أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدّين بن عثمان - مأساة أختين: قصّة تراجيديّة















المزيد.....



مأساة أختين: قصّة تراجيديّة


عزالدّين بن عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 2403 - 2008 / 9 / 13 - 05:25
المحور: الادب والفن
    


لو أنـّـك شاعر لبحثت عن حبّ يجعلك مقيما في الأذهان على مرّ العصور، وهذه القصّة لن تعلـّـمك الشـّـعر وإنّما سوف تعلـّـمك كيف تضرب القلوب بالخيال وكيف تمزج الألم والشـّـعور بالنـّـار. هل رأيت السـّـيوف التي تـُصنع في اليابان؟ إنـّـه مكتوب عليها: "لا تكن خوّافا؛ إن لم تمت بالسـّـيف تمت بغيره". هذا المبدأ منحوت بالنـّـار في قلوب الكلّ من مستعملي السـّـيوف. إنـّـهم يصهرون الفولاذ الصّلب فيصيّرونه سخنا حارقا ثمّ يصقلونه ويطلونه بماء الذّهب؛ أولئك يعيشون الجمال ويخلـّـدونه. هذا ما تطمح إليه فتاة عمياء، اسمها فدوى ، لها أخت توأم عمياء مثلها، اسمها وعد. استحالت حياة فدوى ترحا دائما نتيجة فعل دنيئ قام به مسؤول اللـّـجان الحزبيّة المحلـّـية في قحطانة، يونس دُجرانة. إنـّـها، الآن، تحلم بأن يتوهـّـج قلبها توهـّـج الفولاذ المنصهر، لكي تعيش إلى الأبد في قصائد من ذهب. إنـّـها تريد أن تسكب النـّـار المنصهرة في الكلمات وفي صداها أيضا. إنـّـها لا تريد أن تكون كأهل قحطانة النـّـائمة في العصور الحجريّة؛ قحطانة التي تتلـذد في الخلد كطفل نعسان. البحر انحسر من حولها والورود لم تعد تنبت فيها؛ أنـّـى لها أن تنبت في الصـّـخر الكلسيّ؟

ويونس دجرانة هذا رجل قميئ ولكنـّـه فضّ متجلـّـف، يلبس بدلة رماديّة صيفا شتاء، جاكتـّـتها عليها جيب على الجانب الأيسر من صدره وآخر على الجانب الأيمن منه، يزيـّـنهما بساعتين من ساعات الجيب العريضة، ويدخل كلّ ساعة منهما في قعر الجيب فلا يظهر منهما سوى السـّـلسلتان الذّهبيّتان تتدلـّـيان على صدره. ويمشي في المدينة كبرا واختيالا، وكلـّـما سار في الأنهج يتوقـّـف من حين لآخر، ولا يفعل ذلك إلاّ أمام الخلق، فيخرج السـّـاعة الأولى ويفتح غطاءها ثمّ يضعها على كفّ يده اليسرى، وبيده اليمنى يخرج السـّـاعة الثـّـانية فيفعل بها مثلما ما فعل بالأولى، ثمّ ينظر في السـّـاعة الأولى ويدقـّـق فيها النـّـظر ثمّ يحوّل بصره إلى السـّـاعة الثـّـاثية، وفي النـّـهاية يقلـّـب طرفه في السـّـاعة التي بمعصم يده اليمنى، غير آبه بالأعين التي تتابع حركاته والأفواه الفاغرة المحتارة التي لم تفهم لما يستعين بثلاث ساعات على معرفة الوقت.

حلّ بقحطانة ليعمل كخمّاس، فاشتغل لدى أحد الفلاّحين، ثمّ تزوّج ابنته وجعلها تدمن على الأدوية المهدّئة، قعيدة الدّار، طريحة الفراش، شاردة الذّهن أبدا، هزيلة، وتعاني من آلام مبرّحة، ولا تحتمل أيّة حركة أو ضجيج. وحين توفـّـي والدها سلبها الأرض التي خلـّـفها لها وبذلك بات من ملاّكي الأراضي وأصبح مسؤولا حزبيّا أذاق النـّـاس الويل بالنـّـميمة وفرض الإتاوات عليهم، يدفعونها له ليأمنوا شرّه، إذ هو يستعين بالمارقين على القانون في الانتقام ممّن لا يستجيب إليه. وتقول زوجته إنّها تعاني من الأعصاب... تسمع أصواتا وترى أشباحا... وقبل أشهر قتلت نفسها في حادث سيّارة برفقة ولديها وكانت وقتها فارّة من الأوهام التي تطاردها وكانت تقود السّيارة بنفسها، بسرعة جنونيّة.






