أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - منتقدو الماركسية وكارهو الشيوعية















المزيد.....


منتقدو الماركسية وكارهو الشيوعية


فؤاد النمري
الحوار المتمدن-العدد: 2463 - 2008 / 11 / 12 - 09:56
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


عبثاً يجهد المرء في إقناع كارهي الشيوعية بحسنات الشيوعية أو بصحّة النظرية الماركسية، حتى لا أقول العلوم الماركسية . فكارهو الشيوعية هم من أبناء الطبقات التي تشارك باستغلال الطبقة العاملة ولذلك تراهم يكرهون الشيوعية من باب الوفاء والأمانة لطبقتهم وطرائق عيشها والحفاظ على تقسيم العمل القائم، ويرفضون كل منطق يطعن أو يخل بوفائهم لهويتهم الطبقية وبحمايتها والدفاع عنها حتى النهاية مهما كانت قوة مثل هذا المنطق . يكرهون الشيوعية لجهل فيهم وهي التي ستحررهم من مختلف الضغوط المعاشية وتعلّي فيهم الروح الإنسانية . بناءً عليه فقد أمتنعت دائماًً عن الاهتمام بأية طعون يطعنها كارهو الشيوعية بالأفكار الماركسية في خطابي دون أن أحفل بها أو أرد عليها، وهي كثيرة رغم أن بعضها القليل يستحق المناقشة لكنها بالإجمال تافهة ولا تستحق إلا الازدراء .

معظم كتاباتي في الأعوام الأخيرة، إن لم يكن كلها، كانت ردوداً على كتابات أنصاف الماركسيين وعلى المسكونين بهوس تطوير أو تحديث الماركسية بدءاً بالغبي الجاهل المرتد نيكيتا خروشتشوف وانتهاءً بمئات بل آلاف المهووسين الذين توالدوا، توالد البكتريا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الإنهيار الذي كنت قد توقعته في مطالع ستينيات القرن الماضي، بعد تخلي خروشتشوف وعصابته في قيادة الحزب عن السياسة اللينينية في عبور مرحلة الاشتراكية . أما ما أكتبه هنا فهو استجابة لتساؤلات أحد الذين يبحثون جديّاً في استحقاقات الماركسية، والتي وردت إلي على الشكل التالي :ـ
1) القول بعدم وجود إبداع في المجتمع الإشتراكي وهذا عكس الرأسمالية التي تدفع الفرد إلى المزيد من الجهد والخلق .
2) مسألة الحريات الشخصية .
3) مسألة كون الماركسية عقيدة .
4) كون الماركسية ليست علماً مجرباً .

قبل أن أدلف إلى الخوض في استحقاقات الماركسية محل تساؤل الباحث يتوجب التوقف بأناة أمام حقيقة كبرى جرى تجاهلها بشكل لافت مما أدى إلى مقاربات خاطئة لاستحقاقات الماركسية وسوء فهمها . عامة الشيوعيين والماركسيين قدموا الاشتراكية طيلة القرن الماضي على أنها نظام اجتماعي مستقر . من يؤمن بهذا ويعمل بموجبه لا بدّ أن يصل إلى حائط مسدود ولن يكون من نصيبه سوى الفشل الذريع طالما أنه إنطلق بخلاف ما يقول به ماركس . الاشتراكية كما يشير ماركس في نقده لبرنامج غوتا إنما هي مجرد فترة الإعداد للدخول إلى الحياة الشيوعية وتمتد زمناً قصيراً يتناسب عكسياً مع مستوى التطور الرأسمالي في البلد المعني وبقيادة دولة دكتاتورية البروليتاريا حصراً . ففي بلد مثل روسيا القيصرية المتخلفة في نظام الإنتاج الرأسمالي كانت فترة الإعداد الإشتراكي تصل لعمر جيل واحد وهو 33 عاماً . ما حال دون ذلك وامتد زمن مشروع لينين الإشتراكي حتى انهياره قبل أن يعبر الإشتراكية إلى الشيوعية هو الحروب المدمرة الطويلة التي شنها أعداء الإشتراكية ضد الدولة السوفياتية دون مبرر سوى الكراهية وخشية انتشار الثورة في بلدانهم الرأسمالية، هذا من جهة، وتخلي قيادة الحزب بزعامة خروشتشوف عن النهج الماركسي اللينيني في عبور الاشتراكية في العام التالي لرحيل ستالين، من جهة أخرى ـ وكان خروشتشوف قد وعد الشعوب السوفياتية في تقريره إلى المؤتمر العام للحزب الشيوعي الثاني والعشرين عام 1961 أن يتم العبور إلى مرحلة الشيوعية في العام 1990 فكما لو أنه لم يكن قد أنجز شيء في البناء الإشتراكي ـ وذلك هو التوجه العام لنهج المرتد خروشتشوف ! العبور الإشتراكي إلى الشيوعية في بلد مثل بريطانيا أو ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي كان سيتم خلال خمس سنوات أو عشرة على أبعد تقدير .

