أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - خروج الريح لا ينقض الوضوء






















المزيد.....

خروج الريح لا ينقض الوضوء



نهرو عبد الصبور طنطاوي
الحوار المتمدن-العدد: 2802 - 2009 / 10 / 17 - 00:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لقد شرع القوم سنة وشيعة من دون تبين شرعا بالظن لا عن يقين أن خروج الريح من دبر الإنسان ينقض الوضوء، وشرعوا كذلك بالظن لا عن يقين أن للمسلم أن يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد، مخالفين بذلك ما جاء في الكتاب من شرط الوضوء لكل صلاة، ومخالفين كذلك فعل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يكن للقوم من برهان على شرعهم هذا سوى أوهاما توهموها من بعض ما نسب للنبي محمد عليه الصلاة والسلام من أحاديث لم يحسنوا قرئها، فألزموا الناس قرونا طويلة بشرع ما أنزل الله به من سلطان، ومعظم الروايات التي استندوا إليها بها اجتهادات خاطئة لبعض الصحابة إما في تقديراتهم وإما في فهمهم الخاطئ لأفعال الرسول عليه الصلاة والسلام كما سنرى فيما يأتي.

## خروج الريح لا ينقض الوضوء :

لم يكن للقوم من برهان على أن خروج الريح ينقض الوضوء إلا حديثان لا ثالث لهما وهما:
# الحديث الأول :
عن أبي هريرة قال: ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: (‏لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) قال رجل من ‏حضرموت: (‏ما الحدث يا ‏أبا هريرة؟) ‏قال: (فساء أو ضراط). متفق عليه.
رواه البخاري: في الحيل (6954), ومسلم: في الطهارة (225), والترمذي: في الطهارة (76), وأبو داود: في الطهارة (60), وأحمد (2/308).

في الحديث السابق غموض وإشكالات كثيرة، أما الغموض فيكمن في كلمة: (الحدث) فقد وردت في الحديث مجملة من دون أي تفصيل يذكر عن الرسول لما هو الحدث، فكلام الرسول في الحديث انتهى بقوله: (حتى يتوضأ). أما من فسر الحدث فكان أبو هريرة راوي الحديث وقد فسر الحدث بأنه (فساء وضراط)، ولم يكن هذا تفسير الرسول للحدث.
أما إشكالات الرواية فمنها أن أبا هريرة قد فسر الحدث الذي لا تقبل به الصلاة بخروج الريح وحسب (فساء وضراط)، فهل يعني هذا أن أبا هريرة كان لا يرى البول والغائط وملامسة النساء التي نص عليها الكتاب لا تنقض الوضوء؟؟، وهل الرجل الحضرمي الذي سأل أبا هريرة عن الحدث لم يكن يدري بنواقض الوضوء، ولم يكن يدري ما هو الحدث حتى فسره له أبو هريرة؟؟، وكيف كان يصلي؟؟، وقد أجاب بن حجر في فتح الباري عن هذا معتذرا ومبررا لأبي هريرة تفسيره فقال: (وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك تنبيها بالأخف على الأغلظ) انتهى. ثم قال بن حجر في تبرير أخر: (وأما باقي الأحداث المختلف فيها بين العلماء -كمس الذكر ولمس المرأة والقيء ملء الفم والحجامة- فلعل أبا هريرة كان لا يرى النقض بشيء منها) انتهى، وقد تعمد بن حجر عدم عن ذكر البول والغائط ضمن بقية الأحداث التي تنقض الوضوء حتى لا يضع أبا هريرة في مأزق. وفي تبرير آخر قال بن حجر: (إن أبا هريرة اقتصر في الجواب على ما ذكر لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك) انتهى. وهكذا دوما كانت عادة القوم من الفقهاء والمفسرين التبريرات والاعتذارات ومحاولات التوفيق والترقيع لإثبات ما لا يمكن إثباته.