ولو أنّ الإنسان قادر على التـّـنبّؤ بكلّ دقـّـة، ولو أنّ كلّ شيء يحدث في الدّنيا والكون يتماشى مع العقل وقواعد المنطق فإنّ شؤون البشر تكون شبيهة بعمليّات مضبوطة، يقينيّة، لا مجال فيها للخطإ. ولكنّ الإنسان ليس، في الأصل، كائنا متحكـّـما بكلّ شيء؛ ولذلك فإنّ حساباته، في معظم الحالات، تكون خاطئة، وأعماله جزافيّة أو اعتباطيّة. هذا ما تثبته قصّة ممتاز الدّربندي، والد وعد وفدوى. كان والده، جعفر الدّربندي، يملك أرضا شاسعة معطاء ولكنّه، في رأي ابنه الوحيد المدلـّـل، ممتاز، يعيش طبقا لأسلوب عتيق محافظ، يبذر ويحصد ولا يفكـّـر في أكثر من ذلك. أبوه قويّ، نزيه، جمّ الأفضال على كلّ النّاس في "قحطانة"، غير أنّ الاكتفاء بالعمل وبذل العطاء للفقراء ليس ما يريد هذا الابن الطـّـموح. ممتاز الدّربندي يحلم، وفي نفسه رغبة في أن يكون في قمّة المجتمع، ليس لأنّه لا يريد الاختلاط بأعضائه السّفلى، ولكنّه يبغي التـّـغيير في قحطانة والتـّـقدّم والرّفاهة لأهلها، ويخال أنّ والده يعمل ويحيا كأيّ إنسان عاديّ، برغم الصّيت الذي يتمتـّـع به وعبارات الحمد التي تسبغها عليه الألسن، ويتوق إلى تحمّل مسؤوليّة رفيعة ومنصب متميّز يمكـّـنانه من أن يشرف، مباشرة، على شؤون المدينة ويؤثـّـر في حياة متساكنيها، ويخلـّـصهم، قبل كلّ شيء، من اللـّـصوص والمارقين على القانون. نفسه تفيض سخاء إلاّ أنّه لم يكن يملك شيئا يقدّمه لقحطانة وأهلها، حين كان والده حيّا، سوى حلمه المتوقـّـد بأن يسخّر نفسه لخدمتها وخدمتهم. وهل يدري كيف سيحقـّـق ذلك؟

كان ممتاز الدّربندي وحيد والديه ولهذا السّبب عاش مدلّلا ولم يتعلـّـم صناعة أو أيّة مهنة. ولمّا كبر صار يحلمُ ولا يفعلُ شيئا. وزوجتهُ (نقاوة) امرأة عمليّة لا تعرف الأحلام أبدا حتّى عند النّوم. عندما مات أبوه راح يقيمُ الحفلات في بيته كي يختلط بأرفع طبقة من النّاس في مجتمعه ويُبدّدُ ماترك له أبوه من مال في سبيل ذلك. باع أرضه ورهن منزلهُ واستلف الكثير فصار يعمل في منجم الرّصاص لكي يعيل زوجته وبنتيه التـّـوأمين المصابتين بالعمى. أوهمهُ يونس دجرانة بأنّهُ سيتمّ تعيينه في منصب رفيع فباع له الأرض لكنّ ذلك لم يتحقّق أبدا إلى أن أفلس. وقد أفلس وبنتاه في الخامس عشرة من العمر. أعرض عنه أصدقاؤه الذين كانوا يتردّدون على منزله وطارده الدّائنون أينما حلّ. بالرّغم من كلّ ذلك لم تتركه نقاوة.

وعندما رزق ممتاز الدّربندي البنتين، وعدا وفدوى، اتـّـضح، خلال أسابيع قليلة، أنّهما مصابتان بالعمى. ومذ كانتا صغيرتين لم تفترقا أبدا، وكانتا تخرجان كلّ يوم لتجلسا تحت خرّوبة طاعنة في السـّـنّ موجودة في بطحاء مهملة توجد خارج المدينة. مأساة! مأساة! العالم الذي فيه تعيشان مظلم، مظلم، مظلم، وقاس.






لكنّ وعدا وفدوى وجدتا العون في شابّ حاصل على شهادة في المحاسبة، يعمل مكـّـاسا في السـّـوق الأسبوعيّة لانسداد الطـّـرق المؤدّية إلى الوظائف الحكوميّة. يجيئ هذا الشـّـابّ،غالب بن الدّبـّـاغ، كما يُـعرف في قحطانة لأنّ والده يملك مدبغة في قحطانة، يدبغ الجلود والصّوف والملابس والأغطية القديمة التي يجيئ بها إليه أهالي قحطانة مقابل مبالغ بسيطة، ويحضـّـر الصّبائغ بنفسه ويبيع البنزين والفحم والكحول في جانب من المدبغة ويزهد في الإنفاق فلا يقتني شيئا لا يحتاجه أبدا. يجيئ بن الدّبـّـاغ ليعلـّـم وعدا وفدوى الحساب الذّهنيّ وليروي إليهنّ قصصا وأشعارا يحفظها بهدف تسليتهما. لكنّه لم يحضر هذا الصّباح...