ما يترافق مع هذه الحقيقة الماركسية التاريخية القاطعة ويرتبط بها أشد الإرتباط هو غياب المعايير الخاصة بالحقوق وبالحريات . المعيار الوحيد الذي يحاكم العبور الإشتراكي قياساً إليه هو مدى إعداد المجتمع وسرعة إعداده للعبور إلى الحياة الشيوعية . عبور الاشتراكية مثله مثل الاستحمام . فعندما يكون الاستحمام ضرورياً للشخص فعليه أن يستحم بغض النظر عن أية شروط تتوفر في الحمام من حيث الضوء والحرارة وكمية المياه والصابون وما إلى ذلك من مستلزمات الاستحمام . المعيار الوحيد في هذه الحالة هو خروج المستحم نظيفاً مطهراً من كل الأوساخ التي كانت عالقة بجسمه قبل الاستحمام . فترة الإشتراكية القصيرة هي تماماً عملية تنظيف وتطهير للمجتمع من كل الأوساخ والقاذورات التي علقت به طيلة المجتمعات الطبقية منذ فجر التاريخ من أجل الإعداد اللازم للدخول إلى الحياة الشيوعية . وعليه فمحاكمة الإشتراكية يجب ألا تجرى في محكمة غير شرعية يقيمها كارهو الشيوعية . كيما تكون المحكمة شرعية تحاكم طبقاً لأحكام الرأسمالية وقوانينها فليس غير الشيوعية هي ما يجب أن يحاكم وليس الاشتراكية . في أي محاكمة للشيوعية تغيب نهائياً كل السقوف للحقوق وللحريات كتلك السقوف التي تقيد الإنسانية على طريق التقدم والأنسنة في النظام الرأسمالي . للمرء في الشيوعية على سبيل المثال ألا يذهب إلى العمل على الإطلاق ومع ذلك يحصل على كل ما يحتاج . في الشيوعية تغيب الدولة وقوى القمع من شرطة ومحاكم وسجون وقوانين وتغيب بالتالي نهائياً مصفوفة الحقوق ومصفوفة الحريات . أين النظام الرأسمالي من كل هذا ؟! أين الثرى من الثريّا ؟! الشيوعية تطهر الإنسان من كل أدران الحيوانية التي بقيت منزرعة فيه طيلة المجتمعات الطبقية وفي النظام الرأسمالي المتوحش بشكل خاص .

كارهو الشيوعية يصرون على محاكمة الاشتراكية بمعايير الرأسمالية علما بأن ما يقابل الرأسمالية هو الشيوعية وليس الاشتراكية التي هي مجرد برزخ عبور إلى الشيوعية . نؤكد لهم هذه الحقيقة المثبتة في كل المراجع الماركسية فيردون علينا بالقول على لسان جورج بوش الأب وبوريس يلتسن وميخائيل غورباتشوف أن الشيوعية إنما هي يوطوبيا ولذلك فالمحاكمة يجب أن تجري للإشتراكية والاشتراكية السوفياتية تحديداً وهي أقصى ما تم تطبيقه من النظرية الماركسية . حسناً، لا علينا، فلنقارن التفاح بالليمون، ولنأتِ العيّار لباب الدار، كما يقول العامة . لنقارن الرأسمالية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في خمسينيات القرن الماضي بالإشتراكية السوفياتية بنفس الفترة تحديداً حيث بعدئذٍ تم الإرتداد على الإشتراكية باستيلاء خروشتشوف وعصابته على قيادة الحزب في العام 1954 .

