أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - التغيير الجذري في الولايات المتحدة بين الممكن والكامن ملاحظات أولية (الحلقة الاولى)















المزيد.....


التغيير الجذري في الولايات المتحدة بين الممكن والكامن ملاحظات أولية (الحلقة الاولى)


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 2560 - 2009 / 2 / 17 - 05:46
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


"تغيرات المجتمع ترجع في الاساس الى تطور التناقضات الباطنية فيه، وهي التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، والتناقض بين الطبقات، والتناقض بين القديم والجديد، وتطور هذه التناقضات هو الذي يدفع بالمجتمع الى الامام، يدفع المجتمع الجديد لكي يقضي على القديم."

ماو تسي تونغ
" في التناقض" (1937)

مقدمة

لا يستطع المرء ان يعي كافة أبعاد الازمة الراهنة في الولايات المتحدة ولا أن يتكهن بآثارها وتداعياتها. إلا انه بمقدورنا، ان نتفحص الواقع المادي الماثل أمامنا وأن نحلل معطيات المشهد الاميركي ونستشرف ملامحه وإتجاهات حركتة ومناقشة آفاق التغيير الجذري.

لم يحظى "الداخل" الاميركي بالقدر الكافي من الاهتمام والتحليل لآثار الازمة الاقتصادية بالرغم من ان هذا الداخل هو الساحة المركزية التي تتفاعل فيه الازمة، فإذا كانت الازمة الاقتصادية، كما يجمع الخبراء، تنبئ بانهيار اقتصادي عالمي، فحري بنا أن نتدارس آثار وتداعيات هذه الازمة على الداخل الاميركي ذاته.

يمكن ايجاز المسألة المركزية في هذه المقالة على النحو التالي:

□ هل أضحى التغيير الجذري ضرورياً؟ وهل هو ممكن وما هي إحتمالات نجاحه؟ هل تنذر هذه الاوضاع بتوفير الشروط لنشوء وإنضاج حركة ثورية تنشد التغيير الجذري وتسعى الى أن تكون خطوة على طريق تحقيق مشروع ثوري بمكونات وآفاق اشتراكية وشيوعية؟ أم ان جلّ ما يمكن ان تتمخض عنه هذه المرحلة، وفي المدى المنظور، لا يتعدى تحولاً او بعضاً من الاصلاح لادارة الازمة والخروج، ولو المؤقت، منها؟ أم أننا أمام محاولة لا تعدو كونها تنفيساً لافكار حبيسة وشطط فكري رغائبي؟

□ هل توفرالاوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية الراهنة في الولايات المتحدة ـ في أعقاب وعلى ضوء الازمة الاقتصادية التي تجتاج البلاد والعالم وما ستؤول اليه في غضون الاشهر والسنوات المقبلة، بكل تداعياتها على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ـ هل توفر المقدمات الموضوعية والمادية لحالة ثورية ، لتربة خصبة تنمو فيها ظروف تنذر بتغيير جذري في النظام الراسمالي ـ الامبريالي الاميركي والعالمي؟

(1)
في الازمة وتداعياتها

أزمة "غير إعتيادية"

النظام الراسمالي محكوم بطبيعته، سواء في فترات تعافيه وتوسعه او تناقص ارباحه، بانتاج الازمات المتوالية والمستمرة وذلك بسبب التناقضات التي ينتجها. الا ان الازمة الراهنة في الولايات المتحدة ليست "إعتيادية" ولا دورية، كما يتضح من عمقها وما تنذر به من آثار كارثية تضرب في بنية النظام الراسمالي العالمي وركائزه الاساسية، وذلك باعتراف خبراء النظام انفسهم. فقد أسفرت الاشهر الاولى التي تلت الازمة عن العديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تحمل في طياتها تداعيات جسيمة ستلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والمجتمع الاميركيين لعقود طويلة قادمة، نورد فيما يلي بعضاً منها:

□ لاول مرة منذ ستينات القرن الماضي تشكل الارباح الجزء الاكبر من مجموع الدخل القومي في الولايات المتحدة، بينما تقلصت الاجور الى أدنى مستوياتها. ويأتي هذا نتيجة الهجمات التي أكالتها الطبقة الحاكمة للعمل والعمال ونقاباتهم واطرهم المنظمة منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي وصولاً الى هذا الهدف بالذات: تخفيض اجور العمال (والذي يترجم في معجم رأس المال الى زيادة ارباح الشركات الراسمالية). فالراسمالية لا تقع في أزمة عندما تتدنى اجور العمال أو يُرغمون على قبول اجور أقل او عندما تتفشى البطالة، بغض النظر عن المعانة الانسانية الناجمة عن ذلك، بل عندما تنخفض الارباح.

