أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - تيسير العفيشات - نسق المتخيل















المزيد.....

نسق المتخيل


تيسير العفيشات

الحوار المتمدن-العدد: 2938 - 2010 / 3 / 8 - 08:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما أن احاول موضعة مسألة أساسية من مسائل الفكر الإسلامي ضمن منظور تاريخي وفلسفي حتى اجدني في مواجهة كل الصعوبات المتعلقة بالتفاوت التاريخي الذي يفصل بين سياق الدراسات الحديثة ، وبين تلك الدراسات الكلاسيكية في بعدها الزمني والضاغطة على الوعي الاسلامي المعاصر . وهنا تتبدى الخطورة على وجهها السافر خصوصا على المستوى المفهومي والمعرفي ، فمن جهة نلاحظ أن كل عبارة معرفية ينبغي أن يوجد لها مكان ما أو تندرج في شبكة إيحائية ومفهومية مرتبطة بالمقولات والدلالات المقدمة لكي تعاش وكأنها دينية ومن جهة أخرى أجدني محال الى مسار فكري يحصرني في جدلية داخل حدود معيارية . والمشكلة التي تواجهنى ايضا أن إعادة التفحص النقدي لأية مسألة تضطرني أن أزحزح وجهات النظر القديمة والتي لا تزال شغالة وفاعلة وهذا يجعلني أحاذر كثيرا في الإندفاع الى العمق ذلك أن العقل الاسلامي السائد لا يمكن أن يستوعب هذه المنهجية التحليلية فيعمد الى رفضها واتهامها وأنا في الواقع أعني أشياء أخرى تتعلق بانفتاح أكثر على عقلانية جديدة لهذا الفكر المنغلق على ذاته .

وفي هذا المقال الذي نجترحه هنا نحاول أن نبلور نسق المتخيل في القرآن والدراسات التاريخة المشكلة في فضاءه المتجسد على شكل حقائق نهائية .

إن الطابع الفعال للخطاب القرآني وبنيته المجازية الرمزية المنفتحة على المطلق وتعددية المعنى هي التي تسمح ببلورة مفهوم المتخيل في أنساقه التصورية المفعمة بالرؤى التي تحيل المتخيل الى الواقع في صيرورة جدل تاريخي مأزوم يمثله الخطاب القرآني . ويمكن لنا أن نتبين ذلك من خلال التصورات التالية :
*ـ القوة الحاملة والمثيرة للشعائر الدينية التي تتم بواسطتها عملية التجسيد المستمرة بالنسبة لكل مؤمن وبالنسبة للأمة كلها للمضامين المعنوية واندفاعات الأمل الأخروي التي أدخلها الخطاب القرآني لأول مرة، والتي وسعها وضخمها في ما بعد الخطاب الاسلامي كما تجلى في كل ما أنتجه هذا الخطاب .
* ـ تأسيس دولة مركزية وديمومتها، وهذه الدولة حملت على عاتقها مهمة الدفاع عن الدين الحق ثم استمدت منه في خط الرجعة شرعيتها.
* ـ تشكيل متخيل سياسي ـ ديني أثناء المرحلة التأسيسية للاسلام .
و ما انفك هذا المتخيل يستوعب التصورات المدرسية للاسلام الأولي لكي يولد في كل مكان تاريخاً إسلامياً . وهذا التاريخ مقدم ومتصور على أساس أنه التطبيق الحرفي لنموذج السلوك الفردي والجماعي الذي دشنه النبي.
كان هذا المتخيل قد دشن لأول مرة بتجربة المدينة. وكل المبادرات التاريخية الكبرى التي حصلت في المجال الاسلامي كانت قد تولدت بواسطة هذا المتخيل. وهذه المبادرات والأعمال التاريخية تفترض نفسها توليد نمط معين من أنماط الانسان: أقصد النمط الذي كان قد استبطن كل التصورات والصور الرمزية المثالية المنقولة من قبل الخطاب الاسلامي التقليدي.
يمكننا أن نعيد كتابة تاريخ كل المجتمعات التي سادها هذا النموذج في الممارسة والعمل التاريخي عن طريق تبيان التداخل والتفاعل المستمر بين المتخيل السياسي ـ الديني المشترك لدى كل المؤمنين، وبين العقل التحليلي والتصوري والمنطقي للمثقفين الذين يحاولون إدخال نوع من التماسك العقلاني داخل مجال مخترق إلى حد كبير من قبل تصورات الخطاب الرسمي (أي خطاب الدولة الاسلامية ). أو مخترق من قبل الخطابات المنافسة التي تتناسب بشكل أفضل مع الأعراف الرمزية المحلية.
إن دراسة الانسان بصفته محلاً للحرية تحصل فيه عمليات الانتخاب والاصطفاءات والتركيبات التي ستشكل كل شخصية وستفرض على وجه الاحتمال وعلى مستوى الجماعة المحلية أو القومية أو الأمة الدينية ذلك الشخص، أو القائد، أو الإمام. أقول إن دراسة كهذه تصبح ضرورية ولا بد منها إذا ما أردنا أن نفهم الآليات الدقيقة التي تسيطر، في نهاية المطاف، على المصير الفردي والتطور التاريخي للمجتمعات البشرية.

