنا أبو البيان، ألا تجيبني؟
يذهب الرجل دون اكتراث بأبي البيان، ليعود أبو البيان إلى الصخرة، وبعد قليل يدخل رجل ثالث يمشي على يديه ورجليه بسرعة، يمرُّ أمام أبي البيان، يلحق به أبو البيان ويقف أمامه، يحاول الرجل الاستمرار في السير، يمنعه أبو البيان ويخاطبه..
أبو البيان: أنت يا هذا! اسمعني لماذا لا تنهض (ينظر في وجهه) أظنك عبد الله البحراوي، أنا أعرفك، هل تجيبني؟ تكلم يا عبد الله..
يتمكن الرجل من الإفلات ويسرع منطلقاً على قدميه ويديه إلى الناحية اليسرى من المسرح، فيعود أبو البيان إلى الصخرة يائساً.. يخرج من الحقيبة زمزمية ماء، يأخذ جرعة منها ثم يتكيء على الصخرة في يأس وإنهاك ويغمض عينيه.. وبعد لحظات يدخل رجل قزم دميم الخلقة، يرتدي ملابس تراثية مضحكة ويتقلد سيفاً خشبياً، وهو كبير الخفراء، يتقدم من أبي البيان، ينظر إليه..
كبير الخفراء: (يركل أبا البيان بقدمه) انهض يا هذا، انهض أيها الغريب.. من أنت؟
ينهض أبو البيان مذعوراً، يدعك عينيه، يتفحص القزم..
أبو البيان: ما هذا؟ ماذا تريد؟ ومن أنت؟
كبير الخفراء:من أنا؟ ها.. ها.. ماذا تفعل هنا أيها الغريب؟ ومن أين أتيت؟
أبو البيان : أنا لست غريباً يا هذا، أنا ابن هذه البلدة، أنا من عائلة الفاهم وكنت مسافراً، من أنت؟ أنا لا أعرفك!
كبير الخفراء: (يحاول أن يرفع صوته الرفيع)أنت لا تعرفني إذن! لا يهم! كل القرية تعرفني، من لا يعرف كبير الخفراء يا هذا؟ من لا يعرف خادم سيدي التابع بن ذيلان المطيع وحارسه الأمين؟!
أبو البيان: قل لي يا (ينظر إلى شكله المضحك) قل لي يا كبير الخفراء، ماذا جرى لأهل القرية؟ لماذا لا يجيبونني، لا يردّون عليّ.. ها.. لماذا؟
كبير الخفراء : لن يجيبوك، أنت تتعب نفسك، لن يردّوا عليك.
أبو البيان: ولكن لماذا؟
كبير الخفراء: لأنهم لا يستطيعون ذلك!
أبو البيان: (ينظر إليه باستغراب)لا يستطيعون ذلك! تعني أنهم...
كبير الخفراء: فقدوا القدرة على الكلام...
أبو البيان: ولكن كيف؟
كبير الخفراء: لا تكثر من الأسئلة أيها الغريب وأنصحك أن تعود من حيث أتيت وإلاّ...
أبو البيان: وإلاّ ماذا؟
كبير الخفراء: وإلاّ ستندم على أنك قدمت إلى هنا.. والآن سأتركك.. سأتفقد القرية ومن الأفضل ألاّ أراك ثانية، هل فهمت؟
ينصرف كبير الخفراء في حين يظل أبو البيان واجماً، يحادث نفسه..
أبو البيان: إنه يهددني! هذه تغييرات غريبة، هذا القزم يهدد ويتوعد، وأهل القرية لا يتكلمون ولا ينطقون! هل أتركهم وأعود من حيث أتيت؟ لا، لا، يجب أن يتكلموا يجب أن يستيقظوا من هذا السُّبات.. يجب أن يدركوا هذا الواقع... سأبقى معهم، نعم سأبقى معهم مهما كلفني ذلك..
يعود في هذه اللحظة الرجل الأول الذي يحملق في الهواء ويشير بإشارات غامضة، يتجه إليه أبو البيان..
أبو البيان: حسن، يا حسن لابد أن تفيق، لا تخش شيئاً، أنا أبو البيان، أنت تعرفني! لقد نشأنا معاً، (يحملق الرجل في وجه أبي البيان) نعم أنا هو، لابد أن تفعل شيئاً، ساعدني يا حسن تعال.. تعال هنا.. (يأخذه بحنان ويجلسه بجوار الصخرة) هذه خطوة جيدة، اجلس لا تخش شيئاً..
يعود الرجل الثاني في هذه اللحظة، يلحق به أبو البيان ويمسكه..
أبو البيان: سعيد يا سعيد، استيقظ، لابد أن تفهم، أن تدرك، أنا أبو البيان، أتعرفني؟ نعم تعرفني يا سعيد، تعال، تعال (يتحرك الرجل معه ولا يقاومه) اجلس هنا، اجلس يا سعيد، لا تخش شيئاً (يجلس سعيد بجوار الرجل الأول)..
يعود الرجل الثالث بعد لحظات، يجري على يديه وقدميه، يعترضه أبو البيان، يمنعه من التحرك ويخاطبه..
أبو البيان: انهض.. انهض يا عبد الله، يا إلهي! أنت معلّم القرية! ماذا حدث لك؟ لابد أن تعود إلى عقلك وعافيتك، أين حيويتك التي أعرفها؟ انهض يا عبد الله..
(ينظر الرجل إليه بدون كلام، يستسلم بين يديه، فيجلسه أبو البيان بجوار زميليه) ثم يجلس هو في مواجهة الثلاثة، يحضر الحقيبة، يفتحها ويخرج منها بعض الكتب..
أبو البيان: حتى ندرك ونفهم ما يجري يجب أن نتحصّن بالعلم، بالمعرفة الصحيحة، هذا سلاحنا في وجه كبير الخفراء والتابع..
ينهض الثلاثة مذعورين عند سماع اسم كبير الخفراء والتابع ويتفرقون في ذعر وخوف، فينهض أبو البيان يلملمهم ويهدئهم ويربّت على أكتافهم بحنان، فيطاوعونه ويجلسون مرة أخرى، وعندما يطمئن على هدوئهم يستأنف حديثه..
أبو البيان: لكي نقف في وجه هؤلاء لابد أن نفتح عقولنا، نستخدمها، هل تسمعونني، هل تفهمون ما أقول؟
(يهز الثلاثة رؤوسهم دون كلام) فيستأنف:وأقترح ألا نضيّع الوقت، لنبدأ من الآن، نعم من الآن (يمسك أحد الكتب) والمعرفة التي أعنيها لا تقتصر على العلوم النظرية، بل العلوم التطبيقية أيضاً- الطبيعة، الكيمياء، الزراعة، الصناعة وغيرها. لكننا سنبدأ بالتاريخ، يجب أن نقرأ التاريخ جيداً...
