أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - هايل نصر - فن المحاكمة 3 l’Art de juger















المزيد.....

فن المحاكمة 3 l’Art de juger


هايل نصر
الحوار المتمدن-العدد: 2360 - 2008 / 8 / 1 - 11:25
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


كما ذكرنا فيما سبق, فن المحاكمة من المواضيع النادر التطرق إليها. وحين تعرض لها المؤلف غي تويلييه Guy Thuillier , في مؤلفه المذكور, كان يتمنى أن تكون صفحات كتابه 800 صفحة لا 74. ولذلك نرى أسلوبه على درجة كبيرة من التركيز, بحيث أن المتخصص وحده يدرك أبعاد كل كلمة. وقد رأينا فائدة للقارئ العربي من مواضيع بهذه الأهمية. إذ أن المعني هنا ليس القاضي وحده, وإنما المحامي كذلك الذي يفيده جدا معرفة كل ما يجب معرفته عن القاضي, وكيفية إصداره حكما أو قرارا, والقارئ العادي, الذي وقف يوما, أو سيقف, أمام القاضي, وقد يتعرض لحكم أو قرار يمس حريته أو مصالحه.
ونتابع في السطور القادمة تكملة ما عرضناه في الحلقتين السابقتين. مع إعادة التذكير بأننا لا نترجم, ولا نحرّف, وإنما نحاول أن نعرض ما يراه المؤلف, ولكن بأسلوب يجهد للوصول إلى القراء ممن ذكرنا, وشرح, كلما اقتضت الضرورة, ما يتطلب الشرح. فغالبا ما تكون العبارات حمّالة معان مختلفة وعديدة, ليس من السهل معرفة أيها يقصد المؤلف, وخاصة في حالة قدومها من لغة أجنبية وثقافة مختلفة.
الفصل الرابع
الواجبات المترتبة على القاضي بصفته هذه.
يميز المؤلف بين الواجبات المترتبة على القاضي, بصفته قاض ــ سنشير إليها نحن باصطلاح واجبات الصفة ــ وبين واجباته الأدبية Déontologie (الواجبات المتربة على صفة القاضي , ليست مكتوبة: فهي داخلية, هي التجربة الحياتية الخاصة بكل قاض, ولها قيمها الروحية. وهذا غير ما يُعرف بـ"أدبيات القاضي " التي هي شيء خارجي عنه).
للقاضي مهمة. وعليه أن يكون في مستوى أعبائها : فعليه واجبات. وهو مؤطر في نصوص, وقواعد عرفية, غاليا ما تكون غير ثابتة أ وجامدة, و قابلة للتمدد , وأحيانا مجزأة, تعسفية, كما انه أسير لعلاقات غير مرئية ( محكوم بميول. وتلقن المهنة, والتدرج فيها. وبروحية الجسم القضائي).
1 ـ ملزم بالتفكير بمهنته, والتساؤل حول الواجبات المهنية المتربة على صفته كقاض, والجزء الطيع والمرن من التزاماته.
يحاول المؤلف حصر المبادئ التي تقتضيها واجبات الصفة, فيصنفها في خمسة مبادئ:
المبدأ الأول:
يربطه بمتطلبات ملف القضية. فعلى القاضي لدراسة الملف أن يعطيه الوقت الكافي, والجدية, والشجاعة الضرورية, وهذا يتطلب منه جهدا متواصلا, ويتطلب الإرادة الملائمة للقيام بالمحاكمة. والتصميم, وصفاء الذهن والذكاء. (السيطرة على الملف, شيء غير جلي دائما في القضايا المعقدة, وحتى ولو كان من قبل قضاة متمرسين وأصحاب خبرة طويلة). والإرادة الطوعية وهي ضرورة مهنية ( وهذا, كما يشير, جزء منسي غالبا).