أما الشوكاني في مصنفه (نيل الأوطار) فقال: (ولكنه استدلال بتفسير أبي هريرة وليس بحجة) انتهى، والحق ما ذكره الشوكاني فتفسير أبو هريرة للحدث بأنه (فساء وضراط) وحسب، ليس بحجة لأن الحجة في كلام الله ورسوله وليس في كلام أبي هريرة أو غيره. فنخرج من هذه الرواية بلا شيء، فالرسول لم يبين ما هو الحدث وإنما تفسير الحدث كان لأبي هريرة وتفسيره ليس بحجة، ناهيك عن الإشكالات التي سبق أن ذكرناها، كقول أبي هريرة بأن الحدث الذي ينقض الوضوء هو خروج الريح وحسب، وهو اجتهاد شخصي خاطئ من أبي هريرة وليس حكما للرسول، ومما يؤسف له أن هذا الاجتهاد الخاطئ من أبي هريرة قد تابعه عليه الفقهاء في الماضي والحاضر من دون تفكر أو نظر في نص الرواية حتى أصبح شرعا ودينا يلزمه الناس من دون علم ولا هدى ولا كتاب منير.

# الحديث الثاني :
وفيه روايتين:
الرواية الأولى:
عن عباد بن تميم عن عمه شُكِيَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه الجماعة إلا الترمذي.
الرواية الثانية:
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه مسلم والترمذي.
وأما زيادة النفخ في المقعدة ويخيل إليه إلى آخره، فهذه رواها البزار وفي إسنادها ضعف، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي أحدكم الشيطان في الصلاة فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا.) أخرجه البزار ولمسلم عن أبي هريرة نحوه، وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعا: (إذا جاء أحدكم الشيطان فقال إنك قد أحدثت فليقل إنك كذبت). أخرجه ابن حبان بلفظ فليقل في نفسه.

هاتان الروايتان فيهما غموض وإشكالات كثيرة كحديث أبي هريرة السابق، أما الغموض المشترك بين الروايتين هو ذلك الشيء الذي لم يسمه والذي يجده أحدكم مرة في الصلاة ومرة في بطنه، فلم تذكر أي من الروايتين ما هو ذلك الشيء؟؟، هل هو (البراز) أم (الريح)، والغموض الثاني يكمن في النهي عن الخروج أو الانصراف مرة من الصلاة ومرة من المسجد إلا عند سماع صوت أو وجود ريح، والغموض الثالث هو هل المقصود بالصوت أو الريح صوت وريح البراز أم صوت ورائحة الريح الخارج من البطن؟؟، فالبراز له صوت وله ريح، وخروج الريح يكون بصوت ويكون بريح كذلك، ولكن قد يخرج من الإنسان ريح ليس له صوت وليست له رائحة، فهل خروج الريح من دون صوت أو رائحة لا ينقض الوضوء؟؟.

أما عن الإشكالات الدلالية في الروايتين فكثيرة، منها: لم يأت في الحديث أي ذكر للوضوء أو إعادة الوضوء، وإنما ذكر الانصراف من الصلاة وعدم الخروج من المسجد عند سماع صوت أو وجود ريح، وهل قصد بالانصراف من الصلاة أو الخروج من المسجد التأكد من خروج شيء من البراز؟؟، أم الانصراف والخروج من أجل خروج الريح وحسب؟؟، وهل وجود ريح أو سماع صوت يقتضي الانصراف من الصلاة وإعادتها مرة أخرى بدون وضوء أم لتجديد الوضوء؟؟، فالروايتان لم تأتيان على ذكر الوضوء ولا إعادته مما يزيد الأمر غموضا، أما ما أرجحه من دلالة في هاتين الروايتين هو أن الانصراف من الصلاة والخروج من المسجد يكون للتأكد من خروج شيء من الغائط (البراز) لأن خروج شيء من البراز لابد من أن يصحبه صوت أو رائحة، على خلاف الريح الذي قد يخرج من دون صوت أو رائحة، والبرهان على ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام في رواية أبي هريرة: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا) ومما هو معلوم للجميع أن الإنسان لا يجد في بطنه شيء يُشْكِل عليه سوى (المغص_ التقلصات_ الإسهال) وغيرها من الآلام التي يجدها الإنسان في بطنه فتجعله لا يتحكم في خروج شيء منه، ويؤكد هذا أن الريح في البطن لا يشكل على الإنسان إذا خرج منه شيء أو لم يخرج، فالريح يخرج من الإنسان من دون وجود شيء في البطن ومن دون آلام أو غيرها، لأن الإنسان يشعر ويعلم ويتحقق من خروج الريح بدون الحاجة إلى سماع صوت أو شم رائحة، لأن الريح يخرج أحيانا من دون صوت وأحيانا أخرى يخرج من دون رائحة مع علم الإنسان وتحققه من خروجه، وقد يخرج مع الريح شيء من البراز في حالات آلام البطن كالإسهال والدوسنتاريا وغيرها وهذا هو المقصود من الرواية.
فالرواية لا تنص على شيء سوى على خروج شيء من البراز أثناء الصلاة أو التواجد في المسجد لوجود آلام في البطن تمنع المرء من التحكم في خروج شيء منه، أما خروج الريح بصوت أو برائحة أو بغيرهما فلا وجود لنص صريح في كلام الرسول ولا في الكتاب على نقضه للوضوء، وبالتالي فخروج الريح وحسب لا ينقض الوضوء.