ينهض أحد الرجال الثلاثة رافضاً الجلوس ومحتجّاً بالإشارات على صاحبه...
أبو البيان: ما بك يا حسن؟ لماذا نهضت؟
يشير حسن إلى صاحبه واضعاً يده على أنفه مشيراً أن رائحة زميله كريهة..
أبو البيان: لا بأس. تعال يا حسن واجلس هنا بعيداً عنه, نعود إلى التاريخ...
يقول التاريخ أيها الأصدقاء أن الظلم لا يدوم وأن الشعوب المقهورة لابد وأن...
ينهض الرجل الثاني من مكانه ساخطاً متبرماً بالإشارات...
أبو البيان: ماذا بك أنت الآخر؟ لماذا نهضت؟
يشير الرجل إلى جاره ببعض الإشارات...
أبو البيان: أنت ترفض أن تجلس مع عبد الله في مكانٍ واحد(يهزّ الرجل رأسه بالإشارات) فهمت لأنه من قبيلة الزهراوي؟ (يهزّ الرجل رأسه بالإيجاب) آه ولأنه عدو لقبيلتكم؟ (يهز الرجل رأسه بالإيجاب) من أين أتيت بهذه الأفكار؟ (يهزّ الرجل رأسه بإشارات تدل على القزم والتابع). من كبير الخفراء وأعوان التابع بن ذيلان؟ هذا كلام غير صحيح.. اجلس... اجلس يا سعيد.. إنهم يخدعوننا، إنهم يزرعون الحقد في نفوسنا ليكبروا وينتصروا بضعفنا.. والآن لنكمل- ويقول التاريخ أن الظالم لا يخشى الضعفاء المتفرقين ولا يحسب إلا حساب الأقوياء المتحصنين بالمعرفة..
ينهض الرجل الثالث مستنكراً محتجاً على جاره..
أبو البيان: ما بك يا عبد الله؟ لماذا نهضت؟
(يشير عبد الله بيديه ببعض الإشارات) تقول أن حسن من حزبٍ معادٍ وقد تحالف مع التابع؟ (يشير برأسه بالإيجاب) لا أعتقد هذا يا عبد الله، بل خدعوهم وأغروهم بالسلطة... اجلس اجلس هنا يا عبد الله.. والآن لننتقل إلى العلوم الأخرى الطبيعة والكيمياء والزراعة والصناعة، ما رأيكم؟
يهز الثلاثة رؤوسهم بالإيجاب وقد بدت عليهم الحيوية والنشاط، يقتربون من أبي البيان، يتدارسون الكتب الواحد تلو الآخر، ومع تغيّر الكتب تظهر أصوات الثلاثة واضحة يناقشون ويحللّون...
يدخل كبير الخفراء فجأة، ينظر إليهم في دهشة فيصاب بالذهول..
كبير الخفراء: ما شاء الله ما هذا؟ ماذا أرى؟ يا إلهي! هذه مصيبة كبرى...
يتقدم كبير الخفراء نحو أبي البيان، يحاول خطف الحقيبة والكتب منه، يقف الرجال الثلاثة في وجهه، يسترون أبا البيان وراءهم ويحمونه من كبير الخفراء، يتقدمون نحو كبير الخفراء الذي يتراجع ويتقهقر أمامهم.
كبير الخفراء: ماذا جرى لكم؟ أيها التعساء، هل جننتم؟ أنا كبير الخفراء خادم مولاي التابع بن ذيلان! كيف تجرؤون على هذا؟
يتقهقر كبير الخفراء ويتقدم الرجال نحوه، يصرخون في وجهه إلى أن يصل خارج المسرح ويسمع صوته من الخارج مردداً: لقد تغيّرتم، لم تعودوا نعاجاً، غيّركم هذا المعلّم، نعم غيّركم، لكنكم ستندمون.. ستندمون..
يلتفّ الثلاثة حول أبي البيان ويشيرون إليه بمواصلة التعليم...

وتسدل الستارة













المشهد الثاني
تفتح الستارة على قرية الجبل، نفس الشارع مع بعض التغيّرات، حيث توجد مكتبة القرية ويقف أمامها عبد الله، وبجوارها معمل ومختبر القرية بجواره شارع وهناك سهم يشير إلى المدرسة والمزارع وفي الجهة اليسرى مصنع القرية ويقف أمامه حسن، أما سعيد فيحمل فأساً في طريقه إلى المزارع.. يدخل أبو البيان، يتوقف بجوار عبد الله.
أبو البيان: كيف حال المزارع يا سعيد؟
سعيد: كل شيء على ما يرام لكنني أتوقع المفاجآت
أبو البيان: تعني التابع وأعوانه؟
حسن: (يقترب ويتدخل في الحوار) وهل هناك غيرهم؟
عبد الله: (يقترب ويتدخل بدوره في الحوار) أعتقد أنهم لن يقبلوا ما حدث بسهولة..
سعيد: سنقاومهم، سنتصدى لهم..
يدخل في هذه اللحظة كبير الخفراء ومعه اثنان من الشرطة يحملان صندوقاً خشبياً..
كبير الخفراء: الله، الله ما هذا؟ هذا رائع..(ينظر إلى المصنع والمكتبة والمختبر) ها أنا قد عدت إليكم بخبرٍ عظيم.. عَلِم مولانا بما جرى وأصدر فرماناً هاماً.
يخرج ورقة ملفوفة من الصندوق، يفتحها فتطول حتى تجرّ على الأرض يقرأ الفرمان:
فرمان صادر من صاحب العظمة مولانا التابع بن ذيلان حاكم قرية الجبل. يتم تعيين أي الفاهم، ابن القرية البار قائماً ومشرفاً على مركز الصداقة والتعاون ويُسلَّم مفاتيحه أمام الناس.. انتهى القرار..
يفتح الصندوق ويخرج منه سلسلة من المفاتيح الخشبية ويتقدم ليقدمها لأبي البيان.
أبو البيان: ولكن، ولكن ما هو هذا المركز يا كبير الخفراء، ما طبيعة عمله؟
كبير الخفراء: مركز ثقافي حضاري اقتصادي، هدفه تدعيم العلاقة مع أصدقائنا الأعاجم المتقدمين المتنورين..
أبو البيان: (منشرحاً) عظيم، عظيم، هذا المركز هام، يسعدني أن أتسلّم..
عبد الله: (يقاطعه ويعترض تسلمه للمفاتيح) لا تتعجل أيها المعلّم يجب أن تعرف حقيقة هذا المركز.. ما يدور في هذا المركز لا يمت للثقافة أو الحضارة بصلة، بل هو وكر للتآمر، للرذيلة والفسق..
