أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - النظام العلماني و الدّين العقلاني






















المزيد.....

النظام العلماني و الدّين العقلاني



سهيل أحمد بهجت
الحوار المتمدن-العدد: 2963 - 2010 / 4 / 2 - 12:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن الإنسان هو غاية إلهية على الأرض و إذا كان هذا الإنسان عاجزا كليا عن إدراك المنفعة و الفائدة فحينها لا يبقى معنى من وجود مخلوق أبله غبي يحتاج على الدوام إلى السماء لتنتشله و خصوصا أن كلا من الأديان الثلاث يزعم أنه "الدين الخاتم" و بالتالي انقطعت السماء أيضا عن إمداده بالمساعدة، فالدين، كأي شيء آخر، ساهم في ترقية الإنسان نحو الأفضل، و لكنه ليس السبب الوحيد و المصدر الوحيد للأخلاق، فالناس مرّنوا أنفسهم على الأخلاق قبل أن تكون هناك أديان لا لسبب إلا لأن الأخلاق نافعة و مفيدة للناس و هم سيبقون محتاجين إليها مع الدين أو بدونه، بالتالي إذا أصبح الدين عائقا أمام العقل البشري الذي يواجه مشاكل الطبيعة منذ ابتداء وجوده و إذا أصبح الدين تبريرا للتخلف و الدمار و الخراب فإن صفة القدسية تنتزع عنه في هذه الحالة إذ يصبح شأنا مادّيا بحتا لا علاقة له بالسماء.
يقول المسيري:
و على أية حال يطرح المعجم هذه التعريفات السلبية، أو التي تدّعي الحيادية جانبا، ليُعرّف العلمانية باعتبارها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقا واضحة و رؤية شاملة للكون، ففي مدخل "العلمنة" يشير المعجم إلى أن ثمة استخدامات أساسية في العلوم الاجتماعية نقلها المعجم عن مقال لـ Larry Shiner بعنوان "مفهوم العلمنة في البحوث التجريبية":
1 ـ إنحسار الدين و تراجعه (الرموز و العقائد و المؤسسات [الدّينيّة المهيمنة] تفقد مكانتها و نفوذها).
2 ـ الفصل بين المجتمع و الدين (إن ذروة هذا النوع من العلمنة هو ظهور عقيدة ذات طابع داخلي [جوّاني] محض، لا تؤثر في المؤسسات و لا في الأفعال الجماعية). [و حتى الآن يتعامل المعجم مع الدائرة الجزئية، و لكنه يبدأ في التعامل مع الرؤية الكلية الكامنة حتى يورد أوجه العلمانية الأخرى].
3 ـ التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلا من [التطلع إلى] مستقبل روحي (إن ذروة عملية العلمنة هي مجتمع مستوعب تماما في مهام الحاضر العملية).
4 ـ اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدّينيّة (المعرفة و أنماط السلوك و الترتيبات المؤسسية التي كان يُنظر إليها [في مرحلة سابقة] باعتبارها تستند إلى القوة الإلهية، يُعاد النظر فيها لتصبح ظواهر من إبداع الإنسان و حسب، فتقع تبعاتها على الإنسان وحده).
5 ـ اختفاء فكرة المقدّس (يفقد العالم تدريجيا طبيعته المقدسة عندما يصبح الإنسان و الطبيعة خاضعين للتفسيرات السببية العقلانية و التوظيف).
6 ـ إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس (أي العمليات التي يتحول المجتمع من خلالها من مرحلة ينظر فيها إلى جميع الظواهر ذات المعنى باعتبارها مقدسة، إلى مجتمع ينظر إلى جميع الظواهر تقريبا من منظور نفعي، و من ثم يمكن نبذها حين ينتهي نفعها). ـ العلمانية تحت المجهر ص 61 ـ 63
