أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - كميل داغر - ألّهنا الطبيعة... ثم أكلناها!: مرامل كفور العَرْبي نموذجاً















المزيد.....

ألّهنا الطبيعة... ثم أكلناها!: مرامل كفور العَرْبي نموذجاً


كميل داغر
الحوار المتمدن-العدد: 3083 - 2010 / 8 / 3 - 23:25
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


مرملة تأكل الجبل

كلما مرت بخاطري بلدة كفور العربي، المجاورة لمسقط رأسي، تنورين، عاد بي ذلك الى زمن بعيد، وأنا لم أتجاوز بعد سن الطفولة بالكامل، حين كنت أتأملها، غالباً، من بيتٍ أقمنا فيه سنواتٍ عديدة، آنذاك، في بلدة دوما المقابلة.
كانت تبدو لي قريةً من الحلم، ببيوتها التي تكثر فيها السطوح القرميدية؛ وأشجار الصنوبر التي تزنِّرها من جهات عدة؛ وفي أقصاها إلى الشرق، أرزها الدهري، الملاصق لأرز نيحا وحدث الجبة، وفي الوقت عينه لأرز تنورين. وقد كانت كفور العربي واحدة بين قرى غير قليلة في جبال لبنان الشمالية شهدت منذ ما قبل أواسط القرن الماضي ظهور كتلة شعبية مؤثرة تنتمي الى اليسار، وفي حالتها، بالضبط، انطلاقاً، بوجه خاص، من دور طبيب شيوعي شعبي شق طريقاً مرتجلة إليها، على نفقته الخاصة، لمعالجة المرضى المعزولين، والفقراء، مجاناً، في معظم الاحيان. كان الدكتور رشيد معتوق يصعد اليهم من بلدته كفرحلدا المحاذية، بسيارة جيب قديمة بقي يستخدمها في تنقلاته الطبية حتى مصرعه، في حادث سير مأسوي ، في خريف عام 1956.
لم تكن علاقتي بتلك البلدة فقط بسبب منظرها الجميل، الذي كنت اطل عليه، كل صباح، من نافذة غرفة نومي، بل لأنني طالما ذهبت اليها، ورأيتها عن كثب، حين كان يتم اصطحابي لزيارة عمتي وجدي، المقيمين فيها مؤقتاً. وكان هذا الاخير يشرف على شق الطريق العمومية إليها، بتكليف من والدي، الذي رست عليه، في إحدى مناقصات الاشغال العامة، أعمالُ وصل كفور العربي بباقي لبنان و... العالم.
وكان اشد ما يذهلني في تلك البلدة الوادعة، كلما جئت اليها، وأنا طفل، اللون العميق الاخضرار للصنوبر والسنديان والزيتون، في أطرافها، ولكن أيضاً بين بيوتها، وحول دير بصّا، القابع إلى الشرق منها، على حافّةِ وادٍ مهيب يقع في أسفله نهر الجوز، القادم من جرود تنورين. كان لذلك الاخضر الرائع نضارةُ الاشياء التي وُلدت للتَّو، وهي النضارة نفسها التي جعلت الامبراطور الروماني،أدريانوس، يوعز في مطلع الألفية الاولى للميلاد بحفر أوامره على صخور شتى في الجبل اللبناني، مانعاً قطع الشجر في الغابة الشاملة، التي طالما غطت وطننا، من أدناه الى أقصاه، في الزمن القديم.
من النضارة إلى... الخراب!
كل هذا بات شيئاً من الماضي، مذ بدأت الاعتداءات على الطبيعة في كفور العربي، مع افتتاح الحرب الاهلية اللبنانية، في اواسط السبعينيات من القرن الماضي. وقد تمثلت أولى تلك الاعتداءات بقطع آلاف أشجار الأرز من غابة البلدة، التي تم استخدامها، لمزيد من السخرية والعبث، لأجل صنع صناديق التفاح! وقد تم ذلك في ظل السيطرة العسكرية للميليشيات اليمينية، هناك، طيلة تلك الحرب.