كبير الخفراء: أنا لا أقبل هذا.. هذه إهانة كبيرة، إهانة لمولانا الحاكم، أنا لا أقبل أن توصف هذه الأماكن الحضارية بهذه النعوت الهابطة والسوقية..
سعيد: نعوت هابطة وسوقية! أيها الخنزير.. اسمع أيها المعلم، أما الطابق الأول من هذا المركز فهو حانة كبيرة للقمار والرقص والمجون..
حسن: وأما الطابق الثاني يا حضرة المعلم فهو نادي ثقافي في الظاهر طبعاً، وهو في الحقيقة مركز لجمع المعلومات عن أهل القرية والقرى الأخرى، وهو مركز أيضاً لنشر الدعوات الكاذبة والإشاعات المفسدة الهدّامة..
عبد الله: أما الطابقان الأول والأرضي أيها المعلم فهما سجن ضخم.. نعم أيها المعلّم سجن كبير يضم أشباحاً وهياكل من البشر، هذه الأشباح والهياكل هم أخوتنا وآباؤنا وأهلنا الذين اختطفوا من بيننا، خطفهم هذا الخنزير ورجاله (يشير إلى كبير الخفراء) ولا نعرف عنهم شيئا.. أما الأدوار العليا فهي…
أبو البيان: كفى .. كفى.. أيها الوغد (يوجه حديثه إلى كبير الخفراء) انصرف انصرف من أمامي قبل أن أحطم رأسك.. انصرف فوراً..
يأمر كبير الخفراء رجاله بحمل الصندوق، ويتوجه إلى خارج المسرح في حين يردد:
كبير الخفراء: أنتم توجهون الإهانات إلى خادم الحاكم، أنتم ترفضون فرمان الحاكم وتعصون أوامره، تذكروا ذلك..
ينظر الرجال الأربعة إلى بعضهم، في حين يخرج كبير الخفراء من المسرح، تسود لحظات من الوجوم:
عبد الله: غريب! أنا لا أفهم سبباً لهذا العرض.
حسن: يريدون توريط المعلّم معهم..
سعيد: هل تعتقدون أنها المحاولة الأخيرة؟
أبو البيان: يجب أن نثبت لهم أننا أقوياء، هيا، هيا نعود إلى العمل، إلى العلم، هيا..
ينصرف الجميع إلى أعمالهم، أبو البيان يرتب المكتبة، وحسن يعمل في المصنع وسعيد يتجه إلى المزارع وعبد الله يرتب المختبر..
وبعد قليل يدخل كبير الخفراء ، فيمتعض الرجال بدخوله لكنهم ينتظرون أخباره..
كبير الخفراء: فرمان جديد من مولانا الحاكم التابع بن ذيلان:(يفتح لفة فتسقط لطولها وتصل إلى الأرض) الفرمان: تقديراً لجهود المعلّم أبي البيان الفاهم، ابن القرية البار، وبعد نجاحه في الاختبار السابق قررنا نحن حاكم قرية الجبل التابع بن ذيلان ما يلي:
يعيّن أبو البيان الفاهم وزيراً للثقافة والآداب وينفذ الفرمان في الساعة والتاريخ..
ينظر الرجال الأربعة إلى بعضهم مندهشين، يبتعدون عن كبير الخفراء ويتشاورون، ثم يعودون إلى كبير الخفراء..
أبو البيان: لا بأس، لقد اتفقنا على قبول المهمة من أجل مصلحة القرية وسعياً إلى نشر الثقافة الجادة.. يا كبير الخفراء بلّغ الحاكم أنني قبلت المسئولية وأدعو الله أن يلهمني السداد والتوفيق، بلغ شكري وتقديري للحاكم المبجل..
كبير الخفراء: ما دمت قد قبلت المسئولية فان مولانا الحاكم يبلغك أنه سيقوم بزيارة القرية للإطلاع على إنجازاتكم العظيمة..
أبو البيان: على الرحب والسعة.. أتشرف بزيارة مولانا الحاكم..
ينصرف كبير الخفراء ورجاله في حين يعود الرجال للاستعداد لاستقبال الحاكم. يتشاور الرجال ويرتبون المكتبة والمختبر والمصنع ويذهب أحدهم إلى المزارع.. وبعد قليل.. تسمع جلبة وأصوات بوق ودقات طبول خارج المسرح، ثم يدخل الجنود ويتفرقون في المسرح بصورةٍ مضحكةٍ. يفتشون في كل مكان.. يدخل بعدهم كبير الخفراء، يقف عند مدخل المسرح ليعلن.
كبير الخفراء: (يتظاهر بانضباط رغم هيئته المضحكة) مولانا حاكم قرية الجبل التابع بن ذيلان – أطال الله عمره وأبقاه ذخراً للشعب..
يدخل التابع ومعه مستشاره ابن غادر وحاشية من رجال الأمن والشرطة. ويبدو على الجميع هيئات مضحكة وملابس متناقضة مبرقعة.. وخاصة الحاكم التابع فهو شخص نحيف لكنه يرتدي ملابس فضفاضة واسعة وقد علّق على جنبه الأيسر سيفاً خشبياً طويلاً، يحك في الأرض لطوله ويتقوس وراءه مثل الذيل.
يسرع الرجال الأربعة لاستقبال الحاكم ويتظاهرون بالمودة رغم تعليقاتهم الجانبية:
التابع بن ذيلان: (يوجه حديثه لأبي البيان) سمعت عن انجازاتك الباهرة وجئت لأطلع على الأمور بنفسي.. أنا سعيد بهذا التغيير يا أبا الكمان.
أبو البيان: أبو البيان، يا مولاي.. وإنني أقدم تقديري لعطفكم الكريم وتعييني وزيراً للثقافة والآداب.. وهنا (يشير إلى المكتبة والمختبر والمصنع) هنا يا مولاي القوة الحقيقية للقرية هنا يا مولاي مصدر التطوير للحكم والناس.. تفضلوا يا مولاي.. تفضلوا..