1 . في الجهد والخلق والإبداع : في مؤتمر يالطا في شباط فبراير 1945 اضطر عجوز الإمبريالية المشهور ذو الناب الأزرق ونستون تشرتشل إلى الإعتراف أمام ستالين وروزفلت بعظمة الإشتراكية السوفياتية إذ قال مداهنةً لستالين أن الشعب البريطاني قد أخذ يميل إلى اليسار لكن باعتدال، وكان أن سخر روزفلت من كلمة " باعتدال " . وفعلاً بعد بضعة أشهر فقط أزاح الشعب البريطاني حكومة المحافظين بزعامة ونستون تشرتشل عن الحكم رغم ما اكتسبه تشرتشل من شهرة وعظمة زائفة أثناء الحرب . العالم كله اعترف بعظمة الإتحاد السوفياتي الذي صد وحيداً الهجوم النازي وطارد ذئاب النازية حتى وكرها وسحقها فيه . عشرون فرقة نازية فقط احتلت عاصمة الإمبراطورية الإمبريالية الفرنسية وطردت جيوش الإمبراطورية البريطانية من كل القارة الأوروبية، بينما مائتا فرقة زحفت إلى الأراضي السوفياتية فأبيدت عن بكرة أبيها . الرايخ الهتلري، الذي أنهى أكبر إمبراطوريتين استعماريتين نهبتا ثروات العالم، تم سحقه بجهد سوفييتي خالص . وعانت الجيوش الأمريكية في الشرق من هزائم عديدة على يد العسكرية اليابانية، ولم تستسلم اليابان إلا بعد أن تم سحق جيوشها البرية في منشوريا شمال الصين على يد الجيوش السوفياتية ـ القنبلتان الذريتان على هيروشيما وناغازاكي لم تقتلا جندياً يابانياً واحداً، إنهما جريمة حرب لم يكن لها أي مبرر سوى الحقد والضغينة إقترفها الرئيس الأميركي هاري ترومان . كان أول من اعترف بعظمة الاتحاد السوفياتي هو الملك جورج السادس ملك بريطانيا العظمى فأهدى سيفه الملكي إلى الجنود الذين حاربوا في ستالينغراد وتلاه الرئيس الأميركي روزفلت ثم الجنرال ديجول وآخرهم عجوز الإمبريالية ونستون تشرتشل الذي تضرّع لستالين باكياً في الأسبوع الأول من يناير 1945، بعد إنزال النورماندي بستة شهور، لفك أسر جيوشه المطوقة من قبل عشرين فرقة ألمانية في جبال الآردنز شمال شرق فرنسا وتهددها خطر الإبادة، ولأجل ذلك فتح ستالين في 12 يناير أكبر جبهة حربية عرفت في التاريخ وغطت عرض القارة الأوروبية من بحر البلطيق شمالاً حتى جبال الكراباث جنوباً ويزيد طولها على ألف كيلومتراً . المعارك التي خاضتها الجيوش السوفياتية في الحرب العظمى الثانية في موسكو وفي ستالينغراد وفي كورسك وفي وارسو وبرلين هي أكبر المعارك في تاريخ الحروب وحققت فيها جميعاً انتصارات تاريخية باهرة .
هذا في الجهود الحربية والإبداع فيها أما في جهود البناء والإعمار فإن برنامج إعادة إعمار ما دمرته الحرب في الاتحاد السوفياتي، وهو يتجاوز حدود التصور، كان شاهداً على سبق لا نظير له حتى بمستوى الجهود الحربية . ففي خمسة أعوام فقط 1946 ـ 1951 أعيد بناء كل ما دمرته الحرب بأفضل مما كان، كما تم حل مختلف المشاكل الإجتماعية على مستوى التموين والتشتت العائلي وغير