وتقول قبضةٌ صغيرة من أبناء البلدة، واعيةٌ لما تتعرض له هذه الاخيرة مذاك من مجزرة بيئية خطيرة، إن العائلة عينها التي اضطلع رأسُها بقطع اشجار الارز المعمِّرة، هي التي عمدت في العقدين الأخيرين، بعد استتباب السلم الأهلي، وإلى الآن، إلى استخدام نفوذها، ولا سيما انطلاقاً من موقعها المؤثِّر في بلدية البلدة، لأجل جرف وبيع عشرات الآلاف من اطنان الرمل، على امتداد كيلومترات عدة من خراج كفور العربي، وصولاً إلى مناطقها السكنية. فطيلة الأسبوع، تمر عشرات الشاحنات يومياً، على طريق ترابية كانت قد شقتها الميليشيات المشار إليها، خلال الحرب، مثيرةً زوابعَ من الغبار تغطي كل المنطقة، بأشجارها المختلفة وكرومها وبساتينها، وبيوتها، وأماكنها السكنية كافة، ومحدثةً عواقب وبيلة تطول كل شيء حي، من الشجر الذي ييبس، ومن ضمنه آلاف اشجار الكرمة والتفاح، التي لم تعد موجودة، الى الناس الذين يصابون بشتى الأمراض، ومن بينها الرَّبو، ولا سيما الأطفال منهم. علماً بأن زوال الطبقة الرملية، وأحياناً بسماكة عشرات الامتار، عن سطح الأرض، في مناطق شاسعة من البلدة، أدى الى الجفاف الكامل لمعظم الينابيع التي كانت تتوزع في أصقاعها، حتى أن مصدر المياه الأهم، الذي كان يروي آلاف الاشجار المثمرة، ويعرفه اهل كفور العربي باسم «النبع»، في أسفل غابة الأرز، لم يعد اكثر من ساقية صغيرة، مرشحةٍ للجفاف في وقت غير بعيد، بسبب الانتهاكات المخيفة للبيئة التي وصفناها أعلاه باقتضاب. وبالطبع فإن هذا الواقع يؤثِّر أيضاً إلى ابعد الحدود في تلوُّث المياه الجوفية، لا بل حتى في مجرد وجودها، ليس فقط ضمن البلدة، بل أيضاً في البلدات المجاورة، ولا سيما تلك التي في أماكن دنيا، باتجاه اواسط قضاء البترون، وحتى قضاء الكورة.
هذا ولا يمكن أن نتجاهل إطلاقاً الدور الحاسم جداً، الذي كانت قد لعبته مرامل كفور العربي، على صعيد الكارثة التي سبق أن أصابت كامل غابات الأرز، في مثلَّث الكفور – حدث الجبة – تنورين، في أواخر القرن الماضي، ومطلع هذا القرن، فتكاثرت فيها بصورة مخيفة حشرة السيفالسيا، وكادت تقضي على كامل تلك الغابات باليباس، لولا تدارك ذلك من جانب مجموعة من المتطوعين لحماية البيئة، ولا سيما على صعيد بلدة تنورين المجاورة، سارعت الى استقدام خبراء فرنسيين لتشخيص اسباب بدء اليباس الذي طال القسم الاكبر من تلك الغابات، وجعل لونها يتحول في معظمه الى ما هو اقرب الى البُنِّيِّ منه الى الأخضر الدائم القديم؛ ومن ثم الى رشِّ تلك الغابات، على مدى سنوات، بواسطة الطائرات المعدَّة لهذه الغاية، بالأدوية المناسبة، علماً بأن خطر تجدد انتشار هذه الآفة لا يزال محيقاً، طالما بقيت اسباب ذلك، ومنها ما يحصل بالضبط في كفور العربي!
الناس تأكل آلهتها!
