أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب غلاب - وحيد في بحر من ضياع















المزيد.....

وحيد في بحر من ضياع


نجيب غلاب

الحوار المتمدن-العدد: 2406 - 2008 / 9 / 16 - 05:51
المحور: الادب والفن
    


وحيد يتآكل في كهفه الأسود..
يذرع الشارع ذهابا وإيابا.. صدأ في وجه الحياة..
يمر بحسرة ملهوف في خبايا الذكريات وأماني الحلم..
بيأس وضياع يبحث عن أمل أو ما يشبهها..
لا يتذكر متى بدأ رحلت البحث عنها.. تائه في أزمنته المخنوقة..
سواد في صفحات الحلم.
المؤكد لديه أنه يوم بدأ لم يكن في رأسه شعرة شيب، يومها كان النور يتفجر من عينيه نقيا كفجر هائم في فضاء الذات.. كانت أمل قوته المشرق.
طحنته الليالي.. أمسك بجمرة لذيذة مضغها بكل قوة.. اختفت أمل.. لم يبك عليها..
سطوة المتعة أفقدته مشاعره.. حريته.. أكل نفسه من أجل وهمّ التحدي واثبات الذات المتفانية في ظلمة انتهاك الجمال..
وعندما أكتشف سر الخدعة المحبوكة في قصور النخبة، عادت إليه روح بشعة مشتته.. طفرات الأنا تمسك بتلابيب فكره الخانع..
اعتقد ان أمل هي القادرة وحدها على تطهير النجس الغارق فيه حتى الثمالة.. عندما فكر بذلك نبذه صانعيه.. في عز عطائه فقد كل شيء..
الآن لم يعد لديه أي شعرة سوداء.. كالح وجهه غارق في بحر من الظلمات.. عطش يملئ كيانه المكدود.
الغريب في الأمر أنه يبحث في المكان نفسه يوميا.. يدور في فراغات هوجاء.. كل يوم يجتر أحزان من نار في خلايا أحلامه البائسة..
يبدأ في الصباح الباكر وينتهي في منتصف الليل أو بعد ذلك بقليل حيث يختفي المارة ولا يبق في الشارع سواه..
وحيدا والهم يفترس ما بقى له من عينيه.
يعود إلى مأواه في بيته القابع في أطراف المدينة في أحياء صنعاء الجديدة.. بيت يشبه القصور من خارجه..
خاوي من الحب تسكنه الأشباح والفوضى، جدران غرفه غبراء تنبعث منها روائح نتنه كأنها رائحة موتى..
أحجاره بيضاء من الخارج تم صياغتها بفن معماري من تراث اليمن، متداخل مع ملامح حديثة في البناء والتشكيل..
زخرف يسبي قلوب المشردين، جوعى المدينة..
يرمي جثته في سريره القابع في زاوية من غرفته الممتلئة بصناديق مختلفة الأحجام..
محاصر بمكتب صغير تتراكم فوقه كتب وأوراق متناثرة وبعض الملفات الغريبة وحول سريره تتناثر ملابسه الأنيقة وأوراق مكومة كالكرات..
قصائد شعر ميتة تحكي عشقه لأمل.
يصل في السحَر لينام سويعات قليلة ويصحو مذعورا والتعب يسرح في كل جسده وروحه في غيبوبة أحلام البحث عن الغائب الذي يراه في كل مكان من حوله، ولكنه لا يجد إلا فراغ يملئ المكان وزمان ضائع في سجن آماله التعسة.
لم يعد يتأمل أو يفكر في أي شيء سوى قناعته التامة أنه يوما ما سيجد المفقود.. ألف المكان ولكن المكان غريب عنه..
في لحظات من النهار يفقد بصيرته يصاب بإغماءات وهلوسة يعتقد ان كل من حوله أمل ولكن الجميع يمر من جانبه دون أن يعيره أي انتباه..
كلهم هائمين في وديان الهم والقلق.. يصرخ كالمعتوه:
من أمل منكم؟ كأن صوته صمت مطبق لا أحد يرد عليه ومن عمق روحه الغائبة في هوة سحيقة من الخيانة يأتيه صدى أصوتهم.. كلنا أمل..
أنت من أنت؟..
يبكي بلا دمع ولا ألم..
