أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - وعد المشهداني - الاستثمارات الأجنبية المباشرة






















المزيد.....

الاستثمارات الأجنبية المباشرة



وعد المشهداني
الحوار المتمدن-العدد: 2210 - 2008 / 3 / 4 - 03:50
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


مع تقدم العولمة تطور حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة بين البلدان منذ الثمانينات حتى وصلت نسبتها عام 2000 إلى 20% من الناتج القومي العالمي. وقد دفعت ظاهرتان إلى هذا التطور الكبير: الأولى هي هيكلة الشركات الكبرى المتعددة الجنسية حول السوق العالمية، مما انعكس في حقيقة أن الدول المتقدمة كانت منتج ومستهلك أكبر حصة من هذه الاستثمارات التي تركزت لنصفها تقريبا حول توزيع الخدمات – كالماء والكهرباء والنقل والاتصالات والتي كانت تقليديا حكومية- ونصفها الآخر نحو الصناعات الانتاجية وجزء مهم من هذه الأخيرة هو شراء الشركات العالمية لحصص في شركات انتاجية موجودة أصلا. أما تدفقات هذه الاستثمارات نحو الدول النامية فكانت ضعيفة نسبيا مع أنها ازدادت بشكل كبير من 70 مليار دولار في الثمانينات إلى أكثر من 200 مليارا أواخر التسعينات. وتوزعت هذه في الدول النامية بشكل مماثل للدول المتقدمة على قطاعات توزيع الخدمات والاستثمارات الصناعية التي تبحث عن يد عاملة رخيصة قرب أسواق الاستهلاك.
حصة الدول العربية من الاستثمارات الخارجية المباشرة في الدول النامية كانت أكثر ضعفا، إذ لم تتعد 2،5% من مجمل التدفقات إلى الدول النامية بينما يشكل ناتجها القومي تقريبا 8% من مجمل ناتج هذه الدول. وقد توقف صندوق النقد العربي عند هذه الظاهرة خاصة مع ضعف الادخار والاستثمار الداخلي في البلدان العربية (مقارنة مع مثيلاتها من الدول النامية) ومع حاجة هذه الدول إلى مزيد من الموارد لسد الفجوة الاستثمارية. وقد نشر صندوق النقد العربي دراسة قيمة عن هذا الموضوع نحفز كل المهتمين على مراجعتها.
في دراسته أجرى صندوق النقد العربي تقييما لثلاث أمور:
- الفجوة الاستثمارية، أي تقدير حجم الاستثمارات التي يجب إضافتها إلى الاستثمار المحلي بوتيرته الحالية في البلاد العربية للوصول إلى نسبة نمو معقولة للناتج القومي الإجمالي. وفي الحالة السورية، يأتي تقدير صندوق النقد العربي إلى حاجة البلاد إلى أكثر من 500 مليون دولار من التدفقات الاستثمارية الإضافية سنويا لتأمين معدل نمو وسطي هو 5،4% يوازي معدل النمو الذي يرأه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وضعت مسودته الثانية مؤخرا.
- موقع العالم العربي من تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة، التي يمكن تلخيص نتائجها كما يلي: "الدول العربية لا تشكل أسواقا مهمة بالنسبة للدول المتقدمة، وهي غير مندمجة في سلسلة الانتاج لهذه الدول. العمالة العربية ليست رخيصة نسبة لانتاجيتها (مقارنة مع بولندا مثلا). والخيار المتاح أمام العرب على المدى القصير والمتوسط هو تطوير الصناعات ذات التقنية الضئيلة والمتوسطة وخاصة رفع مقدرات المصدرين من البلاد العربية كي يندمجوا بشكل أسرع في شبكة الانتاج العالمية".