## نواقض الوضوء في الكتاب :

لم يرد لخروج الريح أي ذكر في الكتاب ولم يضمه الله في نواقض الوضوء، فنواقض الوضوء الواردة في الكتاب ثلاثة نواقض لا رابع لها (الجنابة، المجيء من الغائط، ملامسة النساء):

# الجنابة:
قال تعالى :
(وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (43_ النساء).
وقال تعالى:
(وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (6_ المائدة).
والجنابة هي فعل المتعة الكامل بين الرجل وزوجه الذي يبدأ بالملامسة والمباشرة وينتهي بإنزال المني، وكلمة الجنابة كان العرب يسمون من جامع امرأة حتى أمنى (جنبا). قال بن عاشور في التحرير والتنوير: (وإطلاق الجنابة على هذا المعنى من عهد الجاهلية، فإنّ الاغتسال من الجنابة كان معروفاً عندهم، ولعلّه من بقايا الحنيفية، أو ممّا أخذوه عن اليهود، فقد جاء الأمر بغسل الجنابة في «الاصحاح» 15 من سفر اللاويين من التوراة. وذكر ابن إسحاق في «السيرة» أنّ أبا سفيان، لما رجع مهزوماً من بدر، حلف أن لا يمسّ رأسَه غسلٌ من جنابة حتّى يغزوَ محمّداً) انتهى.
فالمرء لو أصبح جنبا بهذا المعنى السابق يحرم عليه اقتراب الصلاة حتى يغتسل ويتطهر كما نص الكتاب على هذا.

# المجيء من الغائط:
قال تعالى :
(أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ) (43_ النساء).
الفعل (غوط) يدل على غور وانخفاض، ومن ذلك الغائط المكان المنخفض الغائر من الأرض، لم يكن للعرب وقت نزول القرآن تلك الحمامات المنزلية المعروفة الآن التي يقضي الناس فيها حاجاتهم من تبول وتبرز، وإنما كان العرب يذهبون إلى مكان منخفض من الأرض بعيدا عن العمران والمساكن ليقضوا حاجاتهم من تبول وتغوط في ذلك المكان وقد أطلقوا على هذا المكان اسم (الغائط) ثم بعد ذلك أطلق هذا الاسم (الغائط) على فعل التبول والتبرز كذلك نسبة للمكان الذي يقضون فيه حاجتهم، فيقولون جئت من الغائط وتغوطت، كما نطلق نحن اليوم على فعل التبول وفعل التبرز اسم (حمام) (رايح أعمل حمام_ كنت باعمل حمام) وهكذا، ثم عَبَّر به عن نفسِ الحدثِ كنايةً للاستحياء مِنْ ذكره، فكانت كناية لطيفة ثم استعملها الناس بعد ذلك كثيراً حتّى ساوت الحقيقة، وصار الفقهاء يطلقونه على نفس الحدث.
ففعل التغوط (التبول أو التبرز) من موجبات الوضوء، فإذا توضأ المرء للصلاة وفاجئه قضاء الحاجة فقضاها وجب عليه الوضوء مرة أخرى كما نص الكتاب على هذا.

