أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - توفيق أبو شومر - شرطة مطاردة المجاز في اللغة العربية





شرطة مطاردة المجاز في اللغة العربية


توفيق أبو شومر

الحوار المتمدن-العدد: 2582 - 2009 / 3 / 11 - 10:35
المحور: الادب والفن
    


منذُ فجر التاريخ ظهرتْ كثيرٌ من طوائف الشارحين والمفسرين والمحللين والناقدين كطوائف نفعية تتغذي على أجساد المبدعين والمفكرين، وهؤلاء لم يُؤدوا رسالتهم السامية المتمثلة في التعليم والتثقيف والشرح والتبسيط لجهلهم وجمود فكرهم وقلة مخزوناتهم الثقافية ، فأجبرهم جهلهم إلى اللجوء لمهنة جديدة، وهي مطاردة مجاز اللغة عند المبدعين من الشعراء والأدباء والمفكرين بتكفيرهم والتشكيك في نواياهم ومراميهم .
ومن المعروف بأن هؤلاء المُغالين يتكاثرون في الأجواء المشحونة برطوبة الجهل ، وعفونة الفكر.
هم لا يلتفتون إلى السرائر والقلوب والنِيََّات، وإنما يتغذون على الظواهر ، ويحاكمون البشر بما تُخرجه ألسنتهم من حروف وجمل، وليس بنيّاتهم وسرائرهم ، فجرّعوا سقراط السمّ واتهموه بأنه عدو الآلهة ،على الرغم من أنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وكان داعيةً للإيمان السليم ، وأرسى القواعد الديموقراطية الأولى، ونادى بتحرر الإنسان من الإنسان ، فشغّل العقولَ العاطلة عن العمل ، وبنى النظريات الفلسفية الأولى ، وكذلك طاردوا أرسطو وأفلاطون ، وبقية الفلاسفة والمفكرين .
ولما جاءت الأديان السماوية ، جعلت مركز الإيمان الصادق القلب، لا اللسان، ولم تسمح لبشرٍ أن يحاكم بشرا في الدنيا ، ولم يُعين اللهُ خليفةً له في الأرض ، يُحاكم الناس قبل الموت، فالله وحده هو العليم بالسرائر وما تُخفي النفوس ،لأجل ذلك جعلت الأديانُ (النيّات) هي أساس الإيمان ، وليست الأقوال وما يصدر عن اللسان، فلا تجوز الصلواتُ والأدعيةُ ، إذا لم تكن مضمرةً مُسبقا في النيّات ، ولا تُقبل الأعمال إذا لم تُعززها النيّات أيضا.
وظلّ حديث الرسول المروي على لسان أسامة بن زيد أكبرَ برهان على ما ذهبنا إليه ، عندما كان أسامة ذاهبا إلى الحرب في موقعة الحرقات في جهينة.
قال أسامة :
" بعثَنَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سريَّةٍ، فصبَّحنَا الحرقات في جهينة، فأدركتُ رجلا فقال :
لا إله إلا الله
فطعنْتُهُ ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرتُهُ للنبي
فقال : أقال لا إله إلا الله وقتلتّهُ؟
قلت : يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح !
قال : أفلا شققتَ عن قلبه ، حتى تعلمَ أقالها ، أم لا ؟
فما زال يُكررها عليّ ، حتى تمنيتُ، أنني أسلمتُ يومئذٍ .
وهذا الحديث يدلّ على جوهر الرسائل الدينية كلها ، وهو حديثٌ يُردده كثيرون ، ولا يلتفت كثيرون أيضا إلى معانيه ، لأنه ينفي الأحكام التي تحاكم الناس على أشكالهم وأقوالهم وما يخرج من أفواههم، كما أن من يقرؤون الحديث يمرون على نهايته مرور الكرام ، ويختصرونه في قولهم ، هلاّ شققتَ عن قلبه ؟ ولا يلتفتون إلى بقيته ، وكيف أن أسامة بن زيد ، تمنى أن يعود كافرا ، ثم يدخل الإسلام من جديد ليفهمه، لكي يتخلص مما فعل ، وهو صحابي ، كان يعيش بدايات الدين الأولى .
