أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - كمال الجزولي - الثُّقْبُ فِي سَقْفِ البَيْت!






















المزيد.....

الثُّقْبُ فِي سَقْفِ البَيْت!



كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 3203 - 2010 / 12 / 2 - 23:54
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


(1)
عندما كتب صلاح احمد ابراهيم قصيدته (فكر معي مَلوال)، مطالع ستينات القرن الماضي، لم يكن سِر أناي كِلويلجانْق قد فكر حتى في كتابة قصيدته (إبن عمَّتى محمَّد). وللدقة، لم يكن ثمَّة (سِر) أناي، وقتها، أصلاً، بل كان (بيتر) أناي هو ذلك التلميذ الدينكاوي الفقير، المتشبث ببوَّابة مدرسة رمبيك الثانويَّة، كسير الخاطر، مهيض الجناح، محتقناً بالفجيعة، حتى أسنانه، وبخيبة الأمل؛ فلا هو مستطيع دخولها رغم نجاحه، ولا هو يطيق مغادرتها على قلة حيلته؛ فأحلامه البكرة تعصف بها عقبة الرسوم المبهظة التي فوجئ بوجوب سدادها قبل أن يُسمح له بأن يخطو خطوة واحدة نحو الفصل الدِّراسي الأوَّل، بينما أبواه لا يملكان شروي نقير منها. وفي لحظة محتشدة باليأس النبيل، حزم الولد الناحل أحزانه الكثيفة، ودموعه المدرارة، وإهابه الزنجي الأغبش، وفصوده القبليَّة المائزة، واندفع يركب الصِّعاب، من هناك وحتى جوبا، في محاولة عدَّها أهله وأقرانه ضرباً من الجنون، ليرفع ظلامته .. إلى من؟! إلى (سِر) الختم الخليفة نفسه، مدير التعليم بالمديريَّات الجنوبيَّة أوان ذاك!
طوال الطريق ما انفكَّت تنهش صدر الصَّبي نوازع الشُّكوك، وتتشعَّب فى عقله مصارف الرِّيب؛ فكيف لمثله أن يتيقن، قدر عقلة إصبع، من امكانيَّة رؤية الرَّجل الذى كان لاسمه في مدارس الجنوب رنين الأساطير، دَعْ أن يجد لدى هذا المستعرب المسلم رفيع الشأن شيئاً من الوقت كي يتفهَّم غبن تلميذ جنوبي وثني مدقع مثله، أو ليعيره ولو محض أذن صاغية، ناهيك عن قلب متعاطف ينقذ مستقبله من بهمة ظلام رهيب راح يحلولك، أمامه، ويتحشَّد.
لكن ما بدا معجزة صار إلى حقيقة! فـ (سِر) الختم استقبله ببشاشة بدَّدت رهبته؛ و(سِر) الختم رَبَتَ على رأسه الصَّغير بأبوَّة جففت دموعه؛ و(سِر) الختم أحاطه بحنان أشاع الطمأنينة في نفسه؛ و(سِر) الختم أسهب في سؤاله، متمهِّلاً، عن أحوال أبويه، وإخوته، وصحَّتهم، والقرية، والحصاد، والمطر، ورحلته إلى جوبا، فأشعره باهتمام (الخال) وعطفه؛ و(سِر) الختم أمَرَ، فى النهاية، فأعفي (بيتر) أناي من الرُّسوم، وأعيد إلى مدرسته جزلاً يكاد يطير من الفرح. وهكذا، ما أن استقرَّ في رمبيك حتى سارع لإشهار إسلامه، وتغيير اسمه من (بيتر) أناي إلى .. (سِر) أناي!
..............................
..............................
تعارفنا، لأوَّل مرَّة، ذات أمسية شتائيَّة أواخر 1984م. كان قادماً لتوِّه من جوبا عقب اعتقال بسجنها دام تسعة أشهر. كنت مريضاً، وقتها، بملاريا ألزمتني الفراش بمنزلي في حي الهجرة بالخرطوم بحري، فجاء يعودني برفقة صديقنا المشترك الشاعر الياس فتح الرحمن. إستوقفني الإسم، فسألته:
ـ "تقصد السِّر"؟!
فأجاب بسرعة:
ـ "لا .. لا ، (سِر)، (سِر) .. من (سِر) الختم"!
قلت مداعباً:
ـ "كمان! يعني .. شاعر دينكاوي ختميã"؟!
فضحكنا ثلاثتنا بصخب مجلجل، والرَّجل يحاول أن يشرح وسط قهقهاته العالية:
ـ "لا .. لا .. أقصد .. يعني .."
ثم انطلق يروي الحكاية من أوَّلها؛ فوقع عندي أن الأستاذ الجَّليل (سِر) الختم الخليفة قد حقق للإسلام، ولا بُدَّ، بتلك التلقائيَّة السَّلِسة، شيئاً من المعنى الذي ذهب إليه الحديث الشَّريف: "الدِّين المعاملة"؛ فما أحوج الجَّماعة المستعربة المسلمة فى بلادنا لتأمُّل مثل هذه (الأسرار) شديدة البساطة في تواضعها الوسيم، كثيرة الإفصاح في بلاغتها الصامتة!

