أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل - ماهر الشريف - تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة















المزيد.....



تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة


ماهر الشريف
الحوار المتمدن-العدد: 2944 - 2010 / 3 / 14 - 13:17
المحور: ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل
    


(نص محاضرة أُلقيت في صالة السيد للفنون التشكيلية بدمشق، يوم 11 آذار 2010، وذلك بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة العالمي)

كانت قضية المرأة وتحررها من القضايا البارزة التي عالجها خطاب عصر النهضة العربية، هذا الخطاب الذي تمحور حول السؤال الرئيس التالي: "لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا". فبعد أن اكتشف المثقف العربي الحديث تقدم الغرب، عن طريق قنوات عديدة، صاريُجري مقارنة بين "الأنا" و "الآخر"، ويبحث عن الأسباب التي أدّت إلى تأخر الشرق، من جهة، وتقدم الغرب، من جهة ثانية، ويدعو إلى اقتباس الأسس التي سمحت للغرب بالتقدم، وذلك على قاعدة الاقتباس المشروط، وليس التقليد الأعمى، والتمييز بين التمدن الحقيقي والتمدن الزائف. وفي سياق عملية المقارنة هذه، اكتشف المثقف العربي الحديث أن "تأخر" وضع المرأة في الشرق كان من مظاهر تأخر المجتمعات الشرقية، في حين أن "تقدم" وضع المرأة في الغرب كان مظهراً من مظاهر تقدم المجتمعات الغربية ونجاحها في تملك أسباب الحداثة المجتمعية.

مقارنة وضع المرأة الشرقية بوضع المرأة الغربية
كانت الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر ربما المناسبة الأولى لاكتشاف أحوال المرأة الأوروبية، وبخاصة الفرنسية. ويحدثنا الجبرتي، في تاريخه "عجائب الآثار" لعام 1800 ، عن بدايات حركة السفور في مصر، حيث يصف لنا ما أصاب بعض نساء القاهرة من التحرر نتيجة مخالطة المصريين للفرنسيين ومحاكاتهم في الزي وفي السلوك. كما يحدثنا عن إقدام بعض الفرنسيين على اعتناق الإسلام والزواج من بنات أعيان المصريين، وعن هرب "الجواري السود" من بيوت أسيادهن والتجائهن إلى الفرنسيين طلباً للحرية "لما علمن-كما يكتب- رغبة القوم في مطلق الأنثى"، أي في تحررها . ويبدو من حديثه بأنه قد تبلورت آنذاك في المجتمع المصري فئة اجتماعية لا ترى بأساً من مخالطة الفرنسيين، ومن تفهم وجهة نظرهم عن المرأة سواء في موضوع السفور والحجاب أو في موضوع وضع المرأة في الأسرة وفي المجتمع (لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديث. من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل، الجزءان الأول والثاني، القاهرة، مطبعة مدبولي، 1978 (الطبعة الرابعة)، ص 196-208).

وعندما وطئت قدما الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي أرض فرنسا، التي سافر إليها عام 1826 في إطار البعثة العلمية التي أوفدها حاكم مصر محمد علي، كان من جملة ما استوقف نظره الحرية التي تتمتع بها المرأة الفرنسية ووضعها المتقدم في المجتمع الفرنسي بالنسبة إلى ما ألفه في بلاده. وقد توقف الطهطاوي، في كتابه "تخليص الإبريز" الذي أصدره عام 1834 بعد إقامته في فرنسا التي دامت خمس سنوات، أمام قضايا سفور المرأة الفرنسية، واختلاطها بالرجل، واحترام الرجل لها.

فخلافاً للجبرتي الذي رأى في سفور النساء واختلاطهن بمجتمع الرجال مظهراً من مظاهر الانحلال الخلقي، نفى الطهطاوي أن يكون للسفور أو للحجاب صلة بفساد الخلق أو الفضيلة، حيث كتب : "وحيث إن كثيراً ما يقع السؤال من جميع الناس عن حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء. وملخص ذلك أيضاً أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة، والتعوّد على محبة واحد دون غيره وعدم التشريك في المحبة والالتئام بين الزوجين".