خلال الجولة التي قمنا بها في اوائل الشهر الجاري، في أرجاء البلدة المنكوبة، للاطلاع على ما يحدث فيها وتصويره وتوثيقه، بصحبة مجموعة صغيرة من ابنائها الواعين لخطورةَ المنحدر الوعر الذي تنزلق في هاويته، والمصير القاتم الذي ينتظرها، اذا استمرت الجريمة المتمادية التي تُرتكب بحقها، وبعد قليل من بلوغنا أرز البلدة، وصل في أعقابنا أصحاب المرامل، بالضبط، مهددين متوعدين، وطالبين تسليمهم آلة التصوير الخاصة التي كانت تنقل بعضاً من تفاصيل الجريمة المشار اليها. وحين أيقنوا أنه لن يكون ثمة جدوى للتهديد، عمدوا الى محاولة التأثير بصورة مختلفة تماماً، فقالوا إن المرامل تؤمِّن معيشة اكثر من 40 الى 50 شخصاً ليس لهم مصدر آخر للعيش، وإن ما نفعله سيؤدي إلى قطع أرزاقهم. هذا مع العلم بأن مستثمرين سابقين للمرامل عينها، اكتفوا بما حصَّلوا من استثمارها من أموال طائلة لفتح مشاريع اخرى خارج البلدة، فيما يوسّع المستثمرون الحاليون أشغالهم المحلية، ويزيدون من عدد آليات الحفر والجرف والنقل، التي باتوا يملكونها، لأجل المزيد من نهش جسد القرية، التي لا تزال تحتفظ ببعضٍ مما كانت تزدان به من الاناقة والنضارة والصحَّة والجمال. إن الناس أنفسهم الذين طالما أعرب تيارٌ واسعٌ ينتمون اليه عن عشقه للبنان، الذي هو، في عُرْفِه، «قطعة سما»، و«الأجمل بين البلدان»، الى غير ذلك من الأوصاف التي يحفل بها قاموس لا ينضب من «العشق الكاذب للوطن»، و«عبادته»، بعد الله، لدى البعض، وربما قبله، لدى البعض الآخر، بحسب ادعاءاتهم، هؤلاء الناس يكررون ما سبق ان فعلته شعوب بدائية عديدة عبر العالم كانت تأكل آلهتها! مع فرق ليس بسيطاً، هذه المرة، أن هؤلاء الذين يلتهمون طبيعة كفور العربي، يخلقون واقعاً لا يمكن إزالة آثاره وعواقبه، وهم مستمرون في ذلك الى وقت ليس معروفاً. ولا سيما أنهم ، عدا سيطرتهم على مواقع القرار في البلدة - من ضمن ائتلافٍ محلي يجمع، الى حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، مجموعةً مؤثِّرةً من حركة «اليسار الديموقراطي»، في البلدة، يرأس أحدُ رموزها البلديةَ الحالية، علماً بأنه سبق أن أخذ قسطه، هو الآخر، من استثمار مرامل البلدة، فيما يشغل منصبَ نائبه المستثمرُ الأساسيُّ حالياً لمرامل كفور العربي-، فهم يحصلون على غطاء رسمي فاعل حتى الآن في السلطة الحالية، ولعبت وزارة البيئة، في الحكومة السابقة، دوراً أساسياً في تثبيت أقدامهم، وإسباغ تغطية شرعية لما هم يمعنون في ارتكابه، عبر القرار الذي سبق ان اتخذه الوزير السابق، باعتبار البلدة المشار إليها منطقة مرامل.
في كل حال، وأيّاً تكن التطورات الطارئة على تلك الكتلة الهامة، نسبياً، من أبناء البلدة، التي تعود أصولها التاريخية إلى صفوف اليسار، إجمالاً - ولكنها انتقلت، قبل سنوات قليلة، إلى مواقع يمينية، في سياق الانشقاق المعروف ضمن الحزب الشيوعي اللبناني، الذي أدى إلى ولادة ما بات يعرف بحركة اليسار الديموقراطي - فإن ثمة أهمية حقيقية للسعي لإعادة كسب جزء اساسي منها إلى قيم اليسار الفعلية، ومن ضمنها، بوجه خاص، ما يتعلق ببلدة كفور العَرْبي، ما يتعلق بحماية البيئة من جرائم رأس المال بحقها. وهو أمر قد يكون ممكناً، ولا سيما أن ثمة، إلى الآن، أفراداً من تلك الكتلة، ولو نادرين، يُبدون اهتمامهم، بشكل أو بآخر، بوضع حد للمجزرة البيئية التي تتعرض لها بلدتهم.