عند العاشرة خرجتا وعد وفدوى إلى الحديقة العموميّة الموجودة في ناحية من المدينة وكلّ منهما ممسكة بيد الأخرى، وفدوى حاملة على كتفها ربابة إذ هي تعزف على الرّباب. وفيما كانتا تتجوّلان في الحديقة العامّة وقفتا تحت شجرة فارعة فقالت وعد لفدوى:
ـ أنظري، يا فدوى، هذه والله شجرة بلـّـوط.
قالت ذلك ثمّ انكبّت على الأرض وأخذت تبحث عن الدّليل. وسرعان ما وجدته: أربع حبـّـات من البلـّـوط يابسة.
ضيّعتا طريقهما فوجدتا نفسيهما داخل لفّ من الأشواك علقت بفستانيهما. تمسـّـكتا ببعض وحاولتا الإفلات من الأشواك فقالت فدوى:
ـ هيّا ندور إلى اليسار لنخلـّـص نفسينا.
وحين دارتا إلى اليسار وقعتا في مستنقع من المياة العكرة. في تلك الآونة كانت البدلة الرّماديّة ذات السـّـاعتين واقفة غير بعيد منهما. افـتـُـتن يونس دجرانة بجمالهما؛ فتاتان لا زالتا في الخامس عشرة من العمر؛ شعرههما الأشقر يسبي العقول ووجهاهما يتلألآن جمالا. لا يجب أن يفلت شيء من يده وهي يد طويلة. من سيحميهما وقد صار والدهما ذليلا حقيرا بعد التـّـفريط في أرضه؟

عند الغروب توجّه يونس دجرانة إلى بيت الدّربندي الذي عاد لتوّه من المنجم. قال له إنّ كبده قد حنّ على البنتين المصابتين بالعمى وأنـّـه قد عقد العزم على إدخالهما إلى مدرسة المكفوفات الدّاخليّة الواقعة في جسيدة. لم يوافق الدّربندي لأنـّـه يحبّ بنتيه ويخاف عليهما. راح دجرانة يؤكـّـد له بالأيمان الغليظة أنـّـه سيعتني بهما وأنـّـه يعرف مدير المدرسة شخصيّا وأنّه سوف يتوسّط لهما في وظيفتين لئن أتـمّتا دراستهما. قال له الدّربندي:
ـ امهلني أسبوعا لكي أفكـّـر ثمّ أردّ عليك.
طلب الدّربندي المشورة من غالب بن الدّبـّـاغ فقال له إنّ دخول وعد وفدوى تلك المدرسة فرصة عظيمة لا يجب تضييعها، وقد قال ذلك لأنـّـه يحبّ العلم والتـّـعلـّـم ولأنـّـه مشفق على البنتين القاعدتين في البيت دون أيـّـة آفاق مستقبليّة. أرسل الدّربندي لدُجرانة مكتوبا مع أحد الصّبيان يعلمه فيه بأنـّـه قبل.





ـ يا وعد، أختي، إنـّـا نعيش كالميّتتين. لم نشاهد أبدا أشعـّـة الشـّـمس الدّافئة المباركة، ولا حقول القمح الذّهبيّة ولا العصافير الجميلة المغرّدة في الصّبح والعشيّ، ولا أشجار الدّردار التي تزيّن التـّـلال ولا الثـّـلوج النّاصعة فوق قمم الجبال. لكنّنا نسمع حفيف الأشجار وخرير المياة في السّواقي وشدو العصافير. سألتُ بعض الأطفال هل أنا وأنت جميلتان فقالوا أنا وأنت شقراوان لكنّا لا نعرف ما معنى أن تكون الفتاة شقراء. وقال غالب إنّنا أجمل فتاتين في قحطانة... هل تسمعين الغراب الذي ينعق فوق غصن من أغصان الخرّوبة؟ هل تبصرين بقلبك مثلي السـّـماء الملبـّـدة؟ إنّي وإن كنت لا أبصر أحسّ بتلك التـّـلال والجبال وأعشقها. إنـّـي كالطـّـير المسجون في ظلمة دامسة يحنّ إلى الأشجار والهواء. إنـّـا نعيش في مساحة ضيّقة جدّا؛ بيتنا ثلاث غرف، والمسافة التي نقطعها يوميّا تساوي ثلاث آلاف ومائتين خطوة جيئة فقط. لقد عددتها، يا وعد، حين كنـّـا قادمتين إلى هذه الخرّوبة.
ـ وأنت؛ يا فدوى أختي وصديقتي، هل تبصرين بقلبك دوّامات الدّخان تتصاعد من المنازل المتفرّقة وهل تسمعين صياح الدّيكة آت من حارتنا؟ عندما أموت، يا فدوى اختي، أنام نوما لانهائيّا، ولن أسمع شدو هذا العندليب الجميل الذي لا شكّ تسمعين. إنـّـي وإن كنت لا أراك، أيـّـها العندليب، أسمع نحيبك. السـّـعادة ليست في الرّقص أو الشـّـهرة، يا فدوى، وإنـّـما البهجة البحتة تتأتـّـى من التـّـشبـّـث بالأرض. أقبـّـلك يا بلادي قبلة واحدة ثمّ أرحل.
ـ آه! يا ربّ، لما جئنا إلى هذه الدّنيا مصابتين بالعمى؟!
ـ لا خيارات لدينا، يا فدوى. في غرفتنا المظلمة نجلس كلّ ليلة دون حراك. سنظلّ أسيرتين مدى العمر. العالم الذي نحن فيه مظلم، مظلم، مظلم، وقاس.
ـ أيـّـها الصـّـمت اختفي؛ أخفي مشاعرك وأحلامك. لقد وقعنا في هاوية روحك السّحيقة. أنـّـى لقلبينا أن يتحدّثا، يا وعد اختي؟ وكيف سيعلم الآخرون ما يفكـّـر به قلبانا؟ كلّ قول يتلـفـّـظ به الإنسان يصبح كذبة قذرة تلوّث الينابيع الصـّـافية وتحجب أشعـّـة الشـّـمس ما إن ينطق به.