يتقدم الحاكم لتفقد المنجزات، ويبدأ بالمكتبة.. يتناول واحداً من الكتب:
التابع بن ذيلان: (وقد فوجئ بعنوان الكتاب) ماذا؟ الشورى.. أو الديمقراطية؟ ما هذا؟ هل رأيت يا ابن غادر؟ (يلتفت إلى مستشاره ) الشورى ها… (يتصفح كتاباً آخر).. ماذا أيضاً "الأرض تزهر شهداء" يا سلام! أرأيت يا ابن غادر؟ (في غضبٍ واضح) هذه هي الثقافة هذا هو الأدب! (يتصفح كتاباً ثالثاً) ماذا "أبعاد قضية مرج بن كنعان"
يرتعش الحاكم يلقي الكتاب من يده وكأنه قنبلة يخشى أن تنفجر.. يرتعش ثم يهوي على الأرض بعد قراءة عنوان الكتاب.. يقوم ابن غادر وكبير الخفراء بإنعاشه وإفاقته.. وبعد قليل يفيق ويهذي "قضية مرج بن كنعان" هنا في قريتي.. اللعنة عليك يا كبير الخفراء.. يا ابن غادر أين أنت؟ (يبحث عنه).. أنظر هذه الكتب.. هذه الثقافة الرائعة!! هيا أخرجوني من هنا.. هيا..
أبو البيان: مولاي، مولاي الحاكم المبجل، المختبر، المصنع، المزارع.. هناك تطوير..
التابع بن ذيلان: (مرتعشاً وغاضباً) لا، لا، هذا يكفي، هيا.. يا أبا الكمان.. يا أبا البيان، انتظرك في القصر، اليوم تأتي لمقابلتي.. ها.. اليوم..
ينصرف الحاكم في مظهر استعراضي مع دق الطبول وعزف الأبواق، ثم يعود الرجال الأربعة تظهر عليهم الصدمة من تصرف الحاكم، ينظرون في وجوه بعضهم بدهشة ..
عبد الله: توهمنا أنهم يحبّون القرية، يهمهم تطورها..
سعيد: علينا انتظار المفاجآت لا بد أنهم يخططون الآن..
حسن: إنني قلق من الزيارة التي طلبها التابع..
أبو البيان: لا داعي للقلق، سأذهب الآن لمقابلة الحاكم، دعواتكم المباركة..
ينصرف أبو البيان في حين يذهب الثلاثة كل إلى عمله السابق، وبعد لحظات يدخل كبير الخفراء ومع فرمان جديد:
كبير الخفراء: فرمان جديد لمولاي حاكم قرية الجبل (يخرج الورقة الملفوفة يفتحها فتصل إلى الأرض لطولها :
إلحاقاً للقرار السابق بشأن تعيين أبي البيان الفاهم وزيراً للثقافة والآداب، وخدمةً للشعب والثقافة قررنا نحن حاكم قرية الجبل أن يعيّن المستشار الصديق ابن غادر اليعقوبي نائباً لوزير الثقافة والآداب إضافةً إلى منصبه كوزير للداخلية والأمن العام وينفذ القرار في الساعة والتاريخ..
ينصرف كبير الخفراء ورجاله في حركة استعراضية..
عبد الله: ألا تكفي مصيبة وزير الداخلية والأمن العام..
سعيد: هذه كارثة! أين المعلّم أبو البيان؟
حسن: عليه أن يقدم استقالته، هذه لعبة قذرة..
ينظر الثلاثة في وجوه بعضهم في وجوم، يتركون العمل والنشاط ويبدو عليهم الإحباط.. وبعد قليل يعود كبير الخفراء مرة أخرى.. ومعه بعض الرجال يحملون صناديق من الكتب الجديدة.. يتقدم كبير الخفراء من المكتبة، يلقي ما بها من كتب ويخرج هو ورجاله الكتب الجديدة. يضعونها في أماكن الكتب الملقاة، يحاول الرجال منعهم من ذلك يدفعهم الجنود بعيداً مستخدمين العنف والقسوة هذه المرة.
كبير الخفراء: هذه أوامر نائب وزير الثقافة، هذا التغيير بناءً على أوامره..
عبد الله: (يمسك أحد الكتب الجديدة، يفتحه يجده فارغاً، غلاف يحتوي على أوراق بيضاء فقط..)
عبد الله: ولكنها فارغة، هذه أغلفة كتب فقط! لا يوجد بها أي لون من ألوان المعرفة! ما هذا الهراء؟
كبير الخفراء: هذا أفضل.. ثم إنها أوامر النائب ابن غادر كما قلت..
سعيد: هذه مؤامرة فظيعة أين أبو البيان؟ نريد أن نراه..
كبير الخفراء: لا تتعبوا أنفسكم، صاحبكم، أعني الوزير أبا البيان اطّلع على القرارات الجديدة وهو الآن في مقر ابن غادر بعد مقابلة الحاكم العظيم…
حسن: أنت كاذب.. ( يتقدم نحو كبير الخفراء لكن الجنود يمنعونه) ينصرف كبير الخفراء وجنوده، في حين يصاب الثلاثة بوجومٍ وإحباط..
عبد الله: لقد تأخر أبو البيان عند الحاكم.
سعيد: أو عند ابن غادر!
حسن: لا تتعجلوا انتظروا المعلم، لا بد أن لديه الحل..
يدخل أبو البيان في هذه اللحظة وقد ارتدى ملابس أنيقة وقبعة ويبدو أنه في عجلةٍ من أمره، يلقي التحية على الرجال ببرود ويتحرك بسرعة.
أبو البيان: (وهو يتحرك ويدور) المعذرة أنا مشغول، مشغول جداً هناك وفود أجنبية، هناك اجتماعات، لقاءات..
عبد الله: لكننا نود الحديث معك.. نحن في حاجة إليك.. هناك أشياء خطيرة حدثت.
أبو البيان: فيما بعد، فيما بعد، أنا مشغول..
حسن: لقد عينّوا ابن غادر نائباً لك، لقد غيروا الكتب و…
أبو البيان: (وقد وصل إلى باب المسرح الأيمن) لا بأس لا بأس فيما بعد، فيما بعد..
ينصرف أبو البيان تاركاً الرجال في حيرتهم ودهشتهم، ويجلس الرجال الثلاثة متجاورين في إحباط واضح.. وبعد قليل يدخل كبير الخفراء ومعه الشرطة يهجمون على المختبر والمصنع ويكسرون كل شيء ثم يقبضون على الرجال الثلاثة بعنف ويكيلون لهم الشتائم والضرب..
كبير الخفراء: (وهو يضرب الرجال ويؤذيهم) لقد حذرتكم أيها النعاج، ها قد هرب صاحبكم، هرب وترككم تواجهون مصيركم القاسي لقد خان معلمكم القرية والوطن، هرب الجاسوس المتآمر، نعم أنتم متآمرون مثله، خونة هيا (يأمر الشرطة) دمروا كل شيء، دمروا هذا العبث..أزيلوا هذه القذارات.. يحاول الرجال التخلص من قبضة الشرطة ومنعهم من تدمير المختبر والمصنع والمكتبة، يصرخون ويشتبكون مع الشرطة ويصرخون: سنعود للبناء، للمعرفة..