المبدأ الثاني:
النزاهة, والاستقامة, والاستقلالية. هذه الصفات الثلاثة في القاضي الجيد متقاربة جدا ومتكاملة. ومع ذلك فكل قاض يرى فيها ما يفهمه شخصيا ( كل يفسر بحرية اليمين الذي أداه). (نعلم إن مفهوم الحكم jugement النزيه ـ حسب المادة 6 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان ــ مفهوما عائما, وحوله نقاش طويل. فبعض المحامين يرون عدم النزاهة في قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان, لان القاضي المقرر rapporteur يشارك, حسب تقليد عرفي قديم, في المداولات, وهنا يكمن الخطر.).
ويتطلب هذا من القاضي معرفة كيفية اتقاء ضغوط وتأثير الآخرين عليه, ومقاومة طرق التفكير المفروضة والسائدة, ومعرفة ما إذا كان تفكيره هو تفكيره فعلا وصادر عنه نفسه. هذا وفي المجال العملي, كما يعلن المؤلف, أن القاضي لا يملك , إن لم يكن مستقلا ويتذوق طعم الكفاح والتحدي, إلا قليلا من الحرية الحقيقية (القضاة المسترخون, أو الذين يقومون بمهامهم آليا, ليسوا نادرين) . وإذا حاول فقط أن يجاري الآخرين. ( مثلا: محاولة الالتزام بأقل قدر ممكن من المساهمة الفعلية في المداولات, كمسايرة, أو خوف, أو تهاون) فالاستقامة ليست سهلة في أوساط لا تعتبرها دائما فضيلة.
المبدأ الثالث.
أداء العدالة يتطلب نوعا مما, اسماه المؤلف, التواضع. واجب التواضع هذا لا يفهم غالبا بشكل ملائم. علما بان القاضي, ولو كان صاحب خبرة كبيرة, "حتى ولو كان عالما" يبقى غير متأكد وواثق تمام الثقة من نفسه, ومن صحة حكمه, ومقدرته على المعرفة الكاملة لنواقص الملف , ومن متانة تجربته في الحياة (عليه تعلم كيف يصبح لماحا ومبصرا بالأشياء). ويبقى غير متأكد من أساليبه في العمل, و طريقته في التفكير, وشجاعته في التلخيص. في كل نقطة من هذه النقاط (إذا ما تم تقييم القاضي دون مجاملة ) يمكن أن لا يكون في مستوى مهنته, حتى ولو بذل ما في وسعه, لا يعلم, أو لا يمكنه أن يعلم إذا ما كان قاض جيد: فحوله الكثير من القضاة دون المستوى, أو غير الموهوبين . ومع ذلك ليس من السهل معرفة حدود وأبعاد هذا التواضع الضروري, و استخدامه بذكاء لتجنب الوقوع في الخطأ.
المبدأ الرابع.
يقوم القاضي, حتى تقاعده, بدور اللاعب الذي عليه معرفة اختيار أدوات وأساليب اللعب الجيد, ليتمكن من أن يكون لاعبا جيدا, عليه أن يكون محبا للعبة, يضع فيها كل تصوراته ومهاراته , ومرونته, وحساسياته الضرورية. وان يكون مؤتمن على صورة القاضي التي يحملها ويتصف بها, بقيامة بأعباء مهامه بضمير وإخلاص, ودون إهمال أي شيء إلى نهاية تقديم الحساب النهائي. متسائلا دائما " هل أهملت شيئا؟". يقوده هذا إلى نوع من النظام الداخلي, وحتى إلى درجة من الزهد, وذلك بالرقابة الذاتية الدقيقة, والفاعلية لما يفعله, للتحكم بأفكاره, وتنظيم سلوكه, كما لو انه سيقدم عن ذلك حسابا غدا.
المبدأ الخامس.
الحذر من التجريد, ومن استبداد الأفكار, والقواعد المطلقة, والتنبه إلى أننا لا نعيش في عالم من الأفكار الأفلاطونية, وعليه أن يرى في كل قضية خصوصياتها, ما هو إنساني فيها, وان يرى في الملف حياة, والإحساس بما هو مخفي وغامض فيه. فالتجريد, والقواعدية, والعقائدية, والنظام المغلق, وتعسف القواعد القانونية المنقطعة عن الواقع, يقود إلى انحدار المهنة. وعليه أن يحمي نفسه, وان يحذر من الانفصال عن الواقع, الذي هو خلف كل آلية في التفكير ( يُذكّر برنار شينوت هواة "النظريات" بأنه لا يجب خلط الأنظمة العائدة إلى ما وراء الطبيعة بتلك العائدة إلى مهنة القاضي).