(2)
عشيرة سِر أناي تنتمي، أصلاً، إلى (دينكا روب)؛ لكنها اندغمت، لاحقاً، في (دينكا يوم)، بعد هجرتها إلى (أراويتش)، شمال غرب (رمبيك)، حيث وُلد عام 1945م، وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة (بارجيل) في (شيوبيد) بمنطقة (كوك)، على مسافة أربعين ميلاً إلى الغرب من (رمبيك)، قبل أن ينتقل إلى مدرسة (لوكا) الوسطى على نهر (ياي) بالاستوائيَّة، ومنها إلى (رمبيك) الثانويَّة. وبعد اجتيازه امتحان الشهادة السُّودانيَّة بنجاح حصل على منحة لدراسة الصَّحافة بدار السَّلام بتنزانيا من حركة (هارامبي) الثقافيَّة الاجتماعيَّة التي كان يرعاها (معلمو) جوليوس نايريري. تلك هي الفترة التي شهدت بداية تأثره بأفكار الاشتراكيَّة الأفريقيَّة قبل انتقاله إلى بومبي بالهند لمواصلة دراسته للصَّحافة.
تزامنت عودة سِر من الهند مع انقلاب النميري في مايو 1969م، فالتحق محرِّراً بصحيفة نايل ميرور NILE MIRROR التى كانت تصدر عن وزارة شئون الجنوب. وبعد اتفاقيَّة أديس أبابا (فبراير 1972م)، بين النظام وبين الأنيانيا الأولى (حركة تحرير جنوب السودان) بقيادة اللواء جوزيف لاقو، والتى نال الإقليم الجَّنوبي بموجبها، لأوَّل مرَّة، حقَّ الحكم الذاتي، انتقل سِر للعمل بوزارة الثقافة والاعلام الاقليميَّة بجوبا. وفي 1980م أسَّس ورأس تحرير صحيفة هيريتدج HERITAGE. وعلى هذا النحو قضى ما يمكن أن نطلق عليه (عقد العسل المُرِّ) بين النميري و"الجَّنوبيين"، من 1972م إلى 1983م.
وعندما راحت الأوضاع تتفجَّر مجدَّداً، جراء إقدام النميري المتحالف مع الاسلامويين على تجاوز الاتفاقيَّة بإعادة تقسيم الاقليم الجَّنوبي إلى ثلاثة أقاليم، أوائل يونيو 1983م، ثم إلغاء الاتفاقية ذاتها، ضمناً، بالأمر الجمهوري رقم (1) فى 15/6/1983م، أبدى سِر معارضته لتلك الإجراءات، فصار مطلوباً لجهاز الأمن، فغادر جوبا إلى رمبيك، لكنه اعتقل هناك، ثم تكرَّر اعتقاله عدَّة مرَّات، وكانت الأخيرة عام 1984م، حيث جاء بعدها للخرطوم، وبقى فيها إلى ما بعد الانتفاضة التي دحرت النميري ونظامه في أبريل 1985م.
عقب ذلك أعاد (سِر) إحياء صحيفة HERITAGE من المكتب التابع في الخرطوم لوزارة الثقافة والإعلام بإقليم بحر الغزال. وفي 1987م حصل، من كليَّة لندن للصَّحافة LONDON SCHOOL OF JOURNALISM، على منحة للتحضير لدرجة الماجستير التي نالها، لاحقاً، على رسالته حول (الكوارث الأفريقيَّة في الصحافة العالميَّة). وفي الأثناء حضر إلى السُّودان، لآخر مرَّة، قبيل انقلاب يونيو 1989م، في بعض شأنه الأكاديمي. وبعد نيله الماجستير توجَّه، مباشرة، إلى نيروبي، ليعمل محاضراً لطلاب الدِّراسات العليا بكليَّة الإعلام بجامعة كنياتا. وفي خواتيم التسعينات شدّ الرِّحال، مجدَّداً، إلى كليَّة لندن للتحضير لدرجة الدكتوراه. وعندما أقعده الداء العضال، نهائيَّاً، كان قد قطع شوطاً مقدَّراً في كدحه الأكاديمي بحصوله على الـ Mphil كخطوة نحو الدكتوراه.

