أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعد محمد رحيم - هنتنغتون وفوكوياما ومسار التاريخ















المزيد.....

هنتنغتون وفوكوياما ومسار التاريخ


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 2236 - 2008 / 3 / 30 - 04:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقدم صموئيل هنتنغتون في كتابه ( صدام الحضارات ) فرضية أن حروب المستقبل ستكون على الخطوط الفاصلة بين الحضارات، أما مصدرها فلن يكون إيديولوجياً ولا اقتصادياً وإنما ثقافياً. ومع أن هنتنغتون يتحدث كثيراً عن التاريخ إلاّ أن فرضيته هذه تؤشر لا تاريخية نظرته بتأكيده على الجواهر الثابتة للتجمعات البشرية. وتعد هذه الأطروحة هي الأشد تشاؤماً في الأدب السياسي الرأسمالي الغربي بعد حقبة الحرب الباردة. لكن الأخطر هو إقرار هنتنغتون فرضية أخرى مكمِّلة مؤداها أن في "سياسات الحضارات لم تعد شعوب وحكومات الحضارات غير الغربية موضوعات للتاريخ باعتبارها أهدافاً للاستعمار الغربي، بل انضمت إلى الغرب باعتبارها من محركي التاريخ ومشكليه". وإذ ذاك سيؤكد التفاعل بين الحضارات وعي الحضارات بذاتها وإدراكها للفروقات بين بعضها بعضاً. فهنتنغتون يتجاوز هنا أطروحة أن التاريخ هو تاريخ الغرب، ومن صنع الغرب، ليس إلاّ، غير أنه يضع الأنا ( الغرب الرأسمالي ) مع الآخر ( غير الغرب ) أمام آفاق دامية من حروب وصراعات مرتقبة لن تنتهي.
ومن الأفكار التي يسوقها لتعزيز وتسويغ فرضيته؛ يرى "أن الفروق بين الحضارات ليست فروقاً حقيقية فحسب، بل هي فروق أساسية". ويشير إلى الدور المزدوج للغرب؛ "إن غرباً في أوج قوته يواجه كيانات ليست غربية ترغب في تشكيل العالم بطرائق غير غربية، ولديها الإرادة والإمكانات للقيام بذلك". وبطبيعة الحال فإن هذا التشكيل، على وفق تخريج هنتنغتون لن يتعدى حدود الإطار الرأسمالي، ولن يقترح نمطاً مغايراً للرأسمالية. فالمجال الحيوي للرأسمالية كان يأخذ بالاتساع منذ أكثر من قرنين من الزمان. وها هو يدّعي الامتداد على مساحة الكون كله. وقلب صورة الصراع من اقتصادي طبقي إلى حضاري/ ثقافي هو أيضاً نوع من التمويه على الانقسامات الاجتماعية الطبقية داخل المنظومة الرأسمالية نفسها، ومحاولة للجم التناقضات الداخلية. وهو من ناحية ثانية تمرير لفكرة أن لا وجود لفرضية تشكيلة اجتماعية ــ اقتصادية مختلفة وبديلة، ولنظام اقتصادي سياسي نقيض للنظام الرأسمالي. من هنا فإن فرضية ( صدام الحضارات ) هو أيضاً تعزيز لفكرة ( نهاية التاريخ ) وإن كانت توحي بغير هذا في ظاهرها. فأن نجعل للصراعات وجهاً غير اقتصادي أو طبقي معناه أن ندعم فكرة بقاء الرأسمالية إلى الأبد وإقفال التاريخ بفكرة خلود النموذج الرأسمالي. والديالكتيك الهيجلي الذي يتغيا علاقة مُرضية بين السيد والعبد، عبر طريق طويل، يصل، بمنظور فوكوياما، الذي يضع نصب عينيه هيجل، كما فسّره كوجيف، إلى الديمقراطية الليبرالية الحديثة. فمشكلة التاريخ الإنساني على حد قوله "يمكن رؤيتها بمعنى معين وكأنها البحث عن وسيلة لإرضاء الأسياد والعبيد معاً في رغبتهم بالاعتراف، على قاعدة التبادل والمساواة؛ فالتاريخ عندئذ ينتهي بانتصار نظام اجتماعي معين يحقق هذا الهدف". ولا ندري إن كانت العلاقة المُرضية تبقي السيد سيداً والعبد عبدا،ً أم لا، طالما أنه يتحـدث عن الجانب ( التيموسي ) الخاص وخلاصته أن يشعر الإنسان بحريته وكرامته ويحققهما، بناءً على قاعدة التبادل والمساواة؟. وفيما إذا كان انتصار النظام على نفسه أو على نظام نقيض؟ فالرأسمالية لا تظهر إلاّ على أرضية تقسيم طبقي وإلاّ لن تعود رأسمالية.