ويصف الطهطاوي وجهاً من وجوه الاختلاط بين الجنسين في المراقص أو "البالات"، كما يسميها، فلا نحس في كلامه امتعاضاً، بل نحس منه إعجاباً شديداً بالرقص الافرنجي والسمو به إلى مستوى الفن الجميل، حيث يكتب: "وقد قلنا إن الرقص عندهم فن من الفنون... ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس، وكأنه نوع من اللياقة والشلبنة، لا من الفسق، فلذلك كان دائماً خارجاً عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء لأنه لتهييج الشهوات"، ويتابع الطهطاوي واصفاً حفلات الرقص التي شاهدها، مشيراً إلى الاحترام الذي يكنّه الرجل الفرنسي للمرأة، فيكتب: "والبال قسمان: بال عام، ويدخله سائر الناس، كالبال في القهاوي والبساتين، والبال الخاص، وهو أن يدعو الإنسان جماعة للرقص والغناء والنزهة ونحو ذلك، كالفرح في مصر... والبال دائماً مشتمل على الرجال والنساء وفيه وقدات عظيمة وكراسي للجلوس... والغالب أن الجلوس للنساء، ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء. وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن كرسي خالياً، قام رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها. فالأنثى دائماً في المجالس معظّمة أكثر من الرجل، ثم أن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه، ولو كبر مقامه.." (لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديث. من الحملة الفرنسية إلى عصر إسماعيل، الجزءان الأول والثاني، القاهرة، مطبعة مدبولي، 1978 (الطبعة الرابعة)، ص 260-265).

أما قاسم أمين، الذي أمضى عدة سنوات في ثمانينيات القرن التاسع عشر في فرنسا لاستكمال دراسته العليا في كلية مونبلييه، فيذكر بأن "أول ما يستوقف نظر الشرقي الذي يحل في مدينة من مدن أوروبا هو المركز المهم الذي تشغله المرأة فيها، ويظهر له من أول وهلة أن التقسيم المصطلح عليه في بلادنا بين العيشة الداخلية والعيشة الخارجية، هذا التقسيم الذي يحول دون اشتراك الصنفين في جميع أطوار الحياة ومظاهرها، ليس من القواعد المعترف بصحتها في تلك البلاد. فإذا ترك أوروبا وجال في أرض أمريكا، شخص بصره مندهشاً من المنظر العجيب الذي يراه، واستولى الاستغراب على عقله إلى درجة الاضطراب. فيجد أن تقسيمه الغريب قد اضمحل حتى كاد يكون معدوماً، ويرى النساء يشتغلن بأشغال الرجال، والرجال يعملن أعمال النساء بلا فرق..." ( قاسم أمين، "الواجب علىالمرأة لنفسها" ، من كتاب المرأة الجديدة، 1900؛ في: محمد كامل الخطيب(تقديم وتحرير)، قضية المرأة، القسم الثاني، دمشق، وزارة الثقافة، 1999، ص 217-238).

أسباب تخلف أوضاع المرأة الشرقية
ولكن ما هي الأسباب التي جعلت أوضاع المرأة الشرقية متأخرة بالمقارنة مع اوضاع المرأة الغربية؟
في إجابته عن هذا السؤال، توقف المثقف النهضوي الحديث أمام جملة من الأسباب، من أهمها الاستيداد المسيطر على المجتمع، والجهل الذي تعاني منه المرأة نتيجة حجبها داخل البيت وحرمانها من فرص التعلّم والعمل، والنظرة الدونية إليها، بالإضافة إلى بعض الظواهر الاجتماعية التي تنعكس سلباً على حياتها، مثل تعدد الزوجات والزواج المبكر ولجوء الرجل إلى الطلاق بأيسر السبل.

ففي تمهيد كتابه "تحرير المرأة"، الصادر عام 1898، اعتبر قاسم أمين أن الاستبداد عندما يغلب على أمة يتحوّل إلى ظاهرة مجتمعية، بحيث "ينفث روحه في كل قوي بالنسبة إلى كل ضعيف متى مكّنته القوة من التحكّم فيه".