(3)
قبل انقضائه نهائياً، أواسط 1983م، كان (عقد العسل المُرِّ) قد شهد هدوءاً نسبيَّاً على الجبهات كافة، رغم أنه لم يخلُ، تماماً، من توترات تهدَّدت الاتفاقيَّة، أكثر من مرَّة، بالتفجير والعصف، كالمواجهة البرلمانيَّة العنيفة بين (الجَّنوبيين) وغلاة العربوإسلامويين، بسبب إصرار الأخيرين، أثناء مناقشة مسودة الدُّستور "الدائم" في مايو 1972م، على تضمينها أن الإسلام دين الدَّولة، وأن رأس الدَّولة ينبغي أن يكون مسلماً، وأن الشَّريعة واجبة التطبيق في البلاد. وإلى ذلك، أيضاً، التمرُّدات التي صاحبت تنفيذ البند الخاص في الاتفاقيَّة باستيعاب 6203 عسكريَّاً من قوَّات الأنيانيا في قوام الجَّيش الوطني، كتمرُّد الكتيبة (116) بجوبا على قائدها بيتر سريليو أواخر 1974م، والتمرُّد الجزئي بحامية أكوبو فى 2/3/1975م، وتمرُّد حاميتي كبويتا ورمبيك فى يناير 1976م، وتمرُّد الكتيبة (110) بقيادة النقيب ألفرد أقويت بواو في نفس العام، فضلاً عن حوادث إطلاق النار بين العسكريين الشَّماليين والجَّنوبيين، والتي طالت حتى المدنيين، بين عامى 1972م و1974م، وتفجيرات القنابل اليدويَّة التي تكرَّرت بواو، في دور السِّينما، وميزات الضُّباط، وأندية الجُّنود، والمناطق السَّكنيَّة، ما بين 1974م و1980م. وعموماً بدأ، منذ العام 1975م، الإرهاص بعودة التمرُّد والحرب، تحت قيادة غوردون كونق وجيمس قونق وفينسون كوانج وآخرين، في أكوبو والناصر، ولمَّا يكن قد جفَّ، بعدُ، حبر اتفاقيَّة أديس أبابا التي أبرمت من خلف ظهر القوى السِّياسيَّة في الشمال، ودون ضمانات الرِّعاية الشَّعبيَّة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، الأمر الذى سيَّجها بالشُّكوك، حتى لقد قيل، في بعض (الفولكلور) الذي شاع عنها، إنها تنطوي على بنودٍ سريَّة!
لكن سِر أناي الذي أولى الاتفاقيَّة ثقته، برغم هشاشتها، كان أشقى الناس بذلك (الانتكاس) عن مشروع (السَّلام والوحدة) الذي عدَّها تأسيساً له. وقد عبَّر عن ذلك في أغلب قصائد تلك الفترة، والتي تضمَّنتها، في ما بعد، مجموعته الشِّعريَّة اليتيمة (وهمُ الحُرِّيَّة وقصائد أخرى ـ THE MYTH OF FREEDOM AND OTHER POEMS) الصادرة بلندن، عام 1985م، عن (دار نيو بيكون للنشر ـ NEW BEACON BOOKS).
ففي (العاصفة الآتية ـ THE COMING STORM) يتخذ سِر موقف الشاعر الإشكالي problematic، مطلِقاً نذيره المرعب:
"فجأة، وأنا أتسللُ في رحلتي الهَاربَةْ/ أبصرتُ سماءً هائِلة الكَواكِبِ تخيِّمُ على الجَّنوبْ/ مقعياً تحتَ سحابَةٍ راحِلةٍ فى وحدةٍ موحِشَة/ غنيتُ للقياتِ الذهَبِ الأسوَدِ تحتَ جَهْشَاتِ البُروقْ/ ثمَّ رَسَمْتُ لوحة السَّماءِ المُعْتِمَةِ على وميض شَعْشَعَةِ القمَرْ/ وكالشَّبَح المُجَنَّح كُنتُ أنا الشَّاعرَ الخفيَّ السَّابحَ في الفراغ/ في مكان ما، حيث لا شئَ غيرُ السَّحابِ تحَرِّكُهُ الرِّيحُ ببطءٍ/ ليُشكِّلَ، رويداً رويداً، طائِرَة حَرْبيَّة!/ فمضيتُ أسْخَرُ مِن هذه الأوزان في كلِماتِ رَجُل ينظمُ قصيدة/ بينما هو سَابحٌ في فضاءٍ يُنذِرُ بعاصِفةٍ آتيةٍ/ مندفعةٍ بعُنفٍ لاقتلاع الشُّتيلاتِ الصَّغيراتِ من ترْبَةِ الوحدةِ الهَشَّة"! (رمبيك 17/12/1973م، ص 27).
وفى (حرب الحُبِّ THE WAR OF LOVE) يرمي مثيري (الحرب الجديدة) بأرتال من الاحتجاجات:
"آهٍ أىُّ حربٍ هذي؟!/ أعودة للأيَّام الغابرات؟! لِمَ لا تتعهَّدون زمنَ السَّلام هذا بقليل مِن الحَدْبْ؟!/ أهذا هو الحُبُّ الذى جَلبَهُ ميثاقُ سَلامِنا؟! فلِمَ بَعَثتُم إذنْ بكلِّ هذي البَوارج المشحُونةِ بالحِجَارَة؟!/ أتسْتسْهلونَ مَسْعَى تشَكُّلِنا القومِي؟!/ أفلا تبصِرُونَ رُوحَ التغيير تغمُرُ حياة أمَّتِنا؟!/ أىُّ حربٍ هذي؟! أعَوْدَة للأيَّام الغابرات؟! أإشعالٌ لنيران الكَرَاهِيَّةِ ونحنُ أحْوَجُ ما نكونُ لنيران الحُب"؟! (جوبا 13/7/1975م، ص 25).
غير أن شكوى سِر لم تقتصر على السَّلام (يستسهل) سحقه مفجِّرو (حرب الكراهيَّة) فى الجنوب، فحسب، بل إن عينه لم تغفل لحظة عن (عواصف الخطر) تهدِّد (الوحدة الهشَّة) من الشَّمال الذى ظلَّ سِر يرتبط مع غالبه بإسلام التمسه لديه، واجتباه عن رغبة ومحبَّة، ولم يطالبه بغير أن يكفَّ عن تغليب هُويَّة الدِّين على هُويَّة الجغرافيا والتاريخ والثقافة. لذا، حين زلزلت حزازة الشمال زلزالها، وأخرجت قيامة الثمانينات أثقالها، انفجر يحذر، في قصيدة (هذا السودان THIS SUDAN)، منشداً بغضب ومرارة:
"هلا تفضَّلتَ بالكفِّ عن مُضايقتِى/ حتَّى لا يضطرُّ كِلانا لإثارةِ الأسئلةِ عن أصل الآخرْ/ وحتَّى يمكننا العيشُ في سَلامْ/ وهلا تفضَّلتَ بمعرفةِ أمر واحدٍ/ هو أن السُّودانَ الذي تكابرُ بأنه أمَّة عربيَّة في قلب أفريقيا/ ظل دائماً أنا/ وحدي أنا/ وسُمِّي على إسمي/ فالسُّودان يعني أنا!/ ومع ذلك لم أرغب، يوماً، في تذكيرك بجذورك الثقافيَّة غير السُّودانيَّة/ لأنه، ببساطة، ليست ثمَّة أهميَّة لذلك/ فما يَهمُّنِي هو أن كلينا بشَرْ/ وأن لنا معاً حقَّ العَيْش المتكافئ هُنا/ في أرض السُّودِ هذي/ في السُّودان!" (الخرطوم 2/6/1985م، ص 51)