□ تركت الازمة آثاراً عميقة على الطبقات الشعبية في الولايات المتحدة من عمال وفقراء ومهمشين ودفعت بهم الى مستويات لم تشهدها البلاد منذ أنهيار عام 1929. وبالرغم من هذه الآثار الكارثية أكدت الطبقة الحاكمة إصطفافها مع الطبقة التي ترعى مصالحها حيث ضخت ملياردات الدولارات من اجل "إنقاذ" المصارف وشركات التأمين ومصانع السيارات الفاسدة والمنهارة بينما تركت المواطنين ضحية البطالة بلا دخل ولا مأوى.

□ تواجه الحكومة الاميركية عجزاً، من المرجح ان يزداد تفاقماً، من جرّاء تقلص عائدات الضرائب من المواطنين الذين خسروا بيوتهم وأشغالهم مما سيضر بالحكومة (الفيدرالية وحكومات الولايات والمقاطعات والمدن) وسوف تتجلى تداعيات ذلك في مستويات عديدة:
1) تخفيض الخدمات والمعونات الاجتماعية وإلغاء العديد منها وعلى رأسها، كما جرت العادة، الخدمات العامة والحاجات الاساسية للمواطنين: الرعاية الصحية والتربية والتعليم وخدمات المسنين وغيرها.
2) تجميد التوظيفات الحكومية الجديدة.
3) عجز وربما إفلاس صناديق التعويض عن البطالة.

□ اذا استمر السقوط اللولبي المتسارع للاقتصاد الاميركي وتداعياته الاجتماعية والانسانية، فان المؤشرات تشير الى أن عام 2009 سيكون الاسوأ على الشعب الاميركي.

□ كل هذا يشير انه سيكون للازمة وقع وتأثيرات كفيلة بان تحدث تغييراً عميقاً وجذرياً في الحالة الاقتصادية والاجتماعية، ولنا بعد ذلك ان نتأمل:
ـ هل نخلد الى التفسير الليبرالي بان هذه الازمة مجرد ازمة "دورية" لراس المال تستطيع "السوق" إجتيازها ومتابعة المسيرة الراسمالية. كما انه يجب، كما يقولون، ألا نبالغ في حجم او تأثير هذه الازمة فهي ليست اكثر خطورة من الازمات السابقة، وسوف نشهد الخلاص منها.
ـ أم انتلمس البدايات الجنينية للتغيير الثوري؟

(2)
الثورة في البلدان الراسمالية:
الشروط والتوقيت

نموذجان للتغيير الثوري

لعله من المفيد، كي تتسنى مقاربة الحالة الاميركية، تجليس هذه الحالة في سياق التجارب الانسانية المعاصرة. وتعنينا هنا نماذج التغيير الجذري التي علقت بالذهن والوعي العربي والعالمثالثي، وفي هذا الصدد يبرز نموذجان رئيسيان:

1) النموذج الاول: الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية طويلة الامد (مثل الصين وكوبا وفيتنام).

2) النموذج الثاني: طريق ثورة اكتوبر في روسيا القيصرية (1917)، (آنذاك: بلد راسمالي ـ امبريالي، متخلف صناعياً، ذو نمط اقتصاد زراعي). وهو نموذج يختلف عن الاول في مراحله التي أوجزها لينين ب: إعداد الذهن وتطوير الوعي، تنظيم القوى الثورية، إعداد الجماهير للفعل والنضال، بحيث تكون ملايين الشعب مستعدة لخوض الكفاح السياسي والمسلح وإحداث التغيير الجذري الكبير بعد أن تكون قد إمتلك أسباب وإحتمالات النصر، وعندما يحل بالمجتمع تغيير نوعي كبير أو أزمة عميقة.

ودون العودة الى البديهيات، نشير الى ان مدخل هذا النقاش يقوم على مبدأين:

1) النظام الراسمالي ـ الامبريالي نظام يقوم على الاستغلال والاضطهاد.