ولما كانت المرأة ضعيفة "اهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالاحتقار والامتهان وداس بأرجله على شخصيتها". وتابع قائلاً: "عاشت المرأة في انحطاط شديد أياً كان عنوانها في العائلة، زوجةً أو أماً أو بنتاً، ليس لها شأن ولا اعتبار، خاضعة للرجل لأنه رجل ولأنها امرأة. فني شخصها في شخص الرجل، ولم يبقَ لها من الكون ما يسعها إلا ما استتر من زوايا المنزل، واختصت بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعاً للذة. يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطرق متى شاء. له الحرية، ولها الرق. له العلم، ولها الجهل. له العقل، ولها البله. له الضياء والفضاء، ولها الظلمة والسجن. له الأمر والنهي، ولها الطاعة والصبر. له كل شيء في الوجود، وهي بعض ذلك الكل الذي استولى عليه" (قاسم أمين، تحرير المرأة، القاهرة، المكتبة الشرقية، 1905 (الطبعة الثانية)، ص 15-17 ).

أما فارس الشدياق، الذي رأى بأن من أهم عوامل تخلّف الشرق تفشي الجهل بين أبنائه عامة، وبين النساء منهم خاصة، فقد ردّ جهل المرأة إلى موقف الرجل منها، حيث أن الرجال الشرقيين " يتركون النساء–وكما كتب- على حالهن تلك من الجهل والغباوة"، الأمر الذي ينعكس سلباً على تربية أولادهن. وهو الأمر الذي لاحظه كذلك شبلي شميل، الذي قدّر بأن الأم الجاهلة تجني على الطفل والمجتمع جناية نكراء. "تصوّر"، كما كتب، "أماً حمقاء لا تعرف من قوانين الصحة إلا الأكل حتى على الشبع، ومن آداب التمدن إلا البهرجة والتزيّن بالحلي الباطلة، وهي عاطلة من حلي الآداب الحقيقية ومن العلوم، غير ما تقوى به الأوهام وتفسد معه الأحكام" (ماجد فخري،الحركات الفكرية وروادها اللبنانيون في عصر النهضة 1800-1922، بيروت، دار النهار للنشر، 1992، ص 115 و ص 123).

بينما عالجت باحثة البادية (1886-1918) بالتفصيل الظواهر الاجتماعية المتعلقة بحياة المرأة وعلاقتها بالرجل، فرأت أن طريقة الزواج في مصر " طريقة معوجة عقيمة، نتيجتها في الغالب عدم الوفاق بين الزوجين "، مضيفة بأن ما " جعل مسألة الزواج عندنا (نحن المسلمين) هينة لينة إباحة الدين الحنيف الطلاق وتعدد الزوجات ". ولكن حاشا أن يكون قصد الشارع -كما تابعت- " ما نراه الآن من الفوضى في أدق الروابط الاجتماعية ومن نقض عهود الأسر وقلب نظامها، فإن الأديان لم تخلق لجلب البؤس وإنما خلقت لإسعاد البشر...". ونظرت باحثة الباديية إلى تعدد الزوجات باعتباره "عدو النساء الألد، وشيطانهن الفرد "، وهو " مفسدة للرجل، مفسدة للصحة، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق، مفسدة للأولاد، مفسدة لقلوب النساء ". كما عارضت الزواج المبكّر، والرأي القائل بأن " سن البلوغ يجب أن يكون هو بعينه سن الزواج "، معتبرة بأن الفتاة في الثانية عشرة لا تفهم شيئاً من معنى الزواج، ولا تعلم شيئاً من أمور البيت"، ومؤكدةً بأن تزويج الصغار" لعب فيه شقاء للأمة من عدة وجوه: عناء في الزوجية، ونتيجته دائماً الشقاق أو الانفصال، كثرة وفيات الأطفال، ضعف النسل، إصابة النساء بالأمراض العصبية والأمراض النسائية الأخرى " ( باحثة البادية (1886-1918)، "الزواج؛ "تعدد الزوجات أو الضرائر"؛ "سن الزواج "؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، دمشق، وزارة الثقافة، 1999، ص 37-53).