# ملامسة النساء:
قال تعالى :
(أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (43_ النساء).
وملامسة النساء تستوجب الوضوء إذا كان المرء على وضوء ومتأهب للصلاة، وقد تخبط الفقهاء والمفسرون كثيرا في ما هي الملامسة، فمنهم من قال المقصود به الجماع الكامل مع الإنزال بين الرجل وزوجه، ومنهم من قال هو لمس المرأة باليد كالمصافحة أو بأي جزء من الجسد. ولو أن القوم قد دققوا النظر في كلمة (لامستم) والفعل (لامس) لما قالوا ما قالوا، فالفعل (لمس) يختلف في دلالته اختلافا كبيرا عن الفعل (لامس)، فالفعل في كلام العرب ينقسم من حيث أصل حروفه التي يتكون منها إلى قسمين: (مجرد ومزيد)، المجرد: هو ما تكون حروف تكوينه أصلية بحيث لو نقص منها حرف واحد لاختلت الكلمة وضاع مدلولها، ومثلا على ذلك كلمة (لمس) فهي تتكون من ثلاثة أحرف لو قمنا بإنقاص حرف واحد منها لضاع مدلول الكلمة أو تحول إلى مدلول آخر، فحروف تكوين الفعل المجرد هي حروف أصلية فيه لا يمكن إنقاص واحد منها أو استبداله.

أما الفعل المزيد فهو الذي يقبل زيادة حرف أو أكثر على أحرفه الأصلية لإعطاء مدلول ومعنى جديد يختلف عن المدلول السابق للفعل المجرد، ومثلا على ذلك الفعل (لمس) وهو على وزن (فعل) فيمكننا زيادة حرف (ألف) على حروفه الأصلية بعد الفاء، فيصبح (لامس) على وزن (فَاعَلْ)، فأصبح فعلا جديدا له دلالة جديدة تختلف عن دلالة الفعل (لمس) المجرد، فزيادة الحرف على الكلمة ليس من قبيل العبث اللفظي وإنما زيادة الحرف تعطي دلالات ومعاني جديدة لم تكن موجودة في الفعل الأصلي المجرد، فالفعل (لمس) يدل على جس الشيء ولمسه باليد أو غيرها ولو لمرة واحدة سواء بقصد أو بدون قصد، أما الفعل (لامس) فيدل على مشاركة في فعل بين اثنين أو أكثر نحو: (قاتل الجيش العدو). ومعنى ذلك أن الفعل يصدر من اثنين فصاعدا، ففي المثال السابق نجد أن القتل صدر من اثنين، من الفاعل الجيش والمفعول العدو، أي أن الجيش قتل، والعدو قتل كذلك، فكلاهما قتل الآخر، فالقتل منسوب إلى الجيش، ومتعلق بالعدو، أي وقع عليه ضمنا، فكل منهما قاتل من جهة، ومقتول من جهة أخرى. أما إذا قلنا: قتل الجيش العدو، فالقتل صدر من طرف واحد وهو الفاعل، والعدو هو المقتول وحسب.

ومن دلالته كذلك أن الشيء صار ذا صفة يدل عليها الفعل كقولك: (عافى الله المريض)، أي جعله ذا عافية، ومن دلالته كذلك المتابعة والاستمرارية، كقولك: (واصل المشي) أي استمر في المشي، ومن دلالته إفادة الكثرة نحو قولك: (ضاعف الجهد) زاده وكثره، ومن دلالته كذلك المبالغة في الشيء كقولك (هاجر الناس) أي بالغوا في الهجر، فكذلك الفعل (لامس) فهو قد اكتسب دلالات ومعاني جديدة تختلف عن الفعل (لمس) فالفعل (لمس) يدل على لمس الشيء ولو لمرة واحد ولو من دون قصد، أما الفعل (لامس) فيدل على مشاركة في اللمس بين الرجل والمرأة يلمس كل منهما الآخر كالقبلة الساخنة والاحتضان الساخن، مما يحدث ذلك صفة بين الاثنين تدل على شدة الملامسة، ويكون ذلك في متابعة واستمرارية وكثرة وزيادة ومبالغة في الملامسة، فالفعل (لمس) لا يعني مجرد اللمس، ولا يعني الجماع فهو فعل فوق اللمس ودون الجماع، فاللمس المجرد كالمصافحة وغيرها لا تنقض الوضوء، أما الملامسة المشتركة من الرجل والمرأة المستمرة المضاعفة والمبالغ فيها دون الجماع فتنقض الوضوء وحسب، هذا لو كان كل من الرجل والمرأة قد توضأ وينتظر الصلاة فعليهما أن يعيدا الوضوء من جديد كما نص الكتاب على ذلك: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (43_ النساء). وللدلالة كذلك على أن الملامسة هي فعل دون الجماع أن الله ذكر في نفس الآية الغسل من الجنابة وهذا حكم خاص يختلف عن حكم الوضوء من ملامسة النساء.