لحق بهما غالب بن الدّبـّـاغ إلى الخرّوبة. أحسّتا بمجيئه وهو لايزال بعيدا عنهما. تربّع ثلاثتهم تحت أغصان الخرّوبة العملاقة. عزفت فدوى على الرّباب وغنـّـت:

"يا صاح، قل لي ما هو النـّـور الذي منه حُرمت؟
حدّثتني عن الأشياء العجيبة الجميلة التي أبصرت،
فقل لي ما هو النـّـهار أخبّرك عن اللـّـيل الذي عرفت.
أسمعك أحيانا تتنهّد أسفا على الضـّـوء الذي خسرت.
تقيس المسافة والأطوال بالأميال؛
وأنا لم أعرف أبدا ما هي الأميال.
إنّ العمق في العالم شيء ضحل، هكذا أبصرت.
لو أنّ عينيك أغمضتَ وذهنك بصدق فتحت،
لرأيت مثلى أنّ اللـّـيل والنـّـهار شيء واحد".

تألــّـم ابن الدّبـّـاغ فقبّل يدها وقال لها:
ـ ها أنذا أنحني إكبارا لك، يا فدوى.
سألته ووجهها تعلوه مسحة من الحزن:
ـ خبّرني عن بلدي؛ هل هي جميلة؟
ـ إنـّـها جميلة ولكنّها عارية.
ـ فخبّرني عن النّاس في قحطانة؟ كيف هي حياتهم؟
ـ إنـّـهم يعيشون كالدّجاج وعندما يُذبحون لا تسيل منهم الدّماء.
ـ آه! آه! آه! تمزّق قلبي إربا.






أخذت العميتان إلى المدرسة الدّاخليّة في مطلع الرّبيع ولمّا يكد العشب الأخضر يعلو ليحجب الجداول. كان الدّفء يتسرّب من السّماء فيعانق الأشجار لكنّ العميتان حرمتا منه. أصغتا فلم تسمعا صوت النـّـاي ينفخ فيه الرّاعي؛ ومع ذلك، في صبيحة ذلك العالم الأسود المُـقــْـمَـطِـرّ، وفي الحقول الممتدّة كان الرّبيع في فجره فقد امتلأت أشجار الدّردار بالبلابل وأشجار الزّيتون بعصافير القرقف والزّرازير. وقبل أخذهما إلى محطـّـة القطار قابلهما غالب وهو يبتسم ابتسامة عريضة. صافحهما بقوّة وأشاح بوجهه عن يد مسؤول الحزب الممتدّة إليه. قدّم لفدوى وردة حمراء تعبيرا عن الحبّ، عن الحياة الرّاكدة، عن الأوراق الخضراء، عن الغبار الذي يصعب تحريكه في قحطانة، عن الأمل الدّفين، عن أشعّة الشـّـمس التي تتوق إليها نفسها، عن الجمال وعن الرّوح الحزْنَى. بكى فأبكاهما ثمّ حدّق في وجهيهما الجميلين. وقفوا لدقائق أمام أشجار السّرو ودجرانة يريد أن يتخلـّـص من غالب بأسرع الطـّـرق. قال له وقد نفذ صبره:
ـ لقد أحزنتهما؛ هل يعجبك صنيعك هذا؟
ـ لا دخل لك فينا.
ـ والله لئن زدت كلمة أخرى أدخلتك السـّـجن من أجل التـّـهجـّـم على مسؤول حزبيّ رفيع الدّرجة.
ـ مسؤول حزبيّ أمـّـيّ صنع ثروة من قبض الإتاوات. ألا تخجل من تبجـّـحك بمنصبك القذر؟
ـ تاالله لأجعلنـّـك تندم على ما قلت لمّا أعود من جسيدة. أنسيت أنـّـك كنت قمـّـاما فتوسّطت لك وجعلتك مكـّـاسا؟
قال ذلك ثمّ أخذ يجرّ الفتاتين بكلتا يديه وهو حانق ليبعدهما عنه، وكانتا في مطلع الرّبيع الذي تأخـّـر مجيئه. لكنّ العالم مظلم، مظلم، مظلم، وقاس.