هذا وأن المشكلة الكبرى ليست هنا فقط، بل تكمن كذلك في غياب الوعي البيئي، أصلاً، لدى معظم أهالي البلدة، حيث إن المهتمين من أبنائها بحماية بيئتها قِلَّةٌ غير مؤثِّرة الى الآن، والى أن تصبح اكثر تأثيراً، وبما فيه الكفاية، يكون قد استُكمل خلقُ واقعٍ لا يعود ثمة مجالٌ إطلاقاً لإصلاحه.
لأجل ذلك، ثمة حاجة قصوى لدورٍ يُفترض ان تضطلع به ايضاً حالةٌ ضاغطة شاملة، من جانب المنظمات البيئية على صعيد البلد ككل، وبوجهٍ أخص، في محيط كفور العربي بالذات، لأجل وضع حد للكارثة الممعنة في التفاقم فيها، ولا سيما لإجبار الدولة على التدخل الحاسم لأجل هذه الغاية، ومن ضمن ذلك لأجل إعلان أرز البلدة محمية طبيعية، والوقف الكامل لاستغلال مراملها، وبالتالي التراجع عن القرار المشار إليه اعلاه، الذي كان اتخذه وزير البيئة السابق، وإجبار أصحاب هذه المرامل على أن يصلحوا قدر الإمكان ما سبق أن خرَّبوه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عن راهنية الثورة وأمور أخرى: رسالة تصحيح إلى فواز طرابلسي
- لأجل -ديمقراطية لبنانية- غير مشوّهة
- لا حل للقضية الفلسطينية إلا بتفكيك الدولة الصهيونية(*)
- الأممية الرابعة: من تروتسكي مؤسسا إلى الآن (المقدمة العربية ...
- بيان وزاري لحكومة وطنية غير موجودة
- رسالة من مواطن يساري إلى الأمين العام لحزب الله
- لأجل أن يتحقق الحلم حلم الشهداء الشيوعيين
- 4 أيّار في مصر و7 أيّار في لبنان: الصعود الجديد لصراع الطبقا ...
- نحو يسار يُحجم عن خلط الرايات
- إجابات أولية على طريق لقاء اليسار
- - نحن مع توحيد العالم العربي، لكن مع احترام الحقوق المشروعة ...
- ثورة 1789 اللبنانية التي لم تتم!
- من تل الزعتر إلى البارد، مسيرة الخذلان والاضطهاد والقهر
- لبنان والانتخابات الرئاسية في مَهَبِّ الرياح
- المحكمة ذات الطابع الدولي، أبعادها ومحاذيرها
- أفكار حول دور آخر ممكن-رسالة إلى غبطة البطريرك الماروني نصرا ...
- نحو قرار للجمعية العامة بوقف غير مشروط للنار على أساس آلية - ...
- لأجل أن ينتصر الدم على السَّيف
- ورقة للإصلاح أم لتشريع الفساد والظلم الاجتماعي؟
- سياسة حافة الهاوية وافتقاد يسار ثوري فاعل


المزيد.....




- تصنيف لأكثر الأقاليم الروسية تطورا وابتكارا
- رئيس مجلس الأمة الكويتي لرئيس الوفد الإسرائيلي: اخرج يا قاتل ...
- -المناطق المتنازع عليها- في العراق تعود للواجهة من جديد
- مدريد تستدعي سفير فنزويلا للاحتجاج على تصريحات مادورو
- قفزة في السياحة المصرية
- واشنطن: لا نستبعد تنامي التهديدات الإرهابية بعد النصر على -د ...
- مقتل 7 بتفجير استهدف شاحنة للشرطة في باكستان
- قيادي في الحشد يدعو العائلات التي خرجت من كركوك للعودة إليها ...
- هل تسببت البراكين في اختفاء مصر القديمة؟
- اختبارات أقوى حاجز مرور في العالم!


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - كميل داغر - ألّهنا الطبيعة... ثم أكلناها!: مرامل كفور العَرْبي نموذجاً