و هذه النقاط ستكون بشكل عام النقاط المفصلية التي سنراجعها مع نقد المسيري لها، و هي نقاط يحاول المسيري أن يقنعنا هنا ـ و إن بشكل خفي ـ أنها لا تعني إلا سلبية "الإلحادية المادية" و هي بشكل عام نقيض "للروح" و "المُثـُل"، أي أنها جامدة ميتة مقابل "الروح الحية"، و هذا الطرح كله لا يخلو من كونه "نظرية جميلة" و لكنها غير قابلة للتنفيذ و التحقق و هي إن وجدت فإن ذلك سيعني عودة الإنسان إلى الكهف و التخلي عن كل المنتج الحضاري، حتى اللغة و المحراث و الملابس و النار، و إذا كان الإنسان تخلى عن الإله و الدين فهو إنما تخلى عن الفكرة القديمة "الخرافية" للدين و الإله، ليبدأ البحث عن الإله العادل {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} ـ النساء ـ 40 الذي لا يمكن أن يكون عبثيا و غير عقلاني البتة، بينما المسيري حدد مفهوم الدين مسبقا في أنها (التوحيدية الإله الواحد المنزه عن الطبيعة و التاريخ، الذي يحركهما و لا يحل فيهما و لا يمكن أن يُرد إليهما) و بالتالي قسم الدين نفسه إلى حق و باطل و بالتالي جعل الفكرة الدينية هي المهيمنة و دون أن يستوعب التجربة الدينية بعموميتها، فكل الأديان أمام العقل متساوية، لهذا نجد تعدد الأديان و المذاهب، بل و حتى تنوع الفكرة و الحس الدّيني نفسه من إنسان إلى آخر، و حينما يعمد الإنسان إلى تحرير الدين من الاستغلال الدنيوي فهو يتصالح مع الدين لصالح الإنسان و الدين، فلا دين بدون إنسان و لكن هناك إنسان بلا دين.
ففي النقطة الأولى حول انحسار الدين و تراجعه و مؤسساته و التي أُفضل أن أسميها بالكهنوتية، هو نتيجة تراكم تاريخي طويل من تورُّم و تضخم دور الدين إلى حد أصبح مهيمنا على كافة مجالات الحياة البشرية و انتهى الأمر بالإنسان أن يصبح مصيره معلقا بيد إنسان آخر باسم "المرجعية الفكرية المتجاوزة ـ و هذه الكلمة هنا لا علاقة لها قطعا بمصطلح المرجعية الشيعي" لينتهي العقل إلى الثورة على إضفاء القدسية على أخطاء الإنسان و أفعاله المادية، إذا فإن انحسار الدور الديني جاء نتيجة تجاوز الدين لحدوده.
النقطة الثانية التي طرحها المعجم عن تحول المجتمع الديني إلى المجتمع العلماني هو نتيجة واقعية لتحول الإنسان من اللا مسئولية ـ حين كان يلقي تبعات تقصيره على الله و الغيب و القدر ـ إلى المسؤولية ـ حين يلوم الإنسان نفسه فعليا على الخطأ أو يمدح و يكافيء الشخص لإنجازه الفعلي ـ و من هنا ينكمش الغيب إلى المستوى الروحي الشخصي، و من هنا نجد افتقاد المجتمعات الغيبية "الخرافية" إلى القانون و بنقيضها المجتمع العلماني ـ و عماده القانون، نجد أن المواطنين متأكدون من أن الحكومة و النظام سيقومان بأداء الحقوق إلى حدّ أنهم يفقدون اهتمامهم بالشؤون السياسية إلا أؤلئك المواطنين الذين يفضلون الاهتمام بالسياسة، إن المجتمع العلماني ليس سوى شيء واحد، بالرغم من أن المسيري يريد أن يوحي لنا بأن العلماني هنا يعني ملحد، و هو أن الدولة لا تتدخل في قناعات المواطنين الدّينية و الفكرية، فللمواطن الحق في أن يعتنق أي دين أو عقيدة، لكن في العالم الإسلامي ـ مثالنا هنا هو مصر و ليبيا و الأردن ـ هناك علمانية "إنتقائية" مشروطة، و العلمانية حينما تكون ناقصة فهي تخلق تناقضا عقليا ينتهي بالتطرف و الدكتاتورية لأن عملية التطور العقلاني هنا مقيدة بقيود ما يزعم أنه "منهج أخلاقي"، بينما هي في الواقع قيود أيديولوجية سياسية تتمظهر بالأخلاق.