2) هذا النظام بطبيعة بنيته قادر على إمتصاص العديد من أشكال الاصلاح وإستدخالها في آليات عمله (مثل زيادة اجور العمال وتحسين ظروف وساعات العمل، التأمين الصحي للعمال وعائلاتهم، الاجازات.. وغيرها). إلا انه لن يسمح باي تحدي أو مناهضة لمنطق راس المال نفسه: مثل المساومة على الارباح أو التكفل بالخدمات العامة والضمانات الاجتماعية والايفاء بالحاجات الاساسية للسكان مثل التعليم والرعاية الصحية وغيرها. وعليه، فالاصلاح لا يمكن ان يؤدي إلا الى إطالة عمر النظام والى المزيد من تلاعبه وخداعه. أما محو الراسمالية فلا يتأتى إلا بالاطاحة الكاملة بها وأجتثاثها من جذورها.

ملاحظات لينينية

لسنا بصدد رسم سيناريو مسرحي للثورة في الولايات المتحدة أو غيرها من البلدان الراسمالية، بل تقدم بعض الإضاءات نستنير بها في التحليل وإستشراف المستقبل. ولا ينفي هذا الاستفادة من مبادئ الماركسية ـ اللينينة ودروس الثورة البولشفية والمعايير الاساسية التي إستنبطها لينين أيام تلك الثورة، من حيث أنها تقدم خطوطاً عريضة لشروط قيام الثورة في البلدان الراسمالية ـ الامبريالية، لا سيما وأن العديد من دروس وعبر هذه التجربة ما زالت صحيحة وقابلة للتطبيق في يومنا هذا.

□ من اجل نجاح أي تغيير جذري في بلد رأسمالي ـ امبريالي، وخاصة عندما يكون هذا البلد اقوى دولة امبريالية في العالم كما هو الحال في الولايات المتحدة، لا بد ان يتوفر:
○ إكتمال نضوج الحالة الثورية وجاهزية القوى الثورية أي قوى الشعب الواعية والمنظمة التي ترى في التغيير الاجتماعي الجذري ضرورة وحاجة فورية وملحة، والتي تملك الارادة والتصميم على النهوض بالمهام النضالية لتحقيق هذا التغيير.
○ ان تتوفر قوى الشعب باعداد غفيرة وأن تشكل الطبقات المضطهدة والمستغلة عمادها الرئيسي وقاعدتها الاساسية التي تجمع حولها دعم كافة فئات وطبقات المجتمع.
○ لا تقوى الازمات العادية على الاطاحة بالنظام في بلد راسمالي ـ امبريالي متقدم رغم خطورتها. فقد مرّ التاريخ الاميركي المعاصر بمثل هذه الازمات أكثر من مرة وإستطاعت الطبقة الحاكمة ان "تعالجها" وتجيرها لخدمة مصالحها. فلا بد، إذن، من تغيير نوعي كبير، أزمة حادة مثل ـ الازمة الاقتصادية الراهنة ـ ناتجة عن طبيعة النظام وآليات عمله ووظيفته، تصيب المجتمع باسره وتزعزع اركانه ومرافق حياته، وتترك آثاراً كارثية على كافة قطاعاته. عندها تتورط الطبقة الحاكمة وتفتك النزاعات والتصدعات بفئاتها وشرائحها مما يحول دون قدرتها على الاستمرار في الحكم وفق الطريقة القديمة.
○ تثير التناقضات التناحرية في المجتمع، إضافة الى التصدعات والثغرات داخل الطبقة الحاكمة، إنفجار الجماهير التي تنهض شاهرة سيف المقاومة من "القاع" الفقير والمعدم لتشمل كافة طبقات وفئات المجتمع مصممة على إحداث التغيير الجذري في حياتها وفي العلاقات القائمة في المجتمع باسره.

مادة الثورة

□ يعتمد النضال من أجل التغيير الجذرى، وخصوصاً ذلك الذي يجسد الاهداف الشيوعية، على الطبقات الشعبية التي تمثل القاعدة والقدرة الكامنة لتغيير المجتمع بطريقة تحل تناقضاته الاساسية في خدمة مصالح المستغَلين والمضَهدين والذين هم في نهاية الامر الاغلبية السكانية، ويجب ان يشمل كافة الفئات المضطهدة في المجتمع التي تمتلك الوعي بالحاجة للثورة وضرورتها وتتحصن بالارادة على النضال من أجل التغيير.

هذه الطبقة، في المجتمعات الراسمالية في عالم اليوم، هي البروليتاريا والتي تمثل وسائل الانتاج (التي تزود المجتمع بالحياة الاقتصادية الاساسية) والقادرة على السيطرة على هذه الوسائل (الصناعة والتكنولوجيا والارض والمواد الخام وغيرها) وان تحولها الى "موارد جمعية" في ملكية وخدمة المجتمع.