ما هي وسائل الارتقاء بوضع المرأة؟
لقد قدّر المثقف النهضوي الحديث بأن المرأة الغربية لم تتقدم في المجتمع، وتصبح "مساوية للرجل في الحقوق"، إلا بفضل ما بلغته من العلم وبفضل فتح أبواب العمل واسعة أمامها.

وكان الشيخ الطهطاوي من أوائل الذين شدّدوا على أهمية تعليم المرأة وتوفير فرص العمل أمامها، لما لذلك من انعكاسات إيجابية عديدة على المجتمع بأسره، حيث كتب: "ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معاً، لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما يزيدهن أدباً وعقلاً، ويجعلهن بالمعارف أهلاً، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن، لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش مما ينتج من معاشرة المرأة الجاهلة لمرأة مثلها، وليمكّن المرأة، عند اقتضاء الحال، أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال، على قدر قوتها وطاقتها... فالعمل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربّها من الفضيلة، وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون ويلبسون ويفرشون، وفيما عندهم وعندها وهكذا" (رفاعة الطهطاوي، "في تشريك البنات مع الصبيان في التعلّم والتعليم وكسب العرفان"، من كتاب المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين، الصادر عام 1872؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الأول، دمشق، وزارة الثقافة، 1999، ص 233-236).

وعلى خطى الطهطاوي، اعتبر بطرس البستاني، رائد النهضة الفكرية في بلاد الشام، أن تعليم المرأة شرط من شروط التمدن الصحيح، وسبب من أسباب النهضة بالمجتمع، حيث أنه " لا يمكن وجود العلم في عامة الرجال من دون وجوده في عامة النساء ". ورأى بأن فوائد تعليم المرأة كثيرة " منها ما يرجع إلى المرأة المتعلمة نفسها، ومنها ما يعود إلى زوجها، ومنها ما يرجع إلى أولادها، ومنها ما يشمل العالم أجمع... فالناتج مما تقدم إذا حاولنا إصلاح قوم يكون تعليم النساء هو الدرجة الأولى من السلم، والباب الذي يجب أن يفتح أولاً وبدياً، مبتدئين في ذلك من صغرهن" (بطرس البستاني، "خطاب في تعليم النساء" (1849)؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الأول، ص 213-231).

أما فرح أنطون ، الذي أطّر مجلته "الجامعة"، التي أنشأها عام 1899 في القاهرة، بعبارة : "يكون الرجال كما تريد النساء، فإذا أردتم أن تكونوا عظماء وفضلاء، فعلّموا النساء ما هي العظمة والفضيلة"، فقد خصّ مجلته هذه ببابين، هما: باب التربية والتعليم، وباب المرأة والعائلة، معتبراً " أن أوان التربية العائلية قبل التربية المدرسية، فالأولى أساس للثانية، والتربية العائلية من شؤون المرأة ووظيفتها لأنها أم، والأم هي المربية الطبيعية: فالمرأة هي، إذاً، التي تضع بيدها اللطيفة النحيفة في روح الأمة ذلك الأساس الوطيد الذي يجب أن تنبني عليه الفضائل السياسية. ففي إصلاح شأن المرأة إصلاح الهيئة الاجتماعية كلها". ولم يتوقف فرح أنطون في مساعيه لمعالجة قضية المرأة وتعليمها في نطاق مجلة "الجامعة"، بل عمل على إنشاء مجلة "السيدات والبنات" لأخته روز، حيث تخفّى وراءها، وكتب على صفحاتها صراحة ومداورة كثيراً من المقالات التي تعنى بشأن المرأة (مارون عيسى الخوري، في اليقظة العربية. الخطاب السوسيوسياسي عند فرح أنطون، طرابلس لبنان، جروس برس، 1994، ص 121-127).