أما النقطة الثالثة فتشير إلى أن العلمانية تركز على رؤية الوضع الراهن و التركيز عليه و هو ما يغمز له المسيري بالإيحاء السلبي بينما في الحقيقة هذا أمرٌ إيجابي، فالدّين رُبط قسرا بالماضي ـ رغم أني أريد أن أستثني المذهب السني الذي لا يرى أي غاية دينية إلا يوم القيامة (الخراب) ـ و بالتالي فقد الإنسان عنصر التوازن الذي يحيط بأبعاد الزمن الثلاث و ركز على الماضي و المستقبل محصورا في يوم الحساب.
و النقطة الرابعة جديرة بالاهتمام لأن اضطلاع أناس "مدنيين" بالشؤون الدينية هو أقرب إلى الإسلام منه للمسيحية لأن الإسلام لا يحوي داخله طبقة كهنوتية ـ بينما الواقع هو نقيض ذلك ـ و كل مؤسسة دينية تزعم أنها نابعة من الحق الإلهي أو السلطة الإلهية و هذه المؤسسات نفسها ـ لو تركت حرة تتصرف دون تدخل من الدولة ـ تضطهد بعضها البعض و ربما انتهت إلى أنها تحتكر "الله" ذاته و أن الآخرين لا صلة لهم به، فالدين و مؤسساته و إن ارتبط روحيا بالمطلق إلا أنه على أرض الواقع يطبق بالمعايير البشرية المرتبطة بنزوات و شهوات الإنسان التي تحول الدين إلى "شيء" أو "سلعة" يراد الاتجار بها { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} آل عمران 77 { خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} آل عمران 199 فالدين التبريري هو جريمة حقيقية ترتكب بحق البشرية.
أما الزعم بأن العلمانية تنتهي إلى اختفاء فكرة "المقدس" و إلصاق هذا الأمر بالعلمانية، دون التطور العلمي الواقعي، كما في النقطة الخامسة، فهو مغالطة فعلية حقيقية، فالعلمانية هي النتيجة و ليست السبب و العلة، فاكتشاف الإنسان لعلم النفس الحديث و أن كثيرا من الأمراض النفسية و العقلية ليست "مسّا من الجن" كما كنا نتصور في الأزمنة القديمة، بل هي مشاكل نفسية و صحية تصيب الإنسان، و هذا نموذج بسيط من تخلي الإنسان عن العقل الخرافي الذي ينسب كل شيء ـ حتى الشّر و السوء ـ إلى الله مباشرة و من دون وسائط فلسفية أو علمية، و هنا نحن أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن ننسب كل ما هو مادي و إنساني و طبيعي إلى الله، لأن الفعل الإلهي لو شمل الإنسان فالأحرى به أن يشمل الطبيعة، أو أن ندرس الظواهر الطبيعية كلها ـ بما في ذلك الإنسان ـ وفقا للقوانين الطبيعية و الإنسانية و بالتالي ننزه الإله عن فعل الشّر الذي يوجد في المادة و الطبيعة ـ و الطبيعة هنا ليست شرا إلا عندما ترتبط منفعة أو ضررا بالإنسان ـ فحينما يفترس الأسد غزالا أو جاموسا فهذا يبدو للعين البشرية شرا و قبيحا بينما في الحقيقة الأسد و الحيوانات المفترسة الأخرى ـ و النباتات التي تفترس الحشرات ـ كلها مضطرة غريزيا إلى ذلك و الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يذبح الشاة أو البقرة بعيدا عن عيون أقرانها، و هو الحيوان الوحيد الذي يطبخ فريسته.
تبقى النقطة السادسة و الأخيرة و المتعلقة بالمجتمع الذي يتخذ من أُسس العلمانية وسيلة للتحول بدلا من المقدس الديني، و الحقيقة التي يجدر الوقوف عندها هنا هو أن المجتمعات الدّينية لا تشهد تغييرات فعلية، فهي قد تتخلى عن طقس من الطقوس أو طريقة من الطرق، و لكن الدين و حسب ما نتعرف عليه من خلال التطبيق البشري هو تقليد مكرر و نمطي إلى أبعد الحدود، أما المجتمع العلماني فهو متنوع الأفكار و الأنماط الحياتية، فالدين غالبا ما يتحول إلى "طريقة وحيدة للنجاة" بينما يذهب الجميع ـ المختلفون مع هذا الدين ـ إلى الجحيم و عذابات الآخرة المرعبة و الرهيبة.