ذلك بمختلف تعقيداتها . وتقدم العبور الإشتراكي بخطى ثابتة فتهيأت الفرصة لإلغاء طبقة الفلاحين، أو محوها بتعبير لينين، من خلال إغراق المجتمع بالسلع الاستهلاكية ورفع سوية الشعب المعاشية، وهو برنامج الحزب في مؤتمره العام التاسع عشر عام 1952 والذي جرى الإنقلاب عليه من قبل خروشتشوف وزمرة العسكر، ولذلك أطيح بمالنكوف . مقابل ذلك لم تستطع أوروبا الغربية خلال ذات الفترة إعادة الإعمار بالرغم من المساعدات الأميركية بموجب مشروع مارشال والتي بلغت 12.5 مليار دولار رغم أنها لم تتحمل عشر الدمار الذي لحق بالبلاد السوفياتية . وللتعبير عن كل هذا بكلمة فيمكننا القول أن الطاقة الخلاقة التي بذلتها الشعوب السوفياتية ما بين عام الثورة 1917 و 1954 عام الإنقلاب على الثورة تزيد على مجموع الطاقات التي بذلتها شعوب الدول الرأسمالية الرئيسية مجتمعة .
أما بموضوع الخلق والإبداع فيكفي أن نشير إلى شهادات المحللين الاستراتيجيين في الدول الغربية نفسها وقد أقرّوا بأن الإتحاد السوفياتي، الذي لم يكن قد بذل جهوداً كبيرة في الاستعداد للحرب، استطاع في العام 1943 أن يطرح في ساحات المعارك أسلحة متقدمة على الأسلحة الألمانية من حيث الكم والنوع رغم أن ألمانيا كانت آنذاك الدولة التقنية الأولى في العالم ؛ ويشار في هذا السياق إلى سلاح الكاتيوشا الذي أذهل الألمان . وخلال الحرب الكورية صعق الأمريكان بطائرة ميج 14 وخصصوا جائزة كبيرة لمن يأتي إليهم بطائرة من نوعها . وعندما خطف أحد الكوريين إحدى هذه الطائرات وحط بها في اليابان لم يستطع الفنيون اليابانيون التعامل معها فاستدعوا الخبراء الأمريكان . وسبق السوفييت الأمريكان في تفجير القنبلة الهيدروجينية في العام 1954، وفي غزو الفضاء في العام 1957 . وفي العام 1978 قامت ضجة كبرى في الولايات المتحدة الأميركية حول تخلف الولايات المتحدة عن الإتحاد السوفياتي في التقدم العلمي والتقني وكنت أنا نفسي قد ترجمت عدة مقالات من مجلتي التايم والنيوزويك الأميركيتين بهذا المعنى للصحافة المحلية . كل التقنيات تتجمع في صناعة الفضاء وهي الصناعة التي ما زال للروس فيها قصب السبق باعتراف العلماء الأمريكان أنفسهم واليوم يدفع الأمريكان مئات ملايين الدولارات للروس من أجل تنفيذ الأعمال الفنية الرفيعة اللازمة لمركبة الفضاء الدولية التي يعجز الأمريكان عن القيام بها .
كيف يمكن أن يتساوى العمل المأجور مع العمل غير المأجور مثل العمل الشيوعي أو حتى العمل الإشتراكي . فهدف العمل المأجور هو أولاً وأخيراً الأجر نفسه أما العمل الشيوعي أو الإشتراكي فالهدف هو تحقيق نتيجة العمل بأفضل شروطها وهو الأمر الذي لا ينفصل عن تحقيق الذات، الذات الإنسانية . الفرق بين العمل الرأسمالي المأجور والعمل الاشتراكي غير المأجور هو فرق نوعي لا تجوز المقارنة فيه .