إلا ان لينين لم يغفل ان الطبقة العاملة في النظام الراسمالي للدول الامبريالية، من حيث أنها (أي الدول) توسعت وتحولت الى نظام امبريالي عالمي ينهب ثروات الشعوب المستعمَرة، لم يغفل ان هذه الطبقة تشمل فئة، مهما صغر حجمها او كبر، إرتشت بمصالح وإمتيازات ومنافع الامبريالية. وهو ما يتجلى بوضوح في الطبقة العاملة الاميركية. وهذا يعني ان الثورة في البلدان الامبريالية لا بد ان تعتمد على القطاعات الدنيا من البروليتاريا أي اولئك الذين ليس لديهم ما يخسرونه في هذه الثورة سوى قيود الاستغلال والاضطهاد.

مسألة التوقيت

تكتسب المعايير والشروط التي وضعها لينين للنضال الثوري في البلدن الامبريالية أهمية خاصة من حيث أنها تشكل الاساس لترقب اللحظة الثورية وإنطلاقة العملية الثورية حين تلوح بالافق. وعليه، فالنضال الثوري ينطلق في ظل ظروف:
□ يكون فيها الوضع الثوري قد نضج (إعداد الجماهير بما يتضمنه من توعية وتنظيم وتجنيد وجاهزية، القيادة والحزب الطليعي الثوري)؛
□ تكون فيها جماهير الشعب رافضة للاستمرار في العيش وفق الطريق القديمة؛
□ تكون فيها الطبقة الحاكمة غير قادرة على الاستمرار بالحكم حسب الطريقة القديمة؛
□ تصبح فيها القوى المتأرجحة أو قوى المعارضة المترددة عاجزة عن الايفاء بضرورات المرحلة وتلبية مطالب الطبقات الشعبية.

وفي غياب هذه الشروط، فسيكون من السابق لاوانه القيام باعمال ثورية لانها ستؤدي الى عزلة قوى الثورة عن الجماهير والإضرار بكافة قوى المعارضة وتصفيتها.

نضال طويل المدى

□ تحتاج الثورة في البلدان الراسمالية الى فترة إعداد طويلة، إعداد سياسي وأيديولوجي وتنظيمي جدي وعميق للثورة القادمة بانتظار مجيء الازمة وإكتمال جاهزية الشعب وقواه الثورية و"تهيئة العقول وتنظيم قوى الثورة" كما أسماها لينين. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ كم ستطول مرحلة الاعداد هذه والتي تتفاوت بالطبع من بلد الى آخر ومن حالة الى أخرى. وتتمثل الاهداف الرئيسية للنضال الطويل المدى في كسب المزيد من الجماهير، وإمساك القوى الثورية بالمبادرة دون الانزلاق الى مواجهات مبكرة والتي قد تشكل خطراً استراتيجياً عليها وقد تؤدي الى تدميرها.

□ أكد لينين، إضافة الى ذلك، أنه يتوجب على الثوريين في البلدان الراسمالية هذه الفترة ان يتفادوا بقدر الامكان المواجهة الاستراتيجية والشاملة مع القوى الرجعية وآليات قمعها.

□ ترافقاً مع عملية الاعداد هذه، يقوم الحزب الثوري بالعمل بلا كلل ومن خلال النضال اليومي والمشترك مع كل المضطهدين والمقموعين في المجتمع من أجل رفع مستوى التعبير الواعي والشكل المنظم والخط السياسي الصحيح والواضح.

(3)
بعض سمات الحالة الاميركية

تتميز الحالة الثورية وإكتمال نضوجها في بلد ما ومرحلة معينة بسمات محددة لا تعكس الرغبات الذاتية أو الانطباعات الشخصية للطليعة الثورية، بل تأتي هذه السمات تعبيراً موضوعياً عن إحتدام التناقضات (الاقتصادية الطبقية بالاساس) ونتيجة لإنفجارها داخل النظام القائم في المجتمع وفي العالم، من ناحية، وحصيلة الفعل (الايديولوجي والسياسي) ونضال الثوريين، من ناحية أخرى. هذا يعني أن فرض معادلة معينة أو نموذج معين بشكل قسري على الواقع القائم أو محاولات الثورة وفق وصفة معينة أو محاكاة لتجربة معينة، سوف تبوء بالفشل وتوقع الضرر بالثورة ومستقبلها.