إن الخاصية الأخلاقية المحركة والمميزة للوعي الاسلامي هي علاقته المباشرة مع مطلق الله. وهي علاقة معاشة من خلال التكرار الشعائري الذي تفرضه الشعائر العبادية، ثم من خلال التأمل بكلام الله والإعجاب بروائع صنع الله في الكون والمخلوقات، وتقديم الطاعة الرضية للقانون الأكبر، واختزال العقل من أجل تحويله إلى مجرد خادم مقيد، والرفض الجذري لكل تعددية آلهة تؤدي إلى جعل قيمة الله نسبية وتوقف عملية البحث عن المطلق.
ما الذي بقي من هذا المقصد الأخلاقي والروحي الاسلامي في وعي الناس المعاصرين أو ضمائرهم؟ أقصد هؤلاء الناس المشغولين كلياً بالتنافس الشديد الذي لا يرحم من أجل اقتناص السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية. أو ما الذي تبقى منه في سلوك الطبقات الوسطى المتلهفة لعملية الارتقاء والصعود في السلم الاجتماعي؟ أو ما الذي تبقى منه في متخيل المناضلين السياسيين الساعين لإقامة نظام اسلامي أصيل أو صحيح ؟ وهل توجد ذروة للهيبة أو للسيادة يمكن للانسان أن يستمدّ منها هدايته ويمتحن صلاحية وأهمية القيم التي تشكل شخصيته وتفرضها بصفتها تلك على المجتمع؟
لكي نجيب عن هذا السؤال سوف نطرح،سؤالاً آخر: هل يمتلك الفكر الاسلامي اليوم الوسائل العقلية والثقافية، أو الحريات والأطر الاجتماعية التي لا بد منها من أجل تشكيل فلسفة حديثة للانسان؟
طالما تحدث الخبراء والباحثون في السابق عن مشاكل سوء التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم الثالث دون أن يولوا نفس الأهمية للتأخر الثقافي الذي زاد من حدته المأساوية فرض النماذج الغربية في ما يتعلق بكل شؤون الحداثة المادية. كل المجتمعات الاسلامية والعربية تعاني اليوم من نتائج هذا التفاوت بين الطلب الجامح لحضارة الاسهلاك، وبين رفض الحداثة الفكرية والثقافية.

إن الجهود والأعمال الضرورية لاستيعاب الحداثة الفكرية داخل فكر يسعى جاهداً لاستحقاق صفة الاسلامي متوافرة وموجودة. ولكنها من صنع أشخاص معزولين ومهمشين يعيشون مشتتين في بلدان الغرب يعانون ألم البعد والغربة ، أو أنها من صنع أشخاص مجهولين أو متجاهلين أو محاربين بعنف داخل بلدانهم الأصلية بالذات.
وينتقل المثقفون الذين لمستهم الحداثة النقدية من تنازل إلى تنازل، ومن خضوع تكتيكي إلى استبطان للقيم المحمولة من قبل المخيال المشترك. ويؤدي ذلك بهم بالتالي إلى أن يخلطوا بدورهم بين ضرورات البناء الوطني والانخراط الايديولوجي الذي يتطلبه بالضرورة، وبين أولوية الجهد الفكري المحض والجهد الثقافي والروحي من أجل ممارسة حق الروح الانسانية في الحقيقة وحماية هذا الحق وإعلاء شأنه. وفي هذا التمييز الأساسي يكمن في الواقع حظ الانسان في تأكيد ذاته واحتلال مكانته.