وعانتْ الأديانُ الأخرى أيضا من فئات المتفيهقين والمُحرِّمين والمحللين، ممن أجلسوا أنفسهم مكان الله ، يحاكمون البشر بأشكالهم وصورهم، وطريقة نومهم وأكلهم ولبسهم وحركات أجسادهم ، وبما يخرج من أفواههم من حروف وكلمات ، فأقاموا عليهم الحدود ، وادّعوا بأنهم مندوبو الله في الأرض، أخذوا التفويض منه ، على الرغم من أن الأديان نزلت لتعليم البشر، كيف يكونون بشرا ، لا آلهة .
فازدهرت في القرن السادس عشر محاكم تفتيش الضمائر، وقُتل كثيرٌ من المبدعين ، وحُظِر نشر الأفكار الحُرّة ، وفُرض منعُ التجول على المبدعين والنابغين ، واستولتْ طوائف المتفيهقين على الحياة كلها ، وجرّدوها من الحياة ، فأصبح الناس يسيرون كالأموات، وينامون فزعين خوفا من البطش.
فهرب المبدعون ، واختفى النابغون بفعل سيوف بطش المتفيهقين، فطالبوا غاليليو بأن يبرأ من أفكاره ، وأعدموا برونو ، وطاردوا بعدئذٍ فولتير وروسو ودلامبير والغزالي والأفغاني وطه حسين والعقاد والمسيري ونجحوا في قتل مفكرين كثيرين، ، وحاولوا قتل آخرين ، وما يزالون يطاردون بقية المفكرين والمبدعين حتى كتابة المقال .
وظهرتْ في عصرنا الحاضر ، وفي ظل الألفية الثالثة طوائف أكثر تطرفا من كل الطوائف المتطرفة السابقة ، وأصبحوا ينافسون كل المتطرفين الغابرين في فن التطرف.
ولم يقرأ هؤلاء المتطرفون ، كيف أن الشرعَ الإسلامي الحنيف ، لم يجعل التكفيرَ في أيدي البشر، فمن كفّر مسلما فقد كفر.
وقال أيضا في حديثٍ آخر : " لزوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل رجلٍ مؤمن " رواه البيهقي
ولم يقرأ كثيرٌ من هؤلاء كُتب التراث العربي القديمة ليعرفوا كيف أن الكلمات، لا يمكن أن تُقتطعَ من سياقها لتصبح دليلا على الكفر والإيمان، فالتكفير حقٌ حصريٌّ بيد الله سبحانه وتعالى.
فقد نشر الأدباءُ والمفكرون أفكارهم بحرية في كتب التراث ، ولم يلتفتْ الناسُ إلى المُغالين الذين اتهموا بعض النابغين بالضلال ، فقد ظل الناسُ يتداولون إبداعات الإمام الغزالي وابن رشد وأبي حيان التوحيدي ، ولم يحظروا أفكارهم ويطاردوا كتبهم، على الرغم من اتهامات المُغالين المتطرفين .
وحينما قرؤوا بيتي أبي نواس في ديوانه المطبوع والمنشور :
يا ناظرا في الدين ما الأمرُ؟
لا قدرٌ صحَّ عندي، ولا خبرُ
ما صحَّ عندي من جميعِ الذي
تذكرُ إلا الموتُ والقبرُ
فلم يكفروه بعد البيتين، ولم يُوقعوا عليه عقوبة المرتد .