وهنا يصدر نفس الصوت الذي سمع في نهاية الفصل الأول، صوت شبيه بالرعد والبرق والمطر والريح، يزمجر الصوت فيلتفت الرجال والشرطة، يحاولون معرفة مصدر الصوت، الصوت يزداد عن المرة الأولى.. ينظر الرجال والشرطة لمعرفة مصدر الصوت دون فائدة..

وتسدل الستارة











الفصل الثالث



المشهد الأول
تفتح الستارة على حانة الأندلس بنفس الوضعية السابقة، يدخل الراوي..
الراوي: أيها السيدات والسادة، شاهدتم كيف هجم كبير الخفراء وأعوان التابع على قرية الجبل ودمروا كل شيء واشتبكوا مع أهل القرية، وسمعتم كبير الخفراء وهو يعلن أن المعلم أبا البيان قد هرب بعد اكتشافه في قضية تآمر على الحاكم.. لكن هل كان كبير الخفراء صادقاً؟ وأين ذهب المعلم أبو البيان؟ آه، لقد نسيت أن أحدثكم عن صاحبيه، أعني أبا اللسان الشاعر وأبا الكلام الكاتب.. لقد كانت لكلٍّ منهما حكاية أيضاً.. يا إلهي.. اعذروني، حقاً أنا في غاية الحرج لهذه الإطالة، دائماً ينزلق لساني وأثرثر.. ولا أترككم تتابعون الأحداث بأنفسكم.. وهذا ما سأفعله الآن، فوراً، سأترككم في هذه الحانة حيث تكتمل حكايتنا، حكاية فرساننا الثلاثة، بل الأربعة.. إلى اللقاء..
ينصرف الراوي بسرعة، فتضيء الحانة وتنبعث الموسيقى، ويظهر النادل الواقف خلف المشرب يترنم مع الموسيقى.. وبعد لحظات يدخل رجلان ملثمان وفي حذرٍ شديد يتفحصان الحانة، ينظر النادل إليهما باستغراب، يتقدم إليهما محاولاً منعهما، يشيران إليه بإشارات تهديد ويبرز أحدهما خنجراً لامعاً.. ينكمش النادل ويعود حيث يقف خلف المشرب في خوف، يتحرك الرجلان في زوايا الحانة يفتشان في كل شيء، ثم يجلسان حول إحدى الطاولتين، يشيران إلى النادل فيسرع إليهما في خوفٍ وقد اعتقد أنهما من رجال الشرطة أو من رجال العصابات..
النادل: (وهو ينحني بأدب وخوف) سمعاً وطاعة أيها السيدان المبجلان، ابن الخطيب في خدمتكما، اطلبا ما تشتهيان..
الرجل الأول: قبل أن تحضر شراباً أجبني أولاً أيها الخادم هل دخل هنا رجل، أعني رجلاً متخفياً، يبدو غريباً هارباً؟ أجب هيّا!
النادل: (وقد بدا عليه الرعب) رجلٌ متخفّ؟ كيف؟ هارب؟ لماذا يهرب الناس؟.. وهل يأتي الهاربون إلى هنا يا سيدي؟
الرجل الثاني: لا تثرثر كثيراً أيها المعتوه، أجب على قدر السؤال، هل حضر إلى هنا، شخص ملثّم، يخفي ملامحه.. و.. يحمل حقيبة، نعم حقيبة تشبه حقائب أولئك الذين يعلمون في المدارس والكتاتيب؟ أفهمت الآن أيها الغبي؟
النادل: لا لا يا أيها المبجّل لا لم يحضرأي مشبوه إلى هنا..
الرجل الأول: حسناً، انصرف الآن واحضر لنا شراباً طيباً، ولا تنسى المقبّلات، ها المقبلات..
النادل: (ينحني ثم يتحرك) على عيني أيها المبجلان..
ينظر الرجلان تجاه مدخل المسرح، يتهامسان ويتفحصان المسرح مرة أخرى بعيونهما، ويراقبان مدخل المسرح..
الرجل الأول: أين سيذهب؟ لابد أنه سيعود إلى هذه الحانة.. لا مكان آخر له الآن..
الرجل الثاني: لولا ذلك الزحام، أولئك الصبية لما فقدنا أثره.. كنا على وشك الإمساك به.. اللعنة..
الرجل الأول: أتظن أنه علم بما جمعنا عنه من معلومات، معرفتنا لهذه الحانة مثلاً..؟
الرجل الثاني: كيف سيعلم وقد هرب من القرية...؟
يحضر النادل صينية مليئة بالأكواب والمقبلات، يصمت الرجلان عن الحديث عند اقترابه، يضع النادل الصينية، ينصرف وهو في نفس الحالة من الخوف والذهول.. يجرع الرجلان الشراب، يتناولان بعض المقبلات، يرقبان مدخل المسرح، يهمسان ويتشاوران، ثم يقرران الانصراف فجأة.. ينظر النادل إليهما لكنه لا يجرؤ على طلب النقود.. يصلان مدخل المسرح لكن أحدهما يعود ويعطي النادل نقوده، يأخذها ويبتسم للرجلين، ينحني في أدب وخوف، ثم يخرج الرجلان من المسرح ويبقى النادل وحيداُ...
النادل: (يتنهد ويجفف عرقه) أف ما هذا؟ هذان الرجلان مخيفان.. كادت روحي أن تخرج من بين أضلعي عندما لمع ذلك الخنجر اللعين.. لكن من يكونا يا ترى؟ من رجال الشرطة أم من رجال العصابات؟ أم.. أم ماذا؟ لعلهما لاهيان، مجرد لاهيين، فقط.. لقد دفعا قيمة الشراب! وهذا ما لا يفعله رجال الشرطة أو رجال العصابات..
يدخل في هذه اللحظات أبو اللسان الشاعر وأبو الكلام الكاتب، وقد جرّ أحدهما الآخر، وقد بدا أبو الكلام أنه لا يرى، في حين يبدو أبو اللسان أنه لا يسمع ولا يتكلم.. يقتربان من إحدى الطاولتين، يجلسان وسط ذهول النادل الذي لاحظ حالتهما.. يقترب منهما ويسلّم عليهما..
النادل: هذا أنتما! ماذا أرى؟ ماذا جرى لكما؟
أبو الكلام: مرحباً بك يا ابن الخطيب، ها قد عدنا ثانية ولكن كما ترى أنا لا أسمعك وصديقي هذا لا يراك.. طبعاً ترغب في معرفة حكايتنا.. أحضر لنا ما يطفيء نار قلوبنا أيها الصديق أولاً ثم سأروي لك الحكاية بعد ذلك..
ينصرف النادل ليعدّ لهما الشراب ويتمتم..