2 الحريات الشخصية : في مقارنة بين التحول من الرأسمالية إلى الشيوعية وهو التحول الإشتراكي، من جهة، والتحول من الإقطاع إلى الرأسمالية في العصر الفكتوري، من جهة أخرى، يتجسد الفرق الكبير، أمام ناظري كل من ليس في ناظريه حول، بين التحول إلى الشيوعية والتحول إلى الرأسمالية . الوحشية التي جرى بها تدمير الصناعات الحرفية في القرن الثامن عشر لم تمارس مثلها الوحوش الضالة . كان الطفل الذي يخطف رغيفاً ليسد به جوعه يجلد جلداً مبرحاً ويلقى به في غياهب السجون ثم ينفى إلى مصير مجهول في القارة الأميركية . لقد صور شارلز ديكنز مظالم التحول إلى الرأسمالية وتأسيسها خير تصوير . التحول الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي لم يؤهل أي كاتب ليكون شارلز ديكنز السوفييتي . ولا ننسى في هذا السياق أن التحول إلى الرأسمالية يقتضي تحويل عامة الناس إلى بروليتاريا، وهذا أفضل ما فيه، بينما التحول الإشتراكي يقضي على كل الطبقات بما فيها طبقة البروليتاريا . هناك قمع في الرأسمالية المعمرة لأكثر من ثلاثة قرون وفي الاشتراكية التي لا تعمر لأكثر من ثلاثة عقود على أسوأ تقدير، القمع الرأسمالي يتوجه لاستغلال الإنسان والحط من كرامته والقمع الاشتراكي يتوجه عكس القمع الرأسمالي تماماً بهدف حماية الإنسان من الاستغلال والبطش به . القمع الاشتراكي هو قمع القمع، فأي القمعين أكثر حفاظاً على الحرية الشخصية للإنسان ؟ الدعاية البورجوازية تلح على المطالبة بالحرية الشخصية لأعداء الإشتراكية، أعداء الإنسان، أي حرية أعداء الحرية !!
لا يمكن مقارنة الحريات في ظل دكتاتورية البروليتاريا أو الديموقراطية الإشتراكية بالحريات في الديموقراطية البورجوازية فهي كمقارنة التفاح بالليمون كما أسلفنا فلكل منهما مذاق مختلف ودور أكثر اختلافاً . فدولة الرأسماليين البريطانية وهي الأكثر ديموقراطية بين دول الرأسمالية تمنع حتى اليوم توظيف الشيوعيين طيلة العمر في الوظائف العامة وتقطع أرزاقهم دون قطع أعناقهم، أما دولة البروليتاريا فلا تمنع توظيف أعداء الشيوعية وأنصار الرأسمالية بل إنها لا تتخلى عن مسئوليتها في إيجاد أعمال لهم لكنها لا تسمح لهم بالقيام بنشاطات عامة ضد التحول إلى الشيوعية وأحيانا تسجنهم لأجل تأهيلهم من جديد . وقيل أن خروشتشوف، بعد أن قام بانقلاب داخل الحزب في العام 1954 ، أخرج من السجون 300 سجيناً سياسياً من أعداء الشيوعية ـ وأنا أشك بالعدد فهو من مصادر غربية . في تلك الفترة كان الآلاف من المثقفين والفنانين الأمريكان في سجون الولايات المتحدة ، بل طال التحقيق الرئيس الأميركي هاري ترومان نفسه، وهو مجرم حرب كما أسلفنا، وجرى التشكيك بولائه للنظام الرأسمالي ولولا حصانته لربما ألقي به في السجن ! وفي هذا السياق يشار إلى اغتيال الرئيس الأميركي جون كنيدي وأخيه النائب العام ومرشح الرئاسة روبرت كنيدي . ولا بد من التذكير في هذا السياق أن أعداء الشيوعية هم رجعيون وأعداء للإنسانية بينما أعداء الرأسمالية هم تقدميون ومناضلون من أجل خير ورفاه الإنسانية . وهناك أمر آخر ذو دلالة وهو أن الشعوب السوفياتية آنذاك كانت تعد ضعف عدد الشعب الأميركي، كما أن المهمات المطروحة عليها كانت في غاية الضخامة وتواجهها البشرية للمرة الأولى في التاريخ .
لا يتوقف أعداء الشيوعية عن التشهير بحملات ستالين ضد الكولاك، الذين رفضوا الإنخراط في المزارع التعاونية، ونفيهم إلى سيبريا . نحن نجهل أعدادهم ونتجاهل الأعداد التي تذكرها الدعايات المعادية . لكننا في الوقت ذاته متأكدون أن أعدادهم لا تساوي نصف أعداد السجناء الذين نفتهم بريطانيا وحدها بالبواخر إلى الطرف الثاني من العالم، أمريكا، وألقت بهم في العراء حيث ظروف العيش آنذاك كانت أصعب بكثير من سيبريا .
مواجهة الإجتياحات النازية في معارك الحرب العالمية الثانية قطعت الشك باليقين وبيّنت من هم الأحرار فعلاً حيث كانت تقارير الجنرالات الألمان تصف شجاعة وثبات الجنود السوفييت في المعارك على أنهم مخلوقات غير بشرية مقارنة بالطبع مع جنود الدول الغربية حيث جرى اختراق خط ماجنو الدفاعي الفرنسي دون مقاومة تذكر وتم احتلال فرنسا بسهولة تامة، كما هربت الجيوش البريطانية من دنكرك عائدة إلى بلادها خشية المواجهة . وطالما أن الشيء بالشيء يذكر فلنا أن نشير هنا إلى أن القطعات العسكرية السوفيتية كانت تخوض عملياتها الحربية بعد مناقشتها والتصويت عليها من قبل سائر الضباط المنخرطين في العملية رغم التعليمات الصارمة من قبل القيادة العامة بالامتناع عن مثل هذا الإجراء المخالف لقواعد الحرب .