يحذر المؤلف من أغراء القاعدة, ومن أن يحصر القاضي نفسه فيها دون أن يرى غيرها. وان يتبع تلقائيا ما هو سابق عليه ( يشير باكون إلى أن: الرجوع المحدود لأحكام المحاكم يعيد الحقوق, ولكن الرجوع الكثير لهذه الأحكام يبعد عن هذه الحقوق: هذه حقيقة مستمدة من التجربة).
2 ـ الواجبات المترتبة على الصفة مبنية على هذه المبادئ. غير أن امتداداتها متغيرة ومتنوعة. الجانب المرن فيها كبير: لكل قاض مفهومه الخاص لهذه الواجبات (كل قاض حر في تفسير اليمين الذي أداه). ومع ذلك تبدو الصعوبة كبيرة في مراعاة هذه الواجبات:
1 ـ الاستقلال الذهني.
يراه في غياب " الأحكام المسبقة" والتفكير الجاهز. فمن حيث المبدأ, يجب رفض التفكير الجمعي, وعدم الاستسلام للإطراء. المطلوب التفكير بمعزل عن الآخر, حتى ولو افسد ذلك العلاقة مع البعض). والاجتهاد قدر الإمكان في الابتعاد عن الفهم الجاهز ( كثير من الأشياء الجاهزة تتسبب في تشويه الحكم, وتعيق قراءات الملف بشكل صحيح, وتثقل الفكر و تشوشه, وتفقده توازنه, بحيث تجعله يجري وراء ما هو غير واقعي ومفيد). يحث على عدم التوقف عن بذل الجهد المتواصل والعنيد لا كتساب هذه الاستقلالية. ( التي, كما يراها, غير قابلة للاكتساب قبل 30 إلى 35 سنة من الخبرة).
2 ـ النزاهة.
تتطلب النزاهة البعد عن المصالح, والتدقيق في الإثبات والنفي, والبعد عن محاباة أحد الأطراف أو التأثر به. ولكن واجب النزاهة هذا يتطلب بذل الجهود الدائمة لتملكه, والتنبه لما تبذله بعض الأطراف للإيقاع بالقاضي وحرفه عن نزاهته, عن طريق خداعه أو تضليله, ونصب الكمائن له. كما يقتضي التنبه للانقياد وراء أصحاب النظريات الجاهزة وإغراءاتها, فالتأثر يترصد دائما القاضي غير الجيد مما يخرجه عن الوكالة الممنوحة له.
3 ـ الإدراك
وهذا واجب يتطلب الفهم الصحيح, عن طريق دراسة الملف, والذهاب بعيدا في الشك, والتحقيق, وعدم تركه قبل استيعابه بشكل كامل ( غالبا ما يتطلب ذلك بين 4 و 5 قراءات لاكتشاف العيوب, واتخاذ القرار). فكثيرا ما يلف الملف, أو جانبا منه, الغموض أو بعضه, والضبابية التي لا يسهل كشفها وإجلائها, "إيجاد النقص" الذي لم يره احد, أو الذي لم يرد احد أن يراه. وكشف الحلقات الناقصة من السلسلة. في ملف معقد بعض الشيء, ليست كل الأشياء واضحة وسهلة الفهم ( يجب لذلك معرفة ما قبل و ما بعد), وأحيانا يقود تحقيق جديد إلى تشويش الرؤية ( القاضي ليس مراقبا contrôleur , فليس لديه طرق التقييم والشرح). واجب الإدراك هذا متسع جدا, ولكن القاضي لا ينجح دائما باستيعاب الأشياء في أبعادها وأعماقها.


4 ـ الشجاعة.