ومن منطلق قناعته بضرورة تمكين المرأة من الاعتماد على نفسها في المجتمع، وتربيتها " على أن تكون لنفسها –أولاً- لا أن تكون متاعاً لرجل"، أبرز قاسم أمين أهمية دخول المرأة ميدان العمل. فمع إقراره بأن الفطرة قد أعدت المرأة " إلى الاشتغال بالأعمال المنزلية وتربية الأولاد "، وجعلتها " معرضة لعوارض طبيعية كالحمل والولادة والرضاع لا تسمح لها بمباشرة الأعمال التي تقوى عليها الرجال "، إلا أنه رأى بأن من الخطأ " أن نبني على ذلك أن المرأة لا يلزمها أن تستعد بالتعليم والتربية للقيام بمعاشها وما يلزم لمعيشة أولادها... وذلك لأنه يوجد في كل بلد عدد من النساء لم يتزوج، وعدد آخر تزوج وانفصل بالطلاق أو بموت الزوج، ومن النساء من يكون لها زوج ولكنها مضطرة إلى كسب عيشها بسبب شدة فقره أو عجزه أو كسله عن العمل. ومن النساء عدد غير قليل متزوجات وليس لهن أولاد، كل هؤلاء النسوة لا يصح الحجر عليهن عن تناول الأشغال الخارجية عن المنزل بحجة أن لهن رجالاً قائمين بمعاشهن، أو لأن عليهن واجبات عائلية، أو لوجود عوارض طبيعية تحول بينهن وبين العمل" (قاسم أمين، "الواجب علىالمرأة لنفسها" ، من كتاب المرأة الجديدة، 1900؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الثاني، ص 217-238).

وإلى جانب توفير فرص التربية الحسنة والتعليم والعمل لها، ركّز المثقف النهضوي الحديث على ضرورة تحرير المرأة من الحجاب [بمعنى النقاب وليس بمعنى غطاء الرأس] ، الذي يمنعها من دخول معترك الحياة العامة، وهو حجاب " لا نجد نصاً في الشريعة يوجب[ه] على هذه الطريقة المعهودة "، وإنما هو–كما ذكر قاسم أمين- عادة عرضت على العرب المسلمين " من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين براء منها... ". كما ركّز ذلك المثقف على ضرورة تخلي الرجل عن بعض العادات الاجتماعية الفاسدة ، وعلى رأسها عادة الزواج بأكثر من امرأة. ففي رأي قاسم أمين " لا يعذر رجل يتزوج أكثر من امرأة، اللهم إلا في حالة الضرورة المطلقة، كأن أصيبت امرأته الأولى بمرض لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية "، أو " ما إذا كانت عاقراً لا تلد، لأن كثيراً من الرجال لا يتحمّلون أن ينقطع النسل في عائلتهم". أما في غير هذه الأحوال، " فلا أرى –كما كتب- تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية، وهو علامة تدل على فساد الأخلاق واختلال الحواس وشره في طلب اللذائذ". وأكد أمين بأن من يدقق في النصوص القرآنية التي وردت في تعدد الزوجات يجد " أنها تحتوي إباحةً وحظراً في آن واحد"، مستشهداً على ذلك بآيتين من سورة النساء: الأولى: "فانكِحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاثَ ورُباعَ، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدةً أو ما ملَكَت أيمانُكم ، ذلك أدنى أن لا تعولُوا" (النساء، 3)، والثانية: " ولن تستطيعوا أن تَعدلُوا بين النساء ولوحَرَصتُم فلا تميلوا كلَّ المَيل فتَذَروها كالمعُلَقة، وإن تُصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً" (النساء، 129). فمن هاتين الآيتين، يتضح –كما أكد- أن الشارع " علّق وجوب الاكتفاء بواحدة على مجرد الخوف من عدم العدل، ثم صرّح بأن العدل غير مستطاع..." (قاسم أمين، "حجاب النساء من الناحية الدينية"، من كتاب تحرير المرأة، 1898؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الأول، ص 313- 323؛ و"تعدد الزوجات"، من كتاب: تحرير المرأة؛ في: الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، ص 123-130).