(4)
كان سِر قد أطلق، أواخر 1975م، أكثر تعبيراته غضباً واحتقاناً بالمرارة، إزاء العصىِّ التي رأى غلاة العربوإسلامويين يدخلونها في عجلة (السَّلام) و(الوحدة)، بإصرارهم على تضمين مسودة دستور 1973م رؤاهم الأيديولوجيَّة الضّيِّقة، حتى بعد الاتفاقيَّة، وذلك في قصيدته (إبن عمَّتى محمد MY COUSIN MOHAMED) التي نرجِّح، رغم فارق الزَّمن، محاورتها لذات الرؤي في قصيدة صلاح احمد ابراهيم (فكر معي ملوال)، والتي نشرت، لأوَّل مرَّة، فى منتصف ستينات القرن الماضى.
لقد اتفق الشَّاعران في أكثر من موضع من روايتيهما لقصة الصِّراع الهُويوي الشَّمالي ـ الجَّنوبي. فلدى صلاح:
"العربىُّ حامل السَّوط المُشلِّ للجِّمال/ شكَّالُ كلِّ قارح، مُلاعبُ السُّيوفِ والحرابْ/ حلَّ على باديةِ السُّودان كالخريفِ بالسُّنَّةِ والكتابْ/ يحملُ في رحالِه طموحَه، ولوحَه، وتمرتين في جرابْ/ وشجر الأنسابْ/ لاقيتَه في تقلي، في الترعةِ الخضراءِ، في كاكا، وتيجان الأقار والعليابْ/ ينافسُ الفرنديتْ/ يريدُ منك العاجَ والعنسيتْ/ والعبيدَ من فرتيتْ/ والمرعى، وعسلَ الغابةِ، والخِرْتيتْ/ وكلَّ ما يُفرِّحُ السُّوميتَ في خواطِر الجَّلابْ/ تصطرعان مثلَ جامُوسَيْن يا ملوالْ/ لكنَّ قرنكَ الصَّغيرَ، قرنكَ الطريَّ، قرنكَ الضَّعيف لا يهابْ"!
وتفتقت عن كلُّ ذلك:
"حقيقة سمراء في أحشـاء كلِّ أمِّ ولدٍ منهنَّ/ من بناتِ جدِّك الأكبر، مِمَّا بذرته نطفُ الأعرابْ"!
واعتبر صلاح تلك:
"حقيقة كبيرة عارية كالفيل، كالتمساح، كالمنيفِ فوقَ كسلا، سليطة الجواب/ كذابٌ الذى يقول في السودان إننى الصريح، إننى النقى العِرْق، إننى المحض، أجل كذابْ"! (غضبة الهبباي، ص 43 ، 44 ، 45).
ولدى سِر أيضاً:
"أبوكَ ذلك العربىُّ جاءَ من أزمانْ/ بثقافةِ قومِهِ وبالقرآنْ/ لكن بلا أمَةٍ يتخذها زوجة جاءْ/ يرومُ أن يعيشَ بين أصدِقاءْ/ لا بينَ عبيدٍ جاءَ كيْ يعيشْ/ لذا، ودونما أدنى التفاتةٍ للونِهِ أو لعنصُره/ كان ميسُوراً لهُ على الدَّوام أن يُحيط نفسَه، وكيفَ شاءْ/ بالجَّوارى الصَّبيَّاتِ الحِسان وبالإمَاءْ/ وهكذا أتيتَ يا ابن عمتى محمَّد/ أتيتَ في الشمال ثمرة لعمَّتى الأمَةِ الصَّبيَّةِ/ عمَّتي التي لطالما تمَسْكَنَتْ للذلِّ والهَوَانْ/ حتى اعتلتْ، بقوَّة الدِّماءِ، لا بغيرها/ صرحَ نصرها المؤزَّر الفصيحْ/ ويا للحقيقةِ الضَّخمَةِ فى سموِّ جبل الإماتونج/ فإذا بكَ لستَ مثلَ أبيك ذلك العربي الصَّريحْ/ أنت، يا ابن عمَّتى، هجينُ أرض أفريقيا هذه/ والناتج النفيسْ/ لسِنىِّ حربها الطويلةِ الضَّروسْ!" (وَهْم الحُرِّيَّة، ص 18 ، 19 ، 20).
على أن صلاحاً وسِرَّاً اختلفا، مع ذلك، فى مواضع أساسيَّة من رؤيتيهما لأسباب الشِّقاق. فصلاح يشدِّد على الاستعمار والمؤسَّسة الكنسيَّة بقوَّة، حيث:
"رقصَ الدِّينُ على مزمار رأس المَالْ!"
عندما:
"الأبيضُ الشِّريرُ جاءَ من جديدٍ يتبعُ الرحَّالة الجَّاسوسْ/ قد غيَّر من قميصهِ الثعبانْ/ ملهمُ الجَّرائم الكبرى أتاكَ والمبشِّرَ الأبيضَ يبنيانْ/ بالقشِّ كنيسة صغيرة في وَسَطِ القريةِ، في مُعسكر السُّخرةِ، في عُقول البُسَطاءِ، في مجاهِل الأدغالْ/ جاءا في تحالفٍ مقدَّس، حكاية المُقعَدِ والأعمَى بذاتِها/ جاءاكَ للأرض، وما على الأرض، وتحتَ الأرضْ/ كلُّ عَلـَم كالخِنجر المغروس في مكانْ/ جاءا لأنغولا، لموزمبيق، لجنوب أفريقيا، لزمبابوي، للكنغو، كما جاءاكَ يا ملوالْ/ (غردونُ) في خلواتِهِ شرابُه المفضَّلُ الإنجيلُ بالبراندي/ و(بيكرُ) الصَّارمُ يرسِلُ الرُّعبَ إلى حدودِ الزَّاندي/ وكلُّ مَن معبدُهُ مغارة اللصوص، دارُهُ مؤتمرُ الذئابْ/ وكلُّ مَن لِسانُه يمُجُّ الشَّهدَ، وهو للشَّاربِ صابٌّ صابْ/ وكلُّ من حِرفتهُ التضليلُ، همُّهُ حرقُ البخور للضَّلالْ/ وكلُّ من علمَهُ (التفتيش) أن يصُمَّ أذنيه عن الصَّوابِ، أن يضطهدَ الصَّوابْ/ وكلُّ من درََّسَهُ تجارُ أوربا، وكلُّ (شَيلوك) بها، كيف يغشُّ بالحِسابْ/ والخنجرُ المغروسُ فى قلبِ البلادِ صارَ في العقول فكرة، وفي اللسان لغة/ وفي النفوس غِلا وحَزازاتٍ يدورُ كأسُها مَوْتاً/ وحاناتُ أوربا ونيويورك تعتقُ الشَّرابْ" (غضبة، ص 45 ، 46).
أما سِر فقد انصبَّ تركيزه على العامل الذاتي، على الاستعلاء العرقي واللغوي والدِّيني والثقافي الذى انطلق، من وجهة نظره، يصوِّر الإسلام نفسه، بلا هوادة، كما لو كان ديناً إثنيَّاً، لا يعنى مجده غير مجد العرب، ولا يعكس نبله وكرمه سوى نبل محتدهم هُم، وكرم عنصرهم وحدهم:
"ما أن شَرَعَ أبوكَ في تدبُّر أمرهِ مع القبائِل والعشائِر المحليَّةِ/ حتَّى خلص إلى تفوُّقِهِ العِرقِي والثقافِي على إنسان أفريقيا/ فانطلقَ يفرضُ تصوُّرَه للإسلام كما يراهُ/ مَحْضَ جُزءٍ لا يتجزَّأ مِن تقاليدِهِ العَرَبيَّة/ فإذا بالإسلام والعُروبَةِ سِيَّان عِندَ المُجاهِدينْ/ وسبَبَان لقوَّتِهم التي لا تنهَزمْ/ .. إبنُ عمَّتى يحسبُ نفسَهُ ذكيَّاً جدَّاً/ حينَ لا يكتفِي بالتباهِي بأنه أفريقي يتكلمُ العربيَّة/ إذ ليسَ عندَه لسانٌ أصليٌّ سِواها/ بل يزعمُ، فوق ذلك، أن من سمات التحضُّر أن تتكلمَ العربيَّة!/ إبن عمَّتى عربيٌّ متعصِّبْ/ أسودٌ لكنه ينكر هويَّة العُنصُر، والجِلدِ، والإهَابْ/ يقولُ: إذا تكلم الأفريقيُّ العربيَّة فهو عربي/ وإذا استعْرَبَ الأفريقي بالثقافةِ فهو عربي/ لكنَّ ابنَ عمَّتى يزعُم أن الإسلامَ مِلكٌ للعَرَبْ/ ويقولُ: أنزَلَ اللهُ القرآنَ بلِسان عربيٍّ، فلا تصحُّ ترجَمَتهُ إلى لغةٍ أخرى، لأن ذلك حَرَامْ! ويقولُ: على المُسلِمينَ تعلمُ العربيَّة لأنها لغة القرآن الكريمْ/ والقرآنُ الكريمُ هو حامِلُ الثقافةِ العربيَّة/ فالعربُ هُمُ شَعْبُ اللهِ المُختارْ/ ويقولُ ابنُ عمَّتى، لا فضَّ فوه: ليسَ للأفارقةِ ثقافة/ وليسَ للأفارقةِ تاريخْ/ وليسَ للأفارقةِ دِينْ/ ولا يجتمعُ الأفارقة على لغةٍ واحدة/ فهُمْ، لذلك، أوْبَاشْ!/ ويقول: إن واجبَه بَسْط نفوذِ العَرَبِ على أفريقيا/ .. كي تتحَوَّلَ بأسرها إلى قارَّةٍ عربيَّةٍ، وليتحضَّر أهلها!/ لقد أصمَّ ابنُ عمَّتى أذنيهِ عن كلِّ شئ ما خلا العُروبَة/ .. فكان طبيعيَّاً أن تنعَقِد كلِمَة الأفارقةِ حالِكِي سَوَادِ البشراتِ، مِن كلِّ قبيلةٍ وعَشيرةْ/ على فِكرَةٍ واحِدَةٍ كَبيرَة/ فتكتلوا، حيثُ أفضَى بعضُهم لبعض أن العَرَبَ جاءوا لِيَسلبوا أرضَنا، ودونَ ذلك خرط القتادْ/ غيرَ أن العَرَبَ السَّادِرينَ في غزواتِهم أبادوا آلاف الذكور الأفارقة، واستحيوا نساءَهُم اللواتي عاشروهُنَّ بلا قيودْ/ .. وهكذا أتيتَ أنتَ يا ابنَ عمَّتى"! (وَهْم، ص 18 ـ 22).
وما أجْدَتْ صلاحاً يمينه المغلظة بأن روايته هى الصحيحة:
"ملوال ها أنا ألحَسُ سِنَّة القلمْ/ ألعَقُ ذرَّة مِن الترابْ/ أضربُ فخِذِي بيدي/ أقسِمُ بالقبُور بالكِتابْ/ شُلتْ يدي جَنَازَة لو انَّني كذبتُ يا ملوال/ وليَنشَفِ اللسَانُ مِن جذورهِ/ ولتنفطِرْ هذي اللهَاة مِن ألمْ/ كأنها حَنظلة الجِّبالْ/ لو اننى كذبتُ يا ملوال/ وقبلَ أن تنكرَنِي اسمعْ قِصَّة الجَّنوبِ والشَّمالْ/ حِكايَة العَدَاءِ والإخاءِ مِن قِدَم"! (غضبة، ص 43).
ما أجدى كلُّ هذا الحلف، فسِرُّ ما ينفكُّ يصرُّ، بعناد، على صحَّة روايته هو:
"فتلكَ هيَ الرِّواية الحَقة التي/ لا يَجرُؤُ أن يَرويها المؤرِّخون العربُ/ عن صراع أهلِهم مع الأفارقة/ .. وهكذا أتيتَ أنتَ يا ابنَ عمَّتى" (وَهْم، ص 19).
ولكنَّ الشَّاعرين يعودان، مع ذلك أيضاً، ليتفقا على (الحلِّ الاشتراكي الدِّيموقراطي) للمشكلة، يوم يكفُّ (ابنُ العمَّة)، عند سِر، عن استعلائه البغيض الذي يجعله:
"حينَ يَسمَعُنِي أغنِّى للحُرِّيَّةِ والعَدالةِ والمُساواةِ يغضبُ/ ويصرخُ في وجهي: وأنتَ يا عَبـِدْ/ .. تريدُ أيضاً أن تكونَ حُرَّاً ومُساوياً لي"؟!
ويوم يعود سيرته قبل الاستقلال، عندما:
"كانَ .. يُبَشِّرُ بالحُرِّيَّةِ والعَدَالةِ والمُسَاواةِ للجَّميع/ لكلِّ السُّودانيين، بغضِّ النَّظر عن العُنصُر، أو القبيلةِ، أو الدِّينْ"؛
وعندما كان:
"ابناً لكلِّ الشَّعبِ/ وديموقراطيَّاً حقيقيَّاً كانْ/ يبذلُ نفسَهُ لأجْل الفقرَاِءِ والمَسحُوقينْ"؛
قبل أن تعصف بعقله خمرة السُّلطة:
"فيُؤمِنُ بأنَّ السُّلطة هى كلُّ شئ/ .. مالهُ، وهَناؤهُ، وسعادَتهُ، وأمْنهُ"!
وينتهي هكذا:
"مِسْكيناً .. يُعَوِّلُ على السُّلطةِ وحدِها لإخضاع خُصُومِهِ"!
وأيضاً تنتهي المشكلة يوم يكفُّ (ابن العمَّة) هذا عن تسخير ما حظي به من تعليم لتلبية غاياته الشخصيَّة الأنانيَّة:
"يتعَالى صِراخُ الجَّوعَى بينما لديكَ مِن الذرةِ ما يكفي لإطعام أهلِكْ/ أطفالكَ مُتخَمُونَ، لكنكَ نذلٌ بمَا يكفي لتزدري المُدْقعِينْ/ الذين بالكادِ على وَجْبَةٍ واحِدَةٍ في اليوم يحصُلونْ/ تقبعُ، مُتبَطلاً، في مكتبك الغاصِّ بالهواء المُكيَّفِ، وبالسِّجَّادِ، والرِّياشْ/ منشغلاً بإصدار تعليماتِكَ المَرْقومَة، غافِلاً عن كون التنميَة هي بنتُ الجِّباهِ التي تتفصَّدُ بعَرَق الكَدْح الشَّريفْ/ وعلى حين لا تحسِنُ حتى وَضْع الخُططِ أو القراراتِ المانِعَةِ لاستِغلال البَشْرْ/ ما تنفكُّ تتضجَّرُ من أن المُدُنَ مزدحمة بالخلق الذين يتوجَّبُ إرجاعُهُم إلى قراهُم النائية/ِ لينتجوا غذاءَهُم، هناك، بأدواتِهم البُدائيَّة/ وما تنفكُّ تردِّد أن قانون (الكشَّة) ينبغى تفعيله، لأن المتبطلينَ يتهدَّدون الحكومة/ ذاهلاً، يا ابن عمتى، عن أنَّ الناسَ يَرجِعُونَ، دَائِمَاً، إلى المُدُن الكبيرة/ لأنهم يُريدونَ أن يكونوا قريبينَ من القصرْ/ حيث النخبَة الحاكِمة لا تكفُّ عن وضع الخُططِ التي تبقِي على جَهلِهمْ وأمِّيَّتِهمْ"! (وَهْم، ص 22 ـ 24).
ومن جانبه ينطلق صلاح يبشِّر بوطن ـ روضة أزهارها شتى، يشمُّ فيها عبق المستقبل الجميل:
"حينما يلتقي الأبْيَضُ الحَليمُ بأخيهِ الأزرَق المُثيرْ/ أنظرُ يومَ يُقبلونَ عَرَبَاً ، وبجَة/ ونُوبَة، وفجلو/ وباريا، وبَرْتَة/ وبنقو، وزَغاوَة/ وأمْبَرَرُو، وأنقسَنَا/ ودينكا، وتَبُوسا/ وأشُولي، ونِوير/ ومَساليتْ، وأنواكْ/ ولاتوكا، وغيرَهُم، وغيرَهُم/ للبُوش كلٌّ منهُم يُهدي ولكن، باعتزاز، شَيْئَه الصَّغير/ ويومَ أن يسُودَ في السُّودان صَوْتُ العَقل، صَوْت العَدْل، صَوْتُ العِلم، واحترام الآخرينَ/ وحقهم في أن يكونوا (آخَرينْ)/ حقهم في أن يبلغوا الرُّشْدَ متى شَاءُوا/ وكالشَّمَال ـ الرِّيح ـ أحراراً فأمَّهاتُهُم ../ يَسُودُ صَوْتُ الحَقِّ، صَوْتُ الخَيْر، ذاك الذي يمكنُ أن يُجْمِلهُ صديقنا (قرنق) بالديموقراطيَّة الحقةِ/ ما نعرفُ أنهُ هُناكَ ثابتٌ كَهَيْكَل الفولاذِ يُمْسِكُ البناءَ في سَعَادَةِ القِرقيز والتتار والبشكيرãã/ فكر معي ملوال/ أيُّ مَجْدٍ سوفَ ننشِيهِ معاً على ضِفافِ النيلْ/ أيُّ مَجْدٍ، لوْ صَفتْ نِيَّاتنا الاثنينْ ../ فكر معي ملوال/ قبلَ أن تنتابَنا قطيعة رَعْنَاءُ/ باسم عزَّةٍ جَوْفاءْ/ أو باسم سَدَادِ دينْ/ يُوغِرُها الأعدَاءْ/ بالذي مرَّ بهِ الآباءْ/ فلنقل بَراءٌ نحن منها، بَرَاءْ، ننفضُ اليَدَيْنْ/ تفتَّحِي يا أمنياتِ الشَّعبِ عن مستقبل نحن معانيهِ معاً/ وعن هَناءةِ الشَّمال والجَّنوبْ/ عن نضارةِ الإخَاءِ في هذينْ/ يومَ لا تقومُ بيننا السُّدُودُ والحُدُودْ/ يومَ لا يُعذِبُ الجُدُودَ في قبورهِم حاضِرُنا/ لا الدِّينُ، لا الأصلُ، لا سِعَايَة الغريبِ، لا جناية الغبيِّ، لا وشايَة الوَاشِي تدُبُّ كالصِّلال في القلبَيْنْ/ فكر معي ملوال"! (غضبة، ص 47 ، 48).