على القاضي التحلي بالشجاعة. شجاعة الرأي ( الذهاب عند الضرورة ضد الآخرين في المداولات والجرأة في التلخيص, واتخاذ المواقف, والشجاعة في الفصل. فكثيرا ما توجد إغراءات من جوانب معروضة ومفصلة بشكل سيء, تقود لحلول هجينة, ولتسوية مصالح بعض الأطراف بشكل معين لأسباب "واقعية" أو للملائمة. ومن المعلوم إن الشجاعة تتراجع مع التقدم في السن, وتضعف الرغبة في الكفاح والتحدي.
5 ـ المرونة, والليونة,
هذا الواجب, المنسي غالبا, المتعلق بالصفة يُبعد عن النمطية, والتقوقع ضمن نماذج "قاعدية" تكون أحيانا متعسفة, والتفكير بطريقة مجردة, تبسيطية (التبسيط يُوقع دون شك في الخطأ). فلا بد من امتلاك ذهن حاد, ومتابعة الملف بخصوصياته, ومداوراته. وان يملك القاضي القدرة على رؤية نقاط ضعفه الخاصة, والقيام بانتقاد نفسه. فالقاضي صاحب الفكر المتصلب, والأحكام المسبقة, والذي يصدق كل ما يقال, هو قاض غير كفء.
6 ـ كلمة التواضع التي سبق الحديث عنها لا يجري فهمها بشكل صحيح. فليس للقاضي أن يبالغ في تقدير نفسه, ويعتبر انه بحكم تكوينه هو قاض جيد, فعال, مكون جيدا, شجاع, ويقدّر بأنه يجسد وحده القاعدة, وبأنه يدافع عن الدولة, والشأن العام, وحده دون غيره. عليه أن لا يتمادى في هذا الاعتقاد. صحيح انه يقوم ببعض هذه المهام, ولكن عليه الاعتراف بانه غير قادر إلا على بعضها. وانه ضعيف, وغير معصوم من الخطأ. كل قاض متمرس يعلم جيدا بان حكما متقنا, مصاغ جيدا, دون أخطاء ظاهرية و مقدّر من الجميع, يمكن أن يكون حكما ظالما, خطيرا, ضار بالجسم الاجتماعي.
7ـ الاعتدال .
غالبا ما تنسى هذه الفضيلة, وهي مرتبطة بشكل وثيق بالحذر, وبالوعي بنسبية الأشياء, وبحدود الوكالات المعهودة إليه. يجب أن تكون المحاكمة باعتدال, ولكن هذا صعب, لوجود هوى المحاكمة, وللجوء القاضي إلى التلقائية كلما تقدم به السن.
يوجد دون شك نتائج جانبية تترتب على اختلاف الأجيال في الموقف المعتدل, ومع ذلك يلاحظ هنا أو هناك, انحرافات عديدة خطيرة. فن المحاكمة باعتدال لا يمارس دائما, ولا يدرك القاضي دائما النتائج المتربة على حكمه. وغالبا ما يكون بعيدا عن العالم الواقعي.
3ـ يشير المؤلف للنتائج المتربة على واجبات الصفة, مصنفا إياها كما يلي:
النتيجة الأولى
تقيد القاضي بالواجبات المتعلقة بالصفة يخلق أنواعا من الجفاء مع الآخرين, مع المجموعة التي يعمل معها, ويدخله في علاقات توتر مع أولئك الذين لا يعيرون أهمية كافية لتلك الواجبات, أو الذين لا يملكون فكرة كافية عنها(يرى القاضي ذلك حوله يوميا. طرق تعيين القضاة التي أصبحت تدريجيا متنوعة, تجعل اندماج بعضهم في المهنة غير كاف, مما يخلق بعض المشاكل في هذا المجال).
النتيجة الثانية
تقيد القاضي بالواجبات المترتبة على الصفة يفرض رقابة ذاتية على أفكاره, وعلى سلوكه. يمكن أن تتحقق هذه الرقابة بمحاسبة مستمرة لضميره ( يتلمس موقعه, ينظر نظرة نقدية لطريقته في رؤية الأمور, لطرقه في المحاكمة). رقابة تمتد طيلة العمر ( بقدر التقدم في السن, بقد ر ما تضعف الهمة في بذل الجهد, وتنمو نزعة الخلود للتلاؤم مع ما هو قائم ..).