النادل: هذه ليلة عجيبة، أشياء غريبة تحدث هذه الليلة، لعلّ أشياء كثيرة حدثت وأنا قابع في هذه الحانة.. وكيف أعرف وأنا لا أغادر هذه الحانة.. (ينظر إلى الرجلين) "الأعمى والأطرش"، أذكر أنني قرأت رواية بهذا الاسم.. كيف حدث لهما ذلك، لابد من معرفة الحقيقة..
يدخل في هذه اللحظة رجل ملثم يرتدي كوفية، يحاول إخفاء ملامحه ويحمل حقيبة في يده، يدخل بحذر، يتفحص الحانة ثم يتقدم وينظر النادل إليه، ويصاب بالدهشة..
النادل: غير معقول! هذا هو الرجل.. ملثّم، يخفي ملامحه، يحمل حقيبة تشبه حقائب المدرسين.. نعم هو! نفس الأوصاف.. ألم اقل أنها ليلة عجيبة، ليلة ملعونة، اشعر أن كارثةً ما ستحدث.. أنت.. أنت.. (يقترب منه، يقبض عليه بعنف و يجرّه بقسوة) أنت يا هذا! أتريد أن تخرّب هذه الحانة، سأحضر لك الشرطة..
يرفع الرجل اللثام عن وجهه، وينظر إلى النادل في دهشة..
النادل: (وقد فوجئ برؤيته) من؟ سيدي أبو البيان؟ لماذا تخفي وجهك؟ هذه الكوفية لماذا؟.. عفواً حسبتك.. لقد حضر رجلان.. ولكن لا.. أنا أعرفك ، أنت رجلٌ محترم..
أبو البيان: ما هذا اللقاء البارد يا ابن الخطيب؟ أهكذا تقابل الأصدقاء؟ لا.. لا.. أنا مصاب بوعكة وأتدثّر بهذه الكوفية خشية البرد.. هل هذا غريب؟
النادل: معذرة يا سيدي معذرة.. ولكن.. ولكن، أين كنت هذه المدة؟
أبو البيان: كنت مسافراً، نعم كنت مسافراً (يلتفت فتقع عيناه على الصديقين القديمين) من؟ أبو اللسان؟ وأبو الكلام؟ ..
ينتبه الاثنان إلى وجوده..
أبو اللسان: (وقد سمع صديقه) آآ آبو.. بو ن.ن.ن..
أبو الكلام: ما بك يا رجل؟ إنه صديقنا أبو البيان.. (يحتضنه)
يكتشف أبو البيان أن صديقيه معاقان، أحدهما لا يرى والثاني لا يسمع ولا يتكلم.. يصاب بدهشة، يجلس معهما..
أبو البيان: (يوجه حديثه للنادل) ماذا جرى لهما يا ابن الخطيب؟ ومتى حدث ذلك؟
النادل: لا أدري يا سيدي، لقد دخلا لتوهما، قبل وصولك بلحظات.. كان أبو الكلام على وشك أن يروي ما حدث..
أبو البيان: أرجوك يا ابن الخطيب.. من فضلك أحضر لي شيئاً أطفيء به هذا الظمأ.. أكاد أجن يا ابن الخطيب، أريد أن أعرف كل شيء. (يضع يديه على رأسه ويحملق في صديقيه)..
يدخل السكران في هذه اللحظة ويجيب أبا البيان فوراً..
السكران: أنا أخبرك أيها المعلم الهارب.. أنا سأروي لك حكاية كلٍّ منهما..
النادل: (وقد فوجيء بالسكران) أنت أيضاً هنا.. لا لا.. عقلي لا يستوعب ما يحدث.. كلكم في وقتٍ واحد و...
أبو البيان: لحظة يا ابن الخطيب.. (يوجه حديثه للسكران) أنت تخبرني؟ كيف؟ هيّا تكلّم، ولكن قل لي أولاً من أنت؟ من تكون بالضبط؟
السكران: لا يهم من أكون، ستعرف فيما بعد.. المهم أن صديقك هذا (يضع يده على كتف أبي اللسان).. ذهب إلى قريته "قرية البحر" وهناك استقبله الناس بالترحاب والتقدير، والتفوا حوله، واطمأنوا إليه، أعني المخلصين من أبناء القرية طبعاً.. وباختصار، تعلم أن حاكم قرية البحر "سارق بن عسران" وأعوانه لا يقبلو من ينافسهم في القرية، وأبو اللسان ذاهب كما اتفقتم (ينظر أبو البيان إليه باستغراب لعلمه بذلك) إلى قريته ليعلّم الناس ويعيش معهم همومهم.. وفعلاً بدأ كذلك.. لكن الحاكم أخذه من الناس، أعطاه الأموال، أسكته.. فسكت أبو اللسان عن الكلام المباح.. وعندما اطمأن الحاكم إلى ذلك واطمأن إلى بعده عن الناس، وفي ليلةٍ هادئة قطع لسانه وسمل عينيه، ثم عيّنه وزيراً للدفاع..
أبو البيان: (مندهشاً) ماذا؟ وزيراً للدفاع!
السكران: نعم! أنت لا تصدّق؟
أبو اللسان: (يحاول أن يتكلم وينفي ما يقوله السكران)
آآ كا.. كا.. ذا.. ذا
السكران: انتظر أيها المعلّم.. (يتجه إلى مدخل المسرح ويقف في حركة استعراضية) مولاي حاكم قرية البحر "سارق بن عسران".. ليتفضّل..
يدخل سارق بن عسران في حركة مضحكة.. رجل كثيف الشعر، طويل القامة ويسير بخطواتٍ استعراضية..
السكران: مولاي الحاكم، هل تعرف هذا الرجل؟ (يشير إلى أبي اللسان)
سارق بن عسران: (ينظر في وجه أبي اللسان) من؟ وزيري وحبيبي أبو اللسان.. أين أنت يا رجل؟
السكران: تعرفه إذن؟
سارق بن عسران: كيف لا وقد عينته وزيراً للدفاع! هيا، هيا يا صديقي.. إننا نستعد لحربٍ مع الأعاجم، هيا لترتب الجيوش ونضع الخطط، هيا..
يجذبه من إبطه (يحاول أبو اللسان التملّص) يسحبه معه ويخرج الاثنان من المسرح وسط دهشة الجميع.. أبو البيان والنادل وأبو الكلام.
أبو البيان: هذا غريب حقاً!