- والعوامل المؤثرة على تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى العالم العربي: أهم العوامل كان على الإطلاق هو تنوع سلة صادرات الدولة المضيفة أساسا (عاكسا أهمية عملية استخدام المصادر داخليا)، يتبعه اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (الذي دفع الاستثمارات الأوروبية إلى دول المغرب العربي)، ويأتي بعيدا بعدها تقليص الحواجز الجمركية، وسعر صرف العملة مقابل الدولار الأمريكي . أما العوامل التي لم يكن لها تأثير يذكر فكانت: معدل نمو الناتج المحلي في سنوات الأساس (ربما لتعلق هذا العامل بأسعار النفط في البلاد العربية)، ودرجة نمو السوق المالية في البلد (فمن الخطأ إذا تطوير السوق المالية قبل تطوير القاعدة الاقتصادية)، والاستقرار السياسي أو توقيع السلام مع دولة اسرائيل ( مما يدحض فكرة أن استثمارات كبيرة ستأتي مع السلام)، وكذلك إقامة سوق إقليمية كما في دول تعاون الخليج.
حاولت الدراسة أيضا الإجابة على السؤال التالي: بعض الدول العربية وصلتها استثمارات أجنبية كبيرة نسبيا، فلماذا لم يظهر فيها النمو الذي ظهر في مثيلاتها في جنوب شرق أسيا؟ إذ ليس كل استثمار أجنبي مباشر يمكن أن ينتج نموا حقيقيا. فمن ناحية يريد المستثمر أن يسترجع أكثر مما دفعه ( مما يؤدي بالطبيعة إلى ناتج مالي سلبي للبلد المضيف!!!) ومن ناحية أخرى لا يأتي النمو إلا من الآثار غير المباشرة للاستثمار أي في تحسين انتاجية عوامل الانتاج (رأس المال والعمل) بشكل عام في البلد المضيف عبر إدخال تقنيات جديدة وطرق إدارة جديدة وطرق تصدير جديدة. وخلصت الدراسة أنه في كل الدول العربية كان أثر تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة على انتاجية عوامل الانتاج إما غير ذي عبرة (دول تعتمد على النفط أو فقط على الزراعة البعلية غير الدورية) أو سلبيا !!! (في مصر والأردن وتونس، كل لأسبابه الخاصة). وختمت الدراسة بالتوصية بأن منح الامتيازات للاستثمار الأجنبي المباشر غير مفيد بل يمكن أن يكون ذو أثار سلبية، إلا في حالتين اثنين: إذا كان هدف الاستثمار هو التصدير أساسا مجبرا المستثمر أن يكون أكثر انتاجية وأكثر ابداعا، والثاني عندما يكون الفارق التقني بين المستثمر والصناعة المحلية كبيرا (أي في التقنيات العالية جدا وحتى المتوسطة).
هناك عوامل أخرى لم تستطع دراسة صندوق النقد العربي التوقف بالتفصيل على آثارها، ولكن تطرقت لها دراسات البنك الدولي والتقرير عن القدرة التنافسية للعالم العربي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وتقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وقد عددت محاضرة حديثة لمسؤول مؤسسة التمويل الدولية عن العالم العربي، ما يحبط الاستثمار المنتج في البلاد العربية وهي العوامل التالية وحسب ترتيب الأهمية:
- عدم وضوح السياسات الاقتصادية والمالية العامة،
- الفساد، وبالأخص النظام القضائي الاعتباطي والمعقد، و"الكلف الثانوية" الكبيرة على الشركات المستثمرة والمماطلة في الإجراءات الجمركية،
- بنى تحتية غير مناسبة، من ماء وكهرباء واتصالات كما ونوعا.
وتم التأكيد مرة أخرى من قبل البنك الدولي أن الحوافز الضريبية ليست لها تلك الأهمية.
تجارب مشاريع المناطق الاقتصادية الخاصة العالمية:
تعددت التجارب خارج البلدان العربية في مشاريع المناطق الاقتصادية الخاصة وتفاوتت بشكل كبير درجات نجاح هذه المشاريع مما مكن الأخصائيين من تحليل أسباب النجاح والفشل حسب خصائص معينة.