## أقوال الفقهاء في وجوب الوضوء لكل صلاة :

قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواًّ غَفُوراً) (43_ النساء).
وقال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6_ المائدة).

في الآية الأولى نهي صريح عن الاقتراب من الصلاة والمرء في حال سكر أو في حال جنابة حتى يغتسل من جنابته، أما في الآية الثانية فقد شرط الله عند إرادة القيام إلى الصلاة الوضوء وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وذلك لقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) لأن (إذا) تأتي في كثير من استعمالاتها ظرفية متضمنة معنى الشرط، فتكون ظرف لما يستقبل من الزمان ويكون فعل الشرط بعدها ماضيا أو مضارعا ويجب أن يقترن جوابها بالفاء الرابطة كقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له) (204_ الأعراف)، فالآية تنص صراحة على وجوب الوضوء لكل صلاة سواء أحدث المرء أم لم يحدث، وقد ظن كثير من الفقهاء والمفسرين أن الآية منسوخة، وهذه عادة وملاذ الفقهاء والمفسرين حينما تتعارض الأحاديث مع نصوص الكتاب أو حينما يصعب عليهم قرء وفهم بعض نصوص الكتاب أو بعض نصوص الأحاديث التي يظهر منها تعارضا مع الكتاب، فلا يجدون ملاذا لهم إلا القول بالنسخ وقد بينت في دراسة لي منشورة في موقع الحوار المتمدن منذ سنوات بعنوان: (الناسخ والمنسوخ بين فتاوى بن باز وعقلانية زكريا بطرس) أنه لا يوجد نسخ في القرآن على الإطلاق وإنما النسخ هو شيء من اختلاق الفقهاء والمفسرين.

والعجيب أن عملية النسخ وكلمة النسخ لم ترد في نص حديث واحد منسوب للنبي محمد عليه الصلاة والسلام لا صحيح ولا ضعيف ولا حتى موضوع، مما يدل على أن النسخ هو اختلاق من صنيع فقهاء المذاهب والمفسرين، وكل المسائل التي قالوا فيها بالنسخ لم يشر إليها الرسول بالنسخ ولو بكلمة واحدة في حديث واحد، إلا إذا كان القوم يرون أنفسهم أنهم أعلم بكتاب الله وأحكامه من رسول الله الذي نزل عليه الكتاب. فهم يلوذون بالنسخ حين تتعارض في أيديهم نصوص الكتاب مع نصوص الأحاديث وحين يعجزون عن الفهم والقرء، بالمثل كما يفعل منكري الأحاديث اليوم فتراهم حين يعجزون عن قرء وفهم أحاديث الرسول في ضوء نصوص القرآن ويعييهم ذلك تراهم يفرون من عجزهم عن القرء والفهم بإلقاء كل ما ورد عن الرسول من أقوال وأفعال في الهواء طلبا لراحة البال و(تكبير الدماغ).

وقد ذكر الشوكاني في (نيل الأوطار: باب إيجاب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف) كل المذاهب سواء التي قالت بوجوب الوضوء لكل صلاة والتي قالت بعدم وجوبه فقال: (فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا)، وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ، وقيل الأمر به على الندب، وقيل لا بل لم يُشْرَع إلا لمن يُحْدِث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب) انتهى. وقد ذهب بعض المفسرين بأن الوضوء لكل صلاة كان للرسول خاصة بناء على إحدى الروايات.
وبمناقشة هذه المذاهب نرى أن الذين ذهبوا من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض سواء أحدث أو لم يحدث هو الحق المطابق لما جاء في الكتاب، وقد ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام قولا وفعلا، فكان عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة حتى مات، وثبت ذلك عن الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وثبت عن عبد الله بن عمر وعكرمة وجمع كبير من الصحابة والسلف والخلف، ويدل على ذلك: ما رواه البخاري وغيره عن أنس قال كان رسول الله يتوضأ عند كل صلاة، قيل لأنس فأنتم كيف تصنعون قال كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث) رواه الجماعة إلا مسلما. وزاد الترمذي عن أنس (طاهر أو غير طاهر) أي كان الرسول يتوضأ عند كل صلاة طاهر كان أو غير طاهر. أما قول أنس: (كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث). فقوله هذا مبني على اجتهاد خاطئ منه وليس بأمر أو فعل من الرسول، فقوله ليس بحجة، فالحجة والحق في قوله وفعله عليه الصلاة والسلام وليس في قول وفعل أنس أو غيره.