النادل: ولكن، من أين تعرف أنت كل هذا؟
السكران: انتظروا.. أما هذا! (يضع يده على كتف أبي الكلام، ينظر أبو الكلام إليه فيشعر أنه سيتحدث عنه لكنه لا يسمعه).. فقد ذهب إلى قريته حسب الاتفاق-ها- وهناك حدث نفس الشيء.. استقبله الناس متلهفين مستبشرين ورأوا فيه المنقذ والمعلم ها.. (يغمز إلى أبي البيان في إشاراتٍ غامضة).. وقد تعلمون أن حاكم قرية البادية "ظالم بن بطشان" يختلف عن سابقه فهو يعتمد في قريته على لعبة ذكية اسمها الديمقراطية، إنه يطبّق الديمقراطية بطريقته.. يعطي الجميع الحق في أن يقولوا ما يشاءون ويفعلوا ما يريدون ويختاروا من يشاءون.. صاحبنا هذا (يربت على كتف أبي الكلام) أعجبته اللعبة فشكّل حزباً (ديمقراطياً) وطبعاً لم يكن يدري أن معظم الذين انضموا إلى حزبه هم من أعوان "ظالم بن بطشان" والذين كانوا يرصدون حركاته وهمساته.. تشجّع صاحبنا وطمع في السلطة.. وتحرّك بحزبه لتنفيذ ذلك.. وكان ما كان..
أبو البيان: وما هو الذي كان؟
السكران: ليس شيئاً مروّعاً.. قُبض عليه وأُدخل غرفة محترمة ثم خرج منها لا يسمع شيئاً.. ولا.. لا داعي لهذه (يعطي إشارة أنه أصبح مخصيّاً) ثم عيّنه الحاكم وزيراً للعدل..
أبو البيان: هو الآخر؟! وزيراً للعدل.. يا للمصيبة!
أبو الكلام: (وقد شعر أن الحديث يدور حوله) إذا كان هذا المعتوه يتحدث عني فهو كاذب، أنا لا أثق به، أنا لم أطمع في السلطة، أنا..
السكران: حسناً، انتظروا (يتجه إلى مدخل المسرح ويقف في حركة استعراضية) مولاي الحاكم "ظالم بن بطشان"، حاكم قرية البادية.. فليتفضّل..
يدخل ظالم بن بطشان، يضرب بيده كل شيء ويلوّح بسيفه للجميع حتى الجمهور يلوّح لهم بالسيف ويتوعّدهم.. يقترب منه السكران، يلاطفه يتودد إليه..
السكران: سيدي حاكم الحكام وملك الملوك وعظيم العظماء , لا أحد هنا يتآمر عليك، كلنا نحبك ونحب حكمك.. فقط نرغب في طرح سؤالٍ واحد، واحد فقط.. هل تعرف هذا الرجل؟ (يضع يده على كتف أبي الكلام)
ظالم بن بطشان: ينظر في وجه أبي الكلام (الذي يحاول التهرب منه) من؟ أنت؟ أبو الكلام، وزير العدل.. ماذا تفعل هنا أيها الوزير؟ (في نبرة حادة) هيّا أمامنا عمل كثير، لا وقت لدينا نضيعه في البحث عنك.. لا وقت لدينا نضيعه في هذه التفاهات.. هيا.. (يمسكه من كتفه بقوة ويجذبه تجاه مدخل المسرح)
السكران: سيدي، سيدي... (يلحق به عند مدخل المسرح)
ظالم بن بطشان: (يشهر بسيفه ويهدده) اسكت أيها الأحمق، هذا وزيري، وزير العدل، أبو الكلام الكاتب.. لدينا قضية هامة وعادلة، أمامنا عملٌ شاق، هيا.. هيا..
يخرجان من المسرح....
يتحرك السكران نحو النادل الواجم المندهش، يطلب منه كأساً ويعدّ له النادل الكأس..
السكران: تريد أن تعرف كيف وصلا إلى هنا معاً، ها؟
النادل: (وهو يعدّ الكأس) نعم، وكأسك هذا على حسابي..
السكران: أنا أوصلت الأعمى، أما الأطرش فقد وصل بفرده فسلّمته يد صاحبه ثم اختفيت..
أبو البيان: (وهو يجلس على الطاولة) ولكن قل لي يا هذا..
السكران: بل قل أنت أيها المعلم؟ لماذا هربت؟
أبو البيان: (وقد فوجيء بالسؤال) أنا؟! أنا لم أهرب! أنا لم أنزلق إلى ذلك الحضيض مثلهما.. أنا.. أنا كنت مع الجماهير، مع الناس..
السكران: ثم تخليت عنهم، تركتهم! واتُّهمت بالتآمر
أبو البيان: هراء.. كذب.. هم الخونة.. ابن غادر وزوجته وأعوانهما.. لقد اكتشفت أشياء كثيرة.. خطيرة.. جمعت الوثائق والأدلة..
السكران: وثائق ماذا؟ قضية مرج بن كنعان مثلاً؟
أبو البيان: نعم نعم وغيرها..
السكران: وبعد..
أبو البيان: وبعد ماذا؟ كنت سأقدمها للحاكم..
السكران: التابع.. ها ها (يضحك ويتحرك في المسرح) وهل تظن أن التابع لا يعرف حقيقة ابن غادر وزوجته وأعوانه وحقيقة المركز الوهمي و...
أبو البيان: تعني أنه...
السكران: نعم، ويعرف أن الاتهامات الموجهة إليك مزيفة وأن الصور التي التقطوها لك مع الأعاجم مزيفة وأن الوثائق التي وجدت مزيفة..
أبو البيان: (يحملق في وجهه ويكتشف أن لا يترنح وأنّه ليس ثملاً، بل يتحدث بلسانٍ صحيح وقوامه صلب متماسك)
اسمع يا هذا أنت تدهشني، من أنت بالضبط؟ وكيف عرفت كل هذه الأشياء؟
السكران: هذا غير مهم، المهم أنك تركت الجماهير.. عملت بمفردك...
أبو البيان: بل كنت أجمع الأدلة والوثائق...
السكران: كيف سيعرف الناس؟.. لقد عملت بمفردك، أخفيت عن الناس وطمعت في المناصب والمراكز..
يترك النادل المشرب في هذه اللحظة ويدخل الحانة الداخلية حاملاً صينية عليها بعض الأطباق والكؤوس..
أبو البيان: أنا... أنا طمعت...
السكران: نعم.. كنت تريد كشف ابن غادر للحاكم ليصفو لك الجو.. تريد أن تصبح ساعد الحاكم الأيمن ثم تنتقل بعد ذلك إلى كرسي الحاكم نفسه.
أبو البيان: كيف تحلل الأمور هكذا؟ (يبدو عليه الاقتناع بتحليل السكران) ولكن لماذا لم يتحرك الناس..
السكران: انتظروك ولم تعد! انتظروا المنقذ الذي كان قد غرق في اللعبة الملعونة (يبتعد عنه ويتجه إلى الطرف الأيسر من المسرح ويدير ظهره له ويمسك برأسه) ..