وفي الاتجاه نفسه، نبّه المصلح التونسي الطاهر الحداد، في كتابه: "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" إلى أن القهر المسلّط على المرأة ليس ناتجاً عن الدين بل هو من فعل التاريخ، معتبراً أن الدين قد منح المرأة حقوقاً حرمها منها المسلمون، كما أن "الأحكام الشرعية"، التي كان لها دور كبير في ما تعيشه المرأة من أوضاع مزرية، ليست الأحكام التي قررها الله في كتابه وعبّر عنها الرسول في سيرته قولاً وفعلاً، بل هي أحكام وضعها فقهاء خضعوا لظروف عصورهم ولأحوال بيئاتهم أكثر مما خضعوا لروح النص ولمقاصده الكبرى. وانطلاقاً من قناعته هذه، شن الحداد حملة على تعدد الزوجات، ودعا إلى تمكين المرأة من حقها في اختيار زوجها، وعارض طرق إيقاع الطلاق ودعا إلى إرجاع الأمر فيه إلى القضاء المختص وإلى تمكين المرأة من الحق في طلب الطلاق. وذهب إلى أنه ليس في نصوص القرآن ما يمنع المرأة من تولي أي عمل في الدولة أو المجتمع مهما كان هذا العمل عظيماً (عبد الرزاق الحمامي، "المرأة في
).almaraalinsaan.maktoobblog.com مشروع الحداثة التونسي"،

محدودية خطاب عصر النهضة
إن استيعاب مضامين خطاب عصر النهضة حول قضية المرأة يتطلب من الباحث أن يضع هذا الخطاب في سياقه التاريخي، كي يدرك محدوديته، وهو ما يتبيّن، على سبيل المثال، في موقف بعض مفكري ذلك العصر من مسألة كانت موضع جدل في الأوساط الفكرية آنذاك، ولم تعد مطروحة اليوم، كما كانت في الماضي، وهي مسألة المساواة بين الرجل في الطاقات أو الكفاءات.
وكان شبلي شميل، من أبرز الذين عالجوا هذا الموضوع بطريقة أثارت حفيظة عدد من السيدات آنذاك، وذلك عندما اعتبر، متأثراً بنظرية داروين، بأن المرأة أقل إدراكاً من الرجل من ناحية الطاقات العقلية، وأن الرجل يبقى متميّزاً عليها في العلوم والفنون والآداب، بحجة صغر عقل المرأة عن عقل الرجل لكون دماغه أثقل من دماغها. وفي خطبة ألقاها سنة 1886 في جمعية الاعتدال بالقاهرة، ونشرتها مجلة المقتطف، بعنوان: " الرجل والمرأة، وهل يتساويان"، ردّ على الذين يدّعون أن الفرق الذي يبرز بين الرجل والمرأة ، على المستوى الجسدي والعقلي، " سببه عدم تساويهما في الرياضة والتعليم، وإنه إذا تساوت أحوالهما المعاشية والتهذيبية تساويا في القوة والعقل"، معتبراً أن تدقيق النظر يبيّن أن هذا الفرق ليس " نتيجة التعليم والتهذيب".

وقد أثارت خطبة شميل تلك ردوداً من عدد من النساء المصريات والشاميات، نشرتها مجلة المقتطف، حيث رأت م.أ.ي من دمشق الشام، أن بعض أقوال شميل "متناقضة، وحكمه المبني عليها غير مصيب"، داعية إلى "اتّخاذ كل واسطة لتعليم المرأة وتهذيبها وترويضها بكل ما يقوّي جسدها وعقلها وآدابها ويزيدها جمالاً وكمالاً وفهماً وطهارة، لأننا لو سلّمنا أنها لن تدرك الرجل في الجسد والعقل، فلا شك أنها تفوقه في كثير من محاسن الخُلق والخَلق ". كما ردت على خطبة شميل سيدة تدعى مريم مكاريوس، من القاهرة ، حاولت تفنيد زعم شميل بأن الرجل أعظم عقلاً وإدراكاً من المرأة، حيث تساءلت: "هل يعتبر ثقل الدماغ دليلاً قاطعاً على كبر العقل، لأن الذي أعلمه (وهو مأخوذ عن أحدث مناقشة للعلماء في هذا الشأن) أن كبر العقل بمعزلٍ عن ثقل الدماغ، فقد يكون الإنسان من أعقل أهل زمانه ودماغه خفيف جداً أو متوسط في الثقل، وقد يكون من أصغر الناس عقلاً ودماغه ثقيل جداً. ولذلك لا تقنع عقولنا القاصرة –كما أضافت- بأن ثقل الدماغ دليل كبر العقل حتى يتبيّن لنا ذلك بالبرهان القاطع". أما مريم مطر من القاهرة أيضاً، فقد استخلصت في ردها على خطبة شميل "أن المرأة مساوية للرجل، وإذا فرض عدم المساواة ربما كان ذلك من قبيل عدم إمكان الرجل مساواتها، والذي نعلمه أن حضرة الدكتور [شميل] من أنصار المساواة الحرة بين أفراد الجنس البشري، وأملنا أن لا يجعل لمطالعي كتاباته باباً للشك في كونه من أقوى أنصارها، بل يزيدهم ثقةً على ثقة، وأننا بفروغ صبرٍ ننتظر رأيه الآن فربما كان ما تحدث به بعض الناس صحيحاً وهو أنه تنازل عن رأيه الأول" (الخطيب (تحرير وتقديم)، قضية المرأة، القسم الأول، ص 75-99).