3 كون الماركسية عقيدة: ليس في الماركسية ما ينحدر لمستوى العقيدة . فالماركسية تأسست على قاعدة راسخة هي المادية الديالكتيكية والتي تحققت صحتها بالبحوث المخبرية . قام كارل ماركس بالبحث في التاريخ وفي الإقتصاد وفي السياسة مستخدماً أداته الكلية القدرة، المادية الديالكتيكية، وعرض نتائج بحثه فيما مضى من الأحداث والوقائع . لم يأتِ ماركس بشيء مستقبلي من عنده أي أن كل ما كتب عنه ماركس كان قد طبق وجرب قبلئذٍ، حتى الشيوعية التي قال أن العالم سينتقل إليها في مستقبل الأيام فهي ليست من ابتداعات كارل ماركس . لقد رأى الشيوعية في الإنتاج الرأسمالي نفسه وأشار إلى التناقض الكامن فيه وهو أن عملية الإنتاج في النظام الرأسمالي تتحقق مشاعاً، أي أن المجتمع بمختلف شرائحه يشارك بعملية الإنتاج، بينما الإنتاج نفسه يعود إلى شخص بعينه أو عدة أشخاص بعينهم . ماركس أكد ـ ولم يعتقد ـ أن هذا الحال لن يدوم طويلاً وسيعود الإنتاج مشاعاً لكل المجتمع وهذا هو الشيوعية . العقيدة تقوم على ثوابت بكل عناصرها ولا تخضع للتطور بأي شكل من الأشكال، بينما تؤكد المادية الديالكتيكية، منهج ماركس، أن الشيء ليس هو نفسه في نفس اللحظة . مثل هذا التغيّر الذي لا ينقطع للحظة ينفي نفياً مطلقاً كل عقيدة من أي لون . الأبحاث الكوزمولوجية الحديثة المتقدمة تشي بأن الكون بوجهيه المادي والطاقوي إنما هو مجرد ديالكتيك ليس أكثر .
عندما سئل ماركس عن تفاصيل الشيوعية التي يبشر بها أجاب بأنه لا يعرف عنها شيئاً، ولو كانت الماركسية عقيدة لكان من المفروض أن يعرف كل شيء عن الشيوعية مثلما يعرف المسلم كل التفاصيل عن الحياة في الجنّة . كل ما نعرفه عن الشيوعية هو انتفاء علاقات الإنتاج الطبقية والرأسمالية بشكل خاص أي أن الشيوعية ليست نظاماً للإنتاج بمعنى أنه يقوم على علاقات إنتاج محددة بشروط، وليس فيها سوق للتبادل، وتنتفي فيها النقود إذ يحصل الفرد على كل ما يحتاجه، اشتغل أم لم يشتغل ؛ ليس فيها دولة أو قوانين أو شرطة أو سجون . كل هذا هو شروط المجتمعات الطبقية التي لن تكون في الشيوعية بالطبع . نحن لا نعرف شيئاً عن الشيوعية مع كل ذلك ؛ كل ما نعرفه هو أنه لن تكون هناك شروط المجتمعات الطبقية . الطبيب الذي يرى الجنين في بطن أمه ويحدد جنس الجنين لا يكتب في تقريره أنه يعتقد أن الجنين بصحة جيدة وأنه ذكر أو أنثى طالما أن الحقائق هي ماثلة أمامه . وكذلك الشيوعيون، فهم لا يعتقدون بأن الرأسمالية ستنتهي إلى الشيوعية، فالشيوعية ماثلة أمامهم ؛ إنه الإنتاج الرأسمالي بدون رأسماليين .