في هذه اللحظة يدخل الرجلان الملثّمان بحذر، ينظران إلى أبي البيان من خلفه، يهمسان ويهزان رأسيهما بالموافقة ثم ينقضّان معاً، يلقيان أبا البيان أرضاً ويطعناه بطعناتٍ متتالية ثم يهربان بسرعة.. يلتفت السكران ويهرول إلى أبي البيان المطروح أرضاً.. يحضر النادل من الداخل مذهولاً بما حدث.. يجثم السكران عند أبي البيان يتفحصه، يرفع يده الملطّخة بالدم، ينظر إلى النادل...
السكران: لقد مات.. مات المعلم أبو البيان.. (موسيقى هادئة حزينة)
يلطم النادل على وجهه، ثم ينصرف إلى داخل الحانة تسيطر عليه حالة من الرعب..
النادل: (وهو يتجه إلى الداخل) إنها ليلة ملعونة من أولها.. لقد شعرت بذلك.. يا للمصيبة..
السكران: (يتحسس أبا البيان الملقى على الأرض هذه هي النتيجة المتوقعة أيها المعلم.. لاحقوك، تتبعوك وقتلوك.. ولكن من هم هؤلاء القتلة يا صديقي؟
يدخل في هذه اللحظة شرطيان. يتوقفان عند جثة أبي البيان ثم ينظران إلى السكران..
الشرطي الأول: ألا تلاحظ الشبه بين هذا السكران وبين "يقظان العربي"؟
الشرطي الثاني: نعم هناك تشابه.. أيها النادل من ذلك الرجل؟
النادل: إنه، إنه زبون يا سيدي، رجلٌ مسالم، وهو كما ترى لا يدري بالدنيا..
الشرطي الثاني: تعال أيها النادل، انقل هذه الجثة معنا إلى الداخل.. هيا (ينقلون الجثة إلى داخل الحانة) ثم يعود رجلا الشرطة، يتفحصان السكران مرة أخرى..
الشرطي الأول: إنه يشبهه فعلاً. أنت، أنت يا هذا تعال..
(يقترب السكران متعثراً مترنحاً).. اقترب.. ما هذا (ينزع شاربه المستعار) وهذه (ينزع لحيته المستعارة) هكذا إذن.. أنت هو.. يقظان العربي.
الشرطي الثاني: ألم أقل لك إنه هو. ثلاث سنوات والآن تتظاهر أنك سكران، تعال أيها الهارب ستعود إلى السجـ...
(يسارع الشرطي الأول بوضع يده على فم زميله)...
الشرطي الأول: ستعود إلى بيت الحكمة، نعم بيت الحكمة.. (يهمس إلى صاحبه) ستفضحنا.. (يرفع صوته) هذا رجلٌ محترم وحاكمنا يقدّر أمثاله، سنأخذك إلى دار الحكمة حيث كنت.. انتظر هنا..
يدخل الشرطيان إلى داخل الحانة في حين يقف يقظان العربي وحيداً في المسرح..
يقظان العربي: دار الحكمة.. سيأخذونني إلى دار الحكمة.. أعرفها جيداً.. مكثت فيها سنوات عديدة هناك تلقيت المعارف(يشير بيده باللكمات والضرب) وتشربت الأدب(يشير بيده إلى الكيّ بالنار واللسع بالكهرباء) دار الحكمة!! يا سلام، صنوف ممتازة من الفنون والعلوم، وأنتم (يوجه حديثه للجمهور) ماذا تنتظرون؟ تتفرجون علينا! سيأخذونكم إلى دار الحكمة أيضاً، كلكم متهمون مثلي بالخروج على الحاكم.. كلكم غداً أو بعد غدٍ أو بعد سنة ستذهبون إلى دار الحكمة.. لتتلقوا العلوم والفنون..
يخرج رجلا الشرطة، يجذبه أحدهم، يسلّمه للثالث الواقف خارج المسرح ثم يخرجون جميعاً من المسرح ويبقى المسرح فارغاً.. لحظات ويدخل الراوي..
الراوي: هكذا أيتها السيدات أيها السادة انتهت الحكاية، حكايتنا جميعاً..و..
صوتٌ مزمجر من خارج المسرح، نفس الصوت الذي يشبه الرعد والريح لكنه يشتدُّ أكثر من المرات السابقة.. ثم يتحدث الصوت..
الصوت: لا لم تنته الحكاية أيها الراوي، لقد تآمرت علينا أنت والمؤلف والمخرج.. لقد تآمرت على الجمهور، على الناس.. لأنك لم تخبرهم عنّي.. أنت لم تذكرني، بل لم تذكر عني شيئا..
الراوي: (وهو يلتفت ويتطلع إلى أعلى ليحاول معرفة مصدر الصوت) ولكن من أنت؟ من أين تأتي؟ أنا لا أراك..
الصوت: ليس مهماً من أكون! لكنني موجود..
الراوي: وأين نجدك؟ وكيف؟
الصوت: أنا موجود في آهات المظلومين وعرق الكادحين ووجع المسحوقين.. موجود في عيون الأطفال وزنود الشباب وحكمة الشيوخ.. موجود في دماء الشهداء وشقائق النعمان.. موجود في زمجرة الريح وسكون الليل.. موجود في صمت الجبال وامتداد الصحراء.. أنا موجود..موجود..
وأنا قادم من مكانٍ ما وفي زمنٍ ما..
هل عرفتني؟ هل عرفتموني؟.. أنا روح الأمة التي لا تموت.
إني قادم.. إني قادم.. إني قادم

وتسدل الستارة
علي عودة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,536,613
- قصص قصيرة
- 3- مثقفو (الساقط بين الفراشين )
- 2- مثقفو حماس والتحيز الصارم
- مثقفو فتح بين التميّز والتحيّز
- تعقيب على مقال غازي حمد


المزيد.....




- صدر حديثا.. الذَّاكرة المنهوبة.. لـفاضل الربيعى
- المغرب والأردن يؤكدان عزمهما على تطوير شراكتهما الاستراتيجية ...
- موسيقى -سحرية- بدل العقاقير المسكنة للآلام أثناء الجراحة!
- أرسكين كالدويل في نصف قرن من الإبداع..علامة فارقة في الأدب ا ...
- قناديل: النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين
- موسيقى الأحد: قصة أوركسترا جيفاندهاوس
- كاريكاتير العدد 4473
- بالفيديو.. نجم سينما صيني كاد يموت طعنا أمام جمهوره
- حقيقة ماوقع في العيون بعد تتويج الجزائر
- فيلم كارتون روسي ينال جائزة في مهرجان Animator البولندي الد ...


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي عودة - مسرحية الحكماء والسكران