القدرة على استجلاب القطع الأجنبي:
إحدى الفوائد الكبرى المنتظرة من هذه المناطق هي قدرتها المرتقبة على تأمين فائض من القطع الأجنبي من التصدير يساعد البلد المعني على تأمين حاجة بقية البلاد من الاستيراد ورفد الحكومات بقطع يساعد على تمويل المشاريع التنموية. ولكن حتى يتأمن ذلك يجب من ناحية أن يكون هناك آلية لصرف القطع لدفع أجور العمال وبقية مستلزمات الانتاج المحلية مثلا، ومن ناحية أخرى يجب أن تكون نسبة الصادرات الصافية إلى الصادرات الإجمالية كبيرة. إذ أنه في كثير من الحالات التي أدت فيه هذه المناطق إلى قفزة فعلية في التصدير الإجمالي قامت الصناعات باستجلاب معظم موادها الأولية من الخارج ودفعت معظم معاشات الخبراء العالية بالقطع، فلم تتعدى نسبة الصادرات الصافية إلى الإجمالية إلا 10 أو 20%. وقد شجع عدم تحديد حجم أدنى للاستثمار أو للصادرات للمنشأة التي يمكن قبولها في المنطقة الخاصة على تمركز ليس فقط الصناعات الرئيسية بل كل الصناعات الرديفة فيها مما أفقد هذه الصناعات الرديفة إمكانية تصدير منتجاتها إلى المنطقة الخاصة بالقطع ورفد البلاد بهذا القطع.
فقدان مصدر للضريبة لحكومة البلد:
تختلف الميزات الضريبية كثيرا بين المناطق الخاصة العالمية. ولكن فعالية هذه الميزات ليست كبيرة في الوقت الذي تشكل فيه خسارة كبيرة للبلد. فمن ناحية الضريبة على الأرباح، لن تدفع أغلب الشركات بكل الأحوال مبالغا كبيرة مهما كانت المطارح الضريبية إذ أنها تستطيع عبر ميكانيكيات الأسعار وعبر دفع الجعالات royalties إلى الشركات الأم تقليص أرباحها الحقيقية. ويمكن لهذا الأمر أن يؤدي عمليا إلى تحويل فعلي للضريبة من البلد الذي يتم الانتاج فيه إلى البلد الذي سجلت فيه الشركة الأم والتي تدفع فيه ضريبتها على الأرباح. من ناحية أخرى، تشكل الضرائب غير المباشرة جزءا أساسيا من واردات خزينة البلاد النامية أكبر بكثير من ضريبة الأرباح (وهذه حالة سورية مثلا)، وخلق عدم توازن كبير بين شركات المنطقة وشركات الداخل في مجال الضرائب غير المباشرة يشكل عائقا أساسيا أمام اندماج شركات الداخل في العملية الانتاجية لشركات المنطقة.
أثر الاستثمارات الخارجية المباشرة كمحفز:
في الوضع الأمثل، تقوم في هذه المناطق صناعات تشكل "محفزا" للمستثمرين المحليين، بكونها سباقة في صناعات تصديرية غير تقليدية وبحضانتها لتقنيات وطرق تسويق وطرق إدارة وتصدير، تحفز المستثمرين المحليين على مقارعتها. وهناك أمثلة ناجحة في بعض المناطق الخاصة (مثل موريسيوس) ولكن هذا لم يكن بأية شكل هو القاعدة، وأغلب حالات النجاح قامت على تعاون وثيق بين المستثمرين المحليين والخارجيين في المناطق الخاصة نفسها. ويقلل الاتجاه العالمي الحالي من انتشار لتقنيات المعلومات واندماج للأسواق الإقليمية من هذا الأثر "المحفز" في الصناعات التي ليست لها كثافة رأسمالية كبيرة.
نقل التقنيات وانتشار المعرفة والوصل الداخلي:
ويعنى هنا بالوصل الداخلي Backward Linkage استخدام منشآت المنطقة للمصنعين المحليين لشراء مستلزمات إنتاجها لجزء ملموس من القيمة المضافة من المنتج النهائي، مما يخلق وصلا صناعيا بين منشآت المنطقة الخاصة والصناعة المحلية. والتوقع هنا أن ترفع هذه الآثار من سوية الشركات المنتجة في البلد المضيف بشكل عام لإمكانها على المدى البعيد من لعب دور تنافسي أكبر في الأسواق الإقليمية والعالمية. والنتيجة العامة لكل التجارب في هذا المجال كانت أقل بكثير من التوقعات، وتبعت النتيجة عمليا "فرضية قدرة الاستيعاب": إذا كان الفرق التقني بين شركات المنطقة وشركات الداخل كبيرا فلن تكون شركات الداخل قادرة على الاستيعاب وعلى الوصل الداخلي. كما أن سياسات الشركات العالمية لا تشجعهم بشكل تلقائي على استخدام الموردين المحليين، وهم يفضلون التعامل مع موردين عالميين أكثر اندماجا بأعمالهم الإجمالية وأكثر مرونة.
