أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم العوكلي - التغريبة الفلسطينية















المزيد.....

التغريبة الفلسطينية


سالم العوكلي

الحوار المتمدن-العدد: 2591 - 2009 / 3 / 20 - 02:23
المحور: الادب والفن
    


ضوء في آخر النفق يقف فيه رشدي حاملاً بندقية أبيه بعد أن مزق رسالة البعثة الدراسية إلى الخارج وقرر أن يبقى ‘ هذا هو المشهد الأخير من العمل الدرامي الضخم التغريبة الفلسطينية ، وهو مشهد يطرح رؤيا كاتبه وليد سيف الذي عاد إلى هذه المرحلة بتجربته الثقافية ورؤيته الفكرية وخبرته ليفككها ويحاول تسريب أسئلته الجوهرية في الداخل متسائلاً من خلال هذا العمل : أين خسرنا ولماذا ؟ عبر رصد حياة أسرة فلسطينية فلاحة تعيش في قرية معزولة بكل آمالها وتناقضاتها، والتي من خلالها تنعكس معظم الأحداث الكبيرة التي مرت بالمنطقة ، وإذا كانت هذه القرية ضحية مؤامرة كبرى حولتها إلى خراب فإن وليد سيف لم يغفل معالجة أزمات هذه المجتمع الداخلية التي أسهمت بشكل أو آخر في الوصول إلى هذه النتيجة ‘ كان مفهوم السلطة في أصغر تجلياتها وما يترتب عنها من أزمات وجودية إحدى الثيمات التي استبطنها هذا العمل ، وكان الاضطهاد الداخلي مقدمة لانتهاك هذا المجتمع باضطهاد خارجي ، البيك الذي مثل السلطة الإقطاعية الأولى والمختار الذي يختصر الوطن في مركزه الاجتماعي وأملاكه .. صراع المصالح والنفوذ الذي تسرب إلى الثورة الفلسطينية التي ضمت في بنيتها أزمات المكان وصراعاته ، وكل ذلك تم عبر البناء الدرامي لشخصيات العمل التي يقودها قدرها التاريخي في أرض تتقلص تحت أقدامها .. تتوقف الثورة وتبقى آثارها داخل النفوس المفعمة بالاستئناس للمكان واللحظة ، بينما المحتل ينتهز الوقت ليبني مؤسساته ويخطط لمشروعه، وفي النهاية ستكون المواجهة بين الغزو المخطط له بحنكة من قبل القوى الكبرى وبين المقاومة الفطرية الارتجالية معروفة النهاية ، يتجذر الفلاح الفلسطيني في الأرض بشكل عبرت عنه مفردات العمل من الموسيقى إلى الملابس والمعمار، التي كانت تعكس هذه العلاقة بين الفلسطيني الفلاح والأرض، فكل هذه المفردات كانت تظهر في العمل وكأنها طالعة من التراب مثل أشجار الزيتون .. ويُقتلع هؤلاء المضرجون بتراب الضيعة من جذورهم ليبنوا خيامهم بعيداً عن الخطر الذي سوف لن يعرف حدوداً .. تصير للخيمة حدود تصبح الخيمة هوية ، وبشكل فني حاذق سيرصد حاتم على المخيم وهو ينمو بجدرانه وعلاقاته وأزماته ولافتاته الجديدة المكتوبة على الجدران ، تغدو رائحة برتقال الضيعة الهوية المفقودة وهاجس الحنين إلى الرحم ، ويغدو المذياع الذي يبث رسائل الغائبين الشفهية هو الوطن البديل ، وفي هكذا ظروف حيث لا أرض ولا مزارع وحيث الأزقة بين البيوت تضيق يغدو تعليم الأبناء هو الحلم الذي يراود الآباء .. يحل التفاخر بالشهادات العليا محل التفاخر بالإقطاعيات .. شخصيات المخيم تنمو معه بتناقضاتها .. (علي) الشخصية المتعلمة القلقة التي تمثل انتلجنسيا القرية والمخيم والمنطقة بأكملها يتسرب إليها تشويش اللحظة التاريخية الغامضة .. الشخصية المثقفة المرتبطة بالكلمات والمعاجم التي تبحث عن نصفها الآخر في شخصية حسن المغامرة المرتبطة بالأرض والصخر والريح .. شخصية مسعود الانتهازية .. والضحية التي ترث ميراث جلاها الداخلي .. شخصية أبوعايد نموذج السلطة السياسية والإقطاعية التي تدافع عن وهم هذه المكتسبات في خيمة تلعب بها الريح والعواصف .. شخصية الأم الفلسطينية ( التي جسدتها جولييت عواد بشكل رائع ) يتفتت قلبها في خضم هذا الصراع الذي تقاومه بغريزة الأم وبحضنها المفتوح لكل الأوجاع .. كان الحب البريء والحب المؤثم في هذا المجتمع الصغير إحدى الثيمات التي عالجها كاتب يدرك أن أقسى الظروف الإنسانية لا تخلو من المرح والحب والحلم ، وتمر الأحداث الكبيرة على هذا