النتيجة الثالثة
تقيد القاضي, ذاتيا, بواجبات الصفة, قد يكسبه بعض النزعات الروحية, مثل: من يُحاكِم سوف يُحاكم , وربما بأشد قسوة مما حاكم به الآخرين. فالمحاكمة الجيدة يمكن أن تقود إلى بعض وجوه الرقابة الطوعية , والزهد. من حيث المبدأ, يمكن اعتبار القاضي رجل دين" في واجبه". رجل واجبات. علاقاته مع الله "معقدة" بالضرورة لأن (الله وحده القادر أن يقيم عدالة كاملة. لأنه وحده من يملك علم العدالة. الله يعلم ظلم أو عدم جودة أحكامي, وكل الأحكام, ويعلم كل شيء عن مهنتي ..). ويسجل المؤلف هنا بأنه يمس مسائل, يُفضّل السكوت عنها, ولكنها موجدة رغم ذلك عند العديد من القضاة.
الحدود المقيدة:
من الضروري معرفة الحدود الواردة على ما سبق ذكره. فعدم معرفة ذلك ورفض الاعتراف به يقود مباشرة للوقوع في الخطأ. ويبحث المؤلف عن توضيح هذه الحدود المقيدة فيحددها في خمسة أنواع:
1 ـ تلك المتعلقة بالوكالة الممنوحة للقاضي, والتي هي غير واضحة, و تعود فقط, في الأشياء المهمة, للعرف. ولتقاليد الجسم القضائي. يتساءل القاضي: ماذا عليّ أن افعل؟ ماذا أستطيع أن افعل؟ أمور ليست في غاية الوضوح. (ما هي حدود وكالتي عندما يوجد نقص في القانون, أو قاعدة قانونية مهملة التطبيق؟).
2 ـ تلك المتعلقة بمقاومة الملف للقاضي, بما يخفيه عنه عمدا, أو عن غير قصد. فقضاة الدرجة الأولى يهملون, كليا أو جزئيا, عدم وضوح أو عدم صرامة القاعدة القانونية. وهذا يقود إلى الاحتمالية, أو الشك, الذي هو خلف كل حكم. وعليه يعلم القاضي بالخبرة بان لا يوجد شيء أكيد, وبان الحقيقة , في مبدئها, غير قابلة للوصول أليها بسهولة. وبان الاحتمالية وحدها يمكن أن تزود القاضي بقواعد الوصول أليها. ومع ذلك لا يحب أحد التحدث عن الاحتمالية.
3 ـ تلك المتعلقة بما يعيب الأحكام, وبضعف الإيضاحات المتحصل عليها. التردد, القلق, التذبذب, قد يوصل القاضي إلى لحظة يتخذ فيها موقفا إلى جانب احد الأطراف.
القاضي قليل المهارة وحده من تتكون عنده القناعة, والاعتقاد بامتلاك الحلول الصحيحة, معتمدا دون كبير حرج على "السوابق". لا يعترف بالجهل الضروري, و لا يعرف التواضع, لا يعرف كيف يشك, أو يضع الأمور موضع الشك الذي هو "الواجب" الأول للقاضي.
4 ـ تلك المتعلقة بالتبسيط . إغواء التبسيط يوصل إلى تقليص الملف, والاختزال, وعدم التدقيق, أو طلب معلومات إضافية. والى اختيار البراهين بتعسف, واللجوء إلى نوع من الآلية,. وصولا إلى تحريف الأفكار بحذف الخصوصيات التي تميز القضية المنظور فيها عن غيرها من القضايا, رافضا رؤية النتائج البعيدة والأخطاء الممكن توقعها.
استمراء التبسيط يمكن شرحه بالتأثر بالجماعة (يعمل مثل ما يعمل الآخرون) , وبنفس عاداتهم بالعمل, (يفكر مثلما يفكرون و بشكل قطعي, لا يبحث عن التعمق, واخذ الملف من الداخل) عبر الاعتقاد بمبادئ عامة دون تمعن أو تمحيص عند اللجوء إليها. ( محاولا إدخال القضية مجال البحث ضمن إطار هذه المبادئ) يمكن لما سبق عرضه أن يوصل إلى قرارات غير صائبة بما فيه الكفاية, والى فعاليات مشكوك فيها ( حتى ولو كان الفقه غير منازع فيه).