أما مذهب القائلون بالنسخ فقد قال الطحاوي فيما ذكره الشوكاني عنه: (يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح (فتح مكة) بحديث بريدة الذي أخرجه مسلم أنه عليه الصلاة والسلام صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد) انتهى. وللرد على الطحاوي في أن ذلك كان للرسول خاصة فقد كذبته آية المائدة التي خاطبت الذين آمنوا كافة وليس الرسول خاصة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا)، فالأمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة للمؤمنين كافة وليس للرسول خاصة، وللرد على الطحاوي في قوله بأن الأمر نسخ يوم فتح مكة بحديث بريدة أن الرسول صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، فقد رد عليه الحافظ بن حجر في ( فتح الباري) بقوله: (فالنسخ كان قبل الفتح (فتح مكة) بدليل حديث سويد بن النعمان أنه عليه الصلاة والسلام في خيبر صلى الصلوات بوضوء واحد، وخيبر كانت قبل فتح مكة بزمان) انتهى. وهذا يدل على أن القوم متخبطون حتى في مواقيت النسخ، بل والأعجب أنه لم يرد حديث واحد عن الرسول يخبر فيه أمته أن فرض الوضوء لكل صلاة قد نُسِخ، بل والأعجب الظن بأن الرسول قد ترك ذلك لاجتهاد أصحابه وتخبط الفقهاء من بعدهم، والذي قد غاب عن الطحاوي وبن حجر وغيرهم أن الرسول صلى الصلوات كلها أي الفروض الخمسة جميعها في وقت واحد وهو وقت العشاء وذلك لأن الرسول كان في حال حرب في خيبر وفي فتح مكة مما دعاه لتأخير الصلوات الخمس إلى الليل فكانت بمثابة صلاة واحدة لأنه قام للصلوات الخمس قيام واحد في وقت واحد بوضوء واحد، ويدل فعله عليه الصلاة والسلام هذا على جواز صلاة أكثر من فريضة في وقت واحد بوضوء واحد، بالمثل كمن فاته الظهر فصلى الظهر والعصر في وقت واحد بوضوء واحد، وكمن فاته المغرب فصلى المغرب والعشاء في وقت واحد بوضوء واحد، هذا حقيقة فعله عليه الصلاة والسلام في خيبر وفتح مكة وليس ما فهمه بعض الصحابة والفقهاء من بعدهم أن ذلك كان نسخا لوجوب الوضوء لكل صلاة، فالوضوء واجب لكل صلاة في وقتها كما أمر الكتاب بذلك، ويكفي المرء وضوء واحد لعدد من الصلوات الفائتة إذا صلاها في وقت واحد بقيام واحد كما فعل عليه الصلاة والسلام.

أما من ذهب إلى أن وضوء واحد يكفي لعدة صلوات في أوقات متفرقة ما لم يُحْدِث، كمن يصلي العصر بوضوء الظهر وكمن يصلي العشاء بوضوء المغرب واستدلوا على هذا بقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)، فقالوا في هذا دليل على أن من كان على وضوء ثم جاء من الغائط أو لامس النساء فقد انتقض وضوؤه مما يدل في نظرهم على أن وضوء واحد يصلح لعدة صلوات في أوقات متفرقة ما لم يجيء من الغائط أو يلامس النساء. للرد على هذا أقول: من المعلوم للجميع أن كثيرا من الناس يتوضئون في بيوتهم قبل الصلاة بوقت، فمن الناس من يتوضأ قبل الأذان، ومنهم من يتوضأ بعد الآذان، فمن توضأ لصلاة ما وقبل الخروج إلى المسجد للصلاة لامس زوجته أي باشرها من دون إنزال مني، أو غلبه البول أو الغائط فتبول أو تغوط قبل الصلاة فعليه أن يتوضأ من جديد، هذا ما نص عليه الكتاب وفعله رسول الله ولا شيء غيره، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم والترمذي وسبق ذكره ونصه (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)، وفي هذا دلالة واضحة على أن المقصود بالمجيء من الغائط يكون عقب الوضوء مباشرة أو أثناء التواجد في المسجد أو أثناء تأدية الصلاة.