إن الإيديولوجيا القومية والمطالبة بالعودة إلى إسلام أسطوري، يمارسان اليوم على العقل العلمي الضغوط نفسها التي مارستها الأستاذية العقائدية للفقهاء على العقل في القرون الوسطى.
إن الشخص المكوّن معرفياً داخل هذا السياج الدوغمائي المغلق لا يمكنه أن يفكر بمسألة الإيديولوجيا. على العكس، إنه يتلقى نصاً كنص الفريضة الغائبة بمثابة الصحيح كلياً.
وأنا إذ أتحدث عن وجود خطاب قرآني مفتوح معرفياً، فإني لا أدخل بدوري ضمن إطار السياج الدوغمائي المغلق وإنما أتصور القرآن على هيئة فضاء لغوي تشتغل فيه عدة أنماط من الخطاب الخطاب النبوي، والخطاب التشريعي، والخطاب القصصي، والخطاب الوعظي والأمثال.... فهذه الخطابات تشتغل في القرآن في ذات الوقت وتتقاطع أيضاً. إن التحليل اللغوي والدلالي البحت لهذه الخطابات يتيح لنا أن نستخرج البنية الأسطورية المركزية للقرآن، هذه البنية التي تستخدم الرمز والمجاز من أجل أن تخلع على العبارات القرآنية إمكانيات افتراضية عديدة للمعنى والدلالة. وهذه الإمكانيات قابلة للتحيين والتجسيد في الظروف الوجودية المتواترة والمتكررة.
هذا يعني أن التضاد الذي أقيمه هنا بين المغلق والمفتوح ليس تجريدياً ولا إيمانياً، وإنما يمكن التحقق من وجوده عملياً، أي لغوياً وتاريخياً عن طريق التفاعل والتأثير المتبادل المستمر بين اللغة والتاريخ والفكر. وهي الذرى الثلاث لإنتاج المعنى. إن قراءة القرآن تجبرنا على الربط بين هذه الذرى الثلاث التي تدرس عادة بشكل منفصل من قبل المؤرخون،و الفلاسفة).
إن القوة الإقناعية والتعبوية للخطاب الاسلامي تزداد فعاليتها وقوتها كلما أوردت الاستشهادات العديدة من النصوص المقدسة أو التي جرى تقديسها من قبَل المؤمنين كنصوص ابن تيمية مثلاً . فكلما أعادوا تحيينها واستملاكها وتطبيقها من جديد على أوضاع اجتماعية وسياسية مختلفة ومعاشة من قبل جماهير المسلمين كلما استطاعوا تحريكها أكثر فأكثر. وأما في داخل الفكر الاسلامي نفسه فيمكننا أن نعترض على هذه الطريقة في الاستشهاد بالنصوص القديمة، أو على الأقل مناقشة صلاحيتها من حيث المعنى والسياق والمشروعية اللاهوتية لاستخدام القرآن والحديث لأغراض كهذه. وهناك، . هكذا نلاحظ إذن حصول نوع من الزحزحة الدلالية داخل النظام المعرفي الخاص بالفكر الاسلامي ذاته. فمبدأ العودة إلى النصوص التأسيسية لا يزال سارياً، بل وقد تصلب وتشدد أكثر. ولكن التلاعب المعنوي والاستدلالي المنطقي بالنصوص قد أصبح خاضعاً كلياً للغاية الإيديولوجية والسياسية التي تستبعد كل.
إن الشخص (المسلم) يتشكل ويؤكد ذاته داخل السياج الدوغمائي المغلق الذي يقدمونه على أساس أنه المكان الوحيد للحقيقة المتعذر استبدالها أو تغييرها.