وكان الشاعر أبو نواس يُناقش الفلاسفة والمتطرفين من أعداء الأدب والمجاز قائلا لهم :
قل لمن يدعي في العلم فلسفةً
حفظتَ شيئا وغابتْ عنك أشياءُ
لا تحظر العفوَ إن كنتَ امرأ حرجا
فإن حظركَهُ في الدينِ إزراءُ
وما يزال الشاعرُ العباسي أبو العتاهية مثالا على التقوى والورع والزهد عند كثيرين من المتطرفين والغلاة من أعداء المجاز اللغوي لأنه قال :
رغيف خبزٍ يابس في زاوية
وكوزُ ماءٍ باردٍ
تشربه من صافية
وغرفة ضيّقةٍ
نفسك فيها خالية
أو مسجدٍ بمعزلٍ
عن الورى في ناحية
خيرٌ من الساعات في
فَيءِ القصورِِ العالية
فهو هنا يدعو للنسك والعبادة والتقوى أليس كذلك ؟
غير أنه يقول في بيتٍ آخر:
أرى عملي للشرّ مني بشهوةٍ
ولستُ أرومُ الخيرَ إلا تكرُّها
ولم يحكم عليه فريق جماعةُ أعداء المجاز بالكفر والمروق والعصيان بسبب معنى البيت السابق ، لأن الإيمان لا يستنبط من الكلمات والألفاظ ، ولكنه يكون بجُماع العمل وبمجمل الإنتاج وغاية الإبداع .
وكذا الحال مع الفيلسوف والشاعر أبي العلاء المعري ، الذي وصمه بعضهم بالمروق والضلال لأنه قال أبياتا ، في أحداث الفتنة بين المسيحيين والمسلمين :
في اللاذقيةِ فتنةٌ
ما بين طه والمسيح
هذا بناقوس يدقُ
وذا بمئذنة يصيح
كلٌ يُزكِّي دينه
يا ليت شعري ما الصحيح ؟
فأصبحتْ الأبيات في نظر بعضهم دليل اتهام بالكفر ، بغض النظر عن مناسبتها ، ومعانيها .
وعلى الرغم من ذلك فلم يكترث الشعراء بتلك الأقوال ، فقد ظلَّ القارئون يتغنون بأبيات الشاعر المملوءة بالإيمان والحكمة ويحفظونها كأقوالٍ خالدة مثل قوله :
غيرُ مُجدٍ في مِلَّتي واعتقادي
نَوحُ باكٍ أو ترنُّمُ شادِ
خفِّفَ الوطءَ ما أظن
أديمَ الأرض إلا من هذه الأجساد
وقبيحٌ بنا وإن طالَ الزمانُ
هوانُ الآباء والأجدادِ
سرْ إن اسطعتَ في الهواء رويدا
لا اختيالا على رُفات العباد .
ولم يأخذ القارئون والفقهاء المتدينون والشارحون بآراء المتطرفين عندما كانوا يقرؤون شعر أبي الطيب المتنبي ، ولم يحاكموه أمام محكمة حظر المجاز اللغوي الابتدائية حين قال :
أيَّ محلٍ أرتقي
أيَّ عظيمٍ أتقي
وكلُّ ما خلق اللهُ
وما لم يخلقِ
محتقرٌ في همَّتي
كشعرةٍ في مفرقي
فقد قرؤوا أبياته السابقة وحفظوها باعتبار أنها تشير إلى أنَفَةِ الشاعر وكبريائه ، وفهموا مجازها اللغوي ولم يُطاردوا ألفاظ الشاعر ويُحّرموها ، ولم يَستغل الشارحون مدلولاتِ أبيات الشاعر لوصمه بالكفر، ولم يعتبروها دليلا جنائيا على أن الشاعر يعتبر نفسه في الأبيات السابقة أسمى من كل المخلوقات، حتى سلالة الأنبياء !
كما أن هؤلاء المفتشين عن الألفاظ لم يكترثوا بقول الرسول الكريم :
"إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة ."
أليس هذا القول من الرسول دليلا على أنه رخصةٌ للمجاز ؟
ولماذا لم يجتهد فقهاء التفسير في إبراز مدلولات حديث الرسول السابق؟
فسحرُ البيان إشارةٌ إلى أبرز مهمات المبدعين، فما يخرج من إبداعاتهم إن هو إلا سحرٌ ، وما السحر سوى المجاز الذي يأخذ البشر إلى عوالم أخرى ويُخفّفُ من وطأة الحقائق المجردة، فالمبدعون ، ومنهم أهل البيان ، ممثلون على خشبة مسرح الحياة ، يتقمصون أدوار الشر والخير معا ، وهم بالطبع حين يتقمصون أدوار الشر ، لا يكونون أشرارا .