4 الماركسية ليست علماً مجرباً : يكثر الحديث اليوم بعد انهيار المشروع اللينيني للثورة الإشتراكية حول خطأ الحزب الشيوعي السوفياتي في تطبيق النظرية الماركسية . الحق أن في مثل هذا الحديث تضليلاً ، إن لم يكن خبيثاً ففيه طمس للحقيقة البلجاء . عصابة خروشتشوف التي استولت على قيادة الحزب بدعم من العسكر لم يكن أمامها أي برنامج يتعلق من قريب أو بعيد بالماركسية اللينينية للتطبيق سوى نفي النهج اللينيني الذي دافع عنه ستالين حتى النهاية، بالإضافة إلى زيادة النفقات العسكرية إرضاء للعسكر . ما الماركسي في إلغاء دكتاتورية البروليتاريا ؟ ما الماركسي في تنمية طبقة الفلاحين وزيادة أعدادها ؟ ما الماركسي في سياسة الوفاق الدولي واللقاء مع الإمبريالية في منتصف الطريق ؟ ما الماركسي في فصل الثورة الإشتراكية عن ثورة التحرر الوطني ؟ ما الماركسي في زيادة الإنفاق العسكري على حساب الإنفاق المدني ؟ الواقع أن العصابة التي كانت ترفع خروشتشوف على أكتافها 1954 ـ 1964 إنما كانت تستهدف تقويض مشروع لينين الإشتراكي لحساب العسكر والإبقاء على تقسيم العمل الذي هو إله الطبقة الوسطى . هذه العصابة لم تخطئ في التطبيق بل العكس هو الصحيح فقد طبقت برنامجها الخاص بمهارة ودقة فائقتين، برنامجها ارتكز على تقويض مشروع لينين الإشتراكي . وعليه فإن الذين يقولون بخطأ في التطبيق إنما يغيّبون مبدأ الصراع الطبقي الذي هو المحرك الوحيد للتاريخ . لم يتراجع التاريخ في المعسكر الإشتراكي بغير فعل الصراع الطبقي . وبناء عليه فإننا نؤكد الحقيقة التالية وهي أن ما انهار في الإتحاد السوفياتي ليس هو الإشتراكية بل هو الرجوع عن الإشتراكية .
وعن أي تطبيق يتحدث هؤلاء الضالون أو المضللون ؟ كارل ماركس لم يكتب حرفاً واحداً عن حيثيات الثورة الإشتراكية سوى أنها يجب أن تتم بقيادة دولة دكتاتورية البروليتاريا . بل كان قد أكد في " البيان الشيوعي " بالاشتراك مع إنجلز أن الثورة الإشتراكية تتم في البلدان المختلفة وفقاً لظروفها المختلفة . حال قيام الثورة الإشتراكية في بلدٍ ما فإن قادتها لن يجدوا في كل أعمال ماركس ما يدلهم على ما يتوجب اتخاذه من إجراءات . لذلك فإن كل ما تم تطبيقه في الإتحاد السوفياتي ما بين 1917 إلى 1954 إنما هو خطط لينين في العبور إلى الشيوعية، وتلك هي اللينينية التي كمّلت الماركسية .
الماركسية علم تعامل مع الماضي ولم يتعامل مع المستقبل ولذلك أكد ماركس أنه لا يعلم شيئاً عن الشيوعية . كل وقائع التاريخ والعلوم وتطور المجتمعات المختلفة لم تنقض قانوناً واحداً من قوانين العلوم الماركسية . وكما أثبتت الماركسية حصانتها في الماضي فستثبت حصانتها في المستقبل أيضاً . انهيار المشروع اللينيني هو أقوى دليل على حصانة الماركسية وصحتها التي كان لينين نفسه قد وصفها ب " كليّة الصحّة " . البعض يستشهد بماركس في تعليل الإنهيار إذ يعيده إلى ضعف الحلقة الرأسمالية في روسيا ويجب التسليم بهذا رغم أن ماركس بالاشتراك مع إنجلز كان في مقدمة الترجمة الروسية للبيان الشيوعي عام 1882 قد توقع احتمال أن تبدأ الثورة الإشتراكية في روسيا لتنتشر بعدئذٍ في البلدان الرأسمالية المتقدمة . أما أنا فأضيف إلى مسألة الحلقة الضعيفة، مستنداً إلى ماركس أيضاً، وهو أن السبب المباشر في انهيار المشروع اللينيني هو الصراع الطبقي، ومشيراً بذات الوقت إلى أن القوى المعادية للإشتراكية وهي الطبقة الوسطى، التي نجحت في تقويض المشروع اللينيني، ما كانت لتكون بهذا الحجم والقوة لولا ضعف الحلقة الرأسمالية في روسيا أساساً مع التحفظ أن قوة العسكر في الإتحاد السوفياتي كانت ناجمة أساساً عن قوة أعداء الإتحاد السوفياتي وغزاته . ويجب ألا ننسى في هذا السياق أن الإتحاد السوفياتي في أواسط الخمسينيات كان قد سبق كل الدول الرأسمالية باستثناء الولايات المتحدة من حيث تطور قوى الإنتاج وأدوات الإنتاج، ومسألة الحلقة الرأسمالية الضعيفة تم تجاوزها ولم تعد قضية باستثناء المساحة العريضة للطبقة الوسطى وهو ما اقتضاه تحويل جماهير الفلاحين إلى عمال فنيين .
نعود لنؤكد مرة أخرى ما كان قد اشترطه لينين في بداية العشرينيات لنجاح العبور إلى الشيوعية، وهو الوعي الماركسي الكامل بحركة التاريخ . فلو تمتعت القيادة السوفياتية بعد رحيل ستالين بالوعي المطلوب لما استطاعت زمرة خروشتشوف بالاستيلاء على الحزب والرجوع عن الإشتراكية، ولوفروا على العالم قرناً طويلاً وربما قرنين من المعاناة التي يعاني من نذرها عالم اليوم .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إنتفاضة أكتوبر لم تكن ثورة ولم تكن إشتراكية
- الحرية مفهوم طبقي (روزا لكسمبورغ في مواجهة فلاديمير لينين)
- الأفكار الثلاث الأهم حول ثورة أكتوبر
- حتى الشيوعيين من العربان لا يقرؤون
- الأزمة المالية الماثلة ليست أزمة الرأسمالية
- الدكتور سمير أمين يسارع فينزلق نحو المثالية والليبرالية
- أعداء الشيوعية يكرهون ستالين
- الانحطاط الفكري لدى شيوعيي انحطاط الإشتراكية
- القراءة اللينينية لتاريخ الحركة الشيوعية
- ماذا عن انهيار الإتحاد السوفياتي، مرة أخرى ؟
- ماذا عن أسباب انهيار الإتحاد السوفياتي العظيم ؟!
- ما الذي ينهار اليوم في أميركا ؟
- عجائز الشيوعية يخرفون أيضاً !
- ما بين الإشتراكية ورأسمالية الدولة
- عودٌ على بدءٍ مع حسقيل قوجمان
- الدين عقبة كبرى في وجه التقدم الإجتماعي
- شيوعيو الأطراف ليسوا ماركسيين وليسوا شيوعيين
- المسكونون بدحض الماركسية
- العدالة الإجتماعية والمساواة ليستا من مفردات الشيوعية
- كتابة تفتقد التوازن العقلي


