أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ياسين الحاج صالح - ما معنى البقاء في السلطة إلى الأبد؟














المزيد.....

ما معنى البقاء في السلطة إلى الأبد؟


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 2682 - 2009 / 6 / 19 - 08:39
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


ألفنا أن نتكلم على الاستبداد أو الدكتاتورية، معرفّينهما باحتكار السلطة العمومية وبالتوسع في ممارسة القوة خارج القانون.. دون ربط ذلك بأي بعد زمني. والحال إن السمة الأخبث والأشد فتكا للاستبداد المعاصر في العالم العربي هي سعيه إلى البقاء المؤبد في الحكم في عالم يجمع بين التغير الدائم وبين جعل التغير قيمة عليا.
في بلداننا اقترن ما نسميه الحكم المؤبد بكثير من الضحايا البشرية، فضلا عن تعطيل المبادئ التي تحمي المجتمع والحياة البشرية.
أول الضحايا مبدأ المسؤولية: أنت في الحكم مهما فعلت. باق إن انتصرت أو هزمت، إن جاع محكوموك أو شبعوا، إن احتجوا أو رضخوا.. وهذا أصل للفساد المنتشر بل الكاسح حتما في ظل كل نظام حكم مؤبد. وبما أنك في الحكم فينبغي أن تكون منتصرا دوما وشعبك راض دوما وموحد دوما وإنجازاتك لا تنضب. هذا تتكفل بتأكيده أجهزة إعلام محتكرة من قبل الحكم المؤبد نفسه. تُغيَّر صورة الواقع ما دام الواقع ذاته ينبغي ألا يتغير.
الضحية الثانية، تاليا، للحكم المؤبد هي الحقيقة. لا يهم كم يكون الواقع سيئا، صورته المقررة والمفروضة جيدة دوما. من يقول عكس ذلك يهان، وربما يباد. من يقبل بذلك يسلم ويترقى. في المحصلة يعيش الحكم المؤبد ومحكوميه معا في عالم كاذب مزيف، لا يمكن قول الحقيقة بشأنه. التزييف يمس كل شي، أصل النظام وآليات عمله وأوضاع السكان في ظله ومواقفهم منه...
الضحية الثالثة هي الحيوية الاجتماعية والسياسية والفكرية. كأن الناس يعيشون في حجرة لا يتجدد هواؤها. أو كأنهم سجناء في زنازين لا يخرجون منها أبدا. تضعف لياقتهم الفكرية والروحية والأخلاقية والسياسية، وتتدنى قدرتهم على الابتكار والتجديد، كما تتدهور صورتهم في عين أنفسهم، فتتولد في دواخلهم عواطف سلبية سامة تجاه أنفسهم وتجاه غيرهم. ونتيجة ذلك تتدني نوعية هذه المادة البشرية التي لم تتنسم هواء نقيا أو ترى النور طيلة حياتها. يمكن تشبيه الحال أيضا بفرد فرض عليه الرداء الضيق نفسه مدى الحياة: يكف عن النمو ويتقزم وربما يدمر، فوق أنه يخسر بهجة ارتداء الجديد والجميل والأنيق، مما لا يستغنى عنه من أجل نمو تقدير الذات والشعور الإيجابي بالنفس والاسترخاء في العالم.
والضحية الرابعة، تاليا، هي أمن السكان وسلامة أجسادهم وعقولهم. إذ لا يسعك الخلود في الحكم دون توسع في القمع وضرب الناس ببعضهم وإسكان الخوف في قلوبهم، وإظهار أتم الاستعداد لقتل من ينازع على السلطة العمومية والتنكيل بمن قد يتشكك في صورة العالم المفروضة من قبل الحكم المؤبد. لا ولا يخاف ضحايا الحكم المؤبد منه ومن زبانيته فقط، وإنما من بعضهم. ذلك أن حكما مسوقا برغبة الخلود يجنح إلى تعميم الوشاية في المجتمع ويقدم جوائز إيجابية للأشد ولاء له، ويروّع بخصومه. فيؤلب الناس ضد بعضهم، ويعمم مبدأ أن في الوشاية السلامة وفي الأمانة الندامة وفقدان الأمان. وعلى هذا النحو ينتج الحكم المؤبد التفكك الاجتماعي وأزمة الثقة بين الناس.
والضحية الخامسة هي قيم العلم والعمل والكفاءة.. لأن الحكم المؤبد يتسبب في انقلاب سلم القيم لمصلحة قيم السلطة والولاء. العلم أساس لاستقلال اجتماعي وأخلاقي وفكري لا يطيقه الحكم المؤبد. ومثله العمل المنتج والمستقل، فهو أيضا أساس استقلال اجتماعي لا تطيقه النظم المؤبدة على اختلاف إيديولوجياتها. وعلى هذا النحو يظهر قانون تطور غريب في ظل أنظمة الحكم المؤبد: يترقى اجتماعيا الأقل استقلالا والأدنى كفاءة. البقاء للأسوأ. هذا يشجع الخراب الأخلاقي ويفسد أمانة الناس. وهو مصدر إضافي لخراب وانحطاط المادة البشرية.
والضحية السادسة هي مستقبل المجتمع المحكوم. ذلك أن الحكم المؤبد لا يترجل من تلقاء ذاته، ولا يتطوع إلى فتح نوافذ للتغيير الذاتي، ولا يحدد بالتعريف أفقا زمنيا لانقضائه. لذلك لا يزول إلا باهترائه وسقوطه كما حصل للاتحاد السوفييتي قبل عقدين من السنين (بينما كان المجتمع المحكوم مخنوقا غير قادر على التوجه وسياسة ذاته بسداد)، أو بعنف هائل يفوق ما يقدر هو على ممارسته من عنف فيلحق الهزيمة به كحال العراق الصدامي. وهكذا فيما يفرض الحكم المؤبد حاضرا مؤبدا خانقا على محكوميه، فإنه يجعل مستقبلهم ومستقبل بلادهم قاتما مخيفا. ولا يكاد المرء يتعزى من صوغ هذا الواقع في قاعدة قد تنص على أن من يحكم بالعنف بالعنف ينتهي، ذلك أن من يدفعون ثمن العنف هم المحكومون. لم يسقط نظام صدام الذي قتل أو تسبب في مقتل مئات الألوف من رعاياه إلا على يد قوة أشد قدرة على القتل، تسببت حتى الآن في مقتل عدد أكبر من العراقيين المنكودين.
بينما جعل العالم الحديث التغيير فضيلة مقدرة ومؤسسة سياسية مستقرة يجري التأكد من صلاحيتها كل بضعة سنوات، ابتليت المجتمعات العربية بمنع التغيير نصب الحواجز العالية دونه. استبداد خالد. هذا هو القدر التراجيدي الذي يتحكم بمجتمعاتنا الحديثة، ومن غير المحتمل أن تتحرر منه دون مآس فاجعة. ويتمثل لب تراجيديته في أن المجتمع المحكوم يطور ضروب تكيف تدميرية مع التعرية الرهيبة المديدة المفروضة عليه (مشاركة في الفساد، تنافس على التخلي عن المسؤولية، تعصب ديني، طائفية، عشائرية،..)، ما يرهن الخلاص من الاستبداد الحاكم بتدمير المجتمع المحكوم. كأنما الأفق الوحيد الذي يتركه الاستبداد المقيم لمحكوميه هو أفق التدمير الذاتي. هذه هي النكبة التي تزري بكل نكباتنا الأخرى، النكبة التي يسعد أعداؤنا بها أكثر من أي شيء آخر.
تعيس هو البلد الذي لا يتغير نظامه وحكامه. أسهل له لو قصف بسلاح نووي مرة واحدة من أن يحكم من مرة وإلى الأبد من قبل النظام نفسه وبالعقلية نفسها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,926,574
- الكثير الذي فات خطابك يا أخ أوباما!
- هذه أو هذه وإلا فتلك: عقائد الحتمية في السياسة السورية
- نظرات في اللوحة الإيديولوجية العربية السائدة
- العلمانية والقومية والامبريالية.. أسئلة مفتوحة
- نظريتان في الطائفية.. بلا نظر
- الكتابة العمومية كسياسة كتابة
- نظرية الحتمية الثقافية في الثقافة السورية مقالة ضد العناد
- الفكرة القومية العربية (والإسلامية) كإيديولوجيتي حرب أهلية
- مسار حرج لتطور الوضع الكردي السوري
- في ذهنية المنفعة ونقد الثقافة
- العلم والفتوى و..الفوضى
- كيف نتقدم؟ أبالثقافة أولا؟
- مفهوم سيادة الدولة كأساس لحرية الاعتقاد الديني
- عولمة التقدم وانبعاث التخلف
- في عالم -الخطيئة الأصلية-
- أي رصيد للقوة بحوزة حركات المعارضة -العلمانية- العربية؟
- من يصغر مصر الكبيرة؟
- الصعود الإسلامي وأزمة التقدم العربي
- في السياسة والثقافة وأزمة العام الوطني
- انفصال الإخوان المسلمين السوريين عن جبهة الخلاص.. ماذا بعد؟