أوصى دجرانة مدير المدرسة بأن يفرّق بين الأختين فوضعهما في صفـّـين مختلفين وجعلهما تبيتان في غرفتين منفصلتين. تجرّعتا لوعة الفراق وكابدتا الوحدة والحزن. وذات ليلة حضر دجرانة إلى المبيت وتوجـّـه لغرفة وعد فأخبرها بأنّ والدها وأمـّـها ينتظرانها في شقـّـة يملكها بجسيدة وأمرها بأن تغيّر ملابسها ليأخذها إليهما.
ـ وفدوى أختي؟ أين هي؟
ـ لقد أخذتها إليهما ثمّ حضرت لآخذك أنت.
خدعها، وعندما أخذها إلى شقـّـته لم تشعر بوجود والديها لكنـّـه اقتادها إلى غرفة نومه وأمرها بأن تجلس على السـّـرير إلى أن يأتيا للقائها. وفجأة انقضّ عليها انقضاض الطـّـيور الكواسر. قاومت بشراسة لكنـّـه وجـّـه إليها لكمات في البطن جعلت قواها تخور. تغلـّـب عليها. مزّق فستانها تمزيقا ثمّ اعتدي عليها بالفاحشة. مأساة مأساة؛ إنّ العالم مظلم، مظلم، مظلم، وقاس. تركها حتـّـى الصـّـباح تتخبـّـط في دمائها وتنتحب، وقبل أخذها إلى المدرسة اعتدى عليها ثانية.

ألقى بها أمام المدرسة جسدا محطـّـما وقلبا مكلوما، ينزف، وقال لها:
ـ لئن قلت شيئا ممّا حدث لأقطعنّ عرقوبك.
انتظرت حتـّـى اختفى عن ناظريها فتوجـّـهت لأختها، وقالت لها إنّ شيئا خطيرا حدث لها وطلبت منها أن تأتيَ معها على الفور لتعودا إلى قحطانة. ألـحـّـت عليها فدوى في أن تقول لها ما حدث، لكنّ وعدا لم تقل شيئا وإنـّـما اكتفت بالقول بأنّ حياتها مهدّدة ثمّ أجهشت بالبكاء ممّا أقنع فدوى بأنّ اختها قد تعرّضت لشيء قبيح للغاية. استقلـّـتا القطار عند الزّوال وبلغتا قحطانة بعد العصر. لم تقدر على البوح بما حصل لها لأمـّـها. رأت أنـّـها باتت بلا كرامة وبلا إنسانيّة. بكت وتضوّرت. كرهت الدّنيا. لم يشأ أن يعيدهما الدّربندي إلى المدرسة لمّا سمع نشيجها. وبعد أيّام من النـّـحيب والتـّـضوّر أسرّت لأختها بما حدث لها وترجـّـتها بألاّ تقول شيئا لوالديها. حزنت فدوى أشدّ الحزن ولكنّها وعدتها بألاّ تقول شيئا فخاطبتها وعد قائلة:
ـ غدا نذهب إلى الخرّوبة في الصـّـباح؛ إنـّـي مشتاقة إليها.

وحلّ الصـّـباح. توجـّـهتا وكلّ منهما ماسكة بالأخرى كما كانتا تفعلان من قبل. جلستا تحت الخرّوبة فقبّلت وعد اختها فدوى طويلا وعانقتها طويلا. لم تفهم فدوى شيئا من تصرّفها هذا. طلبت منها أن تعزف على الرباب وأن تغنـّـي فغنّت:

"يا صاح، قل لي ما هو النـّـور الذي منه حُرمت؟
حدّثتني عن الأشياء العجيبة الجميلة التي أبصرت،
فقل لي ما هو النـّـهار أخبّرك عن اللـّـيل الذي عرفت.

وعندما فرغت فدوى من العزف والغناء قالت لها وعد:
ـ إنّ في نفسي رغبة قديمة في تسلـّـق هذه الخرّوبة الدّهريّة؛ وقد جئت اليوم لأتسلـّـقها.
ـ كفـّـي عن العبث، يا وعد اختي؛ قد تقعين على الأرض فتتحطـّـم عظامك.
ـ والله لأتسلـّـقنـّـها الآن.
قالت ذلك ثمّ اندفعت نحو جذع الخرّوبة وراحت تحاول تسلـّـقه. إصرارها والحزن الدّفين في صدرها جعلاها تتسلـّـقها دون مشقـّـة. وقفت فوق غصن من أغصانها ثمّ أخرجت حبلا من تحت ثيابها. صنعت أنشوطة ثمّ ربطت الحبل إلى الغصن. أدخلت رأسها في الأنشوطة ثمّ ألقت بنفسها في الفراغ من تحتها. بقيت متدلـّـية وقد كسرت الأنشوطة عنقها وأخمدت أنفاسها.

سمعت فدوى وقوع جسمها. بحثت عنها على وجه الأرض تلمـّـسًا فلم تجدها. وقفت ورفعت يديها إلى السـّـماء مبتهلة فلامست أناملها رجليْ وعد المتدلـّـيتين الباردتين. أطلقت تغويثا وهي تلطم وجهها فهرع إليها رجال كانوا مارّين من هناك.