Email: sohel_writer72@yahoo.com

Web: http://www.sohel-writer.i8.com






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,524,682,579
- علاوي و الطائرة الأمريكية
- المرحوم عبد الوهاب المسيري و عمى الألوان
- محاولات في تعريف العلمانية
- إرهاب.. تحت قناع الفلسفة
- تطابق المصطلحات بين مقتدى و البعثيين
- العلمانية مقدمة للحرية
- في نقد -تطور العلمانية-
- عادل إمام... رئيسا منتخبا لمصر
- العلمانيّة في مواجهة المشكّكين
- العلمانية بين السؤال العبثي و اليقين الجامد
- سيف الخياط و استعادة الكرامة العراقية
- العلمانية... موقف وسطي
- نسبية الأخلاق و التدين
- العلمانية و -الاغتراب- كضرورة
- تجليات علمانية
- أوهام... ما وراء فصل الدين عن الدولة حلقة ثانية
- أوهام... ما وراء فصل الدين عن الدولة
- كرموا سيد القمني... ثم اقتلوه
- العلمانية و الإنسانية... إشكالات نقدية
- ما هي العلمانية من منظور خصومها؟؟


المزيد.....


- مأساة المسلم بين مخابرات الاله ومخابرات حكامه... / افتيم ديلافيقا
- هل معني الحوار والديمقراطية هو اقصاء الاخر وطلب خروجه من الم ... / داليا علي
- عفوا دكتور سيد القمنى / ميشيل ادوار خليل
- بيان بشأن إعدام مواطن لبنانى فى السعودية بتهمة السحر / أحمد صبحى منصور
- الجهل خير من العلم / هشام محمد
- أنا وأعدائي الوهابيين .. ! / ياسمين يحيى
- الطاقة المعتمة ومرادفاتها / رعد الحافظ
- مقاربة نقدية لحديث خير القرون قرني (6) / عبدالحكيم الفيتوري
- نحن نعيش خارج التاريخ بسبب الاحتباس التواصلي، والحلّ هو الاج ... / محمد الحمّار
- الحزبوسلامي بين الحرص على استغلال المناخ الديمقراطي، والانشد ... / محمد الحنفي


المزيد.....

- مصر لا يجب أن تفتح معبر رفح
- مسيحيو الموصل للتطوع لقتال داعش داعين لتجهيزهم وتدريبهم
- المستقبل مضارعا
- مجلس الأمن: لحظر شراء النفط من الإسلاميين في العراق وسوريا
- المرصد السوري: الدولة الاسلامية تفتح مكتبا في سوريا لتزويج ا ...
- تقرير الخارجية الأمريكية عن الحريات الدينية في العالم: 2013 ...
- علاقتى بنصر حامد أبو زيد
- بانوراما : العدوان الغاشم على غزة واجواء عيد الفطر في الدول ...
- بالفيديو..مفتي الجمهورية يهنيء المصريين والأمة الإسلامية بعي ...
- العيد في زمن الفتنة


المزيد.....

- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري
- تفنيد البشارات المزعومة بمحمد ويسوع / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سهيل أحمد بهجت - النظام العلماني و الدّين العقلاني