بيد أن النهضوي الشامي المتمصرأديب اسحق، تميّز عن غيره من مفكري عصره إزاء هذه المسألة، عندما تصدّى لتفنيد آراء بعض المنورين الفرنسيين، مثل جان جاك روسو، الذين قدّروا بأن الطبيعة " ميّزت الرجل بالقوة والعقل، فليس لسطوته من حد سوى تلك القوة، وذلك العقل، وخصت المرأة بالبهجة فسطوتها تزول بزوالها "، مستغرباً أن يصدر مثل هذا القول " عن مثل هذا الحكيم ". وأضاف اسحق بأن هذا الرأي " لا يليق بالقرن التاسع عشر، بل نقول جهاراً ولا نخاف إنكاراً: إن المرأة مساوية للرجل ولكنها غير الرجل، فرفعها إلى المقام الذي تستحق لا يكون بمماثلتها للرجل، فإن ذلك مفسد لطبيعتها مغاير لخلقها، وإنما يحصل بإنمائها وتقديمها استمراراً من جهة إنها امرأة بحيث توجد المساواة مع الفارق..." ( أديب اسحق، "حقوق المرأة"، التقدم، 1881، الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، ص 233-237).

حركة المرأة المصرية تبلور مطالبها
لقد ترك خطاب عصر النهضة حول قضية المرأة أثراً على الحركة النسائية التي راحت تنتعش، وتبلور مطالب واضحة، بالتوازي مع التطوّر الذي طرأ على النضال الوطني في أعقاب الحرب العالمية الأولى. فلم يكن للمرأة المصرية قبل بروز الحركة الوطنية المصرية الحديثة، في أعقاب ثورة 1919، صوت يرتفع بمطالب، ثم صار صوتها يبرز، وتتشكّل جمعيات نسائية عديدة ومجلات تحررها سيدات. وفي عام 1924، قدمت هدى شعراوي وإحسان أحمد، باسم لجنة الوفد المركزية، التي مثّلت نساء القطر المصري منذ سنة 1919، وجمعية الاتحاد النسائي المصري، جملة من المطالب إلى البرلمان المصري في أول جلسة انعقاد له لسنة 1924، اشتملت، في الجانب السياسي العام، على ضمان الاستقلال التام لمصر والسودان، وفي الجانب الاجتماعي، على نشر التعليم الابتدائي في جميع أنحاء القطر بصفة إلزامية، وفي الجانب النسوي على مساواة الجنسين في التعليم وفتح أبواب التعليم العالي وامتحاناته لمن يهمها ذلك من الفتيات؛ والإكثار من المدارس الثانوية للبنات؛ وتعديل قانون الانتخاب بإشراك النساء مع الرجال في حق الانتخاب ولو بقيود في الدور القادم؛ وإصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية وجعلها منطبقة على ما أرادته روح الدين من إقامة العدل ونشر السلام بين الأسر؛ وسن قانون يمنع تعدد الزوجات إلا لضرورة كأن تكون الزوجة عقيماً أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية، وفي هذه الحالات يجب أن يثبت ذلك الطبيب الشرعي؛ وسن قانون يلزم المطلق أن لا يطلق زوجه إلا أمام القاضي الشرعي، والقاضي عليه معالجة التوفيق بحضور حكم من أهله وحكم من أهلها قبل الحكم بالطلاق طبقاً لنص الشرع الشريف...إلخ ("مطالب المرأة المصرية في 1924"؛ في الخطيب، قضية المرأة، القسم الثالث، ص 347-361).

