أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامية نوري كربيت - الأيديولوجيات الدينية وأثرها في تخلف المجتمع















المزيد.....

الأيديولوجيات الدينية وأثرها في تخلف المجتمع


سامية نوري كربيت

الحوار المتمدن-العدد: 2938 - 2010 / 3 / 8 - 18:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تتردد كثيرا في عالمنا المعاصر كلمة أيديولوجية، ومعنى كلمة أيديولوجية التي ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر على يد الفيلسوف الفرنسي ( ديستوت دو تراسي ) في كتابه عناصر الأيديولوجية ( علم الأفكار ) حيث جسدت الكلمة تطلعات الكثير من المفكرين الذين سموا بالأيديولوجيين والذين كانوا يتمنون ان يمدوا الى الوقائع الفكرية البحوث الجارية على الطبيعة الفيزيائية للإنسان وذلك باستعمال نفس المناهج العلمية , ومن ثم تمسك الأيديولوجيون في أغلبيتهم ببرنامج مادي يتجلى في تفسير الأفكار انطلاقا من الظروف الموضوعية والاجتماعية للحياة البشرية .
والأيدلوجيات تتميز بعدد من السمات حيث أنها أولا مكان متميز للاتصال بين ماهو فردي وما هو جماعي كما أنها تتميز ببعد كبير عن التفسير العلمي لأنها معيارية وشاملة وموجهة نحو العمل فقط , ولقد غير ماركس مفهوم الأيديولوجية فهي عنده ليست علما للأفكار وإنما مجموعة نظريات وقيم أنتجها الأشخاص الاجتماعيون وتعد انعكاسا لوضعهم الطبقي , كما يرى الماركسيون ان الأيديولوجيات التي هي مذاهب التفكير للآراء والاعتقادات , ليست الا من توليد الطبقات الاجتماعية .
ووفقا للدراسات الاجتماعية فان الأيديولوجية السياسية هي مجموعة معينة من المبادئ والأخلاق والعقائد التي تحكم الحركة الاجتماعية , وتهتم الايدولوجيا السياسية القائمة على المفاهيم الدينية بكيفية تقسيم القوة والى أي مدى يمكن استخدامها , كما أنها تتصل بالكثير من المفاهيم التي تتعلق بالاقتصاد والتعليم والقوانين الجنائية والأحوال الشخصية ومفاهيم القومية والدين والتي يلتزم بها رجال السياسة والمفكرون السياسيون الى درجة كبيرة بحيث تؤثر على كلامهم وسلوكهم السياسي وتحدد إطار علاقتهم السياسية بالفئات والعناصر الأخرى , والإيديولوجيات السياسية التي تؤمن بها الفئات والعناصر المختلفة في المجتمع دائما ما تتضارب مع بعضها او تتسم بالأسلوب الإصلاحي او الثوري الذي يهدف الى تغيير واقع وظروف المجتمع ولكن جميعها تكون متشابهة في شئ واحد وهو أسلوبها العاطفي وطبيعتها المحركة لعقول الجماهير .
وفي المجتمعات المعاصرة تتعدد القيم والإيديولوجيات الباعثة على السلوك بل وتتباين حتى في الميدان الواحد كالاقتصادي او السياسي او الديني وذلك تبعا لحالة التكوين الطبقي او العقائدي او غيرهما في المجتمع , على ان هذا التباين لا ينفي ضرورة توفر حد أدنى مشترك من القيم والإيديولوجيات داخل المجتمع الواحد يهيئ لترابطه ويعمل على استمرار وحدته , وفي المجتمعات المتقدمة تتعدد مجالات القيم فثمة قيم دينية وثمة قيم أخلاقية وغيرها اقتصادية كما ان هناك ثمة قيم سياسية متنوعة وهكذا تبعا لتعدد مجالات النشاط التي تعمل فيها القيم عن طريق الإيحاء بسلوك معين تسعى الى ان يسود الجماعة .