نعم لقد فهم الأولون المجاز اللغوي فلم يجزعوا ولم يحكموا على جميل بثينة بالرِّدَّة ، وهو يتغزل في بثينة ، حين اعتبر الحبَّ جهادا ، وقتيلَ العشق شهيدا :
يقولون جاهد يا جميلٌ بغزوة
وأيُ جهادٍ غيرهن أُريد؟
لكل حديثٍ عندهم بشاشةٌ
وكلُّ قتيل بينهن شهيدُ
كما أنهم لم يكفروا شاعر الحب العذري الأول قيس بن الملوَّح ، ولم يعتبروه آثما حين استبدل وجهته في الصلاة من القبلة إلى بيت ليلى :
أراني إذا صليتُ يممتُ نحوها
بوجهي ، وإن كان المُصلَّى ورائيا
وما بي إشراكٌ ولكنّ حبها
وطول الجوى أعيا الطبيبَ المُداويا
ولم يقرأ المتطرفون من وحدة مطاردة المجاز اللغوي في الأدب مسيرة تراثنا العربي السمحة ، التي أتاحت لنا أن نقرأ كتاب الأغاني المملوء بالقصص والأشعار الصريحة المباشرة في الحب والجنس التي نجتْ من متفيهقي عصرنا الراهن ، ومناظرات الفلاسفة والأدباء ، وأشعار الطرائف، لبعض المفكرين والأدباء في عصرنا الراهن ،ولم يحظروا كتاب ألف ليلة وليلة أيضا .
فلم يجد أجدادنا وآباؤنا خطرا على فكرنا ، حين تركوا لنا تراثهم ، ولم يسارعوا إلى جعل مؤلفات المبدعين دليل اتهام على كاتبيها ، فتركوها لنا لتشحن أفكارنا وتُغني عواطفنا، فتركوا لنا العقد الفريد وأخبار النساء ، وأخبار النَّوكى والحمقى، وتركوا لنا رسائل إخوان الصفا ، وأفكار المعتزلة ، وأشعار الغزل الصريح وغير الصريح ، وصنفوا وجمعوا ، ووضعوا الفهارس والمصنفات، لإغناء تراثنا الأدبي والفني .
ولم يحكموا بإعدام فلاسفة المتصوفين من أمثال الحلاّج وابن عربي ورابعة العدوية وغيرهم ، وكان هؤلاء هم أول من استخدموا المجاز اللغوي لإثبات إيمانهم وعقيدتهم ، فلم يكفِّروهم حين كانوا يقولون:
سبحاني سبحاني ما أعظم شاني
أو : ما تحت الجُبَّة غيرُ الله .
فقد فهموا المجاز ، وفهموا مذهب المتصوفين في "الحلول" ولم يُخرجوهم عن الإسلام ، كما يفعل كثيرون من أشباه الفقهاء ، وأعضاء الفرق المخابراتية الخاصة ممن يلاحقون الشعراء والأدباء والمبدعين، من أهل المجاز .
ووصولا إلى عصرنا الرهن، حيث ازدهرت طوائف مفتشي الألفاظ والحروف، أعداء المجاز اللغوي ، والمبالغات ، وهم طائفةٌ نفعيةٌ قررت أن تنهش لحوم المبدعين بعد موتهم ، لعجزهم عن مناقشتهم ، وهم أحياء ، فعندما يموتون لا يتمكنون من الدفاع عن أنفسهم ، وإثبات براءتهم من تهم الضلال التي يُتهمون بها ، واستغلوا انتشار فايروس نقص المناعة الثقافية المنتشر بين أبناء يعرب واعتمدوا على نظرية تقول :
إن البسطاء من الناس ما يزالون محتاجين إلى من يقرأ لهم ويُفسِّر لهم مدلولات الكلام ، وهؤلاء البسطاء سينصاعون خوفا من بطش مفتشي الألفاظ ليس إلا ، فشرعوا يحاكمون الناس حتى على ألفاظهم البسيطة ، فقد حرَّم كثيرٌ من فرق مطاردة المجاز الُّلغوي أن تقول (شكرا) لمن يسدي إليك معروفا ، فيجب عليك أن توقفه لتصحح له القول : فالشكر ليس للبشر، ولكن الشكرَ فقط لله سبحانه.