المزيد.....




- خطاب الكراهية وحرية التعبير
- شريف: ابلغنا الامم المتحدة رفضنا لأي نشاط داخل موانئ الحديدة ...
- الأمم المتحدة تخطط لنقل الروهينغا في بنغلاديش إلى جزيرة نائي ...
- الأمم المتحدة تخطط لنقل الروهينغا في بنغلاديش إلى جزيرة نائي ...
- قاد عملية اعتقال أيخمان... وفاة الجاسوس الإسرائيلي السابق رف ...
- سوادنيون يتظاهرون ضد البشير في واشنطن
- صحيفة: قوات أمريكية نفذت 3 عمليات إنزال سرية بصحراء الأنبار ...
- شيرين عبد الوهاب ومزحة جديدة عن حرية التعبير بمصر.. مش كل مر ...
- شيرين عبد الوهاب ومزحة جديدة عن حرية التعبير بمصر.. مش كل مر ...
- مئات المحامين الجزائريين يتظاهرون لمطالبة بوتفليقة بالاستقال ...


المزيد.....

- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح
- مبدأ اللامركزية الإدارية وإلغاء المجالس المحلية للنواحي في ض ... / سالم روضان الموسوي
- القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / / محمد رضا
- متطلبات وشروط المحاكمة العادلة في المادة الجنائية / عبد الرحمن بن عمرو
- مفهوم الخيار التشريعي في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا ... / سالم روضان الموسوي
- الحقوق الاقتصادية في المغرب / محسن العربي
- الموجز في شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 / سمير دويكات
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ... / محمد عبد الكريم يوسف
- دور مجلس الأمن في حل المنازعات الدولية سلمياً دراسة في القان ... / اكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ياسين الحاج صالح - ما معنى البقاء في السلطة إلى الأبد؟