(5)
ولئن غصَّت قصائده بالمرارات، جرَّاء استعلاءات (ابن العمَّة) الجَّهيرة، فإن سِر بقي، مع ذلك، على يقينه التام، عكس أغلب الاشتراكيين القوميين الجَّنوبيين، بأن الوحدة هي قدَر الجَّنوب والشَّمال معاً، وله في ذلك من بهاء الحُجَّة الكثير. فقد ظلَّ يرى أن جوهر الدعوى ينبغي أن ينصبَّ على إصلاح الخطأ الكامن "في مكان ما من مملكة الدنمارك"، وفق شكسبير بلسان هاملت! وفي حوار طويل دار بيننا، مطالع الثمانينات، هو والنور عثمان ونور الدين ساتي وأحمد الطيِّب زين العابدين وشخصي، حول جدل الوحدة والتنوع، حدثنا سِر أناى عن مفردة (جور)، وأحياناً (جورشول)، التى تطلق، فى كل اللغات الجنوبيَّة، على (الغريب) حتى لو جاء من يوغندا أو كينيا أو زائير، بينما تستخدم كل هذه اللغات مفردة (مندوكورو) في وصف (إنسان الشَّمال)، فلا يُعدُّ فى شرعتها (غريباً)، وإن فجَرْ! كما حدثنا عن هجرة الجنوبيين (شمالاً)، عندما تحاصرهم الحرب أو الفاقة، وليس (جنوباً)، إلا من استكره وقلبه مطمئن بالوطن! وأن الجَّنوبي، لدى تجواله فى مدن الشَّمال، لا يخامره أدنى إحساس بأنه (جورشول)، حتف أنف لفظة (عَبـِد) البذيئة تصك مسامعه في الأزقة، والمقاهى، ومحطات القطارات! وقال لنا ، مرَّة ، بشاعريَّة جمَّة: "ما تعانيه أمتنا ليس آلام المرض ، وإنما أوجاع الولادة"! وشارك بنشاط في تأسيس اتحاد الكتاب، واقترح لمجلته إسم (كرامة)، قال: "هذه الكلمة مستخدمة، بنفس دلالاتها العربيَّة الطيِّبة، فى كلِّ لغات الجَّنوب"! وكان حفيَّاً بكلِّ ما يدعم التساكن الدِّيموقراطي، شديد الثقة في أن السودان سيجتاز أزمته، وينهض باذخ القامة في وحدته، كثيف الجمال في تنوعه. لكنه لم يكفَّ، قط، عن التحذير من (مكامن الخطر)، والانذار بخبيئات (العواصف الآتية)، من هنا أو هناك!