وفي ظل الرأسمالية لم يتحرر الإنسان.. ظل منطق السيطرة نفسه ولم يتغير سوى الشكل والطريقة، واستمرت علاقات التبعية، ولكن بشكل آخر وطريقة مختلفة. فبعدما اندثرت صورة تبعية القن للسيد الاقطاعي، ببعدها الشخصي حل محلها كما يحلل ماركوز "نوع آخر من التبعية التي تخضع المرء ( لنظام أشياء موضوعي ) القوانين الاقتصادية، السوق، الخ". وتتقنع هذه التبعية بالعقلانية "عقلانية مجتمع يدافع عن بنيته الهرمية ويستغل في الوقت نفسه وعلى نحو أنجع باطراد الموارد الطبيعية والفكرية ويوزع على نطاق متعاظم باستمرار أرباح هذا الاستغلال". فقد وجدت عقلانية تكنولوجية تحمي نظام السيطرة والتبعية وتبرر منطقها.. توفر من جهة الرفاهية وتزيد من إنتاجية العمل، ومن جهة ثانية يصبح لوغوس التقنية لوغوس العبودية المستديمة. وهنا يصل ماركوز إلى استنتاج أنه "قد كان في الإمكان أن تكون قوة التكنولوجيا قوة محرِّرة عن طريق تحويل الأشياء إلى أدوات، ولكنها أصبحت عقبة في وجه التحرر عن طريق تحويل البشر إلى أدوات" ليغدو الاغتراب مركباً، وعلاقة المرء مع ذاته والمجتمع أشد التباساً.
من هنا يمكن قراءة كتاب ( صدام الحضارات ) كونه الوجه الآخر لكتاب فوكوياما ( نهاية التاريخ ) أو هو مكمِّل له. فالمسكوت عنه في الكتاب الأول هو أن المؤلف يبغي إعلامنا أن الرأسمالية الغربية حققت نصرها النهائي. وإذا كان لابد أن تخوض صراعاً ما فإن العدو هناك في الخارج. فهنتنغتون يريد إقفال التاريخ في الغرب أيضاً حيث يبقى قوة قرار سياسي واقتصادي وثقافي وعسكري كوني لا تضاهى. ومن جهة ثانية يريد أن يقول أن لا خطر في الداخل، ومن الداخل؛ لقد جرى تصفية العدو الداخلي.. هذا ما يقوله لا وعي نصه وإن لم يصرّح به. فأن تجري الصراعات على الحدود الثقافية فهذا يعني أن الغرب الرأسمالي له ثقافته الفريدة المتجانسة التي تجعله كتلة واحدة صلدة في مواجهة كتل أخرى ثقافية متجانسة صلدة ومختلفة ( الإسلام الأصولي، الشيوعية الكونفوشيوسية الصينية، الخ ).
تقرّب مقولة ( نهاية التاريخ) الفكر الرأسمالي أو تُدخله في الفضاء الديني. يكف الفكر عندئذ عن أن يكون مقترحاً تاريخياً، ويتخلى عن نسبيته، أو عن بعده العلمي وواقعيته ويتطوب.. كانت الشيوعية الأرثوذكسية كذلك وها هي الرأسمالية تحذو حذوها بردائها الليبرالي وأفقها العولمي.. لكن، ليس ثمة من نظام اقتصـادي ــ اجتماعي خالد. ومقولة ( نهاية التاريخ والإنسان الأخير ) خرافة محض، والرأسمالية نفسها تغيرت خلال قرنين، في جزء مهم من بنيتها وأدائها، على الرغم من حفاظها على جوهرها، ووظائفها الرئيسة.. إن اندماج أعداد متزايدة من البشر في نسيج النظام الرأسمالي، فاقدين بعد النفي وقد ارتبطت مصلحتهم بمصلحة النظام يجعل من النظام ذاته مختلفا،ً نسبياً، عن ذاك الذي تحدث عنه ماركس.
لا تقترح الرأسمالية نظاماً سياسياً واحداً، هي التي أفرزت الديمقراطيات الليبرالية والنازية والفاشية والأنظمة الديكتاتورية العسكرية بأقنعة متعددة متباينة. وأحياناً متضادة ومتصارعة. ولأنها مرنة، مطواعة، متقلبة، تمتلك القدرة على استيعاب أشكال من الأنظمة السياسية بشرط أن تحافظ هذه الأنظمة على جوهر الرأسمالية المتمثل باحترام الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والحرية الاقتصادية ( حرية المزاحمة ) بهذا القدر أو ذاك، والسعي نحو الربح المادي. كما أن النظريات كافة، وقد أثبتت التجارب ذلك، تتكيف مع الرأسمالية فضاءً ووجوداً وفكراً، بما فيها الدينية، أو تكيفها الرأسمالية، تتعايش معها وفي ظلها، تكون جزءاً من نسيجها، مهيأة، إن لم نقل للذوبان أو التعاشق، فلنوع من المسايرة أو التواطؤ، إلا الماركسية ولذا فيبدو وكأن شبح ماركس وحده، هو ما يخيف في نهاية المطاف. واليوم، لن نستطيع أن نفكر بالرأسمالية، حتى بعد مائة وخمسين سنة على صدور البيان الشيوعي من غير التفكير بالشبح المتنقل، ليس في أوروبا وحدها، وإنما في العالم كله.. الشبح المترصد والمتربص والواعد.