الطبقة والصراع الطبقي

□ خلافاً للواقع الاجتماعي في بلادنا والعالم الثالث حيث تشكل الطبقات الشعبية الفقيرة الاغلبية السكانية، فانها (أي هذه الطبقات) لا تشكل الاغلبية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الراسمالية ـ الامبريالية والمتقدمة صناعياً. ويشكل هذا أحد المعيقات لمشروع التغيير حيث لا تقدم الاغلبية السكانية على تحدي النظام وشرعية الطبقة الحاكمة والنضال ضدها. وتستطيع السلطة وآلياتها القمعية، في مثل هذه الحالة، أن تستقطب قطاعات كبيرة من المجتمع لصالحها، وان تقمع القوى الثورية والداعية الى التغيير ومحاصرتها وتصفيتها.

□ رغم إنكماش الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الراسمالية، فما زالت هذه الطبقة تشكل طيفاً عريضاً من الفئات الاجتماعية تعيش أغلبيتها في ظروف أقل معاناة من تلك التي تعيشها الطبقات الشعبية الفقيرة (العمال والفقراء والفلاحون والمهمشون والمعدمون)، مما يعني ان أجزءاً واسعة من الطبقة الوسطى في أميركا قد لا تجد مصلحتها في التغيير الثوري.

الازمة والتعددية الاثنية

بالرغم من الازمة الراهنة، فلن تردع التكلفة الباهظة للحروب الامبريالية والهزائم العسكرية التي منيت (وما زالت) بها، لن تردع الطبقة الحاكمة، بغض الطرف عن رئيسها، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، أبيض البشرة أو أسودها، عن التورط في المزيد من الحروب والصدامات العسكرية والهروب الى الامام في حروب وصدامات جديدة في مناطق التوتر العديدة في هذا العالم. فحروب الامبراطوريات، حتى في فترات وهنها وإنهيارها وتأزمها، تكون وسيلة الطبقة الحاكمة للخروج من الازمة "وإنقاذ" ما يمكن إنقاذه وتمديد عمر رأس المال وبعث الحياة فيه من جديد.

تولد الازمة الاقتصادية الحادة (كما نشاهد اليوم) أزمات طبقية وإجتماعية وعرقية، وهذه بدورها تؤدي الى تحولات في البنية الاقتصادية الانتاجية. ويفيدنا، التاريخ المعاصرللدول المتعددة القوميات والاثنيات والثقافات، بدروس وعبر لم تبرح المشهد السياسي في العقدين الاخيرين. فاذا ما إقترنت الكلفة الباهضة للحروب أو التدخلات العسكرية بازمات اقتصادية حادة وكبيرة تتفاقم في ركود اقتصادي وتقلص في القدرة الانتاجية والإنفاقية وسد الحاجات الاساسية للمواطنين، فان التعددية الاثنية والثقافية وضعف التماسك الاجتماعي يصبحا عاملاً في تراجع هذه الدول، مهما كبرت وإتسعت امبراطوريتها، وفي تفكك كيانها الى كيانات صغيرة ودول متعددة حتى ينتهي الحال الي جغرافيا سياسية جديدة بكل ما يعنيه ذلك من نتائج وآثار إجتماعية وسياسية وبالطبع اقتصادية على الاصعدة القومية والاقليمية والعالمية.

فما هي تأثيرات تقلص الموارد والميزانيات الفيدرالية على الولايات وكذلك عجز الولايات عن تسديد إلتزاماتها نحو الخزانة الفيدرالية؟ ماذا ستفعل الولايات الفقيرة؟ وما تأثير كل ذلك على تفكك العلاقات بين المركز والولايات حين يدب الضعف بها؟ هل يؤدي هذا الى محاولات الانفصال والاستقلال او تغيير قوانين اللعبة وطبيعة العلاقات كما حصل في التجارب الاخرى؟ هل يؤدي الى إنقسامات جغرافية واخرى عرقية وإثنية؟ وكلها أسئلة برسم المستقبل.

هل حانت اللحظة التاريخية؟

نستخلص من مراجعة أدبيات ومواقف العديد من القوى الشيوعية واليسارية والتقدمية التي تطالب بالتغيير الجذري في الولايات المتحدة، ان هذه القوى يرى ان اللحظة الثورية لم تحن بعد، مع أن اطروحاتها تؤكد انه اذا ما حانت اللحظة الثورية وإكتمل تنظيم قوى الشعب الثورية فانه سيكون من الضروري ومن الممكن خوض نضال طويل المدى من أجل التغيير الثوري.