هو دمعة منسابة في وجه الحياة ممزوجة بوجع أبدي ويأس لا نهائي..
أضناه البحث في العدم..
يضحك فجأة ضحكة مفجوع.. ضحكة ميتة كلها قهر وكرب..
أحيانا يغير مساره ويتجه نحو الشرق، يمر في شارع مُضاء بالأنوار.. تظهر لمن حوله حقيقته يهيئ لهم أنه جثة تنخرها الديدان..
تغزو المكان رائحة تحتل أنوف الطاهرين، يبكي عندما يراهم يفرون بعيدا.
جرثومة متوحشة تبحث عن فريسة..
يهرب نحو دهاليز من طموح ماضيه..
يتنقل وحيدا بين أفكار لا يدرك معناها، ويصنع منها قصور في مستقبل ضائع في أروقة الشهوة التي اجتاحت حتى أكياس القمامة وسلبت جوعى المدينة بقايا ما نثرته النفوس الجشعة..
يأتيه صوت بعيد من تخيلات الوهمّ، ينبعث من حشرجة الموت.. من لنا سواك أيها المبحر في البحث عن الحلم في زوايا العتمة والموت...
تجتاحه أنوار الأمس ولكنها تُخنق في غابات جسده الموحش الذي تتناثر منه الديدان في كل مكان وتنشر الشر والفساد..
يهرب من نفسه فلا يجد مأوى إلا نفسه التي احترقت وغدت فحمة كظلمة الليل احترقت أنانية في معابد عبادة الهوى.
حاول أن ينتحر يوما فخانه الموت وصرخت أصوات الصمت الساكنة في عيونه الخائنة.. ما جدوى الانتحار للمقتولين؟ لم يعد لك وجود..
وجودك نار تحرق بقايا الفرح..
ماذا تنتظر يا تعس الناس وأشقاهم؟..
أمل ضاعت يوم بعتها في أسواق النخاسة للأنذال..
ثمن بخس منحوك.. أشواق نفوذ من لحم ودم البؤساء..
كسرة خبز مسروقة من فم مناضل يبحث عن حياة حرة في زمن الخنوع للأحذية الثقيلة وصرصرة الدنانير القذرة.
ـ "وحيد أنت مثلهم" ـ حدث نفسه ـ فكل الوجوه خادعه تغني لنفسها أنغام الأنا..
باسمها (أمل) تشرق الكلمات لتغدو رماد في أفواههم..
جميعهم يشبهونني في بحثهم عن أمل وفي أناشيد الانتحار..
أين أنت يا أمل؟ ومن تكونين؟ ومن هو عشيقك الحقيقي؟
أعترف أن علاقتي بك كانت غير شرعية لكنها كانت أعظم من الحب واصدق من الصدق واطهر من كل من أحتضنك قبلي وبعدي.
يوم اغتصبوك على يدي بعد أن ملّوا من أنفاسك الطاهرة فقدت ذاكرتي وفقدت كل شيء.
وامتلكت وردة بديلة كلما رأيتها أصابني العمى ورائحتها تخنقني..
يوم أمسكتها خمدت شعلة الحياة في سماء المدينة..
أعرف أن تلك الورود القبيحة خناجر مغروسة في خاصرة أمل يرفعها الجميع من حولي..
كلنا نعشق أمل وهي مفقودة يُقال ان جميع الصالحين في المدينة خدعوها وباعوها للأنذال..
في بداية الأمر اغتصبوها سرا..
وفي إحدى الأيام اغتصبوها بشكل علني أمام فقراء المدينة والمتسولين الذين ملئوا كل أرجائها..
ما أغضب أمل أن الرغبة التي اجتحت المدينة في اغتصابها اجتاحت قلوب المصلين لذا قررت أن تختفي.
يبحث عنها كل من فقدوا أرواحهم، ويؤكد البعض أنها مازالت بكر، والنساء اللاتي اغتصبن هن شبيهات لها أما أمل الحقيقية فمازالت تبحث عن رجل طاهر لتأوي إليه وهذا ما جعل الجميع يشعر بالندم دون توبة..
قال لي حكيم يسكن خارج المدينة أن أمل الأصلية لا يمكن أن تكون زوجة شرعية إلا لمن ينكر ذاته من أجلها..
جمالها يبهر من يراها وفي العادة ما يقع في عشقها الشباب يقعوا في غرامها ويتبتلوا في محرابها لكن الغريب في الأمر ان أمل تغدو محنة وبلاء تعذب عاشقيها فالعلاقة التي تريدها تبحر في عالم الروح والعمل الجاد بتضحية الصديقين في خدمة الناس..