الحالات التي نجحت فيها هذه الآثار هي الحالات التي كانت فيها قاعدة الصناعات المحلية أصلا قوية، والحالات التي قامت فيها الحكومات بسياسات اقتصادية وتقنية مشجعة في الداخل كي تمكن صناعات هذا الداخل من استيعاب التقنيات الجديدة بسرعة لتمكينها من الوصل الداخلي. وفي حالات أخرى كانت هناك نتائج إيجابية عند مشاركة مستثمرين محليين ينزعون إلى الاستفادة من منشآتهم الداخلية.
الأثر في توظيف العمالة المحلية والوطنية:
عدا حالات نادرة، لم تتعد نسبة عمالة المناطق الاقتصادية الخاصة بعد 10 سنوات من إطلاقها 1 أو 2% من قوة العمل في البلد المضيف. النجاح في هذا المجال أتى أساسا من الآثار غير المباشرة للمناطق الخاصة أي عبر الوصل الداخلي وتشغيل العمالة في الصناعات الرديفة الداخلية. وقد أشارت كذلك الدراسات إلى أنه في كثير من الحالات كانت نسبة النساء كبيرة في العمالة المشغلة في المناطق الخاصة مع أجور ضعيفة، وكان معدل تغيير العمالةturn-over كبيرا نسبة لمثيله في القطاع الخاص الداخلي.
تطوير الرأسمال البشري:
اختلفت النتائج أيضا في هذا المجال، وتعلق نجاحها بعاملين أساسيين: درجة تطور تقنية العمل في منشأت المنطقة الخاصة ومستوى التعليم والتدريب الأساسي للعامل الذي يتم تشغيله. وتطوير الرأسمال البشري كان مثاليا عندما لم تكن تقنية المنشأة أعلى بكثير من مستوى التعليم والتدريب الأساسي لقوة العمل في البلد بحيث يكسب العمال الخبرة ويحسنوا من انتاجيتهم في الفترة القصيرة الأولى من العمل في المناطق الخاصة.
قوانين الأجور والعمل والسلامة:
أحد المزايا الأساسية في المناطق الاقتصادية الخاصة يكمن في تحرير منشآت هذه المناطق من قوانين العمل في البلد المضيف وإعطاءها مرونة أكبر لامتصاص أية تغيرات في أسواقها عبر تغيير حجم عمالتها. ولكن أثر هذا التحرير أو عدمه كان مختلفا حسب التجارب:
- فقد ظهر أن وجود حد أدنى للأجر في البلد المضيف لم يؤثر فعليا على مستوى الأجر في المناطق الخاصة، سواء فرضت الحكومات المضيفة هذا الحد الأدنى في المناطق الخاصة أم لا.
- وكان مستوى الأجور وسطيا أعلى منه قليلا (10 إلى 30%) في المناطق الخاصة من داخل البلد المضيف، مع تغير الأجور كثيرا مع تنوع حجم المنشآت في المناطق، وجنسية شركاتها الأم، وسياساتها الداخلية، ونوعية الصناعة وسوق العمل ومؤسساته في البلد المضيف.
- تحرير المناطق الخاصة من قوانين العمل في البلد المضيف خاصة فيما يتعلق بإمكانية فصل العمال بسهولة ومنعهم من التنظيم النقابي، كان في معظم الحالات أحد الحوافز الرئيسية للاستثمارات الخارجية المباشرة في هذه المناطق. ولكن لوحظ أنه حتى في حالات عدم وجود هذا التحرير لم تستطع سلطات البلد المضيف عمليا من التدخل الفعلي في المناطق الخاصة لفرض تطبيق القانون. وقد أشار معظم الخبراء – وحتى الأكثر ليبرالية بينهم- أن لاحترام حقوق العمل في المناطق ولوجود ظروف عمل جيدة أهمية كبيرة في تحسين انتاجية العمل وتقليص معدل تبديل العمالة.