صحيح أن الرأسمالية أثبتت أنها أقوى مما تصور ماركس، وكانت مارداً ولكن ليس بأرجل من طين كما أخبرنا لينين. وهي في كل مرة كانت تمضي خطوة أبعد لتأكيد سطوتها، وهذا يعني أنها لم تستنفد بعد مسوغاتها التاريخية، ولم تؤد مهمتها التاريخية كاملة التي كان ماركس على وعي شديد بها. وها هي تقترح مرحلة جديدة في تطورها تسميها العولمة. واليوم وعت الرأسمالية ذاتها أكثر، وحتى بمعونة التصور الماركسي. وهذا الوعي ساعدها في التعامل مع أزماتها، من طريق إيجاد حلول لبعضها، والمعايشة مع بعضها الآخر، وإدارة تلك الأزمات بنجاح لا بأس به في أغلب الأحيان. وإذا كان المنطق التاريخي الذي يقول بالتحول الدائم للمجتمع والعالم لا يبيح لنا الركون إلى فرضية نهاية التاريخ فإننا بالمقابل لا نعرف متى ستكون هناك الانتقالة الحاسمة نحو نظام اقتصادي ــ اجتماعي جديد، وتشكيلة اقتصادية اجتماعية مغايرة؟ وكيف ستحدث، وما طبيعة ذلك النظام المرتقب وتلك التشكيلة؟، بأية خريطة اجتماعية/ طبقية، وفي أي شكل مؤسساتي ستكون؟ وهل ستحصل تلقائياً نتيجة تطور القوى المنتجة والمعارف ومن ثم تبدل علاقات الإنتاج، أم عن طريق الثورة؟. وهذه الأخيرة من سيقودها، وما هي القوى الاجتماعية التي ستكون أداتها؟. وأيضاً؛ هل العولمة هي الحلقة الأخيرة في تطور الرأسمالية؟ هل هي المقدمة الأولى لنظام مغاير سيتحقق عند مستوى آخر لصراع المتناقضات، قد لا يتخــذ دائمـاً طابعـاً مباشـراً علنيـاً وعنيفـاً؟. أو؛ هـل تستطيـع الآليـات الديمقراطيــة ( الليبرالية ) كما هي متبعة في البلدان الرأسمالية من التمهيد لمجتمع أكثر عدالة، لا بوصول القوى السياسية اليسارية إلى الحكم فحسب، بل لأن هذه الآليات ستتيح الفرصة لتحقيق مكاسب مضافة وكبيرة للفئات الاجتماعية المهمّشة والفقيرة؟.
لا أحد بمستطاعه التكهن تماماً، في راهننا المتقلب، بصورة المجتمع الإنساني بعد نصف قرن أو قرن. وقطعاً إذا ما توفرت حرية أكبر للبشر وعدالة اجتماعية واقتصادية أفضل وبيئة مشجعة لتفتح الطاقات وتلبية الحاجات الأساسية وتنمية الموارد من دون الإضرار بالبيئة الحيوية للإنسان فإن نوعاً من النظام السياسي الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن تسميته بالاشتراكي، أو أية تسمية أخرى تقترن بالعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قد يكون مختلفاً عن ذاك الذي كان في ذهن الرواد الاشتراكيين العظام منذ القرن التاسع عشر. فالرأسمالية إذ تضطر، في كل مرة إلى التنازل عن بعض امتيازات النخبة الرأسمالية لصالح الفئات والطبقات العاملة والفقيرة، إنما تعمل، على الضد من إرادتها، على هز، ولو قليلاً، أسس نظامها وبنيتها. فأي مكسب جديد يحصل عليه الإنسان الاعتيادي، أو الشعوب المستعمرة، أو الطرفية بمفهوم سمير أمين، يعد اقتراباً، وإن كان ضئيلاً، من حلم ماركس وغيره من المفكرين الإنسانيين. وفي النهاية ليس المهم أن تكون صورة المجتمع مطابقاً لأحلامنا الحالية بل المهم أن تجسد، بدرجة عالية، القيم الكبرى للإنسانية ( الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والتقدم والرقي الفكري والتعايش والسلام ) على أرض الواقع، وفي التاريخ.







الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,537,044
- المثقف ومعادلة السلطة المعرفة
- فقدان حس الحاضر
- موضوعة -السأم- في الأدب الروائي
- أفواه الزمن؛ هذا الكتاب الساحر
- شتائم ملوّنة
- مشكلاتنا ومشكلاتهم
- إيان مكيوان في -أمستردام-
- قصة قصيرة: ضاحية التيه
- هناك مع الوردة حلم زنزانة
- السرد وميثاق التخييل
- ماركس الناقد
- غوايات القراءة: -أن تحسب حصاد السنين بعدد الكتب التي قرأت-
- بحثاً عن ماركس
- رعد عبد القادر ومؤيد سامي: في ذكرى رحيلهما المبكر
- استعادة ماركس
- أسئلة عام جديد
- كاواباتا في ( العاصمة القديمة )
- أحلامنا المؤجلة
- قيم السرد بين كالفينو وإيكو
- حروب المياه


المزيد.....




- الجيش اليمني يعلن تكبيد -أنصار الله- خسائر بغارات شرق صعدة
- الصين تحذر مواطنيها من السفر إلى سريلانكا
- بدأ مجرما.. كيف غير إليوت مصيره؟
- مقترح بفرض -ودائع قبول- للتأشيرات قصيرة المدى
- 18 غارة روسية تدك أهدافا إستراتيجية للنصرة بمحيط إدلب
- مواطنة إسرائيلية تواجه السجن لدعمها داعش
- إياك وعدم الإفطار
- ترامب يعزي رئيس وزراء سريلانكا
- 10 ملايين دولار مكافأة أميركية لتعطيل شبكة تمويل حزب الله
- الغارديان ترجّح مشاركة طائرات مسيرة إماراتية في هجوم طرابلس ...


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعد محمد رحيم - هنتنغتون وفوكوياما ومسار التاريخ