(6)
إلتحق بعد الثلاثين من يونيو 1989م بالحركة الشَّعبيَّة، ثم بفصيل السيد رياك مشار المنشق عنها، وهو أحد فصيلين أبرمت معهما الحكومة، لاحقاً، ميثاق الخرطوم السِّياسي (10/4/1996م)، واتفاقيَّة السَّلام السُّودانيَّة (21/4/1997م)، والبروتوكول الخاص بجبال النوبا، ثم اتفاقية فشودة مع مجموعة د. لام أكول (سبتمبر 1997م)؛ فأسلمني ذلك إلى الأسى بقدر ما أسلمني إلى الحيرة! فالتشريعان الأساسيَّان اللذان ترتبا على تلك المواثيق والاتفاقيَّات (المرسوم الدستوري الرابع عشر ـ تنفيذ اتفاقية السَّلام ـ لسنة 1997م ، وقانون السَّلام والتدابير الانتقاليَّة للولايات الجنوبيَّة لسنة 1997م، بالمذكرة التفسيريَّة المرفقة معه) قد صدرا، أساساً، للإحاطة، فحسب، بما يكفي لاسترضاء تلك الفصائل، وإقناعها بأن ثمَّة وسيلة، غير البندقية، لتحقيق رؤيتها (الانفصاليَّة)، بالأساس، لظلامات الجَّنوب، وذلك بالتواثق معها على إجراء الاستفتاء حول (تقرير المصير) بعد سنوات الفترة الانتقاليَّة الأربع ããã ابتداءً من تشكيل (مجلس تنسيق الولاياتِ الجَّنوبيَّة) وفق المرسوم الرابع عشر. وما من عاقل لم يستطع أن يلمح في تلك الترتيبات، بكلِّ يُسر، تغليب خيار (الانفصال)، ضربة لازب، وجعله مزاجاً عاماً راجحاً! وهنا مكمن الحيرة! إذ أن ذلك، بالضبط، هو ذات الخطر الذي ظلَّ سِر نفسه يحذر منه! فتأمَّل أيَّة حالة من اليأس أوصلنا إليها شاعراً ومفكراً وسياسيَّاً وحدويَّاً مثل سِر، وكيف دفعنا به دفعاً على طريق التراجع المأساوىِّ من أوَّل (الوحدة) إلى أقصى (الانفصال)!