- من العوامل الهامة في تحسين إنتاجية العمل، داخل وخارج المناطق الخاصة على السواء، تطبيق قوانين الصحة والسلامة ومكافحة الحريق، وكذلك الإطعام الصحي في موقع العمل ومراكز العناية بإطفال العاملات وغيرها.
الأمور المتعلقة بالبيئة:
لقد لفت الخبراء الانتباه إلى أن التقاعس في تطبيق القواعد البيئية في المناطق الخاصة قد يمكن أن يؤدي إلى تمركز بعض الصناعات الملوثة في هذه المناطق، سواء للتلوث الهوائي ولتلويث مياه الصرف. من ناحية أخرى وفي البلاد التي لا تطبق فيها أصلا قواعد محافظة على البيئة داخل البلد، تشكل المناطق الخاصة فرصا لتطبيق قواعد أكثر صرامة تتناسب مع القواعد العالمية، إلا أن هذا قد يشكل كلفة إضافية على الصناعات التي ستقام في هذه المناطق.
المناطق الاقتصادية الخاصة والمناخ الاقتصادي العام في البلد المضيف:
نجاح المناطق الاقتصادية الخاصة وثيق الصلة بوضوح واستمرارية السياسات وبصحة المناخ الاقتصادي وسياسة الصرف في البلد المضيف. ويتفق الخبراء على أن النجاح يأتي عندما تأتي هذه المناطق ضمن برنامج إصلاح اقتصادي شامل. لكن هناك مدرستان مختلفتان حول هذا الموضوع. إذ تصر المدرسة الأولى على دور المناطق الخاصة كنموذج لتحديث الاقتصاد، إذ يشجع نجاحها على إصلاح السياسات الاقتصادية والتجارية في الداخل، وتكون الميزات التي تعطى في المناطق الخاصة نموذجا للمناخ الاستثماري العام الذي يرجى تطبيقه في البلد ولكن يصعب إطلاقه دفعة واحدة. أما المدرسة الثانية فترى أن في إطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة هروبا سياسيا من إجراء إصلاح اقتصادي شامل في البلد المضيف يعطل على المدى الطويل الإصلاح الاقتصادي، خاصة عندما تتخطى ميزات تلك المناطق أي إمكانية دمج مستقبلية بين هذه المناطق والداخل. وكثيرا ما تؤخذ تونس كمثال على ذلك. ويشير أتباع هذه المدرسة أن انخفاض تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى أية بلد لا تعالج عبر المناطق الخاصة في النهاية، بل بمعالجة الأسباب الحقيقية لانخفاض الاستثمارات. إذ أن انعدام التوازن بين المناطق الخاصة والداخل سيأتي بثلاثة مشاكل إضافية: أولا سيعمق من سياسات الحماية الداخلية ومن السياسات الانتقائية في البلاد، ثانيا يمكن للمحفزات في المناطق الخاصة ألا تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية WTO وأخيرا ربما لن تحل المناطق الاقتصادية الخاصة مشكلة عدم جاذبية البلد للاستثمارات الخارجية المباشرة على المدى البعيد.
المناطق الاقتصادية الخاصة واتفاقات التجارة الحرة الإقليمية والعالمية واتفاقات الشراكة التفضيلية:
أظهرت التجارب أن هذه العلاقة معقدة ولها وجوه متعددة. نوعية الصناعات وتماشيها مع الأسواق التفضيلية له أهمية خاصة، كما أن الميزات التفضيلية لهذه المناطق تنطرح في هذا النطاق ليس نسبة للبلد المضيف فقط وإنما نسبة لكل المنطقة الإقليمية التي يتم تحرير التجارة فيها أو التي معها اتفاق تجارة تفضيلية، كما تطرح مساءل خاصة "بشهادة المنشأ".