نهرو طنطاوي
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي _ مدرس بالأزهر
مصر_ أسيوط
موبايل/ 0164355385_ 002
إيميل: nehro_basem@hotmail.com







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,562,401,655
- آدم ليس خليفة الله في الأرض
- أعِدُكْ أني لن أفلح
- يا أبت أين أجد الله؟؟
- المثالية الوهمية عدو الإنسان الأكبر
- هل التوراة والإنجيل والقرآن كلام الله؟
- الدكتور أحمد صبحي منصور يستشهد بالسنة
- هل البكاء على وفاء سلطان، من أجل حرية التعبير أم من أجل حرية ...
- الإنسان هو الحل
- هل فازت مصر حقا بكأس الأمم الأفريقية؟؟
- فكر القرآنيين تحت المجهر، الحلقة الثانية: (السنة والتراث-2)
- فكر القرآنيين تحت المجهر، الحلقة الثانية: (السنة والتراث-1)
- فكر القرآنيين تحت المجهر، الحلقة الأولى: (المنهج)
- محاكم تفتيش أهل القرآن في الطريق إليكم
- أهل القرآن كلاكيت تاني مرة
- ماذا قدم أهل القرآن للإسلام؟؟.
- البوذية ديانة سماوية: الإيمان باليوم الآخر- الجزء الثالث
- كتابي: قراءة للإسلام من جديد
- البوذية ديانة سماوية: الإيمان باليوم الآخر- الجزء الثاني
- البوذية ديانة سماوية: الإيمان باليوم الآخر- الجزء الأول
- كعبة المسلمين وبقرة الهندوس


المزيد.....


- الدين لله و الوطن للجميع / بطرس بيو
- • الفصل الأول * الحياة السياسية في مصر القديمة من خلال آيات ... / أحمد صبحى منصور
- هل الدولة المصريه ضد النقاب فعلا؟ / احمد الأسوانى
- هل وفاء سلطان علمانية ؟ / ثائر الناشف
- حين تسرق الأوطان العظيمة / سيد يوسف
- الثالوث المقدّس في عقيدة المسلمين / صلاح يوسف
- العبودية في الإسلام 11 / سردار أحمد
- لماذا يتفوق علينا اليهود ؟ / شامل عبد العزيز
- ادم بين العلمانيه الالحاديه والاسلام السياسي / طلعت خيري
- قراءة في مقال: رد هادئ على السيدة وفاء سلطان / عبد القادر أنيس


المزيد.....

- الأوقاف المصرية تحذر السلفيين من التشبه بالإخوان
- «جامعة الأزهر» تستبعد الأساتذة الإخوان من المناصب القيادية
- منظمة العفو الدولية تتهم "الدولة الاسلامية" بشن حملة تطهير ع ...
- بريطانيا والإسلام السياسي (3): من البنا ا?لى القرضاوي وصولاً ...
- بلقيس الراوي و"الثقافة الداعشية" / رامي زيدان
- المسيحيون بعد الموصل: الشرق الأوسط لم يعد مكاناً صالحاً للعي ...
- قوات البيشمركة تدعو العوائل النازحة من زمار في قضاء تلعفر لل ...
- منظمة العفو الدولية تتهم تنظيم "الدولة الاسلامية " بشن حملة ...
- منظمة العفو الدولية تتهم تنظيم "الدولة الاسلامية " بشن حملة ...
- مصادر لـ 24: الإخوان يسعون إلى إنشاء حزب جديد


المزيد.....

- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية
- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهرو عبد الصبور طنطاوي - خروج الريح لا ينقض الوضوء