(7)
لم تمهل المنيَّة سِر أناى طويلاً، فتوفي إلى رحمة الله بلندن، شتاء 1999م. وهكذا أعفانا، مرَّة وللأبد، مِن مشقة مرأى عينيه الحزينتين، وهو يتلو علينا نشيد الختام، مثلما أعفى نفسه، هو أيضاً، مرَّة وللأبد، من نظرة الاستفهام الأخيرة في عيني حبيبته، وزوجته، وأمِّ عياله، السَّيِّدة رجبيَّة عبد الله مانجوك مابوك التي لطالما كابدت معه شظف العيش، انتظاراً لزمن جميل لم يأتِ أبداً؛ ثمَّ ها هي كتب عليها، بعد موته، أن تكدح وراء رزقها ورزق أيتامه ببيع الشَّاي لطلاب جامعة الخرطوم، بينما لا يزال يتردَّد فى مسامعها، ولا بُدَّ، شئ من صدى قصيدته (الثقبُ في سقف البيت) التى زيَّنها بإهداء رقيق لها في ديوانه، والتي لطالما هدهدها بدفئها في ليالي الجُّوع والبرد الموحشة: "آهٍ، لكَمْ تبدينَ حائِرَة، يا حبيبتى/ كأنَّكِ لمْ تدركِي، بعدُ، تماماً، لِمَ نبدو وكأننا لن نبلغ إلى أيِّ مكانْ!/ دَعِيني، إذن، أقولها لكِ صَريحَة/ ما نكابدُ الآنَ مِن شَقاءٍ هو، حَتمَاً، ما سيُشكِّلُ القيمَة السَّامية لكلَِّ ما سَنَجْنِي في نهَايَةِ المَطافْ/ ولذا فلا تغرَّنَّكِ لغة النَّجَاح والفشلْ/ فالثقبُ الذي يَرْشَحُ في سَقفِ بيتِنا قد يكونُ، بالحق، سببَ زكامِنا المُستديم/ لكنْ، أوَليسَ مُحتملاً أنه موجودٌ هناك، أيضاً، كي يحثنا على مُواصَلةِ النِّضال الرِّفاقِي، كتفاً إلى كتفٍ، مع الكتل الفقيرة"؟! (وَهْم، ص 59).