استخلاصات
لم يكن من السهل على رواد النهضة العربية تمرير خطابهم حول المرأة في مجتمعات تقليدية تريد الحفاظ على القديم وتأنف التجديد. فالتيارات المحافظة في المجتمعات العربية نظرت إلى جهود أولئك الرواد باعتبارها تعبيراً عن نزعة إلى "التغرب" و"التفرنج"، ودعوة إلى ما أسموه " بتهتك" المرأة وهدم الأسس التي تقوم عليها العائلة، حيث أثارت أفكار قاسم أمين "ضجة فكرية" كبيرة في المجتمع المصري، كما أثارت أفكار الطاهر الحداد حفيظة عدد كبير من الفقهاء والمشايخ الذين كانوا يرون مصلحتهم في استمرار البنى التقليدية الموروثة، التي أضفوا عليها قداسة وصوّروا وضع المرأة على أنه الوضع الممتثل للأحكام الدينية. وقد شن هذا التيار المحافظ الحرب على الطاهر الحداد، الذي جرّد من شهادته العلمية واتهم بالكفر والإلحاد، وألفت في الرد عليه بعض الكتابات، من أبرزها كتاب: "الحِداد على امرأة الحداد"، للشيخ محمد صالح بن مراد، وكتاب: "سيف الحق على من لا يرى الحق"، لعمر البرّي المدني (عبد الرزاق الحمامي، "المرأة في مشروع الحداثة التونسي").

ولكن وعلى الرغم من معارضة القوى المحافظة، نجحت حركة المرأة العربية في تحقيق بعض المكاسب وخاصة في باب القوانين المنظمة للأسرة، والقوانين التي توفّر للنساء فرص التعليم والعمل والمشاركة في الحياة السياسية، إلا أن هذه المكاسب " لا تعادل –وكما يقول كمال عبد اللطيف- درجة الضغط الموجهة ضد النساء في كثير من أبواب الحياة داخل المجتمع"، وهو ما يعني بأن " معركة تحرير المرأة، في فكرنا وواقعنا، ما تزال تستدعي بذل جهود مضاعفة" (كمال عبد اللطيف، "قضايا المرأة في
).www.altasamoh.net الفكر العربي المعاصر"، مجلة التسامح





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- صادق جلال العظم- فيلسوف ماركسي منفتح على العلم وتطوّره
- جديد- بنيامين نتنياهو في سياق مواقفه وتوجهاته -القديمة-
- رواد الحداثة المجتمعية والدعوة الوطنية في بلاد الشام
- النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي
- تجاوز الموقف الملتبس من العلمانية أحد مداخل تجديد الفكر القو ...
- تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي
- أضواء على تجربة اليسار في فنزويلا
- بورتو أليغري: محطة جديدة على طريق أنسنة العولمة - فلنتفاعل م ...
- ما هي آفاق الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي؟


المزيد.....




- العبادي للملك سلمان: عملية كركوك سريعة وسهلة ودون ضحايا
- لبنان.. اعترافات 3 عملاء لإسرائيل
- محرز ينقذ ليستر سيتي من الخسارة ويسرق التعادل من وست بروميتش ...
- القوات الحكومية العراقية تفرض سيطرتها على كركوك
- حماية إسرائيلية لدبابات -تردع- روسيا
- عمليات الجيش السوري في الميادين
- روسيا تشارك في معرض البحرين للدفاع
- أجسام غريبة تضيء سماء عدد من البلدان
- من سينال 10 ملايين دولار لقاء عزل ترامب؟
- الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إزاء إيران تعيد ترتيب التحالف ...


المزيد.....

- نظرة الى قضية المرأة / عبد القادر الدردوري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف مفتوح -8 مارس 2010 - المساواة الدستورية و القانونية الكاملة للمرأة مع الرجل - ماهر الشريف - تحرر المرأة في خطاب عصر النهضة