بقدر ما يلجأ القاضي للتبسيط بقدر ما يبتعد عن العمل الواقعي. التبسيط يقود إلى قرارات ظالمة. ولكن, على من يؤمن بضرورته, في قضايا معينة, أن يعلم المقدار الضروري من التبسيط المراد اللجوء إليه, وعدم اعتياده تلقائيا خلال العمل.
5 ــ تلك المتعلقة بالزمن. القاضي أسير طريقته في المحاكمة, وطرق استدلالاته واستنتاجاته. أسير مراحل عمره, وهمومه, وطرق تفكير "جيله". المحاكمة مرتبطة بالضرورة بتواريخ محددة. والمدد المحتملة للحكم غالبا ما تكون قصيرة. وهذا ضاغط وصعب على القاضي.
على القاضي تلافي المبالغة في تقدير مهامه كقاص, فهو ليس إلا مجرد "أداة", وتلافي الاعتقاد بان بإمكانه إبداع شيء ما (الفنان, أو المتعهد, على سبيل المثال, قادر على الإبداع), أو على الأقل جانب الإبداع والابتكار عنده ضعيف جدا. مهنة القاضي شجية لأنه غير قادر على خلق أي شيء. يتبع .... د. هايل نصر.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اتحاد متوسطي أنّت لولادته شعوب الضفة الأخرى
- فن المحاكمة 2 l’Art de juger
- فن المحاكمة L’art de juger 1
- مغترب على أبواب عطلة صيفية Vacances
- ساركوزي و أفول -السياسة العربية- لفرنسا
- في القضاء الدستوري 2 /2
- في القضاء الدستوري./1
- مفتاح لا يعلوه الصدأ بفعل الزمن
- امة تلفظ شبابها 3
- أمة تلفظ شبابها 2
- أمة تلفظ شبابها
- حق الدفاع في المواد الجزائية 4
- 2 الديمقراطية سعي للمساواة
- السياسة العربية. ممارسة فردية وخارج كل مساءلة.
- الديمقراطية. وبعض أوجه الحريات
- ضمير الأمة خارج فعاليات الأمة. القضاة.
- قتل طفل فلسطيني, خبر. مجرد خبر.
- رسالة من مغترب إلى الوطن
- في الشمولية.
- المرأة. المكانة المنشودة.


المزيد.....




- هل يمكن أن يصبح ناشط إماراتي مسجون رمزا لمانشستر؟
- الأمم المتحدة: لن نصدق رواية دمشق لأحداث دوما ما لم تفسح للخ ...
- الأمم المتحدة تدعو لتأمين خروج المدنيين من مخيم اليرموك
- مفوضية حقوق الإنسان: لن نصدق رواية أحداث دوما قبل سماحهم لنا ...
- تعذيب وحشي لسمكة قرش يحرك القضاء الأمريكي (فيديو)
- وسط جلسات متوترة حول سوريا.. وفاة مندوب ساحل العاج في الأمم ...
- الأمم المتحدة تبحث مع موسكو ودمشق تأمين خبراء -حظر الكيميائي ...
- اعتقال جهادي ألماني في سوريا متهم بالتخطيط لاعتداءات 11 سبتم ...
- لافروف: المسلحون في دوما كانوا على علم بوصول خبراء الأمم الم ...
- إعدام أكبر المحكومين سناً في ولاية ألاباما الأمريكية


المزيد.....

- الحقوق الاقتصادية في المغرب / محسن العربي
- الموجز في شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 / سمير دويكات
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ... / محمد عبد الكريم يوسف
- دور مجلس الأمن في حل المنازعات الدولية سلمياً دراسة في القان ... / اكرم زاده الكوردي
- المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس / سعيد العليمى
- الترهيب الرباعي وإشكالية احترام الشرعية الدولية / عبد العزيز فجال
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر / سعيد العليمى
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور / سعيد العليمى
- الجزاءات القانونية لتلوث البيئة / ليلى الجنابي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - هايل نصر - فن المحاكمة 3 l’Art de juger