الهوامش:
ã تكاد طائفة (الختميَّة) تنفرد بشيوع هذا الاسم وسط أتباعها.
ãã من القوميَّات الآسيويَّة فى الاتحاد السوفيتى سابقاً. وواضح أن صلاحاً كان منبهراً، وقت كتابة هذه القصيدة، مثله مثل معظم الشيوعيين أوان ذاك، بما اعتبره حلاً ناجعاً لمشكلة القوميَّات وتساكنها فى إطار النموذج الستالينى للدَّولة الاشتراكيَّة.
ããã تم التواثق، لاحقاً، بين الحكومة والحركة الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبى لتحرير السودان، ضمن (اتفاقيَّة السَّلام الدَّائم CPA) التي أبرمت في كينيا، بمبادرة ورعاية دول (الإيقاد)، ومعاونة أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والنرويج، وفى غياب غالب الجسم السِّياسي المستقل في البلاد، على تقرير مصير الإقليم الجَّنوبي بعد فترة انتقاليَّة مدَّتها ستُّ سنوات (بروتوكول مشاكوس 20/7/2002م).






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,644,490,262
- يَا فَنْدُمْ أعْدَمْناهُ .. يَشْهَدُ الله!
- أَمَامَ كُلِّ جَنُوبٍ .. جَنُوب!
- فَصَلَ يَفْصِلُ فَصْلاً!
- الأَيْدِيُولوجِي المُضَاد!
- أَبْنَرْكَبْ الكَرْكَابَة!
- سِرِّي!
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (الحلقة الأخيرة)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (6)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (5)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (4)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (3)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (2)
- إِعْلامٌ .. أَمْ برُوبَاغَانْدَا (1)
- الأَمَازُونِيَّات!
- إِنْزِلاقَاتُ الصُّدُوع!
- عَوْلَمَةُ الشَّعْرِ الهِنْدِي!
- سَنَةُ مَوْتِ سَارَامَاغُو!
- رَطْلُ لَحْمٍ آخَر لِشَيْلُوك!
- الدَّوْحَة: أَبْوَجَةُ الذَّاكِرة!
- مَنْ تُرَى يُقنِعُ الدِّيك!


المزيد.....




- في لبنان.. إجراءات لمكافحة -المخدرات الرقمية-
- هامبورغ يعتذر لفرانك ريبيري بعد تعدي أحد مشجعي الفريق عليه ( ...
- موسكو وكييف تقتربان من توقيع اتفاقية لتسوية أزمة الغاز بينهم ...
- صحيفة: كويتيات انتحاريات يقاتلن مع -داعش-
- ارتفاع بورصة مصر خلال تداولات الخميس
- بالفيديو.. جرحى من -الجيش الحر- يتلقون العلاج في لبنان
- الإفراج عن طيار روسي قضى أكثر من عام لدى طالبان
- القمر -ميريديان- يصل مداره ويبدأ عمله
- شبكة RT تطلق قناة -RT المملكة المتحدة-
- 7 قتلى في باكستان بغارة جوية لطائرة أمريكية بدون طيار


المزيد.....

- الرأسمالية الوطنية : المفهوم والمصطلح. / تاج السر عثمان
- كيف نواجه الفقر والبطالة ؟!بين المواجهة التقليدية للنظام الح ... / إلهامي الميرغني
- من المقاطعة إلى المشاركة / خليل كلفت
- عندما ينجح السيسي / أحمد سعده
- الموازنة العامة للدولة / إلهامي الميرغني
- النقابات المهنية في مصر / إلهامي الميرغني
- وحدة القوي الاشتراكية المصرية الأمل والتحديات / إلهامي الميرغني
- أسطورة الجيش والشعب أيد واحدة / أحمد سعده
- الانقلاب العسكرى المكمِّل / خليل كلفت
- ثيوقراطية أم إستراتوقراطية أم ديمقراطية أم بزرميطية؟ / خليل كلفت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - كمال الجزولي - الثُّقْبُ فِي سَقْفِ البَيْت!