ومن الأمثلة على اثر الأيديولوجيات على المجتمع أوضاع أوربا خلال العصور الوسطى حيث كانت القوى المسيطرة على دفة الحياة هي سلطة رجال الدين وهيمنة الكنيسة من ناحية , وسلطة الملوك وأمراء الإقطاع من ناحية أخرى , وكان ميزان القوى متأرجحا بين القوتين وآنذاك كان الفكر السياسي منشغلا بكيفية التوفيق بين هاتين السلطتين , السلطة الدينية والسلطة الزمنية واستقر الأمر على الاعتراف بوجود سيفين مقدسين احدهما روحي أي كلمة الله وتستخدمه السلطة الدينية في جرح الخطاة , والآخر مادي وهو الذي تشرعه السلطة الزمنية لعقاب الأشرار لذا ظهرت نظرية او أيديولوجية الحق الإلهي التي تعطي السلطة الكلية الى الله الذي يفوضها للملوك في الأمور الدنيوية , وللكنيسة في الأمور الدينية وهي بذلك أصبحت سلطات مطلقة مستمدة من الذات الإلهية التي شاءت ولا راد لمشيئتها , وبهذا احتكرت الكنيسة جميع أشكال التفكير الفلسفي وأجهضت أية أراء مستقلة او معتدلة كما أحبطت أي رؤية عقلية او تجارب علمية .
ان التاريخ المسيحي كان مسكونا بحالة مزمنة من الصراعات والمنازعات الباردة والساخنة بين مختلف الطوائف المسيحية وغيرها ولئن تمكنت الكنيسة البابوية ومنذ وقت مبكر من فرض نوع من الانسجام والاستقرار في عموم أوربا المسيحية الا ان ذلك لم يكن بمنأى عن استخدام شتى ضروب القهر الديني والفكري , ولكن منذ ظهور الحركة البروتستانتية في الشمال الأوربي وامتدادها نحو الوسط والتي أدت الى قيام حروب دينية بين الكاثوليك والطائفة الكالفنية لم تستطع الكنيسة الكاثوليكية من استعادة وحدة المسيحية البابوية إذ غطى الانقسام الطائفي جميع المستويات وقامت الحركة الإصلاحية البروتستانتية بوضع أسس الفصل بين الكنيسة والدولة وأخضعت الكنيسة لسيادة الدولة , ومن أعماق هذه الأزمة الواسعة بدأت تتخلق بذور التعايش بين مختلف الطواتف المسيحية , ومن آتون هذه الحروب الدامية بدأت تتبلور مقولة التسامح الديني أي فكرة التعايش السلمي مع حالة التعدد الديني والتنوع الطائفي , وقد اقتضى ذلك جهدا كبيرا في إعادة تأويل مصادر التفكير المسيحي ليتطور مفهوم العلمانية على حساب الاستبداد الديني وكان المفكرون على رأس هؤلاء الباحثين والمضحين فتم بذلك الدخول في مرحلة جديدة من أسلوب الحكم عبر التداول السلمي للسلطة وممارسة الأسلوب الديمقراطي في السياسة , والأسلوب الليبرالي في الاقتصاد , ويتجه العالم الآن كله الى تبني نلك الأفكار ما عدا المتضررين منها خاصة الأنظمة الاستبدادية باسم الايدولوجيا ومنها الأنظمة الدينية والأحزاب الدينية والمذهبية في العالم الاسلامي والتي يطلق عليها اسم الإسلام السياسي والتي تحاول استغلال صناديق الانتخاب للوصول الى السلطة .
يقوم مبدأ الإسلام السياسي على ان الإنسان قاصر عن تدبير شؤونه الدنيوية دون معونة إلهية سواء كانت هذه الشؤون سياسية كتقرير شكل الدولة ونظامها وإدارتها , او اقتصادية كتحديد شكل النظام الاقتصادي كأن يكون نظاما اشتراكيا او رأسماليا , او قانونية تشريعية كنظام الزواج والطلاق وقوانين الأحوال الشخصية على اعتبار ( وحسب اعتقادهم ) ان الشريعة لم تحدد بصورة كاملة الأبنية الشرعية التي يجب ان يعتمد عليها المسلمون ولهذا يجب ان تكون هذه التيارات هي المسؤولة عن استخراج هذه الأبنية الشرعية وكذلك تطبيقها في المجتمع , وبهذا تكون هذه التيارات قد أعطت لنفسها الشرعية كواسطة بين النص الإلهي والإنسان لذلك فان المشرعين في النظام الاسلامي المزمع إقامته لا تنبع شرعيتهم من الشعب بل عن طريق ارتباطهم بشروط ذاتية تتعلق بالعلمية التي تنبع من موضوع التشريع الذي بدوره غير خاضع للفعل البشري .
ورغم ما شهده التاريخ السياسي الاسلامي من ابتعاد تدريجي لرجالات الحكم عن أسس الشريعة الى جانب حصول شئ من التمايز الوظيفي بين ما سمي برجال السيف وأهل القلم , أي بين نخبة الحكم المستندة الى قوة العصبية وبأس السيف , وفئة العلماء المتخصصة في المعارف الإسلامية وأحكام الشريعة ،الا أنها من الصعب توصيف الدولة الإسلامية التقليدية بكونها علمانية .