المجتمع لتترك ظلالها وآثارها التي لا تنمحي على كل الشخصيات ، بينما من خلال حوار المثقفين يسرب الكاتب آراءه في كل ما حدث عبر قراءة نقدية جديدة للأزمة من داخلها، وعبر تجليها الاجتماعي والنفسي والثقافي .. ثمة نص كتبه وليد سيف ولكن ثمة نصوص أخرى موازية اشتغل عليها الإخراج الفني .. كانت موسيقى طاهر مامللي نصاً موازياً .. وكانت الكاميرا التي ترصد بحذاقة تفاصيل اللعبة عبر مشاهد صامتة تقول الكثير .. ترصد الملامح لحظة الرحيل وارتعاش الأصابع وهي تتسلم مئونة الأنروا .. الجريدة التي يمسح علي بها وجهه من صابون الحلاقة .. وقامة أبوصالح العملاقة وسط جلاديه .. وعبر كل ذلك كان المخرج حاتم علي يمسك بخيوط عمله الملحمي بحنكة فنية راعت كل التفاصيل الدقيقة من اللهجات إلى الملابس وغيرها، عبر عمل يسعى إلى الإقناع الفني الذي يحترم المشاهد وثيمة العمل ( فمهما كانت القضية المطروحة عظيمة ومقدسة لا تغفر أبداً أي إخفاق فني ) ..
يأتي التهجير الثاني من المخيم ليطرح نقطة جوهرية وهي العلاقة التي تكرست في الذهنية العربية بين الأرض والعرض .. حيث حالة التجريد القصوى للوطن في مفهوم العرض الذي يفر به العربي تاركاً أرضه .. العقل العربي ـ إذا صحت التسمية ـ المبني عبر مجموعة من المفاهيم التجريدية التي تحيل حياته اليومية ومفرداته الوجودية إلى منظومة لغوية من الشعارات واللافتات التي تشكل أوهامه الكبيرة في مواجهة تاريخ لا يؤمن إلا بالتجسيد والحركة والجغرافيا .. الوهم الوسادة ـ التي تحملها أم سالم المجنونة كبديل لابنها المفقودـ يجد صداه عند رشدي الذي فقد أمه، فيقترب من وجدان هذه المرأة بقدر ما يؤكد وهمها ويتعاطف معه ، وهو الوهم الذي يكف بمجرد أن يلتقي مع أمه .. تموت المرأة في لحظة تحررها من هذا الوهم ورأسها على الوسادة بينما يذهب رشدي إلى بندقيته المخبأة في الكهف ويقف في الضوء متشبثاً بها ..إضافة إلى ذلك قدم هذا العمل جزئية أخرى مهمة نفتقدها في معظم أعمالنا الدرامية وهي حداثة الخطاب الدرامي ، فهو لم يطل المكوث عند الأحداث المفصلية والتعامل معها بشكل سياسي مباشر، لكنه تابع فعلها في الملامح الحائرة والمتفائلة بحذر ، وفي الوقت نفسه لم يكن أسير أي تعامل عاطفي مع عمل حساس مازالت تحيط به العديد من الالتباسات التاريخية، خصوصاً وهو عمل يتعامل مع قضية مازالت قائمة وشائكة ونعرف على الأقل مآلها حتى الآن ، ولكن ما كان يهم الكاتب هو كيف وصلنا إلى هذه النهاية ؟ التي هي في الواقع كانت بداية لرؤيا أخرى طرحها العمل عبر أيقونة فلسفية مثلت المشهد الأخير، وهي الضوء الذي يلوح في آخر النفق، وهي أطروحة لا تخلو من مفهوم ما لليوتوبيا التي عاشها العقل الإنساني الحالم بالخلاص .. لكن العمل وضع في قلب هذا الضوء أيقونته الخاصة التي تفسر هذا الضوء وتنقله من حقله اليوتوبي إلى التاريخي .. ومن مرجعيته الفلسفية إلى رطانته الفكرية المنبثقة من قراءة كل ما حصل بهدوء لا يخلو من الارتياب .. ليفضي إلى مرسله المقتضب :البقاء في الأرض والمقاومة هو الضوء الذي يلوح في آخر النفق .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,683,824
- الحرية والجمال
- التسوية الممكنة
- حوار حول الديمقراطية في ليبيا
- من هنا إلى مكة .. يوتوبيا الصادق النيهوم
- لا بد من الجلوس خلف المقود المجتمع المدني والعلمانية
- الكتابة بالأظفار
- العلم جمالية العقل
- لغة الهيمنة: هيمنة اللغة ،
- اليوتوبيا والدكتاتورية
- من أول السطر


المزيد.....




- ندوة لمناقشة رواية -كيميا- للكاتب الصحفى وليد علاء الدين
- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- بنشعبون أمام البرلمان لتقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية
- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سالم العوكلي - التغريبة الفلسطينية