يمثل فقدان السلطة (الدولة) شرعيتها في عيون الجماهير أحد المؤشرات الرئيسية لدنو اللحظة الثورية. فحين يصل الشارع الشعبي وعامة الناس والجماهير العريضة الى مسائلة السلطة والتشكيك بشرعيتها بسبب تفاقم التناقضات والظلم والاستغلال، عندها تصبح هذه السلطة (الممثلة السياسية للطبقة الحاكمة) موضع شك في عيون الجماهير وتفقد شرعيتها حيث ترى فيها الجماهير رمزاً للظلم والاستغلال. وعندها أيضاً يكتسب دور وفعل القوى الثورية أهمية حاسمة إذ تتكشف حقيقة السلطة الرجعية القمعية وتتعري بشاعتها وأجندتها، مما يفضي الى تحدي الجماهير وقواها الثورية لشرعيتها والمطالبة بسلطة بديلة ثورية تمثل مصالح الجماهير. لا يعني هذا بالضرورة التصدي المباشر للسلطة القمعية والمواجهة الشاملة معها والتي قد تؤدي الى تدمير وسحق القوى الثورية، بل يكون، في حده الادنى، من خلال الإرتقاء بالوعي (وتكثيف التوعية) بالهدف الاستراتيجي في التغيير الجذري وإقامة السلطة الجديدة وصولاً الى مجتمع جديد يقوم على علاقات إقتصادية وإجتماعية وسياسية جديدة خالية من الاستغلال والاضطهاد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,798,351,720
- الذاتي والموضوعي في تكوين إرنستو تشى غيفارا
- روزا لوكسمبرغ: قراءة متجددة في سياق العولمة
- عودة الى التراث: قراءة في بندلي جوزي
- كوسوفو: إنفصال أم إستقلال؟ ... وتساؤلات اخرى!
- الفاتيكان في خدمة رأس المال: البابا بندكت السادس عشر نموذجا
- قراءة في كتاب -مانيفستو: ثلاث مقالات كلاسيكية في تغيير العال ...
- التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجاً
- إشكاليات الاغتراب الثقافي العربي: مناقشة في كتاب -الاغتراب ا ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع وال ...
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثالث
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثاني
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الرابع والأخير
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟


المزيد.....




- اليساريون الفرنسيون يحتجون ضد إصلاحات ماكرون
- شح المياه بدأ باكراً والأهالي يسألون عن السبب
- أزمة تصريف انتاج بطاطا في عكار
- هدى السكاكي: أطلقوا قطار الحياة في هذا الوطن، فالحراك الشعبي ...
- مباشر: وقفة احتجاجية أمام السفارة المغربية ببروكسيل
- تظاهرات ليلية في ست محافظات احتجاجا على تردي الكهرباء وسوء ا ...
- وفد الشيوعي العراقي في السويد يلتقي وفد حزب اليسار السويدي
- حزب الشعب الفلسطيني : هذا العدوان لن يثنيكم عن استمرار نضالك ...
- الشيوعي السوداني : ندين بقوة الإعتداء الاجرامي على مقر الشي ...
- منظمة الحزب الشيوعي في النرويج تدين الاعتداء على مقر الحزب ف ...


المزيد.....

- منظورات عالمية: 2018 عام الأزمة الرأسمالية 1-6 / التيار الماركسي الأممي
- الثقافة والثورة / مهدي عامل
- ماركس ومسألة الإستراتيجية / عايدة سيف الدولة
- منظورات عالمية: 2018 عام الأزمة الرأسمالية 4 / التيار الماركسي الأممي
- خاتمة كتاب ملخص رأس المال لكارل ماركس / كارلو كافيرو
- ماركسية ماركس في مواجهة بربرية ترامب وبوتين‬ / جيري إيميت
- في الذكرى المئوية الثانية لميلاد ماركس: لماذا أنا ماركسي / صدقي كبلو
- الماركسية بوصفها نظرية محدودة / لوي آلتوسير
- منظورات عالمية: 2018 عام الأزمة الرأسمالية 3 / التيار الماركسي الأممي
- ألان باديو و دكتاتورية البروليتاريا أو لماذا يساوى نبذ - إطا ... / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - التغيير الجذري في الولايات المتحدة بين الممكن والكامن ملاحظات أولية (الحلقة الاولى)