إن كثيرا من المماحكات الفكرية والصراعات السياسية والأيديولوجية في العالم العربي والإسلامي عامة تتأسس على مطالب نظرية مجردة لا علاقة لها بأرض الواقع ومشكلاته، وان إقحام الدين في السياسة يؤدي الى خلق أنظمة دينية تطبق الفكر السياسي الديني الذي يتخذ الدين مرجعا له والذي يدعي انه يستمد شرعيته من الدين وبالتالي من الله سبحانه وتعالى ولذا فهو مقدس والمقدس لدى المتدين لا يجوز المساس به والمشكلة تكمن ليس في عدم المساس بالمقدس ولكن كون معظم الإسلاميين يرون وجوب فرض قداسة ما هو مقدس عندهم على عموم المجتمع .
وبما ان تقديس الفقه ،يعزز شرعية المؤسسات السياسية التي تستطيع اللجوء إليه من اجل ممارسة سلطتها فان التوتر الذي يسعى باتجاه المسؤولية المدنية يصبح أمرا مسلما به , وتشير العبارة التقديسية ( سياسة شرعية ) من ناحية رسمية الى الأوجه السياسية والإدارية للفقه، لكنها تعطي إشارات الى محاولات تضفي صفة القداسة على السلطة السياسية . ففي إيران ما بعد الثورة ،كان المبدأ الدستوري لولاية الفقيه ينعم بسلطة ما فوق ديمقراطية على القائد الأعلى الديني غير المنتخب , كما منحت الثورة رجال الدين ومحاكمهم وضعية الحراس على العملية السياسية بما في ذلك السيطرة على مؤسسات الدولة ومن ضمنها وسائل الإعلام والقضاء وكافة المؤسسات التي تتمثل فيها سيادة الدولة .
ان هذا الإقحام للدين في الشأن السياسي، هو تطبيق عملي للدولة الدينية او الثيوقراطية وعلى مستوى أكثر انتشارا نجد ان المؤسسات المحافظة المتشابكة مع السلطة ورجال الدين التي تزعم لنفسها الشرعية الدينية هي التي تقمع الحياة المدنية في بعض الدول الإسلامية , ان كل هذا يؤكد الحاجة الى فصل مؤسسات الدولة عن الدين باعتبار ان هذا الأمر ضرورة أخلاقية , وإقامة أسس لدولة مدنية ذات مبادئ ديمقراطية وعلمانية تسود فيها القوانين التي تخدم مصالح جميع المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني او الطائفي .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,273,365,196
- دور المرأة العربية في الحياة السياسية
- الانتخابات والمصالح الشخصية والفئوية للأحزاب السياسية
- الانتخابات وصراع السلطة !!
- الانتخابات الديمقراطية ومتطلباتها
- التجربة الديمقراطية في تركيا
- الثقافة الديموقراطية والمواطنة
- النظام الديموقراطي هو الحل للوضع العربي الراهن*
- الديمقراطية ومعوقاتها في دول العالم الثالث*


المزيد.....




- صراع أجنحة الإخوان وراء ترحيل بعضهم من تركيا
- بوتين ممازحا يهود القرم: أنتم لديكم عجز مالي؟.. لا أصدق!
- رفع الأذان في جامعة نيوزيلندية تعاطفا مع ذوي ضحايا المجزرة ...
- بينها رقصة الهاكا.. كيف كرم النيوزيلنديون ضحايا مذبحة المسجد ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا: لن ينطق لساني بإسم منفذ مذبحة المسجدي ...
- السعودي -رافع سبابته-.. لم يمت بالسرطان ليقضي برصاص سفاح الم ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا: لن ينطق لساني بإسم منفذ مذبحة المسجدي ...
- لسان جاسيندا أرديرن فصيح بعد مذبحة المسجدين
- داعش يرفض تشبيه مذبحة المسجدين في نيوزيلندا بأفعاله.. ويدعو ...
- نيوزيلنديون يسلمون أسلحتهم إلى السلطات بعد مجزرة المسجدين


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامية نوري كربيت - الأيديولوجيات الدينية وأثرها في تخلف المجتمع