وحرامٌ أن تقول أيضا : ما أجمل الفتاة والوردة ! لأن الجمال لله وحده فقط !
وهؤلاء وأولئك ينتشرون في كل بقاع الأرض ، وفي كل الأديان ، يستغلون جهل الناس بأصول دينهم، وبقدرتهم على النقاش والحوار، يبثون في نفوسهم الرعب باعتبارهم مكلفين من قبل الله سبحانه.
ونشط فريق مكافحة المجاز في ملاحقة مجازات الشاعر محمود درويش بعد وفاته في12/9/2008م ، ليثبتوا بأن محمود درويش كان زنديقا فاسقا فاجرا ضالا ، فشرعوا يُقدمون ألفاظه لمحكمة التفتيش عن المجاز اللغوي ولنيابة حظر المجاز ويجمعون من أشعاره الكثيرة ألفاظا معدودة لتصبح هي الأدلَّة على إدانته جنائيا ومن ألفاظه المُصادَرَة :
" فلا تدفنوا اللهَ في كتبٍ
وعدتكم بأرضٍ على أرضنا"
خذوا وقتكم لكي تقتلوا الله
........
سبحان الذي أسرتْ
بأوردتي إلى يدها
ولم يلتفتْ أحدٌ إلى المخاطَبٍين المحتلين في "لا تدفنوا الله" ولم يأبهوا للمجاز في ألفاظ الشاعر ومعانيها
فماذا لو جرَّدَ ضباطُ شرطة مكافحة المجاز الشعر العربي كله من المجاز ، فماذا يبقى إذن ؟
فهم لم يقرؤوا بالطبع أقوال المبدع الفذ جبران خليل جبران ، لأنه من (زمرة) أهل المجاز حين قال :
((الشاعرُ أبو اللغةِ وأمها ، تسيرُ حيثُ يسير وتربضُ حيثُ يربض ،وإذا ما قضى جلستْ أمام قبره باكيةً مُنتحبة ، حتى يمرَّ بها شاعرٌ آخر يأخذ بيدها.
وإذا كان الشاعرُ أبا اللغةِ وأمَّها ، فالمُقلِّدُ ناسجُ كفنها ، وحافر قبرها .....))
وماذا لو نُفّذ حكم مجلس مكافحة المجاز الأعلى على الأدباء التالية أسماؤهم :
أبو تمام والبحتري وأبو نُوَاس والمنفلوطي وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونزار قباني، وعبد العزيز المقالح ، وعبد الله الغذامي،والبياتي والسياب ، وعبد الرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وسميح القاسم ، وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ، والفيتوري،وحتى شعراء الرسول أنفسهم ومئات غيرهم ، فهل يُحسون بالنشوة بعد أن تطهرُ اللغةُ، وتصبح صالحة جامدة خالية من البيان والمجاز والصور والبلاغة لاستعمالهم الشخصي فقط لا غير ؟
هؤلاء هم ألدُّ أعداء اللغة العربية ، التي هي في الأساس وعاءُ القرآن الكريم والدين ، وهي التي حملت بمجازها اللغوي رسالات الأنبياء والرسل .
وشرطة مكافحة المجاز اللغوي ، هم أيضا لا يفهمون الدين الذي يدَّعون أنهم يدافعون عنه ، لأنهم لم يفهموا بعد المجاز في القرآن أيضا ، حين وضع الله سبحانه رموزا في بدايات بعض الصور كألف لام ميم ، وكاف هاء عين ياء صاد .
وهم أيضا لم يتعلموا من مفسري القرآن حينما فهموا المجاز اللغوي فيه ، ففي سورة القارعة مثلا : " "القارعة ، ما القارعة ، وما أدراك ما القارعة ، يوم يكون الناسُ كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ، فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية ، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ، وما أدراك ما هي نار حامية"
فلم يفسروا قول الله " أمُّهُ هاوية" بحقيقة معناها ، وهي الأم المُنجبة والوالدة المرضعة ، بل فسَّروها بمجازها اللغوي ، وهي أنها تعني مسكنه ومصيره ونهايته ، فلو أنهم فسروها وفق مذهب شرطة مطاردة المجاز اللغوي أنها الأم الحقيقية لأصبح الله ظالما يُعاقب الأم بعقوبة ابنها ، وهو ما يتنافى مع المبدأ السماوي الرائع : وانه لا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى .
أليست جريمةً في حق لغتنا العربية التي وسعتْ كل شيء ، وكانت من أروع اللغات بمجازها وأشعارها ، والتي صاغت تراثنا ، وحملت أفكارنا ، وصاغت سماتنا وأشكالنا ، أن نُسلمها إلى بعض الجاهلين من أبنائها ، ونتركهم ينزعون منها أروع مكنوناتها " المجاز" لتعود بعدئذٍ لغة جامدة صعبة الفهم قاسية العبارات ، ونعودُ نحن بعد ذلك قطيعا ذليلا في أيدي فريق مطاردة المجاز ، يضعون على أفواهنا ألجمتهم، بشرط أن ندفع لهم ثمنها ، بعد أن نشتريها منهم مرغمين بالسعر الذي يقررونه هم ؟
ألم يصفها الشاعر حافظ إبراهيم أروع وصف حين جعل اللغة العربية تتحدث عن نفسها فتقول:
أنا البحرُ في أحشائه الدُّرُّ كامنٌ
فهل ساءلوا الغوَّاصَ عن صدفاتي ؟
وما الدرُّ اللغويُّ سوى مجاز اللغة وبيانها وبلاغتها الساحرة الآسرة .
وبسبب حالة الرعب المتفشية بين أبناء يعرب في هذه الأيام الناجمة عن مداهمات شرطة مكافحة المجاز، فإن المقررات المدرسية في العالم العربي ستظل خالية من نجس المجاز عند محمود درويش ،وأمل دنقل ومظفّر النواب ، وأدونيس ومعين بسيسو، وسميح القاسم، وراشد حسين، ومن رجس البيان والبلاغة والمعاني في أشعار عمر أبي ريشة وروايات نجيب محفوظ ، وصنع الله إبراهيم وعلاء الأسواني وأحلام مستغانمي وسعدي يوسف ، وتوفيق الحكيم .
وسيُحقن طلاب المدارس العرب بأمصال للتطعيم ضد أفكار المفكرين أيضا من أمثال الجاحظ وابن قتيبة وأبي حيان وابن خلدون وأحمد أمين وطه حسين ومحمد عبده والكواكبي والأفغاني والجابري لتظلّ عقولنا بعيدة عن الإبداع تُدمنُ التقليد فقط ، حتى ولو كانت النتيجةُ ولادةَ سلالاتٍ عربية مشوهة فكريا ونفسيا.
10/3/2009





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,535,097
- الإعلام ومراسلو الخوذات والدروع
- التمثيل النسبي للنساء في الأحزاب العربية امتهان لهن
- قرنفل غزة الحزين
- الإعلام العشوائي وفضائيات مصارعة الديكة
- حق اللجوء الإبداعي إلى دول السوفت وير
- غزة التي أدمنت الدمار
- إسرائيل وعقدة شمشون في غزة
- آخر صلوات بوش أمام الشمعدان
- قمع المرأة للمرأة
- قصتان من غزة بمناسبة العيد السعيد
- الحوار المتمدن شعلة الحرية
- ظرفاء الإنترنت ومقامات بديع الزمان
- أولمرت وموسم السياحة الحزبية في إسرائيل
- إدمان الولاء للحاكم
- مصطلحات إعلامية إسرائيلية ساحرة !
- مسكين باراك أوباما
- مجزرة الأسهم في قلعة النيكي والنازداك
- فاتنات السياسة
- تجارة الرقيق في الألفية الثالثة
- مرتبات القطط السمينة والأزمة المالية العالمية


المزيد.....




- الوسط الفني والإعلامي اللبناني يشارك في الاحتجاجات ويهتف ضد ...
- فنانون شاركوا في المظاهرات اللبنانية... ماذا قالوا
- أول تعليق للفنان محمد رمضان بعد واقعة سحب رخصة طيار بسببه
- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - توفيق أبو شومر - شرطة مطاردة المجاز في اللغة العربية