مع الممانعة التي تبديها أمل تتضخم شهوة العاشق وتصبح الرغبة في إشباع الهوى تملئ الكيان..
فتهرب أمل لتظهر امرأة تشبهها يغتصبها العاشق ويمتهن جسدها ويزداد الشبق فيذبحها ويشرب دمها ويأكل لحمها..
ثم يبكي عليها ويغرق في وحشة قاتلة وينتقم من نفسه ويتحول إلى وحش بشري قذر يتغذى من تراب الفقراء،
لا يتحرك إلا في الظلام
وفي لحظة تظهر أمل مع رجل آخر اشد فتوة فيقاتل من أجلها
يزداد قهرا
يقتنع انه لم يأكل أمل بل أكل امرأة أخرى هي من صنع خيالة
يدرك أن أمل بعد ان أيقنت خداعه اختفت من عالمة
يصنع امرأة تشبهها ويمارس معها هلوسته هي من وهم لكنه يتخيل أنها من لحم ودم فيذبحها وتصبح قوت بقائه..
عند إدراكه للحقيقة يكره كل شيء وتصبح نفسه العدو اللدود..
يصبح مشرد في وديان الضياع يبحث عن أحلامه في عيون أمل فلا يجد إلا سراب لا يسمن ولا يغني من جوع.
أما أمل فقد أصابها اليأس كلما أحبت رجل من المدينة أفسدت حياة حبيبها وقادته إلى الجنون والموت..
تجاربها السابقة فاشلة كلهم أحبوها بصدق ولكنهم خانوها وكلما ثملوا في الخيانة اجتاحهم عشق وهيام بعيونها الغائبة.
كلهم يعشقون أمل ويغتصبون شبيهاتها بلا رحمة.. بجرأة مجرمي العولمة ينتهك شرف الحياة بأغاني من الحان الصالحين ..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,816,510
- ما علاقة قانون الانتخابات اليمني بأزمات حزب الإصلاح الاسلامو ...
- العلاقة بين أوهام إيران الخمينية وفشل ويأس الإسلاموية السنية
- هذيان
- جدلية الصراع بين السياسة والثقافة .. من أين يبدأ التغيير؟
- العشق في شقاوة أنثى من خيال
- دور الوعي القبلي التقليدي والمناطقي في تخلف اليمن
- خواطر شوقي التائه
- ضاع في عيون ساحرة
- الاسلاموية بين تخريب السياسة وتشويه الدين
- جسد الغياب
- رسالة لكل حر متمرد على ثقافة الموت
- اليمن ... تحالف هيئة الفضيلة وصراع المصالح المتناقضة
- الصراع في بنية الإيديولوجية الخمينية
- لبنان .. الطائفية وصراع المصالح
- ديني الوطن ... لكم دينكم ولي دين
- الوعي القبلي في مواجهة المجتمع المدني
- المثقف ودوره في إحداث التغيير
- الدولة الوطنية وتناقض الأمركة مع العولمة
- حُمى الجنس
- الدين والسياسية .. المشكلة .. الحل


المزيد.....




- أفلام المهمشين.. أفضل 5 أعمال ناقشت قضايا الفقراء
- انتحار الشاعر الكردي محمد عمر عثمان في ظروف غامضة
- فنانون لبنانيون يحاولون -ركوب- موجة الحراك الشعبي
- بالصور... لأول مرة في تونس تدريس اللغة الإنجليزية للصم
- فرقة -الأمل- الصحراوية تقدم أغانيها الفلكلورية والمعاصرة في ...
- التحفة الملحمية -الآيرلندي- تفتتح الدورة 41 لمهرجان القاهرة ...
- ماجدة الرومي ترد على تأخرها في التضامن مع التظاهرات اللبناني ...
- -اليمن عشق يأسرك-.. فنانة قطرية ترصد السحر في أرض بلقيس
- فنانون يقتحمون تليفزيون لبنان احتجاجا على عدم تغطية المظاهرا ...
- بالفيديو.. فنانون يقتحمون مقر تلفزيون لبنان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب غلاب - وحيد في بحر من ضياع