"كنت تجلسين، يا وعد أختي، بجانبي، في صمت، تحت الخرّوبة العملاقة، وكنت أحسّ بنظراتك الحزينة إحساسا. إنّي أحبّك يا أختي العزيزة لأنـّـك عمياء مثلي. ويلي! من يكفكف دمعي من بعدك من يؤانسني في وحدتي؟ من يسامرني؟ من يطبطب على كتفي؟ من يمنحني الأمل؟ من يضحكني من بعدك؟ من يحبّب إلى نفسي الحياة؟ من يمنحني شيئا من الحبّ؟ بل من يعزّيني فيك يا وعد أختي العزيزة؟ من يمشي معي على دروب الغموض العميق والظـّـلمة المدلهمة؟ آه! إنّي يتيمة من دونك. ما يحزّ في نفسي هو أنّي لم ألقي عليك نظرة أخيرة قبل دفنك لأنّي، كما تعلمين، لا أبصر. كلّ الأرض وكلّ الذكريات وجميع الأفكار تعذبني. أيّتها الذكريات المدسوسة في القلب؛ أنت تعذبينني كذكرياتي المحزنة المخزونة في العقل. إنـّـي أذكر عيون السّماء الزّرقاء وأذكر ظفائر شعرك الأصفر، لكن هيهات لم يبق لي سوى روع بلدي اليابسة قحطانة. كلّ مساء يهبّ النـّـسيم ثقيلا، وكلّ ليلة يرتفع زعيق السـّـكارى فيلوّث أنفاس الرّبيع. في قحطانة امتزج الفساد بغبار الشـّـوارع. أنت تعرفين المَلل وبُكى الأطفال المنتشرين في الأحياء القصديريّة وعلى الضـّـواحي الطـّـوبيّة، لكنّ الأحياء الحجريّة والمرمريّة الرّاقية متعلـّـقة بالتـّـألـّـق وتمقت ضجيج الأطفال التـّـعساء وبكاهم. الإعوال في قحطانة الدّاء والأتراح أمر مألوف وليس بالغريب أو المدهش، يا وعد أختي. وكلّ ليلة تخرج النـّـسوة للتـّـفسّح في شوارع قحطانة المغبرّة على رؤسهنّ قبـّـعات إيطاليّة يزيّنها الرّيش، ومن حين لآخر يقتاد رجل فتاة لبعض الخنادق... أمّا أنا فملازمة سريري إلاّ أنّ صرخات النـّـسوة تبلغ أذنيّ كلّ ليلة. وكلـّـما شربت ماء أرى صورتك، يا صديقتي، في الكأس.".

"ومن فترة لأخرى أرى من نافذتي فتاة تشقّ طريقها وحيدة بين السـّـكارى. أرى النـّـظرات المبهمة بقلبي، ليلا، وأمّا الأسرار الخفيّة فترويها لي نسوة الحيّ. آه! أيّتها الشـّـجاعة، أيـّـها الحلم اللـّـذيد، قحطانة نسيتكما. أعدك، يا وعد أختي، لن أضع مصيري بين يدي شخص ولن أنسى وجهك المحبوب أبدا. آه! يا دجرانة، كيف أخفيت جرمك العظيم؟ آه! يا وعد، إنـّـي أرى الفستان الأحمر الذي فيه قـُـتـلت؟ صدّقيني لم أعد أحلم بالرّقـّـة فشبابي قد أدبر وولـّـى، ما إن رحلت. العالم الذي أنا فيه مظلم، مظلم، مظلم، وقاس. ".

"ها أنذا أمشي إلى أسفل قحطانة سالكة هذي الطـّـريق وحدي وقلبي معبـّـأ ورجلاي متعبتان كليلتان وأجلس جنب السـّـاقية فأشعر بالضـّـجر؛ هل تبصرينني الآن يا وعد؟ إنّ عالمي من بعدك مظلم، مظلم، مظلم وقاس، يا أختي؛ فهل تيصرينني الآن وأنت في قبرك؟ غدا في حزني وفي صلواتي، وفي الذكرى السّنويّة لرحيلك تهبّ النـّـسائم عليّ من قبرك فأبصرك نائمة في هدوء فهل تبصرينني، يا ملاكي، هل تبصرين الآن في قبرك؟ وفي حرّ القيلولة أستلقي في فراشي فأراك أمامي فتصيبني رصاصات في القلب؛ ها هو الجرح لا زال أحمر، حاميا، داميا. غدا أزورك في وادي الرّمل حيث جبـّـانة ديباجة ثمّ أزور الخرّوبة ـ آه! إنـّـها تسمّى الآن خروبة وعد ـ ثمّ أنتقم من قاتلك شرّ انتقام وألقي به تحت أشعّة الشـّـمس الحارقة لكي تتعفـّـن جثـّـته القذرة بسرعة، ثمّ ألبس كفني وأنام مثل الميّتة إلى أن يجيئوا فيقتلونني.".





أحبـّـها غالب. دلـّـهه جمالها وعقلها لكنّ حزنها طحن قلبه. جاءها ليخبرها أنّ طبيبا مختصّا بأمراض العيون حلّ بقحطانة وفتح فيها عيادة. لم تظهر أيّ تحمّس لما قال. بقي من حولها يبذل جهودا جبّارة لإقناعها بعرض نفسها على طبيب العيون الجديد. قبلت، في النـّـهاية، لأنـّـها تحبـّـه. طلب منها الطبيب الجديد أن يُجري على عينيها عمليّة جراحيّة وأكـّـد لها أنـّـها ستستعيد بصرها. خضعت كارهة لما أشار به لعلمها أنّ العمليّة ستمنعها من تحقيق ما تتوق له نفسها...