ولكن هناك مشكلة هامة في هذا المجال تتعلق باتفاقية التجارة العالمية الناتجة عن اجتماع أوروغواي. إذ تحد هذه الاتفاقية من سياسات دعم الصادرات، خاصة بما يتعلق بالإعفاءات الضريبية على صناعات معينة. وتصنف الاتفاقية الإعفاءات الضريبية الممنوحة إلى صناعات معينة دون بقية صناعات البلد أو الممنوحة في مناطق معينة، كالمناطق الخاصة دون بقية البلد، كسياسات دعم ممنوعة ( وهذه أكثر درجات التصنيف قسوة في معايير منظمة التجارة العالمية) . وتفرض على البلدان التي تحوي مناطق خاصة تدعم الصادرات والتي يتجاوز فيها الدخل القومي السنوي على الفرد الـ 1000 دولار (وسورية في هذه الحالة) أن تعمم ميزات المناطق الخاصة على كافة البلد أو أن تواجه إجراءات عقابية أو أن تدفع غرامات.
الإطار الإداري والتشريعي
الخيارات في هذا المجال يمكن طرحها كالتالي:
1- مناطق مغلقة أم منفتحة: من ميزات المناطق المغلقة سهولة تزويدها بالخدمات المختلقة – لأنها مجمعة- شواء إن كانت بنى تحتية أو كانت بيروقراطية، كما يمكن للحكومات قياس أثر هذه المناطق في الاقتصاد بشكل أدق. ومثال ذلك هي أولى المناطق الخاصة الصينية التي كانت مدنا كبيرة كاملة مغلقة تماما أمام بقية الصين "لتجريب الرأسمالية" فيها قبل انتشاره في البلد بشكل غير منضبط. الخيار الثاني وهو المناطق المنفتحة (يمكن أن تكون عدة منشآت معينة تابعة لقوانين خاصة منتشرة في أي مكان في البلد) التي يمكن أن يكون لها أثر أكبر في الوصل الداخلي ونقل التقنيات ودفع النمو العام في البلاد (قانون الاستثمار 10/91 في سورية هو شيء من هذا، في الحالات التي كان فيها استثمار صناعي حقيقي).
2- ابتعاد الموقع أو قربه من مناطق السكن الحضري: وهنا ثبت فشل التجارب التي تقوم في مناطق نائية بعيدا عن مناطق تمركز الصناعات وقوة العمل الرئيسية في البلاد.
3- إدارة حكومية أم خاصة: كثير من المناطق الخاصة أنشئت تحت إدارة حكومية – مثل حالات كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا الناجحة- والمدافعون عن هذا الخيار يبرزون دور هذه الإدارة الحكومية في تأمين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية لهذه المناطق: مكافحة البطالة، وجلب الاستثمارات المباشرة الخارجية، والتنمية والتوزع النوعي للصناعات. معارضو هذا الخيار يبرزون مشاكل عدم فعالية الأجهزة الحكومية، والتردد في أخذ القرارات والفساد والرشوة الذين عموا في كثير من الحالات بعيدا عن الأهداف الرئيسية. ويدافعون عن فعالية الإدارة الخاصة ومرونتها وابتعادها أكثر عن الفساد. ولفترة طويلة دافع البنك الدولي عن هذه الإدارة الخاصة. وبمعزل عن هذا الخلاف يتفق الجميع أن نجاح المشروع وثيق الاتصال بوجود إدارة جيدة good governance ونظام إداري واقتصادي فاعل، وتشريعات واضحة وشفافة، وسياسات ثابتة وديناميكية في العمل. ولهذا ذهب بعض الخبراء إلى اقتراح "مناطق إدارة جيدة خاصة" بدل المناطق الاقتصادية، تجرب فيها إدارة حكومية جيدة (مع معاشات محفزة) مع تفعيل مثالي فيها لمختلف المؤسسات الاقتصادية والقانونية والإدارية يمكن نشرها بعد نجاحها على كافة البلاد.