المزيد.....




- الرحلة إلى لبنان الجديد.. / بقلم: حسين مروة
- عن غياب “المرجعية العربية” وضياع الدور: السعودية تسترهن لبنا ...
- مراسم تشييع وعزاء الرفيق منير جرجس الصّراف
- الفصائل الفلسطينية تتفق على إجراء انتخابات في نهاية 2018
- الفصائل الفلسطينية تتفق على إجراء انتخابات في نهاية 2018
- تشيلي .. هل تستطيع قوى اليسار دحر اليمين في جولة انتخابات ال ...
- الاجتماع ـ الفضيحة على أنقاض اليمن..
- الفصائل الفلسطينية تدعو لتطبيق المصالحة وتنظيم انتخابات
- قراءات في إخفاق “الاشتراكية الفعلية” المرور إلى الديمقراتور ...
- الفصائل الفلسطينية تدعو لإجراء انتخابات قبل نهاية 2018


المزيد.....

- تقرير المصير للقوميات فى الدولة الواحدة: حق داخل حق / محمود محمد ياسين
- مقالة فى الاسس المادية (2). تقسيم العمل فى المنشأة والتقسيم ... / خالد فارس
- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي
- هل يشكل المثقفون طبقة؟ / محمد الحنفي
- عندما يحيا الشخص ليدخر يموت فيه الإنسان وعندما يعيش ليحيا يص ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فؤاد النمري - منتقدو الماركسية وكارهو الشيوعية