استعادت بصرها لكنّ عينيها ما إن أبصرتا النـّـور حتـّـى عزفتا عن الدّنيا لما شاهدت فيها من قبح. تعمـّـق حزنها ثمّ انقلب انطواء خانقا. صارت تتمنـّـى أن تعود كما كانت عمياء. إنّ العالم الذي تعيش فيه مظلم، مظلم، مظلم، وقاس. لقيت ابن الدّبـّـاغ شابّا وسيما لكنّها خائفة. جاءها غالب وقد برّح به الشـّـوق إليها. جلس جنبها وقال لها:
ـ حبيبتي الغالية؛ أعشق عينيك وذلك الإشعاع الخارق من النـّـار الذي ينبعث منهما. عندما ترفعين إليّ حاجبيك الرّقيقين يومضان مثل البرق فأنصعق. عندما أجلس حولك أتذوّق السـّـحر الصّرف وعندما تلقين عليّ نظرة أنصهر في لهيب دائم مثل الفولاذ.
ـ وأنا أحببت عينيكَ ما إن رأيتهما، وحين ألقي عليهما نظرة تتمزّق روحي من فرط سوادهما الكثيف السّاحر.
ـ الحزن، يا حبيبتي، والعاطفة الجيّاشة وتلك النـّـظرات العميقة تجعل الحياة عارية أمامي.
ـ وأنا، يا صديقي، أعيش في الأعماق وأعشق الأعماق فليت أنّي أبقى في أعماق قلبك إلى الأبد.
ـ في عمق عينيك أرتجف يا فدوى... لكنّ نظراتك إليّ تجعلني أستوعب ذاتي، وفي هذا الظـّـلّ العميق الفتـّـاك الذي في عينيك أنا منهَـك مثل شعوري وحواسّي.
ـ وأنا في حبّك منهَـكة مثل وجعي النـّـاتج عن فقد اختي. وفي هذه اللـّـحظات السّاحرة لم أكن أبدا دون انفعال وأعجب دوما بحديثك حتـّـى تنهمر الدّموع من عينيّا.

وبعد ردهة من الزّمن حدّثته عن السـّـبب الحقيقيّ لمقتل وعد. ثار وعضعض أنامله لأنـّـه هو الذي شجـّـع والدها على أن يرسلهما إلى المدرسة الدّاخليّة. هدّأت من ثورته فدوى وقالت له:
ـ اسمع يا غالب؛ لقد أفقت من حلم لأرى بشاعة هذا العالم الذي فيه نعيش. تصوّر أنـّـي لم أتخيّل أبدا أنّ قحطانة عارية ومقفرة. لقد رزئت والله بمصيبة أخرى عندما استعدت بصري والآن عليّ أن أنفـّـد ما كنت أحلم به ثمّ ألحق بأختي.
فهم ما تقصد وخاف عليها. وفي تلك الآونة أومضت في ذهنه فكرة وجدها عظيمة.







"كنت أعيش في عمق ذاتي ثمّ تفتـّـحت عيناي فأبصرت القذارة. لا أريد أن أبصر كما يبصر بقيّة النـّـاس بل أريد أن أبصر بطريقتي الخاصّة؛ بقلبي. ولا أريد أن أعيش مثل النـّـاس؛ أريد أن أحيا داخل ذاتي. بداخلي عالم جميل ضيّعته وفي ذهني لم تعد توجد الأفكار المحيّرة والسـّـحر الجذّاب الذي به عشت. ويحي! غرقت روحي في عالم خارجيّ ملوّث. يُقال إنّ النـّـور والغناء يقودانه ولكنّه في الحقيقة تتحكـّـم به الأطماع. العالم الذي نحن فيه مظلم، مظلم، وقاس".

"كنت أحلم بالضـّـوء اللاّمع، وأحلم بشابّ يتحدّث عنّي في إعجاب لكن عندما أجلس في عمق أفكاري تغادرني تلك المواضيع المبهجة وتغرَق روحي في حلم محزن قاتل. أحلم أنـّـي في وادي الرّمل جالسة بين القبور في جبّانة ديباجة حيث تنامين، يا وعد، والجرح الذي في قلبي ينزف دما أسود ويسيل مُحْدثا ينبوعا متدفـّـقا. العالم الذي أعيش فيه مظلم، مظلم، مظلم، وقاس، يا أختي العزيزة، بالرّغم من أنـّـي استعدت بصري.".

"غدا أسلك الطـّـريق وحدي فإذا غابت الشـّـمس أعود لأنصت للـّـيل وأسمع النـّـجوم تتناجى. سمائي، يا وعد أختي، قبر مطبق على الأرض. بالرّغم من ذلك يسألني النـّـاس: لماذا كلّ هذا الألم؟ لماذا أثقلُ قلبي وقد استعدت بصري؟ أنت الوحيدة التي تفهمين. لم أعد أنتظر شيئا من الحياة. كرهتها لقبحها. ليتني أعود لعماي يا أختي العزيزة وعد! إنـّـي أتلهّف على ماضيّ وأفكّر دوما في منحك الطـّـمأنينة، وأنت في قبرك. فإذا جلبت لك الطـّـمانينة ارتحت وحلّ بي النـّـسيان. عندها، أخلد للنـّـوم الأبديّ وتنام القوى التي تتنازع في صدري أو تغادره مع حشرجة الموت. سأموت ولكنّ ترنيم صوتك السـّـاحر بالغناء لن يفارق أذني. ولقد كتبت وصيّة طالبتهم فيها بدفني تحت الخرّوبة ونقل جثمانك من جبّانة ديباجة ليدفن جنبي لكي ننعم بحفيف أوراقها ولكي تنحني فتقبّلنا من حين لآخر.".