الاستثمارات الخارجية المباشرة ومكافحة الفساد:
حصل موضوع علاقة الفساد بتدفقات الاستثمارات على اهتمام كبير في السنين العشر الماضية. فقد تطورت من ناحية الأسس النظرية لتعريف وتصنيف أنواع الفسادcorruption (وكذلك نقيضه وهو الإدارة الجيدة good governance)، كما عملت عدة مؤسسات على إصدار مؤشرات عن الفساد في البلدان. مما أدى إلى قيام دراسات جدية عن علاقة الفساد بالتنمية وبتدفق الاستثمارات الخارجية بشكل عام. التعريف الأساسي للفساد هو "استخدام موقع المسؤولية الحكومية مقابل منافع خاصة"، ومع اختلاف الثقافات ودرجة تقبل أنواع الفساد بين بلاد العالم، برهنت الدراسات الأخيرة أن مؤشرات الفساد في بلد ما كما نشرتها المؤسسات المتخصصة المختلفة تبقى متشابهة، مع اختلاف طرق الإحصاء وتفصيلها بين هذه المؤسسات.
كما برهنت الدراسات أن هناك تأثير سلبي مباشر للفساد على تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة (وكذلك بشكل أكبر على الاستثمارات المحلية وعلى النمو). ويظهر منها أن "زيادة مؤشر الفساد في سنغافورة إلى مستوى المكسيك يعادل في تثبيطه للاستثمارات الخارجية زيادة قدرها 50% على ضرائب الدخل على الشركات"!!! بالإضافة إلى أن الفساد بعكس الضرائب لا يأتي بأي مردود إلى حكومة وشعوب الدولة المضيفة. وكذلك هناك علاقة وثيقة بين الفساد ومخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي واحتمال الأزمات المالية.
أدى كل هذا إلى توعية عالمية حول هذا الموضوع وخاصة في مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد ومجموعة البنك الدولي وكذلك الدول الكبرى، التي بعد انفضاح كثير من حالات سوء استعمال قروضها ومنحها بدأت توجها جديدا يفرض تطبيق برامج مكافحة فساد على الدول قبل منحها قروضا أو منحا جديدة. وإن كان هذا التوجه اليوم ليس بالحزم والجدية اللازمين يبقى الضوء مسلطا على الموضوع بشكل لم يسبق من قبل.


التجربة الصينية
الحالة المتميزة التي تظهر كنقيض لبراهين هذه الدراسات هي حالة الصين. وقد نوقشت هذه الحالة بشكل مستفيض، مع البرهان أنه مع حجم الصين ومع قدرتها على النمو ومع السياسة التقضيلية التي منحتها إياها الولايات المتحدة، خسرت هذه ربما نصف تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة الممكنة.
ولقد أقامت الصين مناطقا اقتصادية خاصة لجلب الاستثمارات منذ 1980، واستهدفت استراتيجيا ثلاثة أشياء: جلب الاستثمارات الأجنبية دون التأثير على الاقتصاد والسياسة المحليين (تجريب "الرأسمالية" في مناطق معزولة)، جلب الخبرات الأجنبية للتعلم منها تقنيا وإداريا، وخلق ظروف لاحتواء هونغ كونغ استراتيجيا داخل الصين. وشملت المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية مدنا ومحافظات كاملة كـ كوانغ دونغ وفوجيان وشنزين و زوهاي و شانتو. وقد تم عمدا في البدء - أي في السنوات الـ15 الأولى - إهمال شانغهاي المركز الصناعي الرئيسي للصين ، بل تحملت شانغهاي كلفة إنشاء هذه المناطق دون أن يكون لها أي مردود تنموي. ولقد أتت استثمارات خارجية مباشرة كبيرة لهذه المناطق قفزت إلى 33 سنويا في التسعينات) بحثا عن "الفعالية" (كلف يد عاملة ضئيلة مقابل انتاجية مقبولة) وعن "الأسواق" (الصين نفسها واليابان وكوريا المجاورتان والتصدير إلى بثية العالم)، وساهمت في دفع النمو في البلاد إلى المستويات التي تعرفها الصين اليوم.
المراجع وقراءات مكملة: (كل المراجع موجودة على الانترنيت)
بالعربية
1- ما هي المناطق التكنولوجية، صحيفة تشرين 30 نيسان 2003.