وهنا ينبغي علينا أن نعترف بوجود قطيعة بين النظام المعرفي الخاص بمجتمعات الكتاب والنظام المعرفي الذي تتبناه مجتمعاتنا الحديثة . ولكي نفهم مثل هذه القطيعة، فإنه ينبغي التخلي عن منهجية التاريخ الراوي وعلم الاجتماع الوصفي والالتحاق بمنهجية علم الحفريات الاجتماعية والثقافية التي هي وحدها قادرة على شرح المسألة. فالواقع أن النظام المعرفي الاسلامي هو ذو جوهر أسطوري، وبالتالي فمن الخطأ أن نحاكمه أو ندرسه بمعايير المعرفة التاريخية المعقلنة أو ضمن منظورها وحده فقط . ومن المعروف أن هذه المعرفة ومنهجيتها تتحول أحياناً إلى وضعية بحتة أو حتى تاريخية فقط، وذلك لدى الكثير من المؤرخين المسلمين والغربيين.
قبل أن نتفحص كيف يحاول الفكر العلمي المعاصر أن يتجاوز هذه النظرية الاختزالية للدين، فإنه ينبغي علينا أن نشير إلى أن الفكر الاسلامي لا يزال منغلقاً في سياجه الدوغمائي. وبالتالي فهو لم يعرف، حتى الآن، تلك المسارات التربوية والتثقيفية وتلك الحلول العملية التي شهدتها المجتمعات الغربية منذ القرن الثامن عشر.
لكننا نستنتج من هذا الرفض مطلباً مشروعاً يتمثل في ما يلي: ضمن مقياس أن الفكر العلمي المعترف به من قبل جماعة الباحثين المعاصرين هو مرتبط بالتجربة التاريخية الغربية واللغات الغربية، فإنه ينبغي علينا أن نحذر من تكرار الخطأ الذي وقعت فيه الفلسفة الأرسطوطاليسية عندما نصبت المقولات التي نحتها وبلورها المعلم الأول من خلال اللغة الإغريقية بصفتها مقولات كونية.
ان الميراث الثقافي والفكري والروحي المتراكم داخل التراث الاسلامي يغذي دائماً الحلم بمثال الانسان أو بالانسان المثالي أو الانسان الكامل كما كان الله قد حدد ملامحه وطرق وجوده أو تحققه، وكما كان الأولياء الصالحون والصوفيون والمفكرون قد اختطوا مساره في حياتهم الشخصية وفي الرواية التي خلفوها لنا عن تجربتهم في آن معاً. هناك حنين جبار للكينونة لا ينفصل عن الرغبة العميقة في البقاء ، هذه الرغبة التي تعذب كل روح بشرية ذات تواصل مع الوعد بالأبدية. وهذا المعطى الذي لا يختزل في أعماق الانسان العائش في مجتمعات الكتاب جمعيها ، هو الذي يحاول أن يعبر عن نفسه، أن يتجسد من جديد في الأشكال العديدة والنماذج المختلفة للوجود التي تقترحها علينا الحداثة بكل ما أنتجته من معارف وعلوم نحن مدنبن لها





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,234,089
- زحزحة الدلالات
- الأساطير وتأسيس الوعي
- الشعر والفلسفة
- القرآن معجز في لغته ..
- القرآن .. قراءة على قراءة


المزيد.....




- هل لتحريض قادة عرب على المساجد علاقة بمجزرة نيوزيلندا؟
- إسرائيل تغتال منفذ عملية سلفيت بعد محاصرته قرب رام الله
- حماس تنعي عمر أبو ليلى: عملية -سلفيت- تربك منظومة الأمن الإس ...
- -فتى البيض- حر طليق.. ويعتزم التبرع لذوي ضحايا -مجزرة المسجد ...
- مقتل منفذ عملية -سلفيت آريئيل-
- مراسلتنا: الشاباك يعلن رسميا مقتل الشاب الفلسطيني منفذ عملية ...
- الطيب.. شيخ الأزهر الذي جعلته الثورة زعيما سياسيا
- سواريز يثير جدلا بعد نشر صورة مع صديقته داخل -المسجد الكبير- ...
- كنيس يهودي يجمع تبرعات لضحايا -مجزرة نيوزلندا-
- -آي-دينار-.. أول منصة إلكترونية إسلامية لتبادل العملة الرقمي ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - تيسير العفيشات - نسق المتخيل