"ناديني في ظلمتي من ظلمة قبرك وقولي لي هل لازلت كما كنت. قولي لي: هل نجتمع من جديد؟ إسمعي! إنّ ربابتي قالت نعم، لكنّ صوتها ممزوج بالحزن والألم. الموسيقى تبدو للآخرين فرحا ولذة هي في الحقيقة عذاب وخراب. ها أنذا أعزف حتـّـى الفجر وقد أشعلت الشـّـموع ولم أطفئها. الشـّـمس هي التي انطفأت في قحطانة. توقـّـف إشعاعها على البيوت والرّؤوس. كنت أعلم أنّ الكرب لن يتركني يا وعد، عزيزتي؛ كنت أعلم أنّ الشـّـجن سيلازم رنين ربابتي. صداقتنا، أنا وانت، فيها إعجاز؛ إنـّـا معا بالرّغم من وجودك في قبرك، وسنظلّ معا حتـّـى تتكشـّـف السـّـماء."

"غدا يكون آخر صباح في حياتي. آه! أيـّـتها السـّـعادة؛ يا وجع القلب! يا وعد أختي! سأغادر أشعـّـة الشـّـمس! سأترك عطر الأشجار! ما أعمق الهذيان وما أسوده في قحطانة! لكم حجب المرتفعات المقمرة! من يريدنا أو يحبّنا؟ من يضيء وجهينا مكتئبين؟".







تسلـّـح غالب بقضيب غليظ من الفولاذ وسار في المدينة، في وضح النـّـهار، باحثا عن مسؤول اللـّـجان الحزبيّة المحلـّـية، دجرانة. لمح الكسوة الرّمادية واقفة أمام المقهى. اقترب منها خفية، وحين أخرج يونس دجرانة السـّـاعتين الذهبيّتين وراح يحدّق فيهما ويقارنهما بساعة معصمه، وقف غالب من ورائه. كان دجرانة غافلا تماما عن كلّ حركة من حوله وهو يحدّق في ساعاته الثـّـلاث. هوى عليه غالب، في لمح البصر بالقضيب الحديديّ بكلّ ما أوتي من قوّة فشطر جمجمته إلى شطرين. ترنـّـح ثمّ تهاوى. زاده ضربة أخرى جعلت دماغه تتطاير شظايا من حوله. هجم روّاد المقهى على غالب فأمسكوا به وأشبعوه ضربا ثمّ سلـّـموه لرجال البوليس الذين حلـّـوا بالمكان على جناح السـّـرعة. علمت فدوى بما حدث فانتحبت وأعولت إعوالا ثمّ فقدت صوتها فجأة، من فرط الحزن، وصارت بكماء إلى الأبد.

جانفي 2008






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,224,630,100
- الثّقافة والدّراسات الثّقافية
- مأساة أختين توأمين: قصّة تراجيديّة
- خرّب العرّاف بيتي: فصّة
- الدّين في العلوم الإجتماعيّة: الدّين ودوره في الثّقافة
- خرّب العرّاف بيتي: قصّة
- حبّ صنعته القسوة: قصّة
- العولمة والبروبغندا الأمريكيّة وجهان للهيمنة على العالم:
- تعطّل وظيفيّ: قصّة
- أنا القاتلة
- حكم الحزب الواحد والتّعدّدية المزيّفة في البلدان العربيّة ود ...
- معنى استقلاليّة القضاء وشروط المحاكمة العادلة
- حكم الحزب الواحد والتّعدّدية المزيّفة في البلدان العربيّة ود ...
- علاقات السّلطة في المجتمع: فصل من كتاب في علم الإجتماع
- حقوق الإنسان ومضمون نظريّات حقوق الإنسان:


المزيد.....




- دافقير يكتب: صكوك الغفران الديمقراطي
- الإعلام ومصطلحاته في قاموس حديث بالعربية والإنجليزية
- فنزويلا ترغب في إرساء علاقات تعاون مع المغرب
- -صلاح الدين دميرتاش-مرشح لنيل جائزة نوبل للسلام
- ما العلاقة بين أفلام العنف والسمنة؟
- -ذا روك- يعلن عن بدء تصوير الجزء الثالث من -Jumanji- (صورة) ...
- السينما الروسية تحقق إيرادات قياسية للسنة الرابعة على التوال ...
- أفلام عربية في الصالات الفرنسية هذا الأسبوع
- بالصور.. ساجد ينصب خديجة بن الشويخ عاملا على عمالة مقاطعة ال ...
- بعد إهمال طويل.. الحياة تدب في مسرح سيرفانتس بطنجة


المزيد.....

- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزالدّين بن عثمان - مأساة أختين: قصّة تراجيديّة