2- عبد الفتاح العوض: هل نحتاج إلى باب آخر للاستثمار؟!... المناطق الاقتصادية الخاصة تحظى باهتمام خاص، صحيفة تشرين ، 30 نيسان 2003.
3- برنامج الاصلاح الاقتصادي المنشور في صحيفة تشرين
4- مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: تقرير الاستثمار العالمي، الشركات عبر الوطنية والقدرة التنافسية التصديرية، 2003.
بالفرنسية والانكليزية
1. Les Investissements Directs a l’etranger, Atlas du Monde Diplomatique, 2002.
2. SADEK Ali and BOLBOL Ali: Mobilizing Capital for Arab Economic Development, with Special Reference to the Role of FDI, Arab Monetary Fund ESCWA paper, November 2000.
3. HADDAD Sami, Investment Climate in the Middle East and North Africa, 9th Annual Capital Markets Conference, Beirut, May 23, 2003.
4. MADANI Dorsati, A Review of the Role and Impact of Export processing Zones, World Bank, 1999.
5. MADANI ُDorsati, Export processing Zones, World Bank Prem Notes, December 1998.
6. FELLAH F., The Role and Activities of Offshore Companies in the Tunisian Economy, 1994.
7. LITWACK John QIAN Yingyi, Balanced and Unbalanced Development: Special Economic Zones as Catalysts for Transition, Journal of Comparative Economics, 26 (1), March 1998.
8. WEI Shang-Jin, Corruption and Globalization, Brookings Policy Brief, April 2001, no 79.
9. WEI Shang-Jin, ٍSpecial Governance Zone: A Practical Entry-Point for a Winnable Anti-Corruption Program, 9th IACC paper, 1999.
10. KAUFMANN Daniel, KRAAY Aart and ZOIDO-LOBATON Pablo, Aggregating Governance Indicators, World Bank Institute Policy Research Working Paper 2195, October 1999.
11. KANAAN Taher, The Aqaba Special Economic Zone. Economic Rationale and Conditions for Success. The Arab Bank Review Vol 2 No 2, October 2000.
12. World Economic Forum, Arab World Competitiveness Report, 2002-2003.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,591,057,209
- الخصخصة المختلفة
- التمويل الدولي


المزيد.....




- اليوم..«البترول» تصرف قرضا بـ10 مليارات جنيه من «بنوك التحال ...
- مصرفي: بعض البنوك رفعت الفائدة بدون بيانات رسمية من «المركزي ...
- نصار: مبررات الضرائب العقارية عدم الاستعانة بـ«المقيمين» غير ...
- «آبل» بدأت في إنتاج ساعتها الجديدة
- جودة: رفع الدعم عن الطاقة ليس كافيا للحصول على قرض «النقد ال ...
- ضوء الشمس... مصدر لإنتاج الهيدروجين
- اسكتلندي يبحث عن الذهب بين الجبال 18 شهرا ليصنع لعروسته أجمل ...
- «الإنتاج الإعلامي» تقطع الاتصالات عن الفضائيات المتقاعسة عن ...
- صندوق النقد يطالب بتحسين الرقابة على -النظام المصرفي الموازي ...
- المستثمرون يتمسكون بالعلاقات مع تركيا..البرهمتوشي: قطع العل ...


المزيد.....

- المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتفعيل دورها في التنمية والتشغيل ... / كمال هماش
- الاقتصاد كما يجب أن يكون / حسن عطا الرضيع
- دراسة بعنوان الأثار الاقتصادية والاجتماعية للبطالة في الأراض ... / حسن عطا الرضيع
- سيرورة الأزمة وتداعياتها على الحركة العمالية (الجزء الأول) / عبد السلام أديب
- الاقتصاد المصرى / محمد عادل زكى
- التبعية مقياس التخلف / محمد عادل زكى
- حقيقة التفاوت الصارخ في توزيع الثروة العالمية / حسام عامر
- مخطط ماكنزي وصيرورة المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب
- جرائم تحت ستار البيزنس / نوخوفيتش ..دار التقدم
- الأسس المادية للهيمنة الامبريالية في افريقيا / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - وعد المشهداني